الصفحة 173

الطائفةُ الرابعة

الرواياتُ المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من الأذان  

الروايةُ الأولى : مُعتبرة الفضل بن شاذان فيما ذكرهُ عن العِلل عن الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : ( إنّما أُمرَ لناس بالأذان لِعلل كثيرة ، منها : أن يكون تذكيراً للناسي [ للساهي ] ، وتنبيها للغافل ، وتعريفاً لمَن جهل الوقت واشتغل عنه ، ويكون المؤذِّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومُرغباً فيها ، مُقرّاً له بالتوحيد ، مجاهراً بالإيمان ، مُعلناً بالإسلام ، مؤذِّناً لمَن ينساها ،.... وجَعل التكبير في أوّل الأذان أربعاً ،.... وجَعل بعد التكبير الشهادتان ؛ لأنّ أوّل الأيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة ، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان ؛ ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان ، فجَعل الشهادتين شهادتين كما جَعل في سائر الحقوق شاهدان ، فإذا أقرّ العبد لله عزّ وجل بالوحدانيّة ، وأقرّ للرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالرسالة ، فقد أقرّ بجملة الأيمان ؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله ، وإنّما جَعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة ) (1) ، وهذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه (2) .

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الأذان والإقامة ، باب 19 ، حديث 14 .

(2) الفقيه : ج1 ، ص99 ، ح914 ، طبعة قم .


الصفحة 174  

أقول : وتقريب دلالة هذه الرواية حيث إنّها متعرّضة لماهيّة وفصول الأذان كما يلي :

أولاً : إنّه قد وقعَ المقابلة بين قوله ( المجاهرة بالإيمان ، والإعلان بالإسلام ) ؛ فإنّ هذين العنوانين كانا يُستعمل كلّ منهما في معنى الآخر إذا أنفرد كلّ منهما عن الآخر ، إلاّ أنّهما يستعملان في مقابل بعضهما البعض ، لاسيّما إذا اقترنا بنحو المقابلة ، كما في هذا الحديث نظير قوله تعالى : ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (1) .

ثانياً : إنّ المعنى المعهود المستعمل في رواياتهم ( عليهم السلام ) في مقابل الإسلام : هو الاعتقاد بولايتهم ، مضافاً إلى التوحيد ، والنبوّة ، والمعاد ، فيستفاد من إطلاقهم ( عليهم السلام ) له ـ لاسيّما مع مقابلته مع عنوان الإسلام ـ ينسبق منه معنى إرادة الإقرار بولايتهم .

ثالثاً : يَدعم هذا المفاد لهذه المعتبرة ، ما سيأتي من رواية معتبرة ابن أبي عمير (2) ، من تضمّن الأذان الحثّ على الولاية ، وأنّه دعاءٌ إلى الولاية في فصل ( حيّ على خير العمل ) ، ممّا يُدلّل على أنّ ماهيّة الأذان هي الدعوة إلى الإيمان والولاية أيضاً ، كما هو دعوة إلى الإسلام والشهادتين .

رابعاً : ما تضمّنت المعتبرة بموضع آخر من التعبير ، بأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد ، والتعبير الثاني ( الإقرار للرسول بالرسالة ) تلويح بأنّ هناك فقرات أخرى للأيمان ، فيكون الأذان دعاءً إليه ومجاهرة به ،

ــــــــــــــ

(1) الحجرات : 14 .

(2) الوسائل : أبواب الأذان ، باب 19 .


الصفحة 175  

ويَعضد هذا التعبير تعبير الرواية في موضع بعد ذلك : ( ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان ) ، ممّا يلوِّح بأنّ الشهادتين ليستا تمام فقرات ما يدعو إليه الأذان من الإيمان ، والذي يؤكّد ذلك التلويح أيضاً : قوله ( عليه السلام ) مرّة ثالثة أنّه : ( فإذا أقرّ العبد بالوحدانيّة ، وللرسول بالرسالة ، فقد أقرّ بجملة الإيمان ) ، وتعقيبه ذلك مرةً أخرى : بأنّ أصل الإيمان هو الإقرار بالشهادتين ، مع أنّه لو كانت الشهادتان هما كلّ جملة الإيمان لمَا عقّب ( عليه السلام ) ذلك بقوله : ( إنّما أصل الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله ) ، أي أنّهما مبتدأ الإيمان لإتمام فقرات جملته ، فيبدوا بمجموع هذه القرائن أنّ المراد من كون ماهيّة الأذان هو الدعوة إلى التوحيد ـ والجهار بالإيمان والإعلان بالإسلام ـ هو كون الأذان دعوة إلى الشهادتين ، وإلى الولاية .

وقد روى الصدوق في العِلل وعيون الأخبار عن الرضا ( عليه السلام ) ما يقرب (1) من ذلك .

خامساً : إنّ قوله ( عليه السلام ) في بيان ماهيّة الشهادتين في الأذان أنّه : ( الإقرار لله بالوحدانيّة ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة ، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان ،.... فإذا أقرّ العبد لله تعالى بالوحدانيّة ، وأقرّ للرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالرسالة ، فقد أقرّ بجملة الأيمان ؛ لأنّ أصل الأيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله ) ، وعلّل ( عليه السلام ) جَعل الشهادتين في الأذان بثلاث عِلل :

 

1 ـ بأنّهما قوام الإيمان .

2 ـ أنّ طاعتهما مقترنتان .

3 ـ أنّ معرفتهما في ساير الكتب السماويّة .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الأذان والإقامة ، ب19/15 .


الصفحة 176  

وهذه العِلل الثلاث متأتّية في الشهادة الثالثة لتقَوّم الإيمان بولايته ( عليه السلام ) وولده ، واقتران طاعتهم ومعرفتهم بطاعة الله ورسوله ومعرفتهما في الآيات القرآنية قال تعالى : ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، وقال تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُه وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) ، وكذلك الشهادة الثالثة مقرونة بالشهادتين في سائر الكتب السماويّة ، وفي نشأة العرش والكرسي والسماوات والعديد من الأكوان والعوالم ، والتعليل الثالث يُنبّه على وجود الإشارة إلى الشهادة الثالثة في الأذان ، في لسان الطوائف الكثيرة المتعرِّضة لاقتران الشهادات في نشأة وخلق الأكوان .

هذا ، مع أنّ عنوان الإقرار عنوانٌ قد ورد في بيان ماهيّته اقتران الشهادات الثلاث ، كما في الروايات الواردة في تلقين الميّت (2) ، وكما في الإقرار الذي في التشهّد ، حيث سيأتي عقد فصل خاص بالتشهّد ، وإنّ مؤدّى النصوص الواردة في التشهّد بأنّ ماهيّته هو الإقرار بالعقائد الحقّة ، بل إنّ هناك بعض الروايات الخاصّة بالشهادة الثالثة في التشهّد ، وكذلك هو مورد فتوى جملة من الأعلام كما سيأتي .

 فالإقرار في التشهّد الصلاتي مقرونة فيه الشهادات الثلاث ، وكذلك الإقرار الوارد في الطوائف الروائيّة العامّة الآتية ؛ فإنّ الإقرار فيها كذلك مقرون بالأمور الثلاث ، فالإقرار بحقيقة الإيمان له ماهيّةٌ شرعيّة متقوّمة بالشهادات الثلاث .

ــــــــــــــــــــ

(1) المائدة : 55 .

(2) الوسائل : أبواب الاحتضار ، باب 37 ، باب استحضار تلقين المحتضر الإقرار بالأئمّة وتسميتهم بأسمائهم .


الصفحة 177  

الروايةُ الثانية : مصحّح محمّد بن أبي عمير ، أنّه سأل أبا الحسن ( عليه السلام ) عن ( حيّ على خير العمل ) ، لِمَ تُركت من الأذان ؟ قال : ( تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة ؟ قلتُ : أريدهما جميعاً ، فقال : أمّا العلّة الظاهرة ؛ فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة ، وأمّا الباطنة ؛ فإنّ خير العمل الولاية ، فأراد من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان ، أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها ) (1) .

وهذه المصحّحة نصٌ في تضمّن ماهيّة الأذان الدعاء إلى الولاية والحثُ عليها ، وأنّ ذلك جزء الأذان ، فالأذان الذي هو إعلام ودعاء ، ليس هو دعاء للشهادتين فقط ، بل هو دعاء للشهادات الثلاث بنص هذه المصحّحة ، فتُضمّ هذه المصحّحة إلى المعتبرة السابقة الدالّة على أنّ ماهيّة الأذان دعاءٌ للتوحيد ، وجهارٌ بالإيمان ، وإعلان بالإسلام ، فالتوحيد هو التكبير والتهليل في الأذان ، وإعلان الإسلام هو الشهادتان ، وجهار الإيمان هو الفصول الأخرى الدالّة على الولاية ، سواء الشهادة الثالثة في الطوائف الثلاث المتقدّمة ، أو فصل ( حيّ على خير العمل ) كما في هذه المصحّحة .

الروايةُ الثالثة : روى الصدوق فقال : حدّثنا على بن عبد الله الورّاق ، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني ، قالا : حدّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري قال : حدّثنا العباس بن سعيد الأزرق ، قال : حدّثنا أبو نصر ، عن عيسى بن مهران ، عن يحيى بن الحسن بن عبد الوهّاب ، عن محمد بن مروان ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :

ــــــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الأذان والإقامة ، باب 19 ، ح16 .


الصفحة 178  

 ( أتدري ما تفسير ( حيّ على خير العمل ) قلتُ : لا ، قال : دعاكَ إلى البِر ، أتدري بِرُّ مَن ؟ قلتُ : لا ، قال : دَعاك إلى بِرّ فاطمة وولدها ( عليهم السلام )) (1) ، ورواه أيضاً مُسنداً في كتابه العِلل (2) ، وروى ذلك الصدوق مُرسلاً في المعاني أيضاً في ذيل الخبر الأوّل من الباب الذي عقده في معنى حروف الأذان والإقامة ، حيث قال في ذيل ذلك الخبر : قال مصنّف هذا الكتاب : إنّما تركَ الراوي لهذا الحديث ذِكر ( حيّ على خير العمل ) للتقيّة .

وقد رويَ في خبر آخر ، أنّ الصادق ( عليه السلام ) سُئل عن معنى ( حيّ على خير العمل ) فقال : ( خيرُ العمل الولاية ) ، وفي خبرٍ آخر ( خيرُ العمل برّ فاطمة وولدها ( عليهم السلام ) ) (3) .

وقد أشار إلى هاتين الروايتين السيّد ابن طاووس في فلاح السائل (4) ، وقد ذُكر نظير ذلك في كتاب التوحيد (5) في ذيل نفس الخبر ، وهذه الرواية أيضاً نصّ في كون ماهيّة الأذان متضمّنة الدعاء إلى الولاية .

الروايةُ الرابعة : وروى الصدوق مُرسلاً في الفقيه قال : وكان ابن النبّاح يقول في أذانه : حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، فإذا رآه علي قال : ( مرحباً بالقائلين عدلاً ، وبالصلاة مرحباً وأهلاً ) (6) .

ــــــــــ

(1) معاني الأخبار : ص42 .

(2) عِلل الشرائع : ج2 ، ص368 ، باب 89 ، ح5 .

(3) معاني الأخبار : ص41 ، طبعة جامعة المدرّسين ، قم .

(4) فلاح السائل : ص148 ، ص150 .

(5) التوحيد : ص41 ، طبعة قم ، جامعة المدرّسين .

(6) أبواب الأذان والإقامة : باب 19 ، ح1 .


الصفحة 179  

قال المجلسي : ( وكان ابن النبّاح ) وهو مؤذِّن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول إلى قوله : ( عدلاً ) ، أي حقّاً وصواباً ، كما قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأذن الله تعالى : ( بالصلاة مرحباً وأهلاً) ، يعني : هُم لأن تُقبل صلواتهم لا مَن يتركه ، أجمع الأصحاب على قول ( حيّ على خير العمل ) مرّتين بعد ( حيّ على الفلاح ) ؛ للأخبار المتواترة عن النبي والأئمّة صلوات الله عليهم .

وروي من طرق العامّة سهل بن حنيف وعبد الله بن عمر ، وروى ابن عمر أنّه سمعَ أبا محذورة ينادي ( بحيّ على خير العمل ) في أذانه عند رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وقال ابن الجنيد : شاهدنا عليه آل الرسول ، وعليه العمل بطبرستان ، واليمن ، والكوفة ونواحيها ، وبعض بغداد ، وقال ابن أبي عبيد منهم : إنّما أسقطَ ( حيّ على خير العمل ) مَن نهى عن المتعتين ، وإنّه نهى عن ذلك كلّه في مقام واحد .

 وذَكر العامّة : أنّ عمر رأى تركهُ ليُرغّب الناس في الجهاد ، ورووا عن عكرمة إنّه قال : قلتُ لابن عبّاس أخبرني لأيّ شي حُذف من الأذان ( حيّ على خير العمل ) ؟ قال : أراد عمر بذلك ألاّ يتّكل الناس على الصلاة ويَدَعوا الجهاد ، فلذلك حَذفها من الأذان ، رواه الصدوق بإسناده عنهم عن عكرمة .

وروي عن أبي الحسن ( عليه السلام ) أنّ تفسيرها الباطن الولاية ، وعن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنّه : ( برُّ فاطمة وولدها ( عليهم السلام ) ، وتَركها العامّة ظاهراً وباطناً ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ، وليس هذا أوّل قارورة كُسرت في الإسلام (1) .

ــــــــــــــــ

(1) روضة المتّقين : ج2 ، ص37 ـ 38 .


الصفحة 180  

وقال المجلسي الثاني في ذيل معتبرة الفضل بن شاذان المتقدّمة ـ الرواية الأولى المتقدّمة في هذه الطائفة ـ عند قوله ( عليه السلام ) في تفسير ( حيّ على الفلاح ) ، و( حيّ على خير العمل ) أنّها ( حثٌ على البر ) قال : لعلّه إشارة إلى أنّ الفلاح يشمل غير الصلاة من البر أيضاً ، أو إشارة إلى ما في بطن الفلاح وخير العمل وسرّهما من برِّ فاطمة ، وولاية الأئمّة من ذريّتهما وبعلّها صلوات الله عليهم كما مرّ ) (1) .

وقال المجلسي في ذيل الحديث الطويل ، الذي رواه الصدوق في معاني فصول الأذان والذي ذيّله الصدوق : بأنّ تَرك الراوي ( حيّ على خير العمل ) للتقيّة ، وبأنّه رويَ عن الصادق ( عليه السلام ) ، بأنّ معنى حيّ على خير العمل ( الولاية ) ، وفي خبرٍ آخر ( خير العمل برّ فاطمة وولدها ) ، قال : وتركُ تفسير ( حيّ على خير العمل ) يمكن أن يكون لترك المؤذِّن هذا الفصل ؛ لأنّه ( عليه السلام ) كان يفسِّر ما يقوله المؤذِّن ، وتأويل خير العمل بالولاية لا ينافي كونه من فصول أذان الله ؛ لأنّها من أعظم شرائط صحّتها وقبولها ) (2) .

وفي المناقب لابن شهر آشوب (3) ، أنّه سُئل الصادق ( عليه السلام ) عن معنى ( حيّ على خير العمل ) فقال : ( خيرُ العمل برُّ فاطمة وولدها ) ، وفي خبر آخر ( الولاية ) ،

ــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار : ج84 ، ص146 ، باب الأذان والإقامة ، باب 35 ، ح39 .

(2) البحار : ج84 ، باب 35 من أبواب الأذان والإقامة ، ذيل ح4 .

(3) مناقب ابن شهرآشوب : ج3 ، ص36 .


الصفحة 181

 

 ونَقلَ شِعر الصاحب :

حُـبّ علــيّ لي أمل       ومَلجئي من الوَجـل

إن لم يكن لي من عَمل       فحبّه خيـرُ العمــل

 

ثُمّ إنّ قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابن النبّاح بأنّه من القائلين عدلاً ، هو الآخر يفيد بأنّ الأذان لا يقتصر على الدعاء إلى الصلاة ، بل فيه دعاءٌ إلى قول العدل وهو القول بالولاية ، فيؤكّد ما تقدّم في الروايات من هذه الطائفة من أنّ فصل ( حيّ على خير العمل ) دعاء للولاية .

وفي صحيح أبي بصير عن أحدهما ( عليهما السلام ) أنّه قال : ( إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً ، فقال لا أؤذّن لأحدٍ بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فَتركَ يومئذٍ حيّ على خير العمل ) (1) .

وقال المجلسي الأوّل في شرح الفقيه في ذيل هذه الرواية : ( أنّه روى العامّة : أنّ عمر كان يباحث ( يجادل ) مع رسول الله في ترك حيّ على خير العمل ، ويجيبه بأنّها من وحي الله ، وليست منّي وبيدي ، حتّى قال عمر : ثلاث كُنّ في عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأنا أُحرّمهنّ وأُعاقِب عليهنّ : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وقول ( حيّ على خير العمل ) رواه العامّة في صحاحهم ) (2) .

الروايةُ الخامسة : وهي على ألسُن :

منها : ما رواه فرات الكوفي في تفسيره ، فعن علي بن عتاب مُعنعناً عن فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قالت :

ــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الأذان والإقامة ، الباب 19 ، الحديث 11 .

(2) روضة المتقين : ج2 ، ص227 ـ 228 .


الصفحة 182  

 ( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : لمّا عُرجَ بي إلى السماء صرتُ إلى سدرة المنتهى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأبصرتهُ بقلبي ، ولم أرهُ بعيني ، فسمعتُ أذاناً مثنى مثنى ، وإقامة وتراً وتراً ، فسمعتُ منادياً ينادي : يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي ، وحَملة عرشي ، اشهَدوا أنّي لا إله إلاّ أنا ، وحدي لا شريك لي ، قالوا : شهدنا وأقررنا ، قال : اشهدوا يا ملائكتي ، وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي ، أنّ محمّداً عبدي ورسولي ، قالوا : شَهدنا وأقررنا ، قال : اشهدوا يا ملائكتي ، وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي ، أنّ عليّاً ولييّ ووليّ رسولي ، ووليّ المؤمنين بعد رسولي ، قالوا : شهدنا وأقررنا ...) (1) الحديث .

ورواه عن علي بن عتاب في ذيل سورة الأحزاب ، ورواه في ذيل سورة النجم قال : حدّثنا جعفر بن محمد مُعنعناً عن عبّاد بن صهيب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن فاطمة بنت محمد ( عليهم السلام ) قالت : ( قال رسول الله ....) (2) .

ولا يخفى أنّ لفقرات الحديث شواهد كثيرة في روايات المعراج ، كما أشار إلى ذلك المصحّح لطبعة التفسير الأخيرة (3) .

وتقريب دلالة الرواية : أنّها دالّة بوضوح على الارتباط بين حقيقة الأذان والإقامة وبين الشهادات الثلاث ، هذا لو جعلنا قوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الرواية : ( فسمعتُ منادياً ينادي ...) نداءً بعد نداء الأذان ، لا أنّ الفاء في ( فسمعتُ ) تفسيريّة لفصول وفقرات الأذان والإقامة ، إذ على تقدير كونها تفسيريّة يكون مضمون الرواية نصّاً في المطلوب ،

ــــــــــ

(1) تفسير فرات الكوفي في ذيل سورة الأحزاب : آية 72 .

(2) تفسير فرات الكوفي في ذيل سورة النجم : آية 9 .

(3) تفسير فرات ، طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، طهران .