علي والتربية النبوية

تبليغ الرسالة الإلهية، وإنقاذ البشرية من الجاهلية والشرك وإخراجهم من الظلمات إلى النور، مهمة شاقة، ومسئولية ضخمة، وذلك لصعوبة تغيير التوجهات والعادات الموروثة المتجذرة في نفوس الناس وسلوكهم، خاصة حينما تأخذ صفة القداسة والالتزام الديني.

كما أن كل واقع اجتماعي عادة ما تحكمه مراكز قوى، تجد نفسها معنية بحمايته، والحفاظ عليه، تجاه أي محاولة للتغيير أو التطوير، قد تضر بسيطرتها وهيمنتها، وتؤثر على مصالحها.

هكذا يجد الأنبياء أنفسهم في مواجهة الواقع السائد المألوف، يقول تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)(1). وفي مواجهة الزعامات الاجتماعية المتشبثة بمواقعها، يقول تعالى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ)(2).

ومع أن الله سبحانه وتعالى يختار لمهام النبوة والرسالة الأجدر والأكفأ (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)(3). إلا أن شدة المواجهة وعنفها كثيراً ما يعرقل مسيرة الدعوة، ويحدّ من إمكانية نجاحها.

وكلما كان التخلف والشرك أكثر تجذراً في المجتمع، ومراكز القوى أعمق نفوذاً، أصبحت مهمة النبي أكثر مشقة وصعوبة. واستلزمت جهوداً أكبر، وتضحيات أوسع.

 

النبي موسى يطلب وزيراً

وجد النبي موسى (ع) نفسه حينما بعثه الله تعالى بالنبوة أمام مهمة عظيمة صعبة، حيث يواجه حاكماً مستبداً، ادّعى الألوهية لنفسه، وتمركزت في يديه أسباب القوة والغلبة، هو فرعون.

من ناحية أخرى فإن مجتمع بني إسرائيل الذي ينتمي إليه موسى، والذي يطمح لإنقاذه وتخليصه من الاستضعاف والاضطهاد، قد نخر فيه التخلف، وتكاثرت في وسطه السلبيات ونقاط الضعف، فلم يعد سهل الانقياد.

لذلك اتجه النبي موسى (ع) إلى الله تعالى طالباً منه دعمه ورفده بوزير مساعد، يعينه على تحمل هذه المسؤولية الخطيرة الجسيمة (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(4).

قال الشوكاني: أي يا رب أحكم به قوتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة. والأزر القوة، يقال : آزره: أي قواه(5).

وواضح أن تحديد اختيار الوزير من أهله، لما في ذلك من استثمار لعلاقة النسب والقرابة في توثيق الإخلاص والتعاون، كما أن معرفته بتوفر المواصفات القيادية في شخصية أخيه هارون، دفعته لترشيحه لهذا الدور الرسالي.

واستجاب الله تعالى لطلب نبيه موسى (ع): (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً)(6).

 

علي بمنزلة هارون (ع)

إن من يقرأ تاريخ العرب قبل الإسلام، وما كانوا يعيشونه من جاهلية وضياع، حيث التعصب القبلي، والصراعات والحروب الداخلية، وسيادة عبادة الأصنام والأوثان، وخشونة الطبع.

ومن يتأمل أوضاع مجتمع مكة، وغطرسة قريش واعتزازهم بانتمائهم وذواتهم، وكذلك تجذّر القوى اليهودية في أطراف المدينة، واحتكارهم للنفوذ الاقتصادي. إن من يقرأ ذلك يدرك ضخامة المسؤولية التي تحّمل أعباءها النبي محمد(ص)حينما بعثه الله تعالى بالرسالة. وبيّن له خطورة مهمته منذ البداية: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (7).

لذلك من الطبيعي أن يحتاج رسول الله(ص)إلى وزير ينصره، ويساعده على القيام بمهام الدعوة، وأعباء الرسالة.

ورغم أنه قد حفت برسول الله(ص) مجموعة من الصحابة الأخيار، الذين سبقوا إلى الإسلام، وتفانوا في خدمته والدفاع عنه، إلا أن ضخامة المسؤولية كانت تستلزم وجود معين كفوء، قريب من نفس رسول الله(ص)، يتعاطى معه بثقة مطلقة، وانفتاح تام.

ولم يكن ذلك الشخص غير علي بن أبي طالب (ع)، فهو الأقرب إلى رسول الله نسباً من بين الصحابة السابقين إلى الإسلام، والأكثر به التصاقاً وعلاقة.

فمن المعروف أن رسول الله(ص) نشأ في كنف عمه أبي طالب منذ الثامنة من عمره، بعد وفاة جده عبد المطلب، فتحمل أبو طالب وزوجته فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رعاية رسول الله(ص).

ولما ولد علي كان لرسول الله(ص) من العمر ثلاثون سنة، وقد تزوج خديجة بنت خويلد، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الرسول(ص) أخذ علياً إلى داره ليقوم برعايته وتربيته.

يروي الطبري في تاريخه عن سلمة، عن أبي إسحاق، قال: كان أول ذكر آمن برسول الله(ص)، وصلى معه، وصدقه بما جاءه من عند الله، علي بن أبي طالب، وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب، أنه كان في حجر رسول الله(ص) قبل الإسلام. وعن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له، و أراده به من الخير: أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله(ص) للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى، من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ من بنيه رجلا، فنكفيهما عنه.

قال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه.

فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما.

فأخذ رسول الله(ص) علياً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله(ص) حتى بعثه الله نبياً، فاتبعه علي، فآمن به وصدقه(8).

وقد تحدث الإمام علي في إحدى خطبه عن نشأته في كنف الرسول(ص) قائلاً: (وقد علمتم موضعي من رسول الله(ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلي صدره، ويكنُفُني في فراشه، ويُمسُني جسده، ويُشُّمني عَرفَه، وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه)(9).

ولا يمكن إنكار ما لهذه التربية من أثر في صياغة شخصية علي، واقترابها من شخصية رسول الله(ص)، وبالتالي تهيئتها لدور الرديف والوزير المعتمد، في مهمات الرسالة الإلهية.

يقول المفكر المصري عبد الكريم الخطيب:

(والحق أن علياً كان أوفر الناس حظاً، وأطولهم صحبة لرسول الله(ص)، فمنذ ولد علي، وهو بين يدي محمد، قبل النبوة وبعدها، لم يفترق عنه، في سلم أو حرب، وفي حلّ أو سفر، بل كان بين يدي النبي، وتحت سمعه وبصره، إلى أن لحق الرسول بالرفيق الأعلى، وهو على صدر علي، حيث سكب آخر أنفاسه في الحياة.

وأنت إذا ذهبت تستعرض جميع الذين كانوا في كنف النبي، من زوج وولد، لم تجد أحدا منهم قد كان له من طول صحبة النبي، ومن مخالطته، ماكان لعلي، فقد صحب علي النبي صحبة متصلة أكثر من ثلاثين عاماً، وتلك مدة لم يظفر بها أحد من المسلمين)(10).

 

 

حديث المنزلة

كما طلب النبي موسى (ع) من الله تعالى أن يسعفه بوزير من أهله، يشاركه في القيام بأمر الرسالة، ورشحّ أخاه هارون لهذا المقام، إدراكاً منه لخطورة ظروف تبليغها، فقد ورد في المصادر الإسلامية أن النبي محمداً(ص) قدم نفس الطلب لله تعالى، ورشح علياً لوزارته.

ينقل السيد الآلوسي البغدادي في تفسيره ما يلي: (وجاء أن النبي (ص) دعا بمثل هذا الدعاء إلا أنه أقام علياً - كرم الله تعالى وجهه - مقام هارون (ع)، فقد أخرج ابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قالت: (رأيت رسول الله(ص) بإزاء ثبير، وهو يقول: أشرق ثبير، أشرق ثبير، اللهم إني أسألك مما سألك أخي موسى: أن تشرح لي صدري، وأن تيسّر لي أمري، وأن تحل عقدة من لساني يفقه قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً)(11).

وقد روت مصادر الحديث المعتمدة عند السنة والشيعة ما يعرف بـ‍(حديث المنزلة)، حيث اعتبر النبي (ص) علياً منه بمنزلة هارون من موسى:

1- ففي صحيح البخاري حديث رقم (4416) عن مصعب بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله(ص) خرج إلى تبوك، واستخلف علياً، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال(ص): (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي)(12).

2- ومثله جاء في المستدرك على الصحيحين حديث رقم (4575) عن طريق بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد. وجاء فيه عن طريق آخر تحت رقم (3294)(13).

3- و أورده مسلم في صحيحه حديث رقم (2404) عن ثلاثة طرق: عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن أبيه سعد وعن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد. وعن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد(14).

4- وفي مسند أحمد بن حنبل جاء عن طرق عديدة، كالحديث رقم 14693 عن طريق جابر بن عبد الله. وحديث رقم (3062) عن ابن عباس. وحديث رقم (1490) ورقم (1509) ورقم (1505) ورقم (1583) ورقم (1600). عن سعد بن أبي وقاص وموارد أخرى(15).

5- وأورده ابن ماجه في سننه في ( فضائل علي) عن ابن سابط وهو عبد الرحمن، عن سعد بن أبى وقاص قال: قدم معاوية في بعض حجاته، فدخل عليه سعد، فذكروا علياً فنال منه، فغضب سعد، وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله(ص) يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وسمعته يقول: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). وسمعته يقول: (لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله)(16).

ومن تتبع إسناد الحديث وطرق روايته، يتضح أنه قد رواه جمع من الصحابة كجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبى سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وأبي أيوب الأنصاري, وأسماء بنت عميس، وأم سلمة، وآخرين.

كما أنه قد ورد بعدة صيغ، وفي أكثر من مورد ومناسبة، من بينها غزوة تبوك، وهو لا يقتصر عليها، بل ورد في غيرها أيضاً.

وبعيداً عن الجدل الطائفي والمذهبي، فإن الحديث صحيح السند، ثابت الرواية، متفق عليه بين المسلمين، وهو يدل على أن لعلي من رسول الله(ص) نفس مكانة هارون من موسى، باستثناء النبوة التي كانت لهارون، ولا نبوة بعد رسول الله(ص).

وإذا كان هارون يلي موسى في المكانة والفضل، وكان شريكه ووزيره ومعتمده في حمل أعباء الدعوة والرسالة، فإن هذا المقام ثابت لعلي بن أبي طالب بصريح النصوص والأحاديث.

 

التربية والإعداد

إن الدرس الهام الذي يجب أن نستفيده مما سبق، إضافة إلى معرفة مقام علي ومكانته المميزة، هو دور التربية والإعداد في صنع الشخصية الكفوءة.

لقد شاء الله تعالى أن يتبوأ علي بن أبي طالب موقعية متقدمة، في خدمة الرسالة الإلهية، فهيأ له فرصة تربوية خاصة، حيث نشأ في كنف رسول الله (ص) منذ نعومة أظفاره، وتربى في حجره منذ سنوات عمره الأولى، وبالتالي كان بعيداً عن تأثيرات أجواء الجاهلية والشرك، فهو لم يسجد لصنم قط، لذلك خصه المسلمون دون بقية الصحابة بقول: كرم الله وجهه. كما كانت شخصية الرسول(ص) ومكارم أخلاقه، خير قدوة، وأفضل معلم، أنار لعلي طريق الحياة الرسالية الجهادية.

إننا إذ نرغب ونتمنى صلاح ذرياتنا وأبنائنا، فإن علينا أن نهيئ لهم أجواء التربية الصالحة، وذلك عبر التزامنا نحن أولا بخط الصلاح والاستقامة، فالعائلة الصالحة، هي القادرة على تربية الولد الصالح.

إن تحمل الإنسان لمسؤولية أبنائه وعائلته، يجب أن يكون دافعاً له نحو الالتزام بمبادئ الدين وأحكامه، وبمكارم الأخلاق والصفات، فذلك هو الذي يؤهله للقيام بوظيفته التربوية، ودوره التوجيهي، إن بعض الآباء يضعفون أمام دواعي الأهواء والشهوات، ويسمحون لأنفسهم بارتكاب بعض المحرمات والمحظورات، لكن بعيداً عن أنظار عوائلهم وأبنائهم، في الوقت الذي يوجهون فيه أبناءهم ليكونوا صالحين ملتزمين، فهل يتوقعون لكلامهم المجرد أن يترك أثرا في نفوس أبنائهم ؟

إن التوجيه الصادق، الذي يتطابق مع سلوك الاستقامة والصلاح، هو التوجيه المؤثر.

يقول الإمام علي عن تربية رسول الله(ص) له: (وقد كنت أتبعه اتباع الفصيل لأثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به).

 

نهج المساواة

عانت البشرية كثيراً ولا تزال من سياسات التفرقة والتمييز بين الناس، على أساس عرقي عنصري، أو ديني طائفي، أو اقتصادي طبقي.

حيث تعتقد فئة مهيمنة بأفضليتها على الآخرين، وتستأثر عليهم بالامتيازات، وتعاملهم باعتبارهم بشراً أو مواطنين من درجة أدنى.

وتعبر كلمة تمييز عن عملية حرمان فرد أو جماعة ما من التساوي في الفرص والحقوق والواجبات.

من الناحية العلمية لم تثبت صحة أي من النظريات العنصرية، التي تدعي رقي بعض السلالات والأعراق البشرية، وتخلف البعض الآخر، فجوهر الإنسانية واحد في كل الأعراق والسلالات، والاستعدادات والقدرات متشابهة، بيد أن للبيئة والمحيط دوراً في تنمية المواهب وإبراز القدرات، فقد تتراكم ظروف تاريخية واجتماعية مثبطّة لعوامل النهوض والتقدم عند بعض الأمم والشعوب، بينما تنقدح شرارة الانطلاق عند أمم أخرى، لعوامل وأسباب موضوعية، تناقشها أبحاث فلسفة التاريخ والحضارة.

ولعلّ في نبوغ كفاءات متميزة، وعبقريات رائدة، من مختلف الأعراق والمجتمعات، ما يكفي دليلاً على سقوط دعاوى النظريات العنصرية.

كما يشهد تاريخ البشرية، بتوارث وتعاقب التقدم الحضاري بين أمم الأرض، فليس هناك عرق أو سلالة تحتكر مسيرة الحضارة في التاريخ.

(وقد تعرض العلماء لقضية العنصرية ولما سمي بالتفوق العنصري أو العرقي، وأشبعوها درساً وتحليلاً، وتبين لهم تهافت الادعاءات القائلة بوجود فروقات عرقية جوهرية بين البشر. وتوضيحاً لذلك فقد اجتمع لفيف من العلماء والمختصين في علوم الوراثة وعلم الأحياء العام (البيولوجيا) وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الانتربولوجيا (علم الإنسان)، وأصدروا من مقر اليونسكو في باريس، بياناً عاماً يشرحون فيه بطلان النظريات العنصرية)(17).

كما أن الانتماء الديني لا يصلح مبرراً لسياسة التفرقة والتمييز، فما من دين صحيح يشجّع أتباعه على الاستئثار والجور، فقد بعث الله تعالى أنبياءه وأنزل شرائعه، لبسط العدل والخير بين الناس، يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(18) ويقول تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(19).

وأي فئة تمارس التمييز بين الناس، وتدعو أتباعها لتجاهل حقوق الآخرين باسم الدين، لابد وأن تكون مخطئة في فهم الدين، أو قاصدة إساءة استغلاله.

بهذا يتضح خطأ ما تستند إليه سياسات التمييز من مبررات نظرية.

وعلى الصعيد الأخلاقي، فإن التمييز بين الناس في ما يجب أن يتساووا فيه، يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان، واعتداءً على كرامته، وجوراً وظلماً لمن تمارس تجاههم هذه السياسة.

فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى على ما يلي:

يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

وتقول المادة الثانية:

لكل إنسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر.

 

التمييز.. مخاطر وأضرار

أما على مستوى النتائج العملية، فإن سياسات التمييز تؤدي إلى أضرار بالغة، وأخطار جسيمة، من أبرزها ما يلي:

أولاً: إضعاف الوحدة الاجتماعية، فلا يتحقق التماسك أبداً بين فئات مجتمع يتعالى بعضها على البعض الآخر، ويستأثر عليه بالامتيازات والمكاسب. و ما يظهر من حالة وحدة واتحاد، لا يعدو أن يكون حالة فوقية سطحية مصطنعة، لا تلبث أن تخبو وتتوارى عند أي امتحان حقيقي.

ثانياً: تهديد الأمن والاستقرار، فالمتضررون من التمييز تنمو في نفوسهم وأوساطهم ردات فعل تدفعهم للانتقام، وللدفاع عن كرامتهم، ولردّ العدوان على حقوقهم، وقد تنشأ في هذا الوسط عناصر متطرفة خارج إطار السيطرة والانضباط.مما يدخل المجتمع في معادلة الفعل وردّ الفعل، ويسبب حالة القلق والاضطراب.

ثالثاً: الاستغلال الخارجي، فلكل أمة ومجتمع أعداء ومنافسون خارجيون، يهمّهم استغلال الأوضاع الداخلية، والتسلل من الثغرات ونقاط الضعف، ووجود فئة من المجتمع تشعر بالغبن وانتقاص الحقوق، يتيح للأعداء الخارجيين أفضل الفرص، وخاصة في هذا العصر الذي تستغل فيه القوى الكبرى شعارات حقوق الإنسان، ودعاوى الدفاع عن الأقليات.

رابعاً: وأد الطاقات وتهميش الكفاءات، وضعف الاستفادة من قدرات أبناء المجتمع، مادام المقياس هو الانتماء العرقي أو الديني أو الطبقي، وليس الكفاءة والإخلاص.

 

بين الماضي والحاضر

كانت شريعة روما تقسم الناس إلى أحرار وغير أحرار، وهؤلاء الأحرار كانوا أيضاً طبقتين: الأحرار الأصلاء وهم الرومانيون، وغير الأصلاء وهم (اللاتين) أما غير الأحرار فكانوا أربعة أنواع: الأرقاء، والمعتقون، وأنصاف الأحرار، والأقنان التابعون للأرض. وكان الأحرار الأصلاء وحدهم المتمتعين بالحقوق السياسية، في معظم الفترات التي مر بها تاريخ روما، أما غيرهم فكانوا محرومين منها.

وكان المجتمع الإيراني في عهد الساسانيين مؤسساً على اعتبار النسب والحِرَف، وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة لا يقوم عليها جسر، ولا تصل بينها صلة، وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقاراً لأمير أو كبير، وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولا يستشرف لما فوقه، ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها.

وقبل ميلاد المسيح(ع) بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، التي وضعت قانوناً يعرف بـ‍ (منوشاستر) يقسم أهل البلاد إلى أربع طبقات، هي: (البراهمة) وهم الكهنة ورجال الدين،وطبقة (شتري) وهم رجال الحرب، وطبقة (ويش) وهم رجال الزراعة والتجارة، وطبقة (شودر) وهم رجال الخدمة للطبقات الثلاث.

وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقاً ألحقتهم بالآلهة. وكانت الطبقة الرابعة (شودر) تمثل المنبوذين الذين لا يتمتعون بأية قيمة أو حقوق. وفي عام 1948م بدأت الحكومة الهندية مقاومة هذا التقسيم الطبقي، ومع أنه حدث بعض التقدم، إلا أن آثار ورواسب هذه الحالة لا تزال قائمة في كثير من أنحاء الهند.

وعانى الزنوج السود في الولايات المتحدة الأمريكية تمييزاً عنصرياً واسع النطاق، فترة ما قبل القرن التاسع عشر، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، أصبح هناك قوانين في مختلف الولايات الأمريكية، لإقرار حالة الفصل والعزل العنصري بين البيض والسود، بأن يستخدم كل منهما مرافق عامة منفصلة، فقد فرضت ولاية (أوكلاهوما) - مثلاً - على السود والبيض استخدام أكشاك هاتف منفصلة، كما خصصت ولاية (أركنساس) موائد منفصلة للمقامرة، بينما استخدمت كثير من المحاكم أناجيل منفصلة للحلف عند الشهادة، كما تبنت بعض الولايات الجنوبية قوانين جردّت السود من حقوقهم الانتخابية.

واستمرت حالة التمييز والفصل العنصري طوال القرن التاسع عشر تقريباً، ثم بدأت في التراجع والانهيار التدريجي في العقد الثاني من القرن العشرين، وفي عام 1969م ألزمت المحكمة الأمريكية العليا المدارس العامة، في المناطق المختلفة، الكف فوراً عن سياسة الفصل الاجتماعي.

وحتى خلال الثمانينيات تعرض السود للفصل الاجتماعي في مجال الإسكان، ورغم صدور الكثير من القوانين التي تمنع التمييز والفصل العنصري في أمريكا، إلا أن الحالة تتجاوز القوانين في العديد من الموارد والمواقف، حيث لا يزال السود يعيشون في مستوى أقل تقدماً من البيض، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

وفي أوربا كان التمييز الديني موجوداً لعدة قرون، من القرن الخامس إلى القرن السادس عشر الميلادي، وموجهاً بصفة أساسية ضد اليهود الأوربيين، حيث كان عليهم في كثير من البلاد، عدا الأندلس، حينما كانت في ظل الحضارة الإسلامية، كان عليهم أن يعيشوا داخل أحياء الأقليات اليهودية المعروفة باسم (الجيتو). كما كانت القوانين تحظر عليهم امتلاك الأراضي، والانضمام إلى النقابات الحرفية، أو ممارسة الطب أو القانون،مما أدى إلى تعذر حصولهم على العمل، إلا في تلك الأعمال التي يتجنبها النصارى.

وانتهجت حكومة البيض في جنوب أفريقيا أسوأ ألوان سياسات التمييز العنصري في هذا العصر، حيث احتكرت السلطة السياسية الأقلية البيضاء، المنحدرة من أصول أوروبية، من أحفاد المستوطنين الهولنديين الأوائل، الذين يعرفون باسم الأفريكانيين، وهم يشكلون نسبة 14% من السكان، ومارسوا تجاه الأغلبية السوداء من السكان الأصليين، سياسة الفصل والتمييز العنصري (الأبارتيد)، والتي أعلنها الحزب القومي عند مجيئه إلى الحكم عام 1948م، وقد حددت للسود مساحات خاصة لحياتهم لا تتجاوز 13% من مجموع مساحة البلاد، وكان عليهم إبراز هويات شخصية للدخول إلى الأحياء التي يقطنها البيض، وكانت مدارس الدولة معزولة عزلاً عنصرياً كاملاً، كما لم يكن ممكنا لغير البيض الالتحاق بالوظائف المتقدمة المخصصة للبيض، واستمرت هذه السياسة حتى عام 1991م، حيث ألغيت بفضل صمود ونضال الشعب، والتضامن الدولي معه.

وبقيت إسرائيل قلعة شاهقة للممارسات العنصرية الظالمة، محصنة ومحمية بدعم أمريكي شامل، تطرد وتهجر أبناء فلسطين وأهلها الشرعيين، وتستورد اليهود الغرباء من مختلف بقاع الأرض، ليستوطنوا أراضي الفلسطينيين، ويسومونهم الجور والظلم.

وهناك في عديد من بلدان العالم حالات من التمييز بين الناس معلنة أو غير معلنة، تتم بمختلف الأشكال والعناوين.

 

الإسلام شريعة المساواة

قبل أربعة عشر قرناً، وحينما كانت شعوب الأرض ترزح تحت وطأة سياسات التمييز، بعناوينه المختلفة، جاء الإسلام ليدّشن عصراً إنسانياً جديداً، ينعم فيه الإنسان بالمساواة، التي تضمن له كرامته وحقوقه الإنسانية

لقد نص القرآن الكريم على وحدة الأصل الإنساني، وأن التنوع العرقي والقومي والديني والقبلي، هو ضمن هذا الإطار الواحد المشترك، وهو تنوع شاءته الحكمة الإلهية، لإثراء حياة البشرية، وتكامل مسيرتها. يقول تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ)(20).

إنه نداء موجه إلى الناس كافة، وكلمة (الناس) مصطلح يُعبّر به عن اسم الجنس الإنساني، وهو مصطلح لا يقبل التجزئة والثنائية، كمصطلح أمة الذي يعني جماعة من الناس، وجمعه أمم، وكذلك شعب وجمعه شعوب، وكذلك مجتمع وجمعه مجتمعات.أما الناس فهو يشمل جميع البشر، وبذلك فلا مجال لتجزئته إلا على سبيل الإضافة، ولا صيغة للجمع فيه.

وأكد الرسول محمد(ص) مبدأ المساواة في أكثر من حديث وموقف كقوله(ص): (الناس سواسية كأسنان المشط)(21).

وقال(ص) في خطبته بحجة الوداع: (أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد،ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلّغت ؟ قالوا: بّلغ رسول الله(ص)، قال(ص): فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مبلغ أوعى من سامع)(22).

ويرى الدكتور طه حسين: (أن الإسلام إنما جاء قبل كل شيء بقضيتين اثنتين: أولاهما التوحيد، وثانيتهما المساواة بين الناس.وكان أغيظ ما أغاظ قريشاً من النبي ودعوته، أنه كان يدعوها إلى هذه المساواة، ولم يكن يفرّق بين السيد والمسود، ولا بين الحر والعبد، ولا بين القوي والضعيف، ولا بين الغني والفقير، وإنما كان يدعو إلى أن يكون الناس جميعاً سواء كأسنان المشط، لا يمتاز بعضهم عن بعض، ولا يستعلي بعضهم على بعض)(23).

 

نهج المساواة

تشكل سيرة الإمام علي(ع) في الحكم، على قصر عمرها الزمني، أروع أنموذج تطبيقي لشرعة المساواة في الإسلام، بعد رسول الله(ص).

فقد تسنم الإمام علي(ع) عرش الخلافة والحكم بمبايعة جماهيرية شاملة، بعد فترة من الفتن والاضطرابات أدت إلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وقد ظهرت في المجتمع الإسلامي حالات وأوضاع جديدة، بسبب اتساع رقعة الفتح الإسلامي، ودخول مجتمعات أخرى إلى إطار الدولة الإسلامية، وتعاظم ثروات بيت المال، والسياسات التي أتبعت في توزيع الموارد المالية، وبروز طموحات سياسية ومصلحية جامحة.

لقد أعلن الإمام علي(ع) منذ اليوم الأول لخلافته، التزامه بنهج المساواة بين أبناء الأمة، ومواطني الدولة الإسلامية، وأكد على ذلك بسياساته العملية، ومواقفه وتصريحاته العديدة.ككتابه لمالك الأشتر، حينما ولاه مصر، ذات التنوع الديني، لبقاء قسم من أهلها على المسيحية، ومن فقرات ذلك الكتاب قوله(ع): (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)(24).

 

المساواة في العطاء

موارد بيت المال من الزكاة والخراج والغنائم، كانت تصرف على مصالح الدولة الإسلامية، ويقسّم الباقي على أبناء الأمة، وفي عهد رسول الله(ص) وعهد الخليفة الأول أبي بكر، ومقطع من عهد الخليفة الثاني عمر، كان العطاء يوزع بالتساوي بين المسلمين، وفي سنة عشرين للهجرة ابتكر الخليفة عمر تنظيمات جديدة لإدارة بيت المال، وارتأى أن يكون هناك نسق تفاضلي في العطاء، إبرازاً للسوابق التاريخية الجهادية.

جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد:

لما أجمع عمر بن الخطاب على تدوين الديوان، وذلك في المحرم سنة عشرين، بدأ ببني هاشم في الدعوة، ثم الأقرب فالأقرب برسول الله(ص)... وفرض عمر لأهل الديوان ففضل أهل السوابق والمشاهد في الفرائض، وكان أبو بكر الصدّيق قد سوّى بين الناس في القسم، فقيل لعمر في ذلك، فقال: لا أجعل من قاتل رسول الله(ص) كمن قاتل معه..فبدأ بمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار، ففرض لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم في كل سنة، حليفهم ومولاهم معهم على السواء، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشة، وممن شهد أحداً، أربعة آلاف درهم لكل رجل منهم، وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسناً وحسيناً، فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله(ص)... وفرض لمن هاجر قبل الفتح لكل رجل ثلاثة آلاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح لكل رجل منهم ألفين، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح... ثم فرض للناس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم، ثم جعل من بقي من الناس باباً واحداً، فألحق من جاءهم من المسلمين بالمدينة في خمسة وعشرين ديناراً لكل رجل، وفرض للمحررين معهم، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق لكل رجل ألفين، إلى ألف، إلى تسعمائة،
إلى خمسمائة، إلى ثلاثمائة، لم ينقص أحداً من ثلاثمائة(
25).

هذه السياسة أنتجت فيما بعد آثاراً سلبية لاحظها الخليفة عمر، وعزم على التراجع عنها، لكن الأجل لم يمهله، عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: والله لئن بقيت إلى هذا العام المقبل، لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم رجلاً واحداً. وفي نقل آخر: لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بأعلاهم(26).

واستمرت سياسة التمييز في العطاء بعد ذلك طيلة عهد الخليفة عثمان، وزاد من حدة آثارها السلبية، تصرفات بعض حواشي الخليفة وأقربائه، مما عمّق الحالة الطبقية، وكرّس واقع التمييز بين الناس، وأوجد نقمة وسخطاً في العديد من الأوساط.

لذلك اهتم الإمام علي بمعالجة هذه المشكلة منذ اليوم الأول لخلافته، وجعلها على رأس أولوياته.

فاتخذ قراره الصارم بإلغاء سياسة التمييز في العطاء، وساوى بين الناس، دون أي تفضيل أو تمييز.

بالطبع لابد أن يُغضب ذلك القوى والجهات المستفيدة من السياسة السابقة، لكنه واجه ذلك بحزم وبسالة، موطناً نفسه على تحمّل المضاعفات الخطيرة، التي قد تنال من استقرار حكمه وسلطته. لاعتقاده بأن المساواة مبدأ لا يمكن المساومة عليه، ولا التنازل عنه، ولو كان ثمن ذلك اهتزاز عرش السلطة،لأن السلطة لديه لم تكن هدفاً وغاية، بل وسيلة لتحقيق المبادئ والأهداف الإسلامية.

وشنّ الإمام حملة توعوية تثقيفية في أوساط جماهير الأمة لإيضاح نهجه وسياسته.

روى ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن شيخه أبي جعفر الإسكافي، أن علياً صعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة، وهو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة.. فكان من خطبته:

(ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك، ويستنكرون، ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.

ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله(ص) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإن الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، وأيما رجل استجاب لله وللرسول فصدَّق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسويّة، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء، وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً وما عند الله خير للأبرار).

فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين، هذا غلامي بالأمس وقد أعتقته اليوم، فقال: نعطيه كما نعطيك، فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير، ولم يفضّل أحداً على أحد(27).

وفي الردّ على دعوى استحقاق التمايز بسابقة الإسلام والجهاد، قال (ع) في إحدى خطبه:

(يا معشر المهاجرين والأنصار: أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم، بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين.. فأمّا هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أَثَرة، وقد فرغ الله من قسمته، فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا، وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا، فمن لم يرض به فليتولَّ كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه)(28).

وكان مما أسخط طلحة والزبير انتهاج علي لهذا النهج، وإلغاؤه امتيازهما في العطاء، وقد صارحاه بذلك، فأجابهما بحزم: (وأمّا قولكما: جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا، سواء بيننا وبين غيرنا، فقديماً سبق إلى الإسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم، فلم يفضلهم رسول الله(ص) في القسم، ولا آثرهم بالسبق، والله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم، وليس لكما والله عندي ولا لغيركما إلا هذا)(29).

وولى الإمام علي بيت مال المدينة عمار بن ياسر وأبا الهيثم بن التّيهان، فكتب: العربي والقرشي والأنصاري والعجمي وكل من كان في الإسلام من قبائل العرب وأجناس العجم سواء(30).

وجاء رهط من شيعة علي وأنصاره، مشفقين على حكم علي من معارضة مراكز القوى، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف، وفضلتهم علينا، حتى إذا استوثقت الأمور، عدت إلى أفضل ما عوّدك الله من القسم بالسوّية، والعدل في الرعية!!

فقال (ع): أتأمرونني – ويحكم - أن أطلب النصر بالظلم والجور، فيمن وُلّيت عليه من أهل الإسلام؟! لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجما، والله لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم(31).

وجاءته امرأتان فأعطاهما على حد سواء، فلما ولّتا، سفرت إحداهما وقالت: يا أمير المؤمنين فضلني الله بما فضّلك الله به وشرّفك! قال: وبما فضلني الله وشرّفني؟ قالت: برسول الله(ص). قال: صدقت. وما أنت؟ قالت: أنا امرأة من العرب وهذه من الموالي. قال: فتناول شيئاً من الأرض، ثم قال: قد قرأت ما بين اللوحين، فما رأيت لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً ولا جناح بعوضة(32).

 

حقوق غير المسلمين

واهتم الإمام علي بحفظ حقوق كل مواطن في دولته، مسلماً كان أو غير مسلم، فإن غير المسلم شريك في الإنسانية والوطن، كما قال (ع): (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

لذلك نجد الإمام علياً يتألم لانتهاك حرمة المرأة غير المسلمة، كما يتألم للمرأة المسلمة، ويعتبر وقوع شيء من ذلك في بلاد المسلمين، دون مقاومة أو ردع، يسلب الحياة قيمتها، ويكفي مبرراً لاختيار الموت أسفاً واعتراضا، يقول (ع) مندداً بإحدى غارات جيوش معاوية:

(ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها، ما تمنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أُريق لهم دم، فلو أن امرءاً مسلماً، مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جدير)(33).

وذات مرة رأى الإمام علي شيخاً كبيراً فاقد البصر، وهو يستجدي الناس، فهاله المنظر، والتفت قائلاً: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال (ع): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟! أنفقوا عليه من بيت المال.(34)

وكتب في رسالة إلى عماله على الخراج، مؤكداً حرمة أموال وحقوق كل المواطنين مسلمين وغير مسلمين، يقول(ع): (ولا تمسُّن مال أحد من الناس؛ مصل ولا معاهد)(35).

ونجد ذروة الاحترام والمساواة أمام القانون، ما نقله ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) عن الشعبي قال: وجد علي درعاً له عند نصراني، فأقبل به إلى شريح (القاضي) قائلاً: هذه درعي! فقال النصراني: ما هي إلا درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين، فقال شريح لعلي: ألك بينة؟ قال: لا، وهو يضحك، فأخذ النصراني الدرع، ومشى يسيراً، ثم عاد، وقال: أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، ثم أسلم، واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين، ففرح علي بإسلامه، ووهب له الدرع وفرساً(36).

 

مع المخالفين في الرأي

وحينما انشق قسم من الناس عن الإمام علي، بعد قضية التحكيم في صفين، وأعلنوا معارضتهم للإمام، ومخالفتهم لرأيه، بل رموه بالكفر، وهم الذين عرفوا بالخوارج، إلا أنه رفض المساس بحقوقهم المدنية، وممارسة أي تمييز ضدهم، لمجرد مخالفتهم في الرأي السياسي أو الديني، ما لم يقدموا على الإخلال بالأمن باستخدام السلاح والعنف.

والرائع في الأمر أن الإمام علياً يبادر للإعلان لهم عن حقوقهم أمام الملأ، جاء في دعائم الإسلام وتاريخ ابن خلدون أنه: خطب علي بالكوفة، فقام رجل من الخوارج فقال: لا حكم إلا لله، فسكت علي، ثم قام آخر وآخر، فلما أكثروا عليه قال: كلمة حق يراد بها باطل. لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بحرب حتى تبدؤونا به(37).

وبعد واقعة النهروان سمع بعض أصحاب الإمام شخصاً يقال له أبا العيزار الطائي وهو يجهر برأي الخوارج، فجاءوا به للإمام علي، قائلين: إن هذا يرى رأي الخوارج، ونقلوا حديثه، فقال(ع): ما أصنع به ؟ قالوا: تقتله.

قال الإمام: أقتل من لا يخرج علي؟!

قالوا: تحبسه.

قال: وليست له جناية، أحبسه عليها خلو سبيل الرجل(38).

ما أحوج الأمة الإسلامية وهي تعيش في بعض مجتمعاتها مآسي فقدان المساواة، وفتن الخلافات القومية والطائفية، أن تقرأ سيرة الإمام علي(ع)، لتعرف سمو تعاليم الإسلام، وبراءته مما يمارس باسمه من ظلم وجور.

وما أحوجنا إلى قراءة علي في المساواة والعدل، وإبراز هذا النهج إعلامياً وثقافياً على المستوى العالمي، في مواجهة حملات التشويه، التي تستهدف الإسلام والمسلمين، وخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر، لإذكاء معركة الصدام الحضاري، بين الحضارة الغربية والإسلام، كما يخطط لها اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي المتطرف، لتتمكن إسرائيل في ظل هذه المعركة المفتعلة، من مواصلة احتلالها لفلسطين وقمع انتفاضة شعبها الناهض، وتحقيق أطماعها العدوانية التوسعية.

 

التعامل الإنساني في سيرة الإمام علي (ع)

تميزت سيرة أمير المؤمنين علي (ع) بخصال عديدة، كان من أوضحها تعامله الإنساني مع الآخرين، المبني على احترام الإنسان كإنسان، بغض النظر عن أي شيء آخر، والمحافظة على حقوقه وشخصيته المادية والمعنوية، في أي موقع ومكان، ومهما كان حجمه ومستواه..

وأهمية التوجه إلى هذا الجانب في سيرة أمير المؤمنين(ع)، تنبع من دوره في التأثير على مجمل حياة الإنسان، الشخصية والاجتماعية، وفي كونه طريقاً إلى رضا الرب سبحانه وتعالى.

فأنا وأنت نتعامل مع بشر، سواء كانوا موافقين لنا في الدين والاتجاه، أو مغايرين، ومن الأهمية بمكان، أن نعرف كيف نتعامل معهم التعامل الإنساني السليم، الذي يعكس صفاء الإسلام، وتكريمه للإنسان كإنسان، قبل أن يكتسب أية صفة أخرى، تضيف إليه اعتباراً آخر.

ولقد كانت سيرة أمير المؤمنين (ع) زاخرة بأمثلة عديدة، من التعامل الإنساني مع الآخر، في مختلف الأوضاع والظروف، فهي بحق - بعد رسول اللَّه(ص) - أفضل مثال وقدوة تحتذى..

وإن حضور هذا البعد في حياته، هو الذي جعل من شخصيته، شخصية إنسانية خالدة على مستوى البشرية كلها، وليس في تاريخ المسلمين وحدهم.

وقبل أيام صدر ديوان شعر جديد في بيروت لمسيحي ماروني هو (جوزيف الهاشم)، حول الإمام علي، تحت عنوان (علويات). أما كتاب (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية)، للأديب المسيحي (جورج جرداق)، فهو موسوعة رائعة، أخذت موقعها في مكتبة الثقافة والأدب العربي، وأيضاً ملحمة (عيد الغدير) لبولس سلامة المسيحي، وغير ذلك من الأعمال الأدبية والتاريخية والفكرية، التي تنبئ عن مكانة الإمام على المستوى الإنساني.

 

الماء حق للجميع

فمن شواهد التعامل الإنساني عند علي (ع)، ما جرى في معركة صفين، حين سبق جيش معاوية، جيش الإمام في الوصول إلى منطقة القتال، واستولى على مشرعة الفرات، ومنعوا جيش الإمام من الوصول إليه، فضج أصحاب الإمام من ذلك، فقام فيهم خاطباً وقال كلمته الشهيرة: (قد استطعموكم القتال، فأقرّوا على مذلة، وتأخير مَحَلَّة، أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين)(39).

فاستنهض الإمام بذلك جيشه للوصول إلى المشرعة، وهذا ما حصل فعلاً، حيث استطاعوا أن يجلوا جيش معاوية عنها وأن تكون لهم السيطرة عليها، فلما كان ذلك تصايحوا يقولون له: نمنعهم من الماء كما منعونا، ونقتلهم بسيف العطش، ولكنه رفض ذلك، وقال: (خذوا حاجتكم من الماء وارجعوا إلى معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فإني لا افعل ما فعله الجاهلون)(40)..

هكذا يضرب لنا مثلاً يحتذى في رفض استخدام الحصار والتضييق، ومنع ضرورات الحياة عن العدو، الذي يخوض معه معركة حاسمة، حتى وإن لجأ العدو إلى هذا الأسلوب.

إن هذه حقاً هي أخلاق الإسلام في بعدها الإنساني الكبير.

وحينما تبحث عن هذه الرؤية في الواقع العالمي الدولي، تجد أنها غائبة عن قاموس السياسة الدولية اليوم، فها أنت ترى الدول الكبيرة والمتحكمة، تمارس الحصار والمقاطعة ضد الشعوب الضعيفة، بحجة تصفية خلافاتها مع بعض الأنظمة والحكام، رغم أنهم يعلمون أن ضحية هذا الحصار هو الشعب نفسه.

فحينما فرضت أميركا والدول الغربية الحصار على الشعب العراقي، فهم يعلمون يقيناً أن الحصار لن يغير من واقع تسلط الحكم العراقي شيئاً، ولن يؤدي إلى تغيير سياسي فيه، بل على العكس من ذلك سوف يزداد الموقف الشعبي تجاه النظام ضعفاً، لأن الناس سوف يكون همهم الحصول على لقمة العيش والكفاف، أما النظام فإنه سيستفيد من هذه الحالة في سن قوانين تحكم قبضته، وتوسّع من صلاحياته، ويجد في الحصار المفروض مادة دعائية في اختلاق عدو خارجي، وفي الإبقاء على حالة طوارئ غير معلنة، وبالتالي قمع كل اعتراض.

فهل تضرر الحاكم العراقي السابق من الحصار؟ وهل أن الأطفال الذين يموتون بسبب نقص الدواء والغذاء هم من أبناء الرئيس المخلوع أو الوزراء أو الضباط الكبار؟

إن الغرب يعلم أن الأطفال الذين يموتون نتيجة للحصار إنما هم أطفال الناس الفقراء والمعدمين، أما أطفال أولئك فلا يولدون إلا وفي أفواههم ملعقة من ذهب كما يقال.

وقد فرض الغرب الحصار على ليبيا عدة سنوات لمشكلة له مع النظام، ورأيناه يمارس ما هو أكثر من ذلك مع السودان، حتى يصل الأمر إلى حد قصف وتدمير مصانع الدواء في بلد فقير، يعاني -أصلاً- من نقص كبير في هذا المورد، ويموت بعض مواطنيه بسبب النقص الحاد في الدواء وسوء التغذية.

فأين الإنسانية من كل هذا.. أو ليس ذلك دليلاً على غياب البعد الإنساني من فكر الحضارة الغربية ورؤيتها للحياة..؟ وعلى العكس من ذلك نجد الحضارة الإسلامية ورموزها.

 

حتى الخائن له حقوقه

ومن الشواهد في سيرة علي (ع) هذه القصة الهامة:

رجل من أصحاب الإمام (ع) اسمه (عبيد اللَّه بن الحر الجعفي) خان الإمام والتحق بجيش معاوية في جوف الليل.. ذلك حين كانت نيران حرب صفين مشتعلة وفي قوانين الحروب يعاقب مثل هذا الخائن بالإعدام.. واستطاع أن يقدم عبيد اللَّه خدمات كبيرة لمعاوية.. أما زوجته فكانت في الكوفة وتناهى إلى سماعها خبر هلاك عبيد اللَّه في المعركة.. فاعتدت عدة الوفاة، وبعد ذلك تزوجت برجل من أهل الكوفة، في الوقت الذي كان عبيد اللَّه حياً في الشام.. وحين اخبر بزواج زوجته.. خرج من الشام ليلاً.. وقطع المسافات الشاسعة، ووصل إلى الكوفة، ودخلها ليلاً.. وتوجه فوراً إلى بيت زوجته، أما زوجته فقد خرجت إليه وهي محجبة.. وبعد حوار قصير أخبرته بزواجها من رجل غيره..

رأى عبيد اللَّه أن أبواب العودة إلى زوجته مغلقة في وجهه.. ورأى أن أفضل حل أن يتشرف بلقاء مولانا أمير المؤمنين (ع) ويخبره بقصته.. وأمير المؤمنين (ع) رجل العدالة والحق.. ولا يعدل عن الحق وإن كان المحق خائناً..

التقى عبيد اللَّه بأمير المؤمنين (ع) منكساً رأسه خجولاً لكونه يعلم أنه خائن..سلّم على الإمام (ع).. أجابه الإمام وتساءل مستنكراً: أعبيد اللَّه أنت؟ أي أنت المنافق الذي خنت إمامك ودينك والتحقت بصفوف الكفر والنفاق وذلك في ظروف الحرب.. هل أنت ذلك الرجل؟

عبيد اللَّه يعلم أن علياً رجل الحق والعدل.. فانتهز الفرصة وقال: هل إن خيانتي تمنعك من العدل يا أمير المؤمنين؟ أجابه الإمام: كيف..؟ وطلب منه أن يسرد قصته وطلب من الإمام أن يغيثه في أمره.. والإمام أمر بإحضار زوجته وزوجها الثاني وقال: على المرأة أن تنفصل من زوجها الثاني وتبدأ بالعدة من الآن.. وبعد انتهاء عدتها تعود إلى زوجها الأول إن لم تكن حاملاًً.. ولو كانت حاملاً لا يعود إليها الزوج الأول حتى تضع ما في بطنها.. وولدها حلال طاهر وتابع لأبيه: الزوج الثاني.. وبعد ذلك تعود المرأة إلى زوجها الأول.

والجدير بالذكر أن الزوجة الغائب عنها زوجها لو راجعت المحكمة الإسلامية الشرعية وطلقها الحاكم الشرعي.. ثم عاد الزوج الأول.. لا يستطيع العودة لها.. ولا ينفسخ العقد الثاني وهو صحيح.. أما زوجة عبيد اللَّه فلم تراجع المحكمة الإسلامية.. بل بادرت من نفسها إلى الاعتداد والزواج لذلك انفسخ الزواج الثاني بعد حضور الزوج الأول طبيعياً ودون طلاق(41).

إن العدل شرعة ثابتة لا تنتقض حتى في التعامل مع العدو ويقول تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)(42).

 

عزوف عن العقوبات

وسيرة الإمام علي (ع) غنية بالشواهد والقصص التي تؤكد احترامه لإنسانية الإنسان، وحفاظه على كرامته وقد أتت للإمام (ع) امرأة فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير أمري (أي اعتدى عليها جنسياً).فقال (ع) للرجل: ما تقول؟ قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها.قال (ع) متوجهاً للمرأة: إن كنت صادقة رجمته وإن كنت كاذبة ضربناك حداً.

وأقيمت الصلاة وقام علي (ع) ليصلي. ففكرت المرأة في نفسها فلم تر لها فرجاً في رجم زوجها ولا في ضربها الحد، فخرجت ولم تعد. ولم يسأل عنها علي (ع).

في الوقت الذي كان الإمام (ع) يستطيع أن يأمر بإلقاء القبض عليها وإحضار زوجها ويحد أحدهما.. لكنه (ع) كان يتنفر من إجراء العقوبات، مع المحافظة على الحقوق والنظام.. ولم يكن يحمل في قرارة نفسه عقدة تعذيب الناس.. وكان يعفو قدر استطاعته(43).

 

إحسان إلى المعتدي

أما أروع صور الحالة الإنسانية في حياة علي فقد تجلت في الساعات الأخيرة من حياته الشريفة، مع الرجل الذي ضربه بالسيف وهو في محراب صلاته.

فقد هرب عبد الرحمن بن ملجم من المسجد يريد الفرار، غير أن الصيحات التي تعالت في سماء الكوفة أخرجت الكثيرين من بيوتهم بحثاً عن قاتل أمير المؤمنين، فانسدت طرقات الكوفة وسككها في وجه ابن ملجم، حتى قبض عليه بعض أصحاب علي (ع) فجاءوا به إليه، وهو بعد متأثراً بضربة السيف المسموم والدماء تنـزف من مفرق رأسه، وأصحابه يتصايحون، ها هو عدو اللَّه قد أتيناك به يا أمير المؤمنين فنظر إليه الإمام نظرة مشفق عليه، لا نظرة انتقام وتشفي وقال له: (يا ابن ملجم أبئس الإمام كنت لك) وإذا ابن ملجم يبكي ويقول: لا.. ولكن هل أنت تنقذ من في النار.

واستمر تعامله الإنساني الرائع معه حتى آخر لحظة من حياته، فحينما وصف الأطباء اللبن دواءً وغذاء للإمام (ع) فبادر الناس حتى الفقراء والمعدمون في الكوفة بجلب ما يتمكنون من اللبن إلى بيت الإمام، حمل الإمام الحسن (ع) واحداً من أقداح اللبن إلى الإمام علي، فلما شرب منه قليلاً ناول ولده بقية القدح وقال: (خذوه لأسيركم أطعموه مما تأكلون واسقوه مما تشربون اللَّه اللَّه في أسيركم).

وليس غريباً - نتيجة لذلك - ما يعتقده بعض من أن الإمام لو عاش لعفا عن ابن ملجم.

وهذا ما يتناسب مع عفو الإمام دائماً..

 

أو عفو عن ذنب

إن هذا المستوى الإنساني الرفيع الذي احتوته شخصية علي، هو الذي ارتفع بعلي إلى درجات من السمو والخلود قلَّ أن تجد لها نظيراً إلا شخصية أستاذه ومعلمه رسول اللَّه (ص).

فقد روي أنه (ع) كان جالساً في أصحابه، فمرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال (ع): (إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها -أي هلاكها- فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه، فليلامس أهله، فإنما هي امرأة كامرأته).

فقال رجل من الخوارج: قاتله اللَّه كافراً ما أفقهه. فوثب القوم ليقتلوه.

فقال (ع): (رويداً -أي على مهلكم- إنما هو سبٌّ بسبّ أو عفو عن ذنب)(44).

ومن سيرة الإمام علي (ع) يمكننا أن نتعلم الكثير وأن نتقمص الكثير من ملامح العظمة والخلود في شخصيته، غير أن استيعاب البعد الإنساني في حياته يبقى هو البعد الأكثر إلحاحاً وأهمية، في وقت يحرز الإنسان فيه تقدماً مذهلاً في الكثير من نواحي حياته، وقد يغفل أن سعادته بتقدمه لن تكتمل إن خلت من حضور هذا البعد.

 

(1) سورة المائدة: آية 104.

(2) سورة سبأ: آية 34.

(3) سورة الأنعام: آية 124.

(4) سورة طه: الآيات 29-32.

(5) الشوكاني، محمد بن علي: فتح القدير، ج3 ص451 المطبعة العصرية، صيدا - بيروت 1997م.

(6) سورة الفرقان: آية 35.

(7) سورة المزمل: آية 5.

(8) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الطبري، ج2 ص57.

(9) الموسوي، الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة رقم192.

(10) الخطيب، عبد الكريم: علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة، ص85 الطبعة الثانية/ دار المعرفة - بيروت 1975م

(11) الآلوسي، السيد محمود: روح المعاني في تفسير القرآن، ج16 ص186 الطبعة الرابعة/ دار إحياء التراث العربي- بيروت 1985م

(12) البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري، حديث رقم 4416.

(13) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله: المستدرك على الصحيحين، حديث رقم 4575، وحديث رقم 3294.

(14) القشيري، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، حديث رقم 2404 .

(15) ابن حنبل، الإمام أحمد: مسند الإمام أحمد، الطبعة الأولى/ عالم الكتب - بيروت 1998م.

(16) ابن ماجه القزويني، محمد بن يزيد: سنن ابن ماجه، فضائل علي.

(17) الكيالي، عبدالوهاب: موسوعة السياسة، ج4 ص250 الطبعة الأولى/ 1986، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.

(18) سورة الحديد: آية 25.

(19) سورة النحل: آية 90.

(20) سورة الحجرات: آية 13.

(21) السرخسي، شمس الدين: المبسوط، ج5 ص23، دار المعرفة - بيروت 1406هـ‍.

(22) الصالحي الشامي، محمد بن يوسف: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ج8 ص482 الطبعة الأولى/ 1993م دار الكتب العلمية - بيروت.

(23) حسين، الدكتور طه: الفتنة الكبرى، ج1 ص10.

(24) الموسوي، الشريف الرضي: نهج البلاغة، كتاب رقم 53.

(25) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج3 ص296-297، دار صادر - بيروت 1957م.

(26) المصدر السابق: ص302.

(27) ابن أبي الحديد، عبد الحميد: شرح نهج البلاغة، ج7 ص37 الطبعة الأولى/ 1987م دار الجيل – بيروت.

(28) المصدر السابق: ص40.

(29) المصدر السابق: ص41.

(30) الريشهري، محمد: موسوعة الإمام علي في الكتاب والسنة والتاريخ، ج4 ص194، الطبعة الأولى/ 1421هـ‍، دار الحديث - قم.

(31) المصدر السابق: ص195.

(32) المصدر السابق: ص196.

(33) الموسوي، الشريف الرضي: نهج البلاغة، خطبة 27.

(34) الحر العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، حديث رقم 19996.

(35) الموسوي، الشريف الرضي: نهج البلاغة - كتاب 51.

(36) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج2 ص443، مؤسسة التاريخ العربي - بيروت 1989م.

(37) الريشهري، محمد: موسوعة الإمام علي، ج6 ص342.

(38) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج14 ص366، دار الكتب العلمية - بيروت.

(39) الموسوي، الشريف الرضي: نهج البلاغة، خطبة 51.

(40) القزويني، السيد محمد كاظم: علي من المهد إلى اللحد، ص334 مطبعة الآداب - النجف الأشرف 1967م.

(41) الشيرازي، السيد محمد: الحكومة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين، ص69، مؤسسة الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى.

(42) سورة المائدة: آية 8.

(43) الشيرازي، السيد محمد: الحكومة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين، ص23، مؤسسة الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى.

(44) الموسوي، الشريف الرضي: نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم 420.