اهدنا الصراط المستقيم:

قد ورد في الصحيح عند الفريقين ـ السنّة والشيعة[1] ـ أنّ الصراط المستقيم هو ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) . والمؤمن في كلّ صلاة وفي فاتحة الكتاب يدعو ويطلب من ربّه أن يهديه الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَاُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أ نْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُوْلَئِكَ رَفِيقاً)[2].
والصراط يتمثّل في عبادة الله أيضاً فإنّه من مصاديقه :
(وَأنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)[3].
كما يطلق على الدين الإسلامي الحنيف :
(إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً)[4].
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)[5].
وبالصراط المستقيم يصل العبد إلى سعادة الدارين :
(وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ)[6].
ولا يخفى أنّ الصراط صراطان : صراط في الدنيا ، وصراط في الآخرة ، وأحدهما يعبّر عن الآخر ، وبينهما تلازم في العلم والعمل.
عن المفضّل بن عمر قال : «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصراط فقال : هو الطريق إلى معرفة الله عزّ وجلّ ، وهما صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، فأمّا الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنّم»[7].
والإمام السجّاد يعرّف المصداق الأتمّ للصراط المستقيم في قوله (عليه السلام) : «ليس بين الله وحجّته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه ، ونحن تراجمة وحيه ، وأركان توحيده ، وموضع سرّه»[8].
عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : سألته عن قول الله عزّ وجلّ : (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ)[9] ، قال : والله عليّ (عليه السلام) هو والله الميزان والصراط المستقيم[10].
عن أبي عبد الله في حديث ، قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه ، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه ، فمن عدل عن ولايتنا ، أو فضّل علينا غيرنا فإنّهم عن الصراط لناكبون[11].
(وَإنَّكَ لَـتَدْعُوهُمْ إلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَـنَاكِبُونَ)[12].
ومن نكب عن الصراط المستقيم فإنّه في جهنّم داخراً وبئس المهاد.
عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : الصراط الذي قال إبليس (لأقعدنّ لهم الصراط المستقيم) ، فهو عليّ (عليه السلام)[13].
فالشيطان منذ اليوم الأوّل أقسم بعزّة الله سبحانه أ نّه يغوي ويضلّ الناس جميعاً إلاّ عباد الله المخلصين ، وقليل من عباد الله المخلصين ، فارتدّ الناس بعد رسول الله عن ولاية أمير المؤمنين ويعسوب الدين أسد الله الغالب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلاّ القليل ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ولايته وحقّه : «فوَعزّة ربّي وجلاله إنّه لباب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه ، وإنّه الصراط المستقيم ، وإنّه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة»[14].
وقال (صلى الله عليه وآله) : أتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال : اُبشّرك يا محمّد بما تجوز على الصراط ؟ قال : قلت : بلى ، قال : تجوز بنور الله ، ويجوز عليّ بنورك ، ونورك من نور الله ، وتجوز اُمّتك بنور عليّ ، ونور عليّ من نورك (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور)[15].
وقال (صلى الله عليه وآله) : إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنّم لم يجز عليه إلاّ من كان معه جواز فيه ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وذلك قوله تعالى : (وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)[16] ، يعني عن ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)[17].
وقال (صلى الله عليه وآله) : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنّم لم يجز بها أحد إلاّ من كانت معه براءة بولاية عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)[18].
وفي حديث وكيع ، قال أبو سعيد : يا رسول الله ، ما معنى براءة عليّ (عليه السلام) ؟ قال : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله[19].
وقال (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل : وإنّ ربّي عزّ وجلّ أقسم بعزّته أ نّه لا يجوز عقبة الصراط إلاّ من معه براءة بولايتك وولاية الأئمة من ولدك.
وعنه (صلى الله عليه وآله) : إذا كان يوم القيامة يقعد عليّ بن أبي طالب على الفردوس ـ وهو جبل قد علا على الجنّة فوقه عرش ربّ العالمين ، ومن سفحه تنفجر أنهار الجنّة وتتفرّق في الجنان ـ وهو جالس على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم ، لا يجوز أحد الصراط إلاّ ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته ، يشرف على الجنّة فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار[20].
عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (ربّنا آمنّا واتّبعنا مولانا ووليّنا وهادينا وداعينا وداعي الأنام وصراطك المستقيم السويّ ، وحجّتك وسبيلك الداعي إليك على بصيرة هو ومن اتّبعه ، سبحان الله عمّا يشركون بولايته وبما يلحدون باتّخاذ الولائج دونه ، فاشهد يا إلهي أ نّه الإمام الهادي المرشد الرشيد عليّ أمير المؤمنين الذي ذكرته في كتابك وقلت : (وَإنَّهُ فِي اُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)[21]لا اُشركه إماماً ولا أتّخذ من دونه وليجة)[22].
فحقيقة الصراط المستقيم وسرّه هو ولاية أمير المؤمنين عليّ وأولاده الأئمة المعصومين الأحد عشر (عليهم السلام) ، وولايتهم تمثّل ولاية الرسول الأعظم خاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وإنّ ولايتهم جميعاً تمثّل ولاية الله العظمى جلّ جلاله ، وبهذه الولاية وتجلّياتها وظهوراتها وشؤونها يصل الإنسان إلى سعادة الدارين.
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : الصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقال أمير المؤمنين مولانا الإمام عليّ (عليه السلام) : أنا الصراط الممدود بين الجنّة والنار ، وأنا الميزان.
فسلام الله أبد الآبدين على الصراط المستقيم والميزان القويم ، مولانا أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، الذي أخذ الله ميثاق النبيّين والوصيّين والأولياء الصالحين على ولايته وولاية أولاده الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

 

الهوامش

[1]راجع في ذلك كتاب (إحقاق الحقّ وتعليقاته) لسيّدنا الاُستاذ السيّد النجفي المرعشي (قدس سره)7 : 114 ـ 125 ، وكتاب بحار الأنوار لشيخنا العلاّمة المجلسي (قدس سره) 24 : 9 ـ 25.
[2]النساء : 69.
[3]يس : 61.
[4]الأنعام : 161.
[5]آل عمران : 85.
[6]الأنعام : 153.
[7]البحار 8 : 66.
[8]البحار 8 : 70.
[9]الحجر : 41.
[10]تفسير البرهان 2 : 344.
[11]الكافي 1 : 184.
[12]المؤمنون : 73 ـ 74.
[13]شواهد التنزيل 1 : 61.
[14]المصدر 1 : 59.
[15]النور : 40.
[16]الصافّات : 24.
[17]البحار 8 : 69.
[18]فرائد السمطين 1 : 298.
[19]مناقب آل أبي طالب 2 : 156.
[20]فرائد السمطين 1 : 292.
[21]الزخرف : 4.
[22]البحار 24 : 23.