الصفحة 122

المبحثُ الأوّل

الشهادةُ الثالثة في الأذان وأجزاء الصلاة

وفيه ثلاثة فصول :

الفصلُ الأوّل

تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما  


الصفحة 123

الفصل الأوّل

تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما

  ويُستدلّ لذلك بعدّةٍ من طوائف الروايات الخاصّة الدالّة مطابقةً على ذلك بالصراحة أو الظهور ، والبحث يقع في جهات :

الجهةُ الأُولى : البحث في طوائف الروايات الخاصّة التي روى متونها الصدوق في الفقيه سنداً ودلالة وأقوالاً ، وهي ثلاث طوائف ، ثُمّ تُتبع بذكر طوائف روائيّة خاصّة أخرى .

الجهةُ الثانية : البحث في مقتضى قاعدة شرطيّة الولاية ، والإيمان في صحّة الأعمال ، والعبادات لشرطيّة الشهادة الثالثة في الأذان .


الصفحة 124

الجهةُ الأُولى

البحثُ في طوائف الروايات الخاصّة التي روى متونها الصدوق في الفقيه سنداً ودلالةً وأقوالاً  

نصُ الطوائف الثلاث الأُول : لقد جاء في كتاب مَن لا يحضره الفقيه للصدوق في باب الأذان والإقامة ، بعد استعراضه لصورتيهما قال : ( هذا هو الأذان الصحيح لا يُزاد فيه ولا ينقص منه ، والمفوّضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان ( محمّداً وآل محمّد خير البريّة ) مرّتين ، وفي بعض رواياتهم بعد أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله : ( أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله ) مرّتين ، ومنهم مَن روى بدل ذلك : ( أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ) مرّتين ، ولا شكّ في أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً ، وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البريّة ، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان ، وإنّما ذكرتُ ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا ) (1) .

وهذه المتون التي ذكرها الصدوق بنحو الإرسال هي ثلاث طوائف بالأحرى كما مرّ توضيحه في المدخل .

ــــــــــــ

(1) الفقيه : ج1 ، ص290 طبعة قم .


الصفحة 125  

* البحثُ في سند الطائفة :

نظرةُ الصدوق : ويُلاحظ ويُستشفى من كلام الصدوق عدّة أمور :

1 ـ وجود روايات واردة في الشهادة الثالثة وأنّها متعدّدة ذات طوائف .

2 ـ إنّ تلك الروايات كانت في أصول أصحابنا لا في كتب الفِرَق المنحرفة ـ فِرق المفوضة ـ، وإلاّ لمَا أشار إليها الصدوق ؛ لعدم دأبه بالتعرّض لروايات الفِرق الأخرى ، ويَعضد هذه الحقيقة ما سيأتي من كلام الشيخ الطوسي ( قدِّس سرّه ) حول هذه الروايات الدال على ذلك أيضاً .

3 ـ حكاية الصدوق بوجود جملة من الشيعة يمارسون الأذان بالشهادة الثالثة في زمانه ، ويعملون بتلك الروايات وكانوا من جملة أبناء الطائفة وفي مُدنهم ، بل إنّ التدبّر في كلام الصدوق ـ حيث وَصفَ سلسلة الرواة لطرق تلك الروايات بأنّهم متّهمون بالتفويض ـ يقتضي كون تلك الروايات متداولة في الطبقات السابقة عليه روايةً وعملاً ، فيظهر من ذلك أنّ السيرة المزبورة متقادِمة على عصر الصدوق .

4 ـ إنّ الصدوق قد عَقد في كتاب التوحيد (1) باباً تحت عنوان ( تفسير حروف الأذان والإقامة ) ، ثُمّ نقلَ رواية طويلة في تفسير الأذان لم تتضمّن ( حيّ على خير العمل ) ، فعلّقَ عليها بقوله : إنّما تَرك الراوي لهذا الحديث ( حيّ على خير العمل ) للتقيّة ، ثُمّ قال : وقد رويَ في خبر آخر أنّ الصادق ( عليه السلام ) سُئل عن معنى ( حيّ على خير العمل ) ؟ فقال : ( خيرُ العمل الولاية ) ، وفي  خبرٍ آخر : ( خيرُ العمل برّ فاطمة وولدها ( عليهم السلام )) انتهى كلامه .

ـــــــــــــــ

(1) باب 34 ، ص238 ـ 241 ، التوحيد ، طبعة قم .


الصفحة 126  

فيظهر من الصدوق : البناء على أنّ بعض فصول الأذان قد تُترك في روايات الأذان لأجل التقيّة ، فمِن الغريب بعد ذلك استنتاجه لوضع الشهادة الثالثة في الروايات المتقدّمة لأجل ترك ذِكرها في كثير من الروايات الأخرى ، حسب سياق كلامه في كتاب الفقيه ، فلاحظ كلامه المتقدِّم على العبارة التي نقلناها .

كما أنّه يظهر منه في كتابه التوحيد : أنّ الأذان مشتمل على فصل كنائي عن ولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهو حيّ على خير العمل ، فهذا ممّا يَعضد تضمّن الأذان لذكر الولاية ، بل قد روى الصدوق في العِلل (1) في المصحّح عن ابن عمير ، عن أبي الحسن أنّه سأله عن ( حيّ على خير العمل ) لِمَ تُركت من الأذان ؟ قال : ( تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة ؟ قلت : أريدهما جميعاً ، فقال : أمّا العلّة الظاهرة ؛ فلئلاّ يدع الناس الجهاد أو اتكالاً على الصلاة ، وأمّا الباطنة (2) ؛ فإنّ خير العمل الولاية ، فأراد من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان ، أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها ) انتهى .

ممّا يدلّ على بناء الصدوق على كون فصل ( حيّ على خير العمل ) : هو عنوان لولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وصيغة من صيغ الشهادة الثالثة الكنائيّة ، ثُمّ إنّه يُلاحظ على كلام الصدوق في الفقيه جملة من الأمور .

أولاً : إنّ الصدوق قد اعتمد وروى في كتاب التوحيد (3) ، رواية في الأذان بسند متّصل تتضمّن نداء مَلك من الملائكة العظام ـ إذا حضر وقت الصلاة ـ بالشهادات الثلاث ،

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الأذان والإقامة ، باب 19 ، ح16 .

(2) أي : الخفيّة التي لم يفصح الثاني عنها عَلناً .

(3) التوحيد : باب 38 ، ص281 ، ح10 .


الصفحة 127  

 وإنّه لأجل ذلك تصيح الديكة في أوقات الصلاة كما سيأتي نقلها مفصّلاً ، مع أنّه قد روى أيضاً في عِلل الشرائع ـ كما سيأتي ـ أنّ هذا النداء ذا صلة بالأذان ، كما سيأتي مفصّلاً بحسب الروايات التي رواها الصدوق نفسه ( قدِّس سرّه ) .

ثانياً : إنّ الصدوق في الفقيه قد بنى وروى ذِكر أسمائهم ( عليهم السلام ) بوصف الإمامة في قنوت الصلاة ، وقنوت صلاة الوتر ، حيث أورد في باب قنوت الصلاة الرواية بقوله : وقال الحَلبي له ( للصادق ( عليه السلام )) : أسمّي الأئمّة ( عليهم السلام ) في الصلاة ؟ قال : ( أجمِلهم ) (1) .

مع أنّه أوردَ في الموضع الأوّل الفتوى لسعد بن عبد الله ، بعدم جواز الدعاء في القنوت بالفارسيّة ، ممّا يظهر منه أنّ الحال في القنوت توقيفي غير موسع ، ومع ذلك أفتى برجحان ذِكرهم بالإمامة فيه .

 وكذلك أفتى الصدوق بالشهادة الثالثة في المقنع ، في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام قال : ثُمّ تُكبّر تكبيرتين وقل : وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، عالِم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) حنيفاً مسلماً ) (2) .

ثالثاً : إنّ والد الصدوق علي بن بابويه ( قدِّس سرّه ) ذَكر الشهادة الثالثة في عدّة مواضع :

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ج1 ، ص317 طبعة قم ، وص493 .

(2) المقنع : ص93 ، طبعة قم ، مؤسّسة الإمام الهادي .


الصفحة 128  

منها : في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام ، نظير ما مرّ في عبارة الصدوق .

ومنها : في التشهّد حيث قال : ( أشهدُ أنّك نِعم الرب ، وأنّ محمّداً نِعم الرسول ، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم الولي ) (1) .

ومنها : في صيغة الصلاة على النبي وآله في تشهّد الصلاة حيث قال : ( اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعليّ المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين ، اللهمّ صلِّ على نورك الأنور ، وحبلك الأطول ، وعلى عروتك الأوثق ، وعلى وجهك الكريم ، وعلى جنبك الأوجب ، وعلى بابك الأدنى ، وعلى مسلك الصراط ) (2) .

ومنها : ما ذكرهُ علي بن بابويه في صيغة التسليم في الصلاة حيث قال : ( السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام  عليك وعلى أهل بيتك  الطيبين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (3) ، وقريب منه ما تقدّم .

 ويأتي من اعتماد الصدوق في الفقيه ذلك في التسليم للصلاة ، فلم توجِب رواية كلّ هذه المواضع التُهمة بالتفويض عند الصدوق ، فما الوجه في تخصيص رواة الشهادة الثالثة في الأذان بتهمة التفويض ، مع أنّ عبارة الصدوق متدافعة بين الصدر والذيل ؛ حيث إنّه في الصدر وَصفَ رواة هذه الروايات بالمفوّضة على نحو التحقيق ، وفي الذيل وَصفهم بأنّهم متّهمون بالتفويض أي يظنّ بهم ذلك ، ومنشأ هذا الظن ليس إلاّ تخرّصاً ورَجماً بالغيب ، بعد كون الشهادة الثالثة مضمونها من ضروري المذهب ، ومُكمِّلة للدين ، ولقبول ورضا الرب بالأعمال واشتراط الإيمان بها ،

ـــــــــــــــ

(1) الفقه الرضوي : ص18 طبعة آل البيت ( عليهم السلام ) .

(2) المصدر السابق .

(3) المصدر السابق .


الصفحة 129  

 وبعدما اتّضح رواية الصدوق نفسه لروايات في موارد عدّة في الصلاة يذكرها بصيغ مختلفة للشهادة الثالثة ، فأي التقاء لذلك مع التفويض ؟

 ويُحتمل قريباً أنّ الصدوق ذَكر ذلك تقيّة ، نظراً للأحداث والفتن الدامية التي حصلت بين الشيعة وسنّة جماعة الخلافة في بغداد وغيرها من البلدان ، قَبل ورود الصدوق لبغداد بعقود من السنين ، وكذلك أثناء وروده إليها وقد استعرَضَت الكتب التاريخيّة (1) ذلك بتفصيل ، ويَعضد هذا الاحتمال قرائن منها :

أ ـ الصلة الوثيقة بين الصدوق وآل بويه ، مع أنّهم هم الذين رفعوا شعار التشيّع في الأذان : كالشهادة الثالثة ، وحيّ على خير العمل ـ كما مرّ تفصيله ـ في بغداد ، وجنوب إيران ، مع أنّ آل بويه من الشيعة الاثنى عشريّة ، ولم يكونوا من فِرق الغلاة والمفوّضة .

ب ـ قول الصدوق في الفقيه في باب الوضوء ، وفي صفة وضوء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : وقد فوّض الله عزّ وجل لنبيّه أمر دينه ، ولم يُفوّض إليه تعدّي حدوده (2) .

وقال المجلسي في البحار بعد نقل الكلام المتقدّم للصدوق : ولعلّ الصدوق عندما نفى المعنى الأوّل حيث قال في الفقيه : وقد فوّض الله عزّ وجب إلى نبيّه أمر دينه ، ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده ) ، وأيضاً هو ( رحمه الله ) قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه (3) ولم يتعرّض لتأويلها ) (4) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) قد مرّ تفصيل المصادر في ذلك في المدخل في مبحث السيرة ، فلاحظ .

(2) ثواب الأعمال : باب عقاب العُجب ص351 ، اعتقادات الصدوق ، عيون أخبار الرضا : ج2 ، ص202 ، مَن لا يحضرهُ الفقيه : ج1 ، ص201 ، طبعة جماعة المدرّسين ، حديث 605 .

(3) الفقيه : ج1 ، ص41 طبعة قم ، منشورات جماعة المدرّسين .

(4) البحار : ج25 ، ص347 .


الصفحة 130  

قال الصدوق في كتابه الاعتقادات : ( وقد فوّض الله تعالى إلى نبيّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أمر دينه فقال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ، وقد فوّض ذلك إلى الأئمّة ( عليهم السلام )....) (1) .

قال الصدوق في الفقيه ، وقال زرارة بن أعين ، قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : ( كان الذي فرضَ الله تعالى على العباد عشر ركعات وفيهنّ القراءة وليس فيهنّ وهمٌ ـ يعني السهو ـ فزاد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سبعاً فيهنّ السهو ....) (2) .

أقول : فمع هذه التصريحات من الصدوق بالتفويض ، أو صحّة بعض أقسام التفويض ، كالتفويض في التشريع من النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الحدود التي رسمها الله تعالى له ، مع فتوى الصدوق بالشهادة الثالثة في مواضع من الصلاة ، كما في : ضمن دعاء التوجّه (3) ، وفي قنوت الصلاة (4) ، وفي التسليم (5) ، بل في الفقه الرضوي ـ الذي هو رسالة والده علي بن بابويه ـ ذَكر الشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة (6) .

ومع ما تقدّم ـ من وقوع الفتن الدامية بين الشيعة وأهل سنّة الجماعة في بغداد ، وحلب ، ومصر ، وبين آل بويه وغيرهم ، كما مرّ مفصّلاً في بحث السيرة ـ لا يبعد كون حكم الصدوق بالتفويض على رواة هذه الروايات أنّه من باب التمسّك بالتقيّة ، ولزوم الاتّقاء على الشيعة ،

ـــــــــــــــــــ

(1) اعتقادات الصدوق : ص109 ـ 111 .

(2) مَن لا يحضرهُ الفقيه : ج1 باب فرض الصلاة ، ح605 ، ص201 طبعة جماعة المدرّسين .

(3) المقنع : ص93 ، طبع قم ـ مؤسّسة الإمام الهادي .

(4) الفقيه : ج1 ، ص4 ، ص3 ، وص317 ، طبعة قم .

(5) المقنع : ص96 ، طبع قم ـ مؤسّسة الإمام الهادي والفقيه : ج1 ، ص319 .

(6) الفقه الرضوي : ص108 ، طبعة آل البيت .


الصفحة 131  

وقد يكون التدافع بين صدر عبارته وذيلها تعريض وإيماء وتلويح بالتقيّة ، حيث حَكم في صدر عبارته بأنّها من وضع المفوّضة ، ثُمّ ذَكر في ذيل عبارته : أنّ مَن يتعاطى هذه الروايات ويعمل بها فهو متّهم بالتفويض ، مع أنّ الجزم بالوضع متوقف على الجزم أيضاً بالتفويض ، وعلى الجزم بمنافاة المضمون ؛ لمسلّمات وأصول المذهب ، فكيف يتلائم ذلك مع عدم الجزم بالتفويض ، بل المظنّة بأنّهم مفوّضة ومتّهمون .

رابعاً : إنّ ميزان التفويض والغُلو عند الصدوق ( قدِّس سرّه ) ـ وشيخه ابن الوليد ، ومدرسة الرواة والمحدّثين القميّين ـ يختلف عن ميزان ذلك لدى الشيخ المفيد ، والمرتضى ، والطوسي ، والمدرسة البغداديّة والكوفيّة ؛ فإنّ الأولى اتّصفت بالحدّة والإفراط في ذلك ، فإنّ بعضهم ـ كالصدوق في كتابه المزبور ـ يجعل نفي السهو عن المعصوم في الأفعال ذات الحكم الإلزامي أوّل درجات الغلو ، ووقائع المدرسة الأولى ـ مع كبار وجوه وفقهاء ومتكلمي الطائفة والبرقي وغيرهم ـ معروفة ، فلاحظ رجال الكشّي وغيره ، ونحن وإن نُعطي النصفة والحق للمدرسة الأولى في ذلك ، نظراً لأخذ الحيطة في تراث الروايات ، ودَحراً لأيدي الوضّاع والمدلّسين عن الطمع في الجعل ، إلاّ أنّ ذلك كلّه في إطار الوقاية والحماية ، لا أنّه يعني صحَّة كلّ تشدّدهم وحدّتهم في صرامة المباني الرجاليّة والدرائيّة ، التي تُضيّع هي الأخرى قسماً من التراث الروائي الديني .

ولذلك خطّأ جمهور أصحابنا ـ حتّى ابن الغضائري البغدادي المتشدّد ـ طعْنَ الصدوق وشيخه في عدّة مواضع ، كما في طعنه على أصلَي زيد الزرّاد ، وزيد النرسي ، بأنّهما موضوعان من قِبَل محمد بن موسى الهمداني : بأنّ هذين الأصلين قد رواهما الأصحاب بأسانيد مختلفة أخرى صحيحة .


الصفحة 132  

وكما في تخطئة النجاشي وغيره من الرجاليّين المحدِّثين ، في استغرابهم بعض ما استثناه ابن الوليد ، وبتبعه الصدوق من نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد الأشعري القمّي ، حيث حكى النجاشي عن شيخه أبي العبّاس بن نوح تعجّبه من استثناء روايات محمد بن عيسى بن عبيد من الكتاب المزبور ، مع أنّه كان على ظاهر العدالة والثقة .

 وقد استثنى الصدوق وشيخه من الكتاب المزبور روايات سهل بن زياد الآدمي ، مع أنّ الكليني أدمنَ الرواية عنه في الكافي ، مع أنّ الصدوق أيضاً قد اعتمده في طريق المشيخة ، وكذا استثنيا روايات أحمد بن هلال العبرتائي ، مع أنّ الشيخ في العدّة ادّعى إجماع الطائفة على العمل برواياته في حال استقامته ، وغيرها من الموارد التي امتنعَ الصدوق من نقل رواية الرواة الموجودة في الأصول المعتبرة لمسلكه الخاصّ به وبشيخه ، بل تراهما يمتنعان من نقل رواية كتابين ( أصلَين ) معتبرَين عند الأصحاب لذلك .

 ومن موارد وأمثلة التشدّد بحدّة التي تفرّد بها الصدوق : ما ذهبَ إليه في الفقيه من أنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً ، وذَكر جملة من الروايات بهذا المضمون ، ثُمّ قال : ( مَن خالفَ هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ردّها اتُّقي كما يُتّقى من العامّة ، ولا يُكلّم إلاّ بالتقيّة كائناً مَن كان ، إلاّ أن يكون مسترشداً فيرشد ويَبين له ، فإنّ البدعة إنّما تُماث وتبطل بترك ذِكرها ولا قوّة إلاّ بالله ) (1) .

وقال أيضاً في الخصال بعدما أورد الروايات : ( إنّ إكمال العدّة ثلاثين يوماً ، مذهب خواص الشيعة وأهل الاستبصار في شهر رمضان أنّه لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً ،

ـــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : كتاب الصوم ، باب النوادر ، ص171 ، ج2 ، طبعة قم .


الصفحة 133  

والأخبار في ذلك موافِقة للكتاب ومخالفة للعامّة ، فمَن ذَهب من ضَعفة الشيعة إلى الأخبار التي وردت للتقيّة ، في أنّه ينقص ويصيبه ما يصيب الشهور من النقصات والتمام اتُقي كما تُتّقى العامّة ، ولم يُكلّم إلاّ بما يُكلّم به العامّة ، ولا قوّة إلاّ بالله ) (1) .

مع أنّه قد رجعَ عن ذلك في كتابه المُقنع ، فقال في باب رؤية هلال شهر رمضان : ( وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين ، ويكون ثلاثين ، ويُصيبه ما يصيب الشهور من النقصان والتمام ) (2) .

 

ــــــــــــــــــــ

(1) الخصال : ج2 ، ص531 ، طبعة قم .

(2) المقنع : ص183 ، طبعة قم .