الصفحة 243

التذييلُ الثاني

 وفيه أمران :

1ـ الأمرُ الأوّل : الشاذ في كلام الشيخ الطوسي في كتابيه : التهذيب ، والاستبصار

كتابُ التهذيب :

1ـ في التهذيب : باب الأحداث الموجِبة للطهارة ، ج1 ، ص18 :

قال الشيخ عن صحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا ( عليه السلام ) ، المتضمّن للأمر بالوضوء في المذي قال ( قدِّس سرّه ) : ( وهذا خبر ضعيف شاذ ، والذي يكشف عن ذلك ....) ، ثُمّ ذَكر خبر إسحاق بن عمّار النافي للوضوء ، وفي هذا المورد استعملَ الشيخ الشاذ كوصف للمتن لا للضعف في الطريق ؛ لمعارضته للروايات الأخرى .

2 ـ التهذيب : باب الحيض ، ج1 ، ص15 :

أوردَ الشيخ صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، المتضمّنة لكون أكثر الحيض ثمانية ، ثُمّ قال : ( فهذا الحديث شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل به ، ولو صحّ كان معناه ....) ، ثُمّ ذَكر تأويلاً للرواية ، وفي هذا المورد أيضاً استعمال الشاذ صفةً للمتن لا للطريق .

3 ـ التهذيب : باب المياه ، ج1 ، ص218 :

أوردَ الشيخ رواية عن يونس عن أبي الحسن ( عليه السلام ) ، المتضمّنة لجواز الوضوء بماء الورد ، وليس في طريقها مَن يُتوقف فيه إلاّ سهل بن زياد ، والأمرُ فيه سهل كما هو معروف ،


الصفحة 244  

مع أنّ الشيخ عَمل بروايته في أبواب عديدة ، ثُمّ قال الشيخ : ( فهذا خبرٌ شاذ شديد الشذوذ ، وإن تكرّر في الكُتب والأصول ؛ فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن ( عليه السلام ) ولم يرويه غيره ، وقد أجمَعتْ العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به ) ، وفي هذا المورد أيضاً استعملَ الشيخ الشاذ وصفاً لمتن الخبر لا لطريقه ؛ لكونه مخالفاً لمضمون الروايات الأخرى ولإجماع الطائفة .

4 ـ ما قاله فيما يجوز الصلاة فيه من اللباس ، أمّا ما رواهُ محمّد بن محمّد بن أبي يحيى ، عن أحمد بن محمد عن داود الصرمي ، قال : سألتهُ عن الصلاة في الخز ... الحديث : ( فهذا حديث شاذ ما رواه غير داود الصرمي ، ومع تفرّده بروايته تختلف ألفاظه ؛ لأنّ في هذه الرواية .....) ، فترى في هذا المقام وصَفَ الشيخ الحديث بالشذوذ ؛ لتضمّن الحديث جواز الصلاة في وبر الأرانب ، فلم يكن الطعن في السند ، وداود الصرمي وإن لم يوثّق ، ولكن لم يُطعن عليه ، وقد روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري وأخوه ، وبنان ، ومحمّد بن عيسى اليقطيني في طريق المشيخة في الصدوق ، وهي قرائن على حُسن حاله ، ج2 ، ص213 ، الحديث 833 .

5 ـ ما رواه الشيخ عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وساقَ الحديث الذي تضمّن تأخير المغرب الفائتة عن العشاء عند حضور وقت العِتمة فقال : ( هذا الخبر شاذ ، والأصل ما قدّمناه من أنّه إذا كان الوقت واسعاً ينبغي أن يبدأ بالفائتة ) ، فترى أنّ الشيخ أطلقَ وَصف الشاذ على الخبر الموثّق ، ممّا يُعزِّز أنّ هذا الوصف وصف للمضمون لا للطريق ، ج2 ، ص271 ، الحديث 1079 .

6 ـ ما رواه الشيخ في الموثّق ، عن عمّار بن موسى الساباطي ، المتضمّن لعدم قضاء النافلة والفريضة في النهار ، قال عنه : ( فهذا خبر شاذ ، لا يُعارَض به الأخبار التي قدّمناها مع مطابقتها لظاهر القرآن ) ، ج2 ، ص272 ، الحديث 1081 .


الصفحة 245  

7 ـ ما رواه الشيخ بطريق الزيديّة المعروف ، عن زيد بن علي عن آبائه ( عليهم السلام ) ، عن علي ( عليه السلام ) المتضمّن لصحّة الصلاة بزيادة ركعة مع السجود لسجدتي السهو ، فقال : ( هذا خبر شاذ لا يُعمل عليه ؛ لأنّا قد بيّنا أنّ مَن زاد في الصلاة وعَلمَ ذلك ، يجب عليه استئناف الصلاة ) ، فترى الشيخ يصرِّح بأنّ علّة الشذوذ ليس ضُعف السند ، بل مخالفة المضمون لمَا هو ثابت ، ج2 ، ص350 ، الحديث 1449 .

8 ـ ما رواه في الصحيح الأعلائي عن العلاء ، حيث تضمّن عدم إعادة الصلاة لناسي النجاسة ، قال : ( فإنّه خبر شاذ لا يُعارض فيه الأقوال التي ذكرناها ) ، ج2 ، ص360 ، الحديث 1492 .

9 ـ ما رواه في الصحيح عن عبد الرحمان العزرمي ، أو الرزمي عن أبيه ، المتضمّن لإعادة المأمومين في صلاة الجماعة إذا كان إمام الجماعة على غير طهر ( قال : هذا خبر شاذ مخالف للأخبار كلّها ، وما هذا حكمه لا يجب العمل به على أنّ فيه ما يبطله ، وهو أنّ أمير المؤمنين أدّى فريضة على غير طهر ساهياً عن ذلك ، وقد آمننا من ذلك دلالة عصمته ) .

10 ـ الباب 24 ، وهناك موارد عديدة في كتابه التهذيب يستطيع المتتبّع ملاحظتها ، ونورد قائمة لجملة منها :

التهذيب : ج3 ص235 ، ج4 ص273 ، ج6 ص254 ، ج6 ص256 ، ج7 ص253 ، ج7 ص278 ، ج7 ص318 ، ج9 ص253 ، ج7 ص278 ، ج7 ص318 ، ج9 ص119 ، ج9 ص345 ، ج10 ص73 ، ج10 ص92 ، ج10 ص96 .


الصفحة 246  

كتابُ الاستبصار :

1 ـ وفي الاستبصار روى الشيخ في المصحّح عن يونس ، جواز الاغتسال والوضوء بماء الورد ، فقال : ( فهذا خبر شاذ شديد الشذوذ وإن تكرّر في الكُتب ؛ فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن ( عليه السلام ) ولم يرويه غيره ، وقد اجتمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به ، ولو ثبتَ لاحتُمل أن يكون المراد بالوضوء في الخبر التحسين ، وقد بيّنا ذلك في كتاب تهذيب الأحكام ، إلى أن قال : ويحتمل أن يكون المراد بالماء الورد ، الماء الذي وقعَ فيه الورد ؛ لأنّ ذاك الذي يسمّى الورد وإن لم يكن مُعتصراً منه ) .

فترى أنّ الخبر مع أنّه شاذ شديد الشذوذ ، تكلّف الشيخ في توجيه مضمونه ، ج1 ، الباب الخامس من أبواب المياه ، ج2 ، ص14 .

2 ـ وفي الاستبصار ما رواه في الموثّق عن إسحاق بن عمّار ، المتضمّن لعدد نزح البئر من موت الدجاجة ومثلها ، قال : ( فلا ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّ هذا الخبر شاذ وما قدّمناه مطابق للأخبار كلّها ، ولأنّا إذا عَملنا على تلك الأخبار نكون قد عَملنا على هذه الأخبار ؛ لأنّها داخلة فيها ، وإنْ عَملْنا على هذا الخبر ، احتجنا أن نُسقط تلك جملة ؛ ولأنّ العلم يحصل بزوال النجاسة مع العمل بتلك الأخبار ، ولا يحصل مع العمل بهذا الخبر ) .

فترى أنّ الشيخ لا يمنع من العمل بالخبر الشاذ مطلقاً ، بل فيما إذا امتنعَ العمل بكلّ منه وما يقابله أي : يمتنع الجمع في العمل ، ويُعزِّز كون الشاذ حجّة في نفسه عند الشيخ بنحو الاقتضاء : أنّه يرتكز الترجيح بينه وبين ما يقابله الأخبار ، إذ الترجيح  فرع الحجيّة الاقتضائيّة في الطريق ، ج1 ، ص38 ، الباب 2 ، أبواب حكم الآثار أو المياه ص38 ، ح9 .


الصفحة 247  

3 ـ الباب 24 من أبواب المياه ، ج3 ، ص45 في الاستبصار ، ما رواه الشيخ في الصحيح عن كردويه ( وهو حَسن الحال ) ، المتضمّنة لتقدير النزح عن البئر لسقوط بعض النجاسات فيها ، قال : ( فهذا خبر شاذ نادرٌ ، وقد تكلّمنا عليه فيما تقدّم ؛ لأنّه تضمّن ذِكر الخمر والنبيذ المسكر الذي يوجِب نزح جميع الماء ، مضافاً إلى ذِكر الدم ، وقد بيّنا الوجه فيه ، ويمكن أن يُحمل فيما يتعلّق بقطرة دم أن نحمله على ضربٍ من الاستحباب ، وما قدّمناه من الأخبار على الوجوب لئلاّ تتناقض الأخبار ) .

فترى أنّ الشيخ يتكلّف وجه الجمع بين الخبر الشاذ النادر وبقيّة الأخبار المعمول بها ، ممّا يدلّ على أنّ الشاذ متّصف بالحجيّة الاقتضائيّة ، غاية الأمر أنّه وصِفَ بالشذوذ بسبب المعارضة لأخبار كثيرة معمول بها ، وهذا يوقفنا على تعريفٍ أدق وأعمق لمعنى الشاذ .

4 ـ الباب 57 من أبواب ما ينقص الوضوء وما لا ينقص ج5 ، ص96 من الاستبصار ، ما رواه الشيخ في الموثّق عن عمّار بن موسى الساباطي ، من تضمّنه إعادة الصلاة لترْك المسح بالماء لمَن مسّ الحديد ، قال : ( فالوجه في هذا الخبر أن نحملهُ على ضربٍ من الاستحباب دون الإيجاب ؛ لأنّه خبر شاذ مخالف للأخبار الكثيرة ، ما يجري هذا المجرى لا يُعمل عليه على ما بيّنا ) .

والتقريب في هذا الكلام ما سبق .

واليك قائمة بموارد استعمال الشاذ في الاستبصار لمزيد الاطلاع .

5 ـ 14ص22 ، ج1 ح2 ، ج1 ص289 ح8 ، ج2 ص83 ح ، ج3 ص161 ح7 ، ج4 ص239 ح9 ، ج1 ص288 ح6 ، ج1 ص367 ح2 ، ج3 ص59 ح6 ، ج 3 ص198 ح23 ، ج4 ص233 ح2 .


الصفحة 248  

 الأمرُ الثاني : كلامُ الشيخ المفيد

وفيه عدّة أمور :

الأوّل : إنّ الشاذ قد توصَف به مجموعة من الأحاديث ، أي : أنّ مجموع جملتها يوجِب الوثوق بالصدور ، وإن لم يوجِب الاستفاضة ، إلاّ أنّها مع ذلك توصَف بالشذوذ من جهة مضمونها .

الثاني : إنّ الشيخ الصدوق وإن ذَكر حديثاً مع حذف إسناده ، إلاّ أنّ مُعوله ومُعتمده ـ كما نبّه على ذلك الشيخ المفيد ـ هو على جملة أحاديث شاذّة لا على خصوص الحديث المفرد الذي ذكرهُ .

الثالث : إنّ الصدوق يعمل بالأخبار الشاذّة في نظر الشيخ المفيد .

الرابع : إنّ الأحاديث الشاذّة قابلة للحمل والتوجيه والتصوير بما يلائم بقيّة الأخبار ، فينتهي ذلك إلى العمل بها .

الخامس : إنّ الأخبار الشواذ لا تُنافي وصف إسنادها بالصحّة والثبوت .

1 ـ ما ورد في شرح اعتقادات الصدوق في بحث القضاء والقدر ( فصل ، قال الشيخ أبو جعفر في القضاء والقدر : والكلام في القدر منهي عنه ) ، وروى حديثاً لم يَذكر له إسناداً ، قال الشيخ المفيد : ( عَمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذ ، لها وجوه يعرفها العلماء ، متى صحّت وثبتَ إسنادها ولم يقل فيه قولا محصّلاً ) (1) .

2 ـ قال الصدوق في تصحيح الاعتقاد في نزول الوحي : ( اعتقادنا في ذلك أنّ بين عَيني إسرافيل ...) (2) .

قال الشيخ المفيد : ( أخذهُ  أبو جعفر من شواذ الحديث ، وفيه خلاف لمَا  قدّمه من أنّ اللوح مَلَك من ملائكة الله تعالى ) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) تصحيح اعتقادات الإماميّة للشيخ المفيد : ص54 ، طبعة دار المفيد ، بيروت .

(2) المصدر السابق : ص120 .


الصفحة 249  

وهذا موضع آخر عند الشيخ المفيد : أنّ الصدوق يعمل بالأخبار الشاذة ، وفيه يتّضح أنّ العمل بالشاذ عندهم ليس ممتنعاً إذا وجَد العامل به لذلك وجهاً أو سبيلاً .

3 ـ قال المفيد في كتابه الإفصاح ص125 : ( فإن قالوا : كيف يصحّ إكفار أهل البصرة والشام ؟ وقد سُئل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : ( إخواننا بَغوا علينا ) ، لم ينفي عنهم الإيمان ، ولا حَكمَ عليهم بالشرك والاكفار قيل لهم : هذا خبرٌ شاذ لم يأتِ به التواتر من الأخبار ، ولا أجمعَ على صحّته رواة الآثار ، وقد قابله ما هو أشهر منه عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وأكثر نَقَلة وأوضح طريقاً في الإسناد :

وهو أنّ رجلاً سأل أمير المؤمنين بالبصرة والناس مُصطفون للحرب ، فقال له : علامَ تقاتل هؤلاء القوم يا أمير المؤمنين ونستحلّ دمائهم ، وهم يشهدون شهادتنا ويُصلّون إلى قبلتنا ؟ فتلا ( عليه السلام ) هذه الآية رافعاً بها صوته : ( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) ، فقال الرجل حين سمعَ ذلك : كفّار وربّ الكعبة ، وكسرَ جفن سيفه ، ولم يزل يقاتل حتى قُتل .

 وتظاهرَ الخبر عنه ( عليه السلام ) أنّه قال يوم البصرة : ( والله ، ما قوتلَ أهل هذه الآية حتّى اليوم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) .

4 ـ ما ذكرهُ المفيد ( رحمه الله ) في كتابه الفصول المختارة ص274 ، عندما أوردَ رواية استدلّ بها العامّة قال : ( أوّل ما في هذا الكلام أنّ الأخبار لا تتقابل ويحكم ببعضها على بعض ، حتّى تتساوى في الصفة ، فيكون الظاهر المستفيض مقابلاً لمثله في الاستفاضة ، والمتواتر مقابلاً لمثله من التواتر ، والشاذ مقابلاً لمثله في الشذوذ ، وما ذكرناه عن مولانا ( عليه السلام ) مستفيض قد تواتر به الخبر على التحقيق ، وما ذكره هذا الرجل عنه ( عليه السلام ) من الحديثين .