مقدمة

تحتاج الأمة الإسلامية في هذا العصر إلى وقفة طويلة، وتأمل عميق، لمراجعة نظام علاقاتها الداخلية بين مختلف القوى والشرائح الاجتماعية.

فبينما طورت أغلب شعوب العالم واقعها الاجتماعي لجهة احترام حقوق الإنسان، واعتماد نهج الديمقراطية والمشاركة الشعبية، لا تزال معظم الشعوب الإسلامية تئن تحت وطأة الاستبداد، وتعاني من مآسي التمييز القومي والطائفي والقبلي، وانتهاك حقوق الإنسان، وهشاشة السلم الاجتماعي، لعدم استقرار العلاقة بين الاتجاهات والجماعات.

وتعود أسباب هذا الواقع المتخلف إلى الإرث التاريخي، والتراث الثقافي، رغم أن الأمة تمتلك أفضل رسالة إلهية، وأكمل منهج للحياة، يتمثل في قيم الإسلام وتعاليمه، إلاّ أن سوء التطبيق لهذا المنهج، والانحراف عن قيم الرسالة، الذي غطى أوسع مساحة من تاريخ الأمة، عدا العهد النبوي، وعصر الخلافة الراشدة، وبعض اللمحات المضيئة، قد أثقل كاهل الأمة بأعباء إرث وتراث متخلّف، أفرغ الرسالة الإسلامية من مضمونها الاجتماعي، وأفقدها ألقها الإنساني، وحوّلها إلى مجموعة من الطقوس والاهتمامات العبادية، وسخّرها لتبرير واقع الاستبداد، وحماية الأعراف والتقاليد المتخلفة.

ومن أجل تجاوز هذا الإرث والتراث الثقيل، لابد من العودة إلى ينابيع الإسلام الصافية، ومعارفه الأصيلة، لتستلهم الأمة منها روح التجديد والتقدم، ولتعيد صياغة وجودها ونظام علاقاتها، على ضوء هدي الوحي الإلهي، الذي جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولتحرير الإنسان من الأغلال والقيود، ولصناعة مجتمع العدالة والمساواة.

وعلي ابن أبي طالب (ع) في أقواله وأفعاله يمثل بعد رسول الله (ص) أفضل صورة ونموذج، لتبيين هدي الإسلام، وتجسيد قيمه وتعاليمه، في بناء المجتمع ونظام علاقاته.

وتحاول هذه الصفحات المتواضعة الاستهداء بشيء من فكر علي وسيرته لإقرار نهج المساواة بين أبناء المجتمع، ومعالجة مشكلة التمييز الذي أرهق أكثر المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر.

حسن الصفار

8/7/2003م - 8/5/1424هـ‍