وقفة مع بعض المنحرفين

لقد ذكرنا أنّ من فرق الغلاة (المفوّضة) القائلون بأنّ الله سبحانه قد فوّض الأمر والخلق إلى الأئمة الأطهار على نحو الاستقلاليّة وأوّلا وبالذات ، وكانت مدرستهم رائجة في إيران في عصر شيخنا الصدوق (قدس سره) ، وقد انبرت المدرسة القمّية وعلى رأسها الشيخ الصدوق لمحاربة الغلاة بفرقها الضالّة ، ومنهم المفوّضة آنذاك ، وكان من شعارهم وجوب الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة كما يظهر من ردّ الصدوق العنيف ، ومن الواضح أنّ من يقول بالوجوب والجزئية آنذاك فإنّه قد خالف الإجماع وما عليه المشهور ، والشيخ الصدوق يرى القول بالوجوب من مثل المفوّضة الغلاة بدعة وضلال ، ويعلم أ نّه إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ، فأنكر عليهم مذهبهم المنحرف غاية الإنكار ، انطلاقاً من إنكار قولهم بالجزئية في الشهادة الثالثة بصورة خاصّة.
ثمّ علمائنا الأعلام تلامذة الصدوق ومن عصر شيخنا المفيد وشيخنا الطوسي شيخ الطائفة وسيّدنا علم الهدى السيّد المرتضى عليهم الرحمة ، وإلى يومنا هذا ـ أي أكثر من ألف سنة ـ أجمعوا على صحّة الأذان والإقامة بالشهادة الثالثة ، إلاّ أ نّه لا بقصد الجزئيّة ، تمسّكاً بالأدلّة الفقهيّة العامّة الدالّة على ذلك ، كما هو ثابت في محلّه[1].
إلاّ أ نّه وللأسف الشديد أخيراً ظهرت بعض النعرات الضالّة والمضلّة من حناجر أصحاب النفوس الضعيفة ، التي تحبّ الشهرة والظهور بين الناس ولو على حساب الدين والمذهب والمقدّسات ـ فكانوا كالذي أراد أن يشتهر بين الناس بأيّ ثمن كان ، فأشاروا إليه ـ معذرةً ـ أن يبول في بئر زمزم ، فإنّ هذا البئر مقدّس عند جميع المسلمين ، ومن يفعل تلك الشنيعة فإنّه سرعان ما يشتهر بين الناس ـ كذلك ضعاف النفوس ومن كان في قلبه مرض فزاده الله مرضاً ، وأصحاب العقول
الهزيلة ، طلباً للشهرة ولما عندهم من العقد النفسيّة ، والنفوس المريضة ، اختاروا تهديم مقدّسات الاُمّة وعقائدهم الثابتة بنقدهم الهدّام وبالتشكيك والتضليل بتلاعب الألفاظ والتزوير واتّباع المتشابهات ، ومنها مقولة الشيخ الصدوق عليه الرحمة ، وهو يجهل تلك الظروف الخاصّة وشأن صدور تلك المقولة ، وإنّي لأعلم أنّ بعض من يتمسّك بكلام الصدوق عليه الرحمة لا يؤمن بالشيخ نفسه أبداً ، وإنّه يتغافل ـ لما في قلبه من مرض ـ عن الإجماع المحقّق بعد الشيخ وإلى يومنا هذا ، فهو كالسامري سوّلت له نفسه ليضلّ الناس ، فيتبجّح بمقولة الشيخ الصدوق في الشهادة الثالثة . فما الحيلة لمن كان قلبه مريضاً ، وعقله سقيماً ، وأساء السوء حتّى كذّب بآيات الله سبحانه ، فيترك الأمر المحكم والبيّن الواضح كوضوح الشمس في رائعة النهار ، ويختار المتشابه ليضلّ به البسطاء والسذّج من الناس . ولكن فليعلم أنّ الله لبالمرصاد ، وأنّ الصبح لقريب ، وأنّ الساعة لآتية لا ريب فيها ، فيتميّز الخبيث من الطيّب ، وأهل النار من أهل الجنّة.
وتبقى صرخة (أشهد أنّ عليّاً وأولاده المعصومين حجج الله) على المآذن في كلّ ربوع الأرض ، رغماً على الأعداء والخصماء.
سيبقى أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) وصوته الحقّ واسمه المبارك يدوّي على المآذن في عالم الوجود وفي الكون الرحب الوسيع ، وإنّ الله ليتمّ نوره ، وهو عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) ، ولو كره المشركون والمنحرفون.
واعلم أيّها الضالّ المنحرف عن الحقّ ـ عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ـ إنّك لتحتاط جهلا بعدم ذكر الشهادة الثالثة في أذانك وإقامتك ، إلاّ أنّ الأحوط عندنا في خلافه ، فإنّ الشهادة الثالثة التي هي روح الأذان والإقامة ، قد أصبحت شعاراً للمؤمنين الموالين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وإنّهم يفدون الرقاب من أجل الولاية ، وهيهات هيهات أن تمحو ـ أنت ومن مثلك وفي خطّك ـ اسمه الشريف ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً ، فإنّ الله ليتمّ نوره ، ولو كره الضالّون والمضلّون.
وإنّي لأترفّع أن أقصد بكلامي هذا شخص خاصّ ، بل مقصودي بيان الحقّ الحقيق وإنارة الطريق ، ودعوة الناس جميعاً إلى أن يعرفوا الحقّ بالحقّ ، ويعرفوا الرجال بالحقّ ، لا الحقّ بالرجال ، فاعرف الحقّ تعرف أهله ، والذين جاهدوا في الله خالصاً ، فإنّه سيهديهم السُّبل والصراط المستقيم.

 

الهوامش

[1]جاء في كتاب (القطرة من بحار مناقب النبي والعترة) للعلاّمة السيّد أحمد المستنبط ، المجلّد الأوّل ، الصفحة 368 : قال :
ثمّ إنّي أختم هذا الباب (الباب الثامن) بذكر تشهّد الصلاة للصادق (عليه السلام) حيث اشتهر في ألسنة بعض الناس إنكار الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة مع ما ورد في خبر القاسم بن معاوية المروي عن احتجاج الطبرسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : «إذا قال أحدكم لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فليقل عليّ أمير المؤمنين وليّ الله» غافلا عن كونها جزءاً من الصلاة استحباباً على ما روي عن الصادق (عليه السلام) ، وإنّما اُورد الرواية لندرة وجودها وشرافة مضمونها ، وكثرة فوائدها في زماننا هذا لمن تدبّر فيها ، حتّى أنّ العلاّمة النوري (قدس سره) غفل عنها فلم ينقلها في المستدرك ، والرواية مذكورة في رسالة معروفة بفقه المجلسي (قدس سره) مطبوعة في صفحة (29) ما هذا لفظه : ويستحبّ أن يزاد في التشهّد ما نقله أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)وهو: (بسم الله وبالله والحمد لله وخير الأسماء كلّها لله أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، وأشهد أنّ ربّي نعم الربّ ، وأنّ محمّداً نعم الرسول ، وأنّ علياً نعم الوصيّ ونعم الإمام ، اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وتقبّل شفاعته في اُمّته وارفع درجته ، الحمد لله ربّ العالمين).
ولا يخفى أنّ علماءنا الأعلام قد صنّفوا وأ لّفوا في الشهادة الثالثة مؤلّفات كثيرة وبلغات مختلفة ، وحتّى ذهب بعض إلى جزئيّتها في الأذان.