ما هو الغلوّ ، ومن هم الغلاة ؟
اعلم أنّ الغلاة فِرَق حُسبت على الشيعة في كتب الملل والنحل ، وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) ـ تبعاً لأئمتهم الأطهار (عليهم السلام) ـ براء منهم ، والغلاة إنّما ظهرت في عصر الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من أجل حبّ الجاه والمقام والإباحية ومآرب اُخرى ، ثمّ حملت عقائد فاسدة من اُلوهية عليّ والأئمة الأطهار (عليهم السلام) أو نبوّتهم ، أو نسبت الصفات الإلهية إليهم استقلالا وبالذات ، إلاّ أنّ الأئمة (عليهم السلام) أنكروا عليهم ذلك غاية الإنكار ، ولعنوهم أشدّ اللعن ، وتبرّأوا منهم ، وحذّروا الشيعة من مفاسدهم وخطرهم وألاعيبهم ، ومن بعدهم (عليهم السلام) تصدّى علماؤنا الأعلام في مصنّفاتهم ومواقفهم الحاسمة ضدّ تيّارات الغلاة وإلى يومنا هذا.
ولا يخفى أنّ أساس الفِرَق كما هو مذكور في كتب الملل والنحل ، إنّما يرجع إلى الجهل وحبّ الدنيا وزخارفها من حبّ الرئاسة والإطراء والسمعة وغير ذلك.
وقد ورد في الحديث النبويّ الشريف المشهور عند الفريقين السنّة والشيعة أ نّه : «ستفترق اُمّتي ثلاث وسبعين فرقة ، وكلّها هالكة إلاّ واحدة» ، فعند العامّة : «ما عليه أنا وأصحابي» ، وهذا مردود لاختلاف الأصحاب فيما بينهم ، وكذلك ما ورد في بعض الأخبار : «ما عليه الجماعة» ، فإنّهم لم يتّفقوا على كلمة واحدة ، ولا يصحّ صحّة الروايات جميعاً لاختلافها ، فيبقى ما ورد فيها كلمة «أهل البيت (عليهم السلام)» ، وإنّ الداني والقاصي ليشهد بفضلهم ومقامهم السامي ، كما يدلّ على صحّة ذلك العقل والنقل من الآيات القرآنية ، كآية التطهير والولاية ، وكذلك الأحاديث الثابتة المتواترة كحديث الثقلين والغدير والسفينة وغيرها.
ثمّ المراد من السبعين وما زاد ليس خصوص العدد ، بل المراد الكثرة.
ومن الفرق الأساسية الشيعة ، فمنهم من قسّمهم إلى الغالية والرافضة والزيدية ، ومنهم إلى خمسة وعشرين فرقة ، ومنهم من زاد حتّى أوصل فرق الغلاة إلى اثنتين وستّين ، ومنهم إلى مئة فرقة ، ومنهم من زاد . وإنّما تكثّرت فرق الغلاة لعلل وأسباب مذكورة في محلّها ، وتسمّت بأسماء باعتبار عقائدها الفاسدة ، أو أصحابها وروّادها الأوائل.
والغلوّ على وزن فعول مصدر (غلى يغلو) ، وهو لغةً : بمعنى الإفراط والارتفاع وتجاوز الحدّ في كلّ شيء والخروج عن القصد ، ولو زاد ثمن المتاع عن المتعارف في الأسواق فإنّه يُسمّى (غالياً) ، وإن تجاوز العصير عند إسخانه عن حدّه يعبّر عنه بالغليان ، والسهم الذي يتجاوز القوس يسمّى بالغَلو ، ومنه (غلوة سَهم) ، فتستعمل كلمة الغلوّ فيما يتجاوز عن حدّه مع الإفراط ، وربما يستعمل مع التفريط أيضاً.
وقد ذكر الغلوّ في القرآن الكريم في أربع مواضع ، في آيتين بمعنى الغلوّ في الدين ، وفي آية بمعنى الفوران والغلي في وصف شجرة الزقّوم ، واستعمل في الروايات والأخبار بالمعنيين أيضاً.
والمراد من الغلوّ اصطلاحاً هو المروق والخروج عن الدين والانحراف عن مذهب الحقّ باعتقاد الإلوهيّة في شخص أو حلول الله فيه ، ويسمّى بالغلوّ في الذات ، أو اعتقاد من لم يكن نبيّاً أ نّه نبيّ ، أو نسبة الأوصاف الإلهية كالعلم الذاتي المطلق والخالقية والرازقية على نحو الاستقلال وبالذات لغير الله ، ويسمّى : الغلوّ في الصفات.
فينقسم الغلوّ حينئذ إلى قسمين : الغلوّ في الذات والغلوّ في الصفات ، وكان الغلوّ بقسميه في الاُمم السابقة قبل الإسلام كما كان بعده ، فمن يرى الاُلوهيّة في شخص كالعزير بن الله عند اليهود ، أو المسيح عيسى كما عند النصارى ، أو عليّ بن أبي طالب كما عند الغلاة ، فهذا من الغلوّ في الذات ، ومن يرى الصفات الإلهيّة على نحو الاستقلال وبالذات لواحد من البشر ، فهذا من الغلوّ في الصفات ، ولكن من يرى ذلك لشخص في طول الله لا في عرضه حتّى يلزم الشرك ، وأ نّه بإذنه وبالتبع لإرادته سبحانه ، كأن يخلق من الطين طيراً بإذن الله عزّ وجلّ ، فهذا من الحقّ الحقيق ودونه من التقصير والتفريط . وما نقوله في أئمّتنا (عليهم السلام) إنّما هو من هذا الباب.

 

الهوامش

[1] أشرت إلى ذلك بالتفصيل في رسالة (ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟) ، فراجع.