الصفحة 221

الطائفةُ الثامنة

الرواياتُ العامّة لاستحباب اقتران الشهادات الثلاث  

وهي على طوائف عديدة جدّاً متكاثرة بعدد كبير ، سيأتي استعراضها في الفصل الثاني في طوائف الروايات العامّة ؛ لبيان الوجه الثاني والثالث في الشهادة الثالثة في الأذان ، وهو : بيان الندبيّة الخاصّة أو العامّة ، وتلك الطوائف من الروايات وإن كانت محطّ الدلالة فيها ابتداءً هو رجحان الاقتران بين الشهادات الثلاث ، ومن ثُمّ تُصاغ فذلكة دلالتها للندبيّة الخاصّة أو العامّة ، إلاّ أنّه ـ بضميمة جملة من القرائن الأخرى ـ يمكن صياغة فَذلكة الدلالة فيها ، بتقريبٍ يجعلها من الطوائف الخاصّة الدالّة على الشهادة الثالثة في الأذان .

والذي يَعنينا في المقام ليس استعراض متون تلك الروايات ؛ فإنّها آتية إنشاء الله في الفصل الثاني ، بل المهمّ في المقام هو بيان فذلكة دلالتها ، مع القرائن في صياغة الدلالة الخاصّة لها على الشهادة الثالثة في الأذان ، بعد الفراغ من مفادها الأوّلي من كونها دالّة على رجحان الاقتران بين الشهادات الثلاث ، والفراغ من كون الاقتران متعلّقاً للطلب الشرعي الأكيد ، والذي سيأتي بيانه في الفصل اللاحق .

أمّا تقريب فَذلكة الدلالة الخاصّة مع القرائن فهي على نحوين :

الأوّل : أنّ هذه الطوائف بمجموعها مؤدّاها : أنّ التشهّد والإقرار حقيقة شرعيّة في الشهادات الثلاث مقترنة ـ مضافاً إلى أنّ الأصل في الأشياء وجودها الحقيقي الواقعي لا الظاهري التنزيلي ـ والحال في التشهّد كذلك ؛


الصفحة 222  

فإنّ عموم حقيقته ذلك إلاّ ما استثنيَ في مورد الدخول في الإسلام الظاهري من الاكتفاء بالشهادتين ، وإنّ هذا الاقتران في معنى الإقرار بالشهادة قد صدرَ في جملة من الموارد ، أبانها وأبلغها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لجملة من الصحابة ، وعلى ذلك فتكون تلك الطوائف مفسِّرة لعنوان التشهّد والشهادة المأخوذ في الأذان ، بل وكذلك في التشهّد المأتي به في وسط الصلاة .

الثاني : أنّ الحثّ الشديد على الاقتران بين الشهادات الثلاث في مواطن متعدّدة عام لكلّ حال ، وأهمّ تلك الأحوال : هو الأذان ؛ لأنّه وجهَ العبادة ومحورها ، كما يشهد لذلك استحباب اقتران الصلاة على النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كلّما ذَكره ذاكر ، وأبرز تلك الأحوال : هو الأذان ، كما دلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في حديث قال : ( وصلِّ على النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كلّما ذكرتهُ ، أو ذَكره ذاكر في أذان أو غيره ) (1) ، وكما في الصحيحة إلى صفوان بن يحيى عن الحسين بن يزيد ( زيد ) ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا اسم الله عزّ وجل ، ولم يصلّوا على نبيّهم ، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً ووبالاً عليهم ) (2) .

ولا ريبَ أنّ مكان الإقامة هو مجلس يشمله هذا العموم ، وبهذا التقريب يُقرّب مفاد موثّق أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( ما اجتمعَ قوم في مجلس لم يذكروا الله عزّ وجل ولم يذكرونا ، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة ، ثُمّ قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : إنّ ذِكرنا من ذِكر الله ، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان ) (3) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) أبواب الأذان والإقامة : الباب 42 ، الحديث 1 .

(2) أبواب الذكر : الباب 3 ، ح2 .

(3) أبواب الذكر : 3 ، حديث 3 .


الصفحة 223  

وهذا الموثّق في الدلالة يُبرز اقتران ذِكرهم بذكر الله في المجالس ، وأبرزها الأذان كما في صحيح زرارة المتقدّم .

ومن القرائن التي يُفهم منها اللحن والإيماء إلى ذِكرها في الأذان والإقامة : أنّه يُفهم من تلك الطوائف أنّ السُنّة الإلهيّة في دوام مقارنة الولاية ، وإمرة أمير المؤمنين بالتهليل والرسالة في كلّ المواطن البالغة الشرف والمنزلة : كخلق العرش ، والكرسي ، واللوح ، والقلم ، والسماوات ، والأرض ، والبحار ، والجبال ، وأبواب الجنّة ، وعلى الصراط ، والمسألة في القبر ، وعند الميزان ، ونشر الكتب ، وأخذ العهد والإقرار من النبيّين والمرسلين بثلاثة أمور ، أي : الشهادات الثلاث ، والدعاء والتوسّل في المِحن والابتلاءات حتّى من الأنبياء وأولي العزم ، ونَدب عامّة المكلّفين إلى ذلك .

وكذا ميثاق الفطرة التي فطرَ الناس عليها بخلقهم عليها وعالَم الذرّ ، وأخْذَ الرسول الإقرار بالشهادة الثالثة مقترنة بالشهادتين في مواطن متعدّدة من المسلمين ، كغدير خُم وغيره ، وكلّ ذلك يشهد بالسنّة الإلهيّة في اقتران الشهادات الثلاث في الموارد الشعاريّة ، فهذا اللسان المؤكِّد على هذه السُنّة الإلهيّة الراسخة ، بضميمة حكومة التقيّة على ظروف صدور النص ، بحيث يخشى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من البوح بأصل الإمامة في واقعة الغدير كمنصب إلهي ، فضلاً عن التصريح بها في الأذان والإقامة على الظاهر المكشوف ، مع توصيتهم شيعتهم بالتقيّة ، ومن ثُمّ ورد في بعض الروايات في الشهادة الثالثة في الأذان ـ التي أشار إليها الصدوق والشيخ  ـ ذِكر الولاية سرّاً في النفس عند الأذان ، كما أفتى بذلك ابن برّاج في المهذّب ، والشهيد في الذكرى كما مرّ .


الصفحة 224  

فيتحصّل : أنّ التأكيد في السُنّة الإلهيّة في اقتران الشهادات الثلاث تعريض بذكرها ، بالخصوص في مثل شعيرة الأذان والإقامة ، بل إنّ في بعضها ذَكر أنموذج منه مشتمل على ندب تكرار الشهادة الثالثة بعد تكرار الشهادتين ، وعلى أن يكون تكرارها بعد الفراغ من تكرارهما ، كما هو الحال في صورة فصول الأذان ، وهذا التماثل في الصورة تعريض في إتيانهما في الأذان ، ومثل ذلك التعبير في جملة منها بالنداء في الشهادات الثلاث ، والنداء هو معنى الأذان بلفظ مرادف لغةً .

 

 وقفةٌ مع كاشف الغطاء ( قدِّس سرّه )

قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه (1) : ( وليس من الأذان قول : أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة ، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً مرّتين مرّتين ؛ لأنّه من وَضع المفوِّضة ( لَعنهم الله ) على ما قاله الصدوق ، ولمَا في النهاية ، وما روي من أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّ محمّداً وآله خير البشر أو البريّة ، من شواذ الأخبار لا يُعمل عليه ، وما في المبسوط ، وحكى قوله وقول المنتهى ، ثُمّ قال : ( ثُمّ إنّ خروجه من الأذان ، من المقطوع به لإجماع الإماميّة من غير نكير ، حتّى لم يذكره ذاكر بكتاب ولا فاه به أحد من قُدماء الأصحاب ؛ ولأنّه وضِع لشعائر الإسلام دون الإيمان ، ولذا تُرك فيه ذِكر باقي الأئمّة ( عليهم السلام ) ؛

ــــــــــــــــ

(1) كشف الغطاء : الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، ج3 ، ص143 ـ 145 ، طبعة مكتب الإعلام الإسلامي ، فرع مشهد .


الصفحة 225

 ولأنّ أمير المؤمنين حين نزوله كان رعيّة للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فلا يُذكر على المنابر ؛ ولأنّ ثبوت الوجوب للصلاة المأمور بها موقوف على التوحيد والنبوّة فقط ، على أنّه لو كان ظاهراً في مبدأ الإسلام ، لكان في مبدأ النبوّة من الفترة ما كان الختام ، ومَن حاول جعله من شعائر الإيمان ، فألزمَ به لذلك يلزم ذِكر الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وقد أُمرَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مكرّراً من الله في نصبه للخلافة ، والنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يستعفي حذراً من المنافقين حتّى جاءه التشديد من ربّ العالمين ؛ ولأنّه لو كان من فصول الأذان لنُقل بالتواتر في هذا الزمان ، ولم يُخـف على أحد من آحاد نوع الإنسان ؛ وإنّما هو من وَضع  المفوّضة الكفار المستوجبين  الخلود في النار .

ولعلّ المفوّضة أرادوا أنّ الله تعالى فوّض الخلق إلى علي ( عليه السلام ) فساعَده على الخلق ، فكان وليّاً ومُعيناً فمَن أتى بذلك قاصداً به التأذين ، فقد شرّعَ في الدين ، ومَن قصده جزءاً من الأذان في الابتداء بطل أذانه بتمامه ، وكذا كلّما انضمّ إليه في القصد صحّ ما عداه ، ومَن قَصد ذِكر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لإظهار شأنه ، أو لمجرّد رجحانه لذاته ، أو مع ذِكر ربّ العالمين ، أو ذِكر سيّد المرسلين ، كما روي ذلك فيه وفي باقي الأئمّة ، أو الردّ على المخالفين وإرغام أنوف المعاندين ، أُثيبَ على ذلك ، لكنّ صفة الولاية ليس لها مزيد شرفيّة لكثرة معانيها ، فلا امتياز لها إلاّ مع قرينة إرادة معنى التصرّف والتسلّط فيها ، كالاقتران مع الله ورسوله والأئمّة في الآية الكريمة ونحوه ؛ لأنّ جميع المؤمنين أولياء الله ، فلو بدّل بالخليفة بلا فصل ـ أو بقول أمير المؤمنين ، أو يقول حجّة الله تعالى ، أو يقول أفضل الخلق بعد رسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ونحوها ـ كان أولى وأبعد عن توهّم الأعوام ( العامّة ) أنّه من فصول الأذان .


الصفحة 226  

 ثُمّ قول : وأنّ عليّاً وليّ الله مع ترك لفظ أشهد ، أبعد عن الشبهة ، ولو قيل بعد ذِكر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : صلّى الله على محمّد سيّد المرسلين ، وخليفته بلا فصل عليّ وليّ الله أمير المؤمنين ، لكانَ بعيداً عن الإيهام وأجمع لصفات التعظيم والاحترام ، ثُمّ الذي أنكرهُ المنافقون يوم الغدير ومَلأ من الحسد قلوبهم ، النصّ من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليه بإمرة المؤمنين ، وعن الصادق ( عليه السلام ) : ( مَن قال لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، فليقل علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويجري في وصفه في الإقامة نحو ما جرى في الأذان ) ) .

أقول : في كلامه ( قدِّس سرّه ) عدّة مواضع للنظر :

الأوّل : قوله : ( إنّه ـ أي الأذان ـ وضِع لشعائر الإسلام دون الإيمان ، ولذا تُرك فيه ذِكر باقي الأئمّة ( عليهم السلام )) .

ففيه :

أ ـ إنّه قد تقدّم في مصحّح الفضل بن شاذان فيما ذُكر من عِلل الأذان عن الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : ( إنّما أُمرَ الناس بالأذان لعِلل كثيرة ... ويكون المؤذِّن ... مُقرّاً له بالتوحيد ، تجاهراً بالإيمان ، مُعلناً بالإسلام ... وجَعل بعد التكبير الشهادتان ؛ لأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة ... ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان ؛... لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله ورسوله ) (1) .

ففي هذا المصحّح : تصريح بأنّ الأذان نداء وشعار للإيمان أيضاً ، لا خصوص ظاهر الإسلام ، كما أنّ التعبير المتكرِّر فيها بأنّ الشهادتين أوّل وأصل الإيمان ، صريح في إرادة معنى الإيمان المقابل لظاهر الإسلام ،

ــــــــــــــ

(1) أبواب الأذان والإقامة : باب 17 ، ح 14 .


الصفحة 227  

 وبالتالي فيندرج فيه الشهادة الثالثة بعد كون الأذان جهراً بالإيمان ، ونظيره مصحّح محمّد بن سنان عن الرضا ( عليه السلام ) ـ في حديث ـ : ( لأنّ التهليل إقرار لله تعالى بالتوحيد ، وخلع الأنداد من دون الله ، وهو أوّل الإيمان وأعظم من التسبيح والتحميد ) .

وأيضاً ما رويَ في العِلل عن محمّد بن أبي عمير ، أنّه سأل أبا الحسن ( عليه السلام ) عن حيّ على خير العمل لِمَ تُركت من الأذان ؟ قال : ( تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة ؟ قلت : أريدهما جميعاً ، فقال : أمّا العلّة الظاهرة فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة ، وأمّا الباطنة ؛ فإنّ خير العمل الولاية ، فأرادَ من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها ) (1) .

وهذه المصحّحة صريحة أيضاً في أنّ الأذان دعاءً ونداءً للولاية والإيمان .

ب ـ إنّه قد تقدّم (2) أنّ كمال الدين ، وشرط الإخلاص ، وشرط التهليل ، وشرط الشهادتين : هو الإقرار بالشهادة الثالثة وكما في قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (3) .

ج ـ إنّ ذِكر أمير المؤمنين مفتاح ذِكر الأئمّة ( عليهم السلام ) ، كما أنّ في جملة من روايات الفريقين والآيات الدالّة على ولاية أهل البيت ، اقتُصر فيها على أمير المؤمنين لا من باب الحصر ؛ وإنّما هو رمز لأهل البيت الإثنى عشر .

الثاني : قوله : ( ولأنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين نزوله كان رعيةً للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فلا يُذكر على المنابر ) .

ـــــــــــــــــــ

(1) أبواب الأذان والإقامة : الباب 19 ، ح 16 .

(2) في طوائف الروايات العامّة .

(3) المائدة : 3 .


الصفحة 228  

ففيه : كونه رعيةً للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لا ينافي ذلك ، أليس قد جاءت الآيات : ( أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ، وقوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ الله وَرَسُوله وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، وغيرها من الآيات التي مفادها ولايته ( عليه السلام ) ووجه ذلك : أنّ الخطاب هو للأمّة في طول طاعة وولاية الله ورسوله .

الثالث : قوله ( قدِّس سرّه ) : ( ولأنّ ثبوت الوجوب للصلاة المأمور بها موقوف على التوحيد والنبوّة فقط ) .

ففيه : أنّ ذلك مبنيّ على عدم تكليف الكفار بالفروع ، وإلاّ فلا توقّف للتكليف في الفروع على الشهادتين ، مضافاً إلى أنّ صحّة الصلاة عند المشهور أو قبولها مبنيّ على الولاية كما هو مقتضى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) .

الرابع : قوله ( قدِّس سرّه ) : ( إنّه لو كان ظاهراً في مبدأ الإسلام ، لكان في مبدأ النبوّة من الفترة ما كان في الختام ـ إلى أن قال ـ ولأنّه لو كان من فصول الأذان ، لنُقل بالتواتر في هذا الزمان ولم يُخف الخ ) .

ففيه : أنّه قد اعترف بممانعة المنافقين والحاسدين عن تنصيبه ( صلوات الله عليه وآله ) له ( عليه السلام ) في عدّة مواطن ومواقف ، وهو السبب في عدم الأمر بها في الأذان ، لاسيّما وأنّه يؤتى به في اليوم خمس مرّات ، ومع ذلك لم يسلم الأذان كغيره من سُنن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من قِبَل الثلاثة وبني أميّة ، كما قد حَذفوا منه حيّ على خير العمل ، فقد قال ابن الجنيد : ( رويَ عن سهل بن حنيف ، وعبد الله بن عمر ، والباقر ، والصادق ( عليهما السلام ) أنّهم كانوا يؤذِّنون بـ ( حيّ على خير العمل ) .


الصفحة 229  

وفي حديث ابن عمر ، أنّه سمعَ أبا محذورة ينادي بـ ( حيّ على خير العمل ) في أذانه عند رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وعليه شاهَدنا آل الرسول ، وعليه العمل بطبرستان ، واليمن ، والكوفة ونواحيها ، وبعض بغداد ) (1) .

وقال الصدوق في الفقيه (2) ، قال الصادق ( عليه السلام ) : ( كان اسم النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الأذان ، وأوّل مَن حَذفه ابن أروى ) .

وحديث الدار (3) رواه الفريقان عند نزول قوله تعالى : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، وهو حديث نَصب النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليّاً ( عليه السلام ) أخاً ، ووارثاً ، ووزيراً ، ووصياً ، وخليفةً في بدء النبوّة ، دال على نصبه ( عليه السلام ) منذ مبدأ الإسلام ، ثُمّ إنّنا قد ذكرنا في المدخل في مبدأ السيرة على التأذين ، أنّ بِدءها عند الصحابة ، ثُمّ من بعدها عند رواة الأئمّة ، وسيأتي في الفصل اللاحق استعراض لتلك السيرة .

الخامس : قوله ( قدِّس سرّه ) : ( ولعلّ المفوّضة أرادوا أنّ الله تعالى فوّض الخلق إلى علي ( عليه السلام ) ، فَساعَده على الخلق ، فكان وليّاً ومُعيناً ) .

ففيه : إنّ دعوى إرادة ذلك المعنى عند الرواة لروايات جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان ، تحكّم بارد ، وإلاّ لكان القارئ للآيات الناصّة على ولايته منهم بالتفويض أيضاً ، وهذا توجيه عليل ؛ لمَا ذَكرنا من احتمال التقيّة في كلام الصدوق ، ولذلك شواهد قد تقدّمت .

السادس : قوله ( قدِّس سرّه ) : ( لكنّ صفة الولاية ليس لها مزيد شرفيّة ؛ لكثرة معانيها ...) .

ـــــــــــــ

(1) الذكرى : ج3 ، طبعة مؤسّسة أهل البيت .

(2) الفقيه : ج1 ، ص 195 ، ح 913 .

(3) البحار : ج18 ، ص 178 .


الصفحة 230  

ففيه : إنّ المروي المشار إليه في كلامَي الصدوق ، والشيخ ، والفاضلين ، والشهيد ، ليس خصوص ذلك ، بل بالإمرة للمؤمنين أيضاً ، مضافاً إلى أنّ الولاية بقول مطلق تعني المتابعة المطلقة بأيّ معنى فُسّرت ، لازم الإطلاق في كلّ تلك المعاني ، هو السلطة والطاعة والإمامة ، كما هو الحال في آيات الولاية المشار إليها .

السابع : إنّ قوله : ( إنّ خروجه من الأذان من المقطوع به لإجماع الإماميّة من غير نكير ، حتّى لم يذكره ذاكر بكتاب ، ولا فاهَ به أحد من قُدماء الأصحاب ) .

ففيه : إنّ ما زَعمهُ ( قدِّس سرّه ) بسبب عدم وقوفه مليّاً بتدبّر ، وعدم استقصاء لكلّ كلمات المتقدّمين ، فقد عرفتَ فتوى السيّد المرتضى في المبافارقيات ، وابن برّاج في المهذّب ، والشهيد في الذكرى بذلك ، بل عرفتَ بالتدقيق فتوى الشيخ في المبسوط ، بمضمون روايات الجزئيّة بعين لفظ فتواه بروايات اختلاف عدد فصول الأذان ، مضافاً إلى اعتراف الشيخ والصدوق ـ كما مرّ تفسير كلامهما ـ برواية طبقات الرواة لهذه الروايات ، ممّا يعني تبنّيهم لمضمونها ، كما هو ديدن الرواة للرواية إذا رووها من دون ردّ لها ولا تعقيب ، وكذلك يظهر ذلك من العلاّمة والشهيد ، وأنّ فتاوى القدماء هو دعم للسيرة المعاصرة لهم من الشيعة ، الذين كانوا في اصطدام حادّ مع جماعة سنّة الخلافة في بغداد وغيرها من المُدن الإسلاميّة في البلدان .


الصفحة 231

الجهةُ الثانية

البحثُ في مقتضى قاعدة شرطيّة الولاية والإيمان  

في صحّة الأعمال والعبادات لشرطيّة الشهادة الثالثة في الأذان .

أمّا مفاد القاعدة فالبيان الأوّل في تقريرها : فهو أنّ إتيان العبادات لابدّ في صحّته من شرطيّة اعتناق ولاية أهل البيت ، وأنّ مَن لا يعرف الإمام منهم ( عليهم السلام ) ؛ فإنّما يعرف ويعبد غير الله ، كما في معتبرة (1) جابر عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، وأنّه  لا حجّ ولا صوم  إلاّ للموالي لـهم ( عليهم السلام ) ، كما في جملة من الروايات (2) .

وفي صحيح بُريد بن معاوية العِجلي أنّ : ( كلّ عملٍ عمله وهو في حال نَصبه وضلالته ، ليس عليه قضاؤه ، إذا منَّ الله عليه وعرّفه بالولاية فإنّه يؤجر عليه ، إلاّ الزكاة فإنّه يعيدها ؛ لأنّه وَضعها في غير موضعها ) (3) .

فهي من الشرائط العامّة في صحّة العبادات ، كما ذهب إلى ذلك المشهور شهرةً عظيمة ، بل إنّ بعض مُتأخّري العصر المُحتملين لكون الولاية شرط قبول الأعمال ، لم يُسوّغوا نيابة غير المؤمن في الحجّ وقضاء الصلاة والصيام وغيرها مِن العبادات عن المؤمن ،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) أبواب مُقدّمة العبادات : باب 29 ، حديث 6 .

(2) نفس الباب من أبواب مُقدّمة العبادات .

(3) أبواب مُقدّمة العبادات : باب 31 ، ح1 .