الغلوّ في الصفات:

ثمّ الغلوّ في الصفات قد اختلف علماؤنا الأوائل في بطلانه ، وفي بداية الغيبة الكبرى وقع نزاع بين مدرستين :
1 ـ المدرسة البغدادية : التي تتمثّل بالفقهاء الفطاحل والمحدّثين الكبار كالشيخ الكليني والشيخ المفيد وشيخ الطائفة وعلم الهدى عليهم الرحمة ، وغيرهم ، والتي كانت تجابه مدارس العامّة ومذاهبهم الذين انحرفوا بالانحراف التفريطي وقصّروا في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) ، حيث أزاحوهم عن مراتبهم الحقّة ، وخلافتهم الصادقة.
2 ـ المدرسة القمّية : والتي تتمثّل بالمحدّثين ، ومنهم الشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد عليهم الرحمة ، وقد ابتلوا آنذاك بالغلاة والانحراف الإفراطي.
ثمّ كان محور النزاع بين المدرستين حول علم الإمام وعصمته ، وبعض مقاماته الغيبية.
فالشيخ الصدوق يرى من لم يعتقد بسهو النبيّ فهو من الغلاة ، ومن يقول بالشهادة الثالثة في أذانه فهو من المفوّضة وهم طائفة من الغلاة ، ولكنّ المدرسة البغدادية ترى القول بذلك من التقصير في الاعتقاد ، بل يجوز عندهم كما هو الحقّ ، أن يقال في حقّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلّ شيء إلاّ الربوبيّة ، كما ورد عنهم (عليهم السلام) : «نزّلونا عن الربوبيّة وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا»[1] ، ففي علم الإمام تذهب المدرسة البغدادية إلى أ نّه يعلم الإمام (عليه السلام) بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، إلاّ أ نّه لا على نحو الاستقلال وبالذات ، بل بإذن من الله سبحانه ، فعلمهم من العلم الإمكاني وإنّه رشحة من رشحات العلم الإلهي الوجوبي المطلق ، فشذّ الشيخ الصدوق ببعض معتقداته ، حتّى اشتهر بين علمائنا الأعلام خلال ألف عام ، أنّ القول بسهو الصدوق في هذا الباب أولى من القول بسهو النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فأمسى ما يعتقده الشيخ الصدوق عليه الرحمة في سهو النبيّ وفي الشهادة الثالثة من الشاذّ النادر ، والنادر كالمعدوم لا وقع له.

 

الهوامش

[1] ذكرت تفصيل ذلك في رسالة (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام)) ، مطبوع في المجلّد الخامس من موسوعة (رسالات إسلامية) ، فراجع.