أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) سرّ النبوّة:

عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : ولاية عليّ (عليه السلام) مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ، ولن يبعث الله نبيّاً إلاّ بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) وولاية وصيّه عليّ (عليه السلام).
فلا تتمّ النبوّة لنبيّ من آدم وما دونه إلاّ أن يقرّ بنبوّة خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد (صلى الله عليه وآله) وولاية وصيّه وخليفته بلا فصل أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ (عليه السلام).
وفي حديث المعراج قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لمّا اُسري بي في ليلة المعراج واجتمع عليّ الأنبياء في السماء ، أوحى الله تعالى إليَّ : سلهم يا محمّد ، بماذا بعثتم ؟ فقالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده ، وعلى الإقرار بنبوّتك ، والولاية لعليّ (عليه السلام)[1].
وفي حديث آخر عن ابن مسعود قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لمّا اُسري بي إلى السماء إذا ملك قد أتاني فقال لي : يا محمّد (وَاسْألْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)[2] على ما بعثوا ؟ قلت : يا معاشر الرسل والنبيّين ، على ما بعثكم الله ؟ قالوا : على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)[3].
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما تكاملت النبوّة لنبيّ في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثلوا له فاُمروا بطاعتهم وولايتهم.
قال أبو جعفر (عليه السلام) : ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيّاً قط إلاّ بها[4].
وستقف أ يّها القارئ الكريم على بعض معارف هذه الأحاديث الشريفة من خلال الكتاب القيّم (الأسرار العلويّة) وأ نّه كيف كان أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) مع الأنبياء سرّاً ومع خاتمهم النبيّ المصطفى محمّد (صلى الله عليه وآله) جهراً.
واعلم أنّ ولايته عرضت على الخلق كلّه ، على السماوات وما فيها ، وعلى الأرض ومن عليها ، فمنهم من قبل وآمن فتقرّب من الله ، وكان من أهل الجنّة في مقعد صدق . ومنهم من أنكر وكفر كما كفر بالله وبرسوله الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله)[5] ، فكان وقوداً لجهنّم وبئس المصير.
أجل إنّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قد اشتقّ اسمه المبارك من العليّ الأعلى سبحانه وتعالى ، وقد تجلّى ربّه فيه ، وظهرت أسماؤه الحسنى وصفاته العليا في وجوده المبارك ، فكان خليفة الله في الأرض وفي عالم الوجود بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو سرّ الله في الكون.
ومن الجهل أن يُعرف ونثبت إمامته في مثل يوم الغدير فحسب ، حتّى تنكر في مثل السقيفة الطاغية الظالمة . بل الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إمام الخلق قبل خلق الخلق ، وإنّه إمام الكلّ بالكلّ ، وافتقار الكلّ إليه وغناه عن الكلّ بعد
رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) ، لدليل واضح وبرهان قاطع على أ نّه إمام الكلّ بالكلّ . وهذه سنّة تكوينية ثابتة منذ بدء الخلق ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا ولا تحويلا ، كما أ نّها فريضة تشريعيّة بنصٍّ من الله ورسوله.
وفي حديث طويل عن الإمام الرضا (عليه السلام) في معرفة الإمام وأنّ اختياره بيد الله وبالنصّ[6] ، قال : إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام) ، إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ، إنّ الإمامة اُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف . الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة . الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم وهي في الاُفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار ولجج البحار . الإمام الماء العذب على الظماء والدالّ على الهدى والمنجي من الردى ... الإمام المطهّر من الذنوب والمبرّأ عن العيوب ، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم ، نظام الدين وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين ، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب.
فمن الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره ، هيهات هيهات ، ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وخسئت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّر الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألبّاء وكلّت الشعراء وعجزت الاُدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه ، أو فضيلة من فضائله ، وأقرّت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف بكلّه ، أو ينعت بكنهه ، أو يفهم شيء من أمره ، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه . لا وكيف وأ نّى ؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين ، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟
أجل ، سيّدي ومولاي هيهات هيهات للبشرية جمعاء أن تصف شأن من شأنكم ومن شأن جدّكم أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ، أو فضيلة من فضلكم ، أو يدرك شيء من أمركم وأسراركم كما هي ؟ لا كيف وأ نّى وأنتم كواكب الوجود ونجوم الكون ، وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ ! !
سيّدي ومولاي ، أ يّها الإمام المفترض الطاعة والولاية ، يا ثامن الحجج عليّ بن موسى الرضا عليك صلوات الله أبد الآبدين ، كلّما نقول أو يقال من فضائلكم ومقاماتكم الشامخة ، فإنّما هو معشار عشر ، وواحد من مئة ، وقطرة من بحار ، ولمعة من شمس وضّاءة ، وهل يمكن للبشر أن يكشف سرّ من أسراركم ؟ ! هيهات هيهات ...
إلاّ أ نّه سيّدي ومولاي ووليّ نعمتنا ، إذا كتبنا شيئاً فهو منكم وإليكم ، وما الأسرار الفاطمية والعلوية وتتلوها المحمّدية والحسنية والحسينية وبقيّة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إن شاء الله ، إلاّ لطف من ألطافكم وكأس ماء من بحار علومكم ومعارفكم ، وإنّها كلمات قد صاغتها يراع موال ومتفان في حبّكم ومودّتكم ...

 

الهوامش

[1]ينابيع المودّة 2 : 62.
[2]الزخرف : 45.
[3]تأريخ دمشق 2 : 97.
[4]بصائر الدرجات : 85.
[5]ذكرت تفصيل ذلك في كتاب (هذه هي الولاية) المجلّد الخامس من رسالات إسلامية ، مطبوع ، فراجع.
[6]الكافي 1 : 200.