المدخل

ان شخصية اميرالمومنين على "ع" من اقوى الشخصيات التي عرفها التاريخ، و لست بسبيل ان افصل ما فيها من نبل و قوه و خصائص تستهوى الافئده، و انما سبيلى ان ابحث جانبا من جوانب هذه الشخصيه الرائعه المستفيضه. و هو جانب النظره الاجتماعيه فيها، تلك النظره التي اودعها نهج البلاغه و التي بلغت من العمق و البيان درجه اغرى سموها بعض اشياع الامويين و فريقا من الباحثين، الى نفيها عنه و الذهاب الى انها هديه الخلود صاغها للجد حفيده الشريف الرضى، الشاعر الموهوب.

غير ان هذه الاراء كثيره مبعثره و كثيرا ما يتكرر الراى الواحد اكثر من مره، و ليس 'نهج البلاغه' بمقسم تقسيما يفصل كل مجموعه متشابهه من الاراء عما عداها، و هذا هو موطن الصعوبه ولكنه ايضا مهمه الباحث، و على هذا فسنقسم الآراء الى:

1 ـ علاقه الانسان بربه.

2 ـ علاقه الانسان بنفسه.

3 ـ علاقه الانسان بغيره.

4 ـ ثم سياسه الدوله و هو باب متشعب كما سنرى.

و قد يعترض معترض بان القسمين الاولين الباحثين في علاقه الانسان بربه و علاقته بنفسه يجب ان يستبعدا من بحث مقصور على الاغراض الاجتماعيه اى على ما يقوم بين الناس من معاملات ليس منها، معاملات الفرد للخالق و لا لنفسه التي بين جنبيه ولكن هذا الاعتراض غير وجيه، الا بالنسبه للاراء الميتافيزيقيه البحته التي بحث فيها الامام بحثا مطولا عن منشاء الكون و علاقه الاجرام بعضها ببعض و كيفيه خلق الملائكه و البشر، تلك الاراء التي وجدناها خارجه عن موضوعنا فاستبعدناها.

اما علاقه الانسان بربه، فالمقصود بها هنا، الوصايا التي وجهها الامام الى مجتمعه ليعمل بها فيما يختص بالخالق الجليل و بذلك تكون اعمالا بشريه، ان لم تكن اجتماعيه بالمعنى العلمى الحرفى، فهى اجتماعيه لانها مطلوب القيام بها من الجماعه و لانها مظهر اجتماعى و موثر قوى في السلوك الاجتماعى البحث اى في سلوك الافراد ازاء بعضهم بعضا. اما فيما يختص بعلاقه الانسان مع نفسه فالمساله اوضح، لانا بتدريب انفسنا على منهج خاص نخلقها خلقا جديدا و هذا الخلق موثر ابعد التاثير في نوع تعاملنا مع الاخرين، و لان العدى موجوده في الخير و في الشر، فكوننا على هذا الحال او تلك اغراء لمن هم دوننا و لمن هم بمعرض التاثر بمثالنا، و على ان يحتذوا ذلك المثال، و لانا نحن مكونو المجتمع و كما نكون يكون.

هذا الا ان هذين القسمين شيء قليل بالنسبه للقسمين الاخرين.

اما عن علاقه الفرد بربه فقد ضمن نهج البلاغه بين دفتيه صفحات نادره في تمجيد الله و تحليل صفاته، و كثر فيه النصح بالقاء النفس الى الله كما جاء في وصيه الامام لابنه و بشكره على نعمائه و عدم الاغترار بما يوفق اليه من النجاح 'و اذا انت هديت لقصدك، فكن اخشع ما تكون لربك'.

 

التعايش السلمي

اذا كان على "ع" قد وضع لنا هذه القاعده النبيله في قياس الفضيله و الخير، و هى الا نعمل في السر ما نخجل من عمله في العلن حيث قال: 'و احذر كل عمل يعمل به في السر و يستحى منه في العلانيه' (1).

___________________________________

(1) ج 134:2.

 

فانه قد حبانا ايضا بمقياس نبيل لاعمالنا تجاه الاخرين في قوله الخالد: 'يا بنى اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها، و لا تظلم كما لا تحب ان تظلم' (1).

___________________________________

(1) ج 47:2.

و لو اتبع البشر هاتين النصيحتين لا متنع الظلم و الشر جميعا، غير انه يمكن ان نلاحظ ملاحظه متواضعه على النصيحه الاولى: تلك ان نظره المجتمع قد تتغير نحو بعض الفضائل او الرذائل، فاذا كان ما يستحى من عمله يعمل على رووس الاشهاد فهل الفضائل خالده، ام هى يجرى عليها ناموس التطور، و هل يطيع نصيحه الامام ام لا يطيعها رجل يحتسى الخمر على قارعه الطريق غير خجل لكثره من يحتسونها؟ اما انا فاميل الى القول بان الفضائل خالده، و ان الكذب لن يكون فضيله لان الناس يكذبون بل الفضيله فضيله و الرذيله رذيله و لن يزال راكبها يشعر في نفسه بالتضاول و بنوع من الحياء لاحين يلقى امثاله ولكن حين يلقى الاخيار.

و ما لى اذهب بعيدا؟ ان الامام يفسر لنا ذلك في موضع آخر حيث يقول في بيانشاف: 'ان الممن يستحل العام ما استحل عاما اول و يحرم العام ما حرم عاما اول و ان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرمالله عليكم، ولكن الحلال ما احل الله و الحرام ما حرمالله'. (1)

___________________________________

(1) ج 350:1.

 

ب- و اذا ذكرنا تطور الفضائل و خلودها فالنستعرض راى الامام القائل: 'اقدموا على الله مظلومين و لا تقدموا على الله ظالمين'. (1)

__________________________________

(1) ج 292:1.

ان من الناس من لا يريد***ان يسلم بان الانظلام فضيله

و من لم يذد عن حوضه بسلاحه***يهدم و من لم يظلم الناس يظلم

و ربما مال ايضا الى ان يقول مع هيغل(1):

___________________________________

(1) هيغل فيلسوف امانى مات سنه 1831 م.

 

'ان ظفر شعب هو البرهان القوى على حقوقه' غير ان عباره الامام انما يراد بها مبالغه في التنفير من الظلم.

ج- و لقد دعا الامام الى التعاون دعوه صريحه في عباره نبيله حيث قال يودع جنودا ذاهبين للقتال: 'و اى امرى ء منكم احس من نفسه رباطه جاش عند اللقاء و راى احدا من اخوانه فشلا، فليذب عن اخيه بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله'(1).

___________________________________

(1) ج 69:1.

 

و ما اوصى به الامام جنود جيشه يصح ان يستوصى به جنود الحياه. ان الغنى لوذب عن الفقير بفضل ماله الذي فضل به عليه و العالم لوذب عن الجاهل بفضل علمه و الحكيم لو ارشد السفيه بفضل حكمته، لو كان هذا سبيل الناس في الحياه، لا نتصر جيشهم على آلام الحياه القابله للانهزام. ان الامام لا يزال يلح في دعوته الى التعاون، و انه ليسوقها هنا في منطق واضح و حجه لازمه: 'ايها الناس لا يستغنى الرجل و ان كان ذا مال عن عشيرته و دفاعهم عنه بايديهم و السنتهم'. (1)

___________________________________

(1) ج1 : 69.

 

'الا لا يعدلن احدكم عن القرابه يرى بها الخصاصه ان يسدها بالذى لا يزيده ان امسكه و لا ينقصه ان اهلكه، و من يقبض يده عن عشيرته فانما تقبض منه عنهم يد واحده. و نقبض منهم عنه ايد كثيره'. (1)

___________________________________

(1) ج 69:1.

 

ان الانسان مدنى بالطبع او هو كما وصفه فيلسوف اليونان "حيوان اجتماعى" و لهذا دعا الامام دعوته.

د- و قد تكررت دعوه الامام هذه في صوره اخرى في حثه على الصدقه بقوله البليغ: 'و اذا وجدت من اهل الفاقه من يحمل زادك الى يوم القيامه

فيوافيك به غدا حين تحتاج اليه فاغسمه و حمله اياه'. (1)

___________________________________

(1) ج 48:2.

 

و بوصيته: 'ان اللسان الصالح- اى الذكرى الطيبه- يجعله الله للمرء في الناس خيرا له من المال يورثه من لا يحمده. و في تذكيره بفريضه الزكاه في قوله: 'ان الله سبحانه فرض في اموال الاغنياء اقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما متع به غنى والله تعالى سائلهم عن ذلك'. (1)

___________________________________

(1) ج 251:1.

 

و قد بلغ من تقريره للتعاون و لاثر الزكاه و الاحسان في اسعاد افراد المجتمع جميعا انه استن تشريعا طريفا بقوله: 'ان الرجل اذا كان له الدين الظنون يجب عليه ان يزكيه لما مضى اذا قبضه'

___________________________________

(1) ج 59:4.

 

اى ان من كان له دين و لم يكن واثقا ان مدينه سيرده اليه سالما، ثم رده اليه بعد عامين مثلا، وجب عليه اى على صاحب المال الدائن ان يدفع للفقراء زكاه هذا المال للسنتين الماضيتين. و لست اعرض لكم حكم الشريعه الاسلاميه في هذا ولكنى الاحظ ان راى الامام وجيه اذا اعتبرنا ان المال صار بالنسبه للدائن مفقودا بوجوده عند من لا يثق به. فاذا عاد اليه فكانما عثر على كنز غير منتظر. و اذا فليس كثيرا ان يدفع منه شيئا للفقراء ان لم يكن زكاه عنه فشكرا لله عليه. 'و من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس اليه' (1)

___________________________________

(1) ج 233:2.

 

كما قال الامام، و كما قال شكسبير: 'ان التشاريف العظيمه احمال عظيمه'.

ه لقد زهد الامام بهذه الدنيا و اهاب بها ان تغر غيره. بل لقد زمجر منها في صرخته: 'والله لو كمت شخصا مرئيا و قالبا حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بامانى و القيتهم في المهاوى (1)

___________________________________

(1) ج 76:2.

 

هكذا كانت نظرته الصادقه الى الحياه فلا عجب ان يمتلى ء قلبه بالعطف على الناس و ان يدعو الى انقاذ الضعفاء و عدم خزن المال بكلمته الرهيبه: 'يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فانت فيه خازن لغيرك'.

 

 

الحكم، السياسة، القضاء

ان للامام آراء قيمه محكمه في طبيعه الحكم و سياسته و مهمه الحاكم و كيفيه انتقاء القضاه و تقسيم العمل و مهمه العلماء الى غير ذلك، و قد جمعت رسالته الى الاشتر النخعى كثيراً من هذه الامور، ولكنها ليست الوعاء الوحيد الذي ننشد فيه تلك الحكم فنقصر بحثنا عليها.

ا- قال: 'لا بد للناس من امير بر و فاجر يعمل في امرته المومنون، و يستمتع فيها الكافر و يبلغ الله فيها الاجل و يجمع به الفى ء و يقاتل به العدو و تومن به السبل و يوخذ به للضعيف من القوى حتى يستريح بر و يستراح به من فاجر'

 

 

الديمقراطية

ان النزعه الديمقراطيه في نهج البلاغه ابين من ان تحتاج الى بيان:

فها هو يامر الوالى بان يجلس لذوى الحاجات دون جند او حرس لكيلا يتعتعوا في توضيح مسائلهم.

بل قد فضل العامه على الخاصه و ان سخط الخاصه فقال: 'ان سخط العامه يجحف برضى الخاصه، و ان سخط الخاصه يفتقر مع رضا العامه، و ليس احد اثقل على الوالى من الرعيه موونه في الرخاء و اقل معونه له في البلاء، و اكره للانصاف و اسال بالالحاف و اقل شكرا على الاعطاء، و ابطا عذرا عند المنع، و اضعف صبرا عند ملمات الدهر من اهل الخاصه و انما عمادالدين و جماع المسلمين و العده للاعداء: العامه من الامه فليكن صفوك لهم و ميلك معهم' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 88:2.

 

و هذا كلام صريح في تفضيلهم و الاعتماد عليهم. و انا شخصيا اميل الى الظن بان هذا الكلام كان له تاثير في سلوك بعض زعمائنا الذين عرفوا بميلهم الى الامام على و التشبه بكلامه في اكثر من موضع. و لن اطيل في تفصيل هذه الديمقراطيه، و لنردد في سرور قول الامام الجامع: 'ان اعظم الخيانه خيانه الامه و افضع الغش غش الائمه' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 27:2.

 

و قوله الذي يذكرنا بالقول السائر: صوت الشعب من صوت الله 'انما يستدل على الصالحين بما يجرى الله لهم على السن عباده'. (1)

___________________________________

(1) ج 86:1.

 

هـ و اذا كان الامام قد اخذ بالديمقراطيه كما وضح فمن الطبيعى ان نراه نصير الحريه يهيب بابنه 'و لا تكن عبد غيرك و قد خلقك الله حرا' (1)

___________________________________

(1)6 ج 53:2.

 

و ان نراه رافع لواء المساواه لا يزال يذكرها و يوصى بها و يقول لمن يوليه ' و آس- و ساو- بينهم في اللحظه و النظر حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم و لا يياس الضعفاء من عدلك عليهم' (1)

___________________________________

(1) ج 28:1.

 

و يقول في موضع آخر: 'ان المال لو كان ماله لساوى بين الناس فكيف و المال مال الامه'. (1)

___________________________________

(1) ج 260:1.

 

و- ولكن للجمهور سياته كما ان له حسناته فلنسمع كلمه الامام في الغوغاء، قال: 'الناس ثلاثه فعالم ربانى، و متعلم على سبيل نجاه، و همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجاوا الى ركن وثيق' (1)

___________________________________

(1) ج 178:2.

 

و وصف الغوغاء في موضع آخر من انهم اذا اجتمعوا غلبوا و اذا تفرقوا لم يعرفوا'

___________________________________

ج 189:2.

 

و قبل وصفهم بانهم اذا اجتمعوا ضروا و اذا تفرقوا نفعوا لان كل صانع ينصرف الى عمله فيحصل النفع، و قد وضع الامام اصبعه عليآفه و طبيعه من آفات و طبائع الجماهير هى سرعه التقلب، تلك الخاصه الجماهيريه التي وضحها شكسبير ابلغ ايضاح في "يوليوس قيصر" و كذلك اصاب في ان اجتماعها غلبه و تفرقها ضياع و في ان اجتماعها قد يكون في بعض الاحايين مجلبه للضرر، كما ان تفرقها مجلبه للنفع لانصراف كل عامل الى عمله، و هذه النظره الى الجماهير قد تبدوا متعارضه بعض التعارض مع ما سبق من رايه فيهم ولكن بيان نقص الغوغاء لا يستلزم استبعاد رايهم.

ز- عرض عليه السلام الصفات الواجب توفرها في الامام فقال: 'من نصب نفسه للناس اماما فليبدا بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تاديبه بسيرته قبل تاديبه بلسانه' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 158:2.

 

و ذم العلماء الذين لا يعملون بعلمهم في اكثر من موضع. و حدد العلاقه بين الراعى و الرعيه فقال: 'ايها الناس ان لكم على حقا ولى عليكم. حق، فاما حقكم على فالنصيحه لكم و توفير فيئكم عليكم و تعليمكم كيلا تجهلوا و تأديبكم كيما تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحه في المشهد و المغيب و الاجابه حين ادعوكم و الطاعه حين آمركم' (1)

___________________________________

(1) ج 93:1.

 

و لنلاحظ هنا انه يجعل من حقه على الشعب ان ينصحه الشعب و هذا مبالغه في السعى وراء الكمال. و كم هو نبيل قوله لقومه ردا على من اثنى عليه: 'فلا تكلمونى بما تكلمون به الجبابره، و لا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند اهل البادره و لا تخالطونى بالمصانعه و لا تظنوا بى استثقالا في حق قيل لى و لا التماس اعظام لنفسى فانه من استثقل الحق ان يقال له و العدل ان يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه، فلا تكفوا عن مقاله بحق او مشوره بعدل فانى لست بنفسى يفوق ان اخطى ء'. (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 462:2.

 

و ذم خله الغذر فقال: 'والله ما معاويه بادهى منى ولكنه يغدر و يفجر و لولا كراهيه الغدر لكنت من ادهى الناس، ولكن لكل غدره فجره ولكن فجره كفره و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامه' (1)

___________________________________

(1) ج 440:1.

 

المومنين اذن على خلاف مع "امير" مكيافلى.

و ادلى على باراء قيمه فيها يجب في الولاه فقال انهم ملزمون بان يعيشوا عيشه جمهور الشعب لكيلا 'يتبيغ بالفقير فقره' (1)

___________________________________

(1) ج449:1.

 

اى لكيلا يسخط الفقير لفقره و ليتعزى بحال اميره: 'ااقنع من نفسى بان يقال اميرالمومنين و لا اشاركهم في مكاره الدهر او اكون اسوه لهم في جشوبه العيش ؟'. (1)

___________________________________

(1) ج 74:2.

 

و نصح على الولاه بقوله موكدا لاحدهم: 'و لا يطولن احتجابك عن رعيتك'

___________________________________

(1) ج 107:2.

 

و تلك نصيحه حق فان كثره ظهور الحاكم بين الرعيه استئلاف

لقلوبها و اشعار بها ان الحاكم متهم بمصالحها، ثم هو منير للحاكم سبيل حكمه و معطيه الصوره الواضحه لحال شعبه فيعمل على نورها.

و قال: 'انه ليس شيء ادعى الى حسن ظن راع برعيته من احسانه اليهم'

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 91:2.

 

اى ان الراعى حين يحسن لرعيته يطمئن قلبه و يامن خيانتهم.

و امر باحترام التقاليد الشعبيه فكان حكيما بعيد النظر 'و لا تنقض سنه صالحه عمل بها صدور هذه الامه و اجتمعت بها الالفه و صلحت عليها الرعيه'.

___________________________________

(1) ج 92:2.

 

و وجه على نصيحه غاليه كل الغلو صادقه كل الصدق في قوله 'ان شر وزرائك من كان للاشرار قبلك و زيرا و من شاركهم في الاثام فلا يكونن لك بطانه فانهم اعوان الاثمه و اخوان الظلمه و انت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم و نفاذهم و ليس عليه مثل اصارهم و اوزارهم. ثم ليكن عندك آثارهم اقولهم بمر الحق لك' (1)

___________________________________

(1) ج 90:2.

 

و نظريه على صحيحه تماما فان اثم فيما مضى لا يومن اثمه فيما حضر، و من اتصل بالظلمه بالامس لا يومن اتصاله بهم اليوم و اعانتهم على كيدهم بماله من سلطه الوزاره. و كان حكيما في قوله: 'فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشده و داولهم بين القسوه و الرافه'. (1)

___________________________________

(1) ج 19:2.

 

و امر الوالى ان لا يرغب عن رعيته و تفضيلا بالاماره عليهم فانهم الاخوان في الدين و الاعوان على استخراج الحقوق ثم قال له: 'و انا موفوك حقك فوفهم حقوقهم و الافانك من اكثر الناس خصوما يوم القيامه بوسا لمن خصمه عندالله الفقراء و المساكين'. (1)

___________________________________

(1) ج 27:2.

 

و دعاه الى ان يساوى نفسه بهم فيما الناس فيه سواء، و هذا القيد يظهر بعد نظره و فهمه لحقيقه المساواه الممكنه.

و دعا الى تشجيع المحسن و عقاب المسى ء قائلا: 'و لا يكون المحسن و المسى ء عندك بمنزله سواء' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 91:2.

 

و لفت نظر جباه الضرائب الى الرفق بالاهلين و عدم بيع شيء ضرورى- و هذا ما فعلته القوانين الحديثه اذ منعت الحجز على الملابس و مرتبات الموظفين و بالغ في الرفق الحكيم فقال: 'فان شكوا ثقلا او عله و انقطاع شرب او باله او احاله ارض اغتمرها غرق او اجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو ان يصلح به امرهم، و لا يثقلن عليك شيء خففت به الموونه عنهم فانه ذخر يعودون به عليك في عماره بلادك و تزيين و لا يتك مع استجلابك حسن ثنائهم' (1)

___________________________________

(1) ج 100:2.

 

وهذا بعد نظر حكيم و سياسه ماليه محكمه تزيد وضوحا في قوله: 'وليكن نظرك في عماره الارض بلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك الا بالعماره و من طلب الخراج بغير عماره اخرب البلاد و اهلك العباد' (1)

___________________________________

(1) ج 99:2.

 

اذا تذكرنا ماجر التعسف في جبى الضرائب في فرنسا و ولايات تركيا و غيرها عرفنا قيمه هذه النصيحه التي يويدها المنطق و يسندها التاريخ.

ح- و قد ادى بعد نظر الامام به الى ان يدعو الى تقسيم العمل ذلك المبدا الذي لم نعرفه الا حديثا فقد قال ناصحا: 'و اجعل لكن انسان من خدمك عملا تاخذه به فانه احرى الا يتواكلوا في خدمتك' (1)

___________________________________

(1) ج 59:2.

 

و قالمن رساله الى الاشتر النخعى ايضا: 'و اعلم ان الرعيه طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض و لا غنى ببعضها الا من بعض فمنها جنود الله و منها كتاب العامه و الخاصه و منها قضاه العدل و منها عمال الانصاف و الرفق و منها اهل الجزيه و الخراج من اهل الذمه و مسلمه الناس و منها التجار و اهل الصناعات و منها طبقه السفلى من ذوى الحاجه و المسكنه و كلا قد سمى الله سهمه' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 92:2.

 

ثم فصل بعد ذلك وظيفه كل فرقه.

و تمشيا مع قاعدته في تقسيم العمل و اختصاص كل بما يحسنه رد على من قال له: انك تامرنا بالسير الى القتال فلم لا تسير معنا؟ انه لا يجوز ان يترك مهماته من قضاء و اداره و جبايه ضرائب، و كذلك نصح عمر بالا يخرج للقاء الفرس بنفسه' لان الامير كلانظام من الخرز يجمعه' (1)

___________________________________

(1) ج 283:1.

 

و لانه ان خرج انتقض عليه العرب من اطرافها.

ط- ان هذا الامام المجرب ما كان ليغفل الدعوه الى الاتعاظ بالتجارب في الحكم فها هو اذا يقول 'ان الامور اذا اشتبهت اعتبر آخرها اولها'

___________________________________

(1) ج 158:2.

 

و يقول في مكان آخر: 'استدل على ما لم يكن بما كان' ثم يقول ايضا 'العقل حفظ التجارب' و لست احمل هذا القول الاخير اكثر مما يحتمل اذا قلت انه هو الراى الفلسفى المعارض للراى القائل بان العقل يتفاوت عند الاشخاص بطبيعته. و الذاهب على العكس الى ان العقل ليس الا عمل التجارب و التهذيب. و الدافع لحجه الراى الاول القائله بانا لو ربينا اشخاصا ذوى اعمار واحده تربيه واحده في بيئه واحده لنشاوا رغم ذلك مختلفى العقليات، بانهم انما يختلفون لسبق تاثر هم بمزاج وراثى مختلف.

ى- و تكلم الامام في رسالته الى الاشتر عن القضاه كلاما قال عنه الاستاد العشماوى استاذ القانون الدستورى بكليه حقوق القاهره ان كلاما غيره في اى دستور من دساتير العالم لم يفصل مهمه القضاه و طرق اختيار هم مثل ما فعل. قال الامام 'ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لاتضيق به الامور و لا تمحكه الخصوم و لا يتمادى في الزئه و لا يحصر في الفى ء الى الحق اذا

عرفه و لا تشرف نفسه على طمع و لا يكتفى بادنى فهم دون اقصاه، اوقفهم في الشبهات و آخذهم بالحجج و اقلهم تبرما بمراجعه الخصم و اصبرهم على تكشف الامور و اصر مهم عند اتضاح الحكم، من لا يزدهيه اطراء و لا يستميله اغراء، و اولئك قليل. ثم اكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيل علته و تقل معه حاجته الى الناس، و اعطه من المنزله لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليامن بذلك اغتياب الرجال له عندك' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 97:2.

 

و هذا دستور حكيم بل هو احكم ما نعرفه و حسبه انه انتبه الى وجوب اجزال العطاء المالى للقضاه ليستغنوا بذلك عن الارتشاء و انه شدد في اعطائهم منزله قريبه من الوالى ليقطع بذلك الطريق على الوشاه و ليعمل القضاء في جو هادى ء.

و في غير هذه الرساله ذم من يتصدى للحكم و ليس اهلا له قائلا 'جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره فان نزلت به احدى المبهمات هيا لها حشوا من رايه ثم قطع به، جاهل خباط جهالات عاش ركاب عشوات تصرخ من جور قضائه الدماء و تعج منه المواريث الى الله' (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 59:1.

 

و في موضع آخر يقول: 'لو لا حضور الحاضر و قيام الحجه بوجود الناصر و ما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظه ظالم و لا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها' (1)

___________________________________

(1) ج 41:1.

 

و معنى هذا ان على الخواص مهمه هى عدم الصبر على الظلم بل مجاهدته و لو لم يقع عليهم.

ك- و تكلم في سياسه الجند و امر جيشه الا يتتبع عند الفوز فارا و لا يهين امراه و ان سبته فان النساء ضعيفات. و هذا دليل الخصومه الشريفه و نبل الخلق. و قال في عهده الى الاشتر 'وليكن آثر رووس جندك عندك من و اساهم في معونته و افضل عليهم من جدته بما يسعهم و يسع من وراءهم من خلوف اهليهم

حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، و ان افضل قره عين الولاه استقامه العدل في البلاد و ظهور موده الرعيه. و انه لا تظهر ودتهم الا بسلامه صدورهم و لا تصح نصيحتهم الا بحيطتهم على ولاه امورهم و قله استثقال دولهم و ترك استبطاء انقطاع مودتهم فافسح في آمالهم و واصل في حسن الثناء عليهم و تعديد ما ابلى ذوو البلاء منهم، فان كثره الذكر تحسن افعالهم تهز الشجاع و تحرض الناكل ان شاء الله ثم اعرف لكل امرى ء منهم ما ابلى و لا تضيفن بلاء امرى ء الى ان تعظم من بلائه ما كان ضعيفا و لا ضعه امرى ء الى ان تستصغر من بلائه ما كان عظيما'. (1)

___________________________________

(1) نهج البلاغه ج 95:2.

 

و الان و قد سرنا في نهج البلاغه شوطا يغرينا بالاستزاده فلنقف، و اذا كان اميرالمومنين على قد نهى قومه عن ان يمدحوه فلا يخافن اليوم اغترارا و هو بعيد عن حياة الغرور، ان نحن انحنينا امام عبقريته. لقد حبانا نهج البلاغه فاحسن ما حبانا، فلنطبق عليه قوله: 'قيمة كل امرئ، ما يحسنه.' (1)

___________________________________

(1) ج 159:2.