الصفحة 290  

حيث إنّ ذِكرهم ذِكر لله تعالى ، سواء كان الذكر الحالي أو القولي .

هذا ، وقد جمعَ المحقّق المتتبّع السيّد عبد الرزاق المقرّم في رسالته سرّ الإيمان ، ما يقرُب من مائة فتوى لعلماء من عهد المجلسيين إلى يومنا هذا ، وهذا يعطي معنى التسالم الفقهي عند علمائنا في الاستحباب العام للشهادة الثالثة .


الصفحة 291

الجهةُ الثانية

روايات الندبيّة الخاصّة

وافتراق هذا الوجه عن الوجه الأوّل : أنّ في الأوّل كان البحث هو عن جزئيّة الشهادة الثالثة في فصول الأذان على حذو بقيّة الفصول ، أي تكون الشهادة الثالثة وجوبها وضعيّاً في الأذان ، أي دخيلة في صحّته ، وممّا لابدّ منها في صحّة الأذان ، بخلاف الوجه الثاني فإنّه غير دخيل في الصحّة ؛ وإنّما هو بيان المشخّصات المفردة الدخيلة في كمال ماهيّة الأذان الواردة بالخصوص فيه ، كما هو الحال في الجزء الندبي بالأمر الخاص في كلّ مركّب .

 كما أنّ الوجه الثاني يُغاير الوجه الثالث ، وهو الندبيّة العامّة إثباتاً وثبوتاً ، فإنّ الأمر بالندبيّة الخاصّة لابدّ أن يكون أمراً خاصّاً وارداً في ماهيّة المركّب ، وأمّا الأمر في الندب العام فلا يكون خاصّاً ، بل عامّاً شاملاً لماهيّات متعدّدة ولموارد كثيرة .

 ومن ثَمّ قد يقال في الأمر العام باحتياجه إلى مقدّمة وضميمة تبيّن مشروعيّة ضمّه إلى الماهيّة الخاصّة ، نظراً لكون الماهيّات ذات وحدة ارتباطيّة خاصّة ، وهذا بخلاف الأمر الخاص بالفعل الندبي ؛ فإنّه لا يحتاج إلى تلك المقدّمة لوروده بالخصوص فيها ، كما أنّ الجزء الندبي الخاص دخيل في كمال الماهيّة ، من حيث هي هي أي بعنوانها الذاتي الخاص بها ، وأمّا الندب العام فهو دخيل في كمال الماهيّة بعنوان عام ، كعنوان أنّ الأذان ذِكر ومجلس ونحو ذلك .


الصفحة 292

 الطوائفُ الروائيّة الخاصّة

وقد تقدّم جملة وافرة منها ، وهي الطائفة السادسة من الفصل الأوّل لبيان الوجه الأوّل ، وقد كانت على ألسن متعدّدة نظير ما ورد من تسميتهم ( عليهم السلام ) في الصلاة ، كصحيحة الحَلَبي وغيرها ، ممّا دلّ على أنّ ذِكر أسمائهم مع وصفهم بالإمامة هو من الأذكار الصلاتيّة الخاصّة .

 وقد تقدّمت فتوى : العلاّمة ، والصدوق ، والمفيد ، والطوسي ، والنراقي ، والأردبيلي وغيرهم بها ، وكذلك في التشهّد ، وصلاة التشهّد ، والتسليم ، ودعاء التوجّه ، وخطبة الجمعة المتضمّنة لذكر أسمائهم مع كونها جزء الصلاة ، حيث قد مرّ تقريب دلالتها بنحو ينطبق مع الوجه الأوّل ، وهو الجزئيّة بنحو الوجوب الوضعي وإن لم يكن مفادها ذلك ابتداءً مطابقة ، إلاّ أنّه بقرائن منضمّة تتكوّن الدلالة الالتزاميّة لها ، وإلى هذه الفذلكة الصناعيّة وهي تقريب الدلالة المطابقيّة العامّة وتنزيلها على مفاد الدلالة الالتزاميّة الخاصّة ، أشار صاحب الجواهر في المقام بقوله : ( لولا تسالم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة ، والأمر سهل ) (1) .

وعلى تقدير غضّ النظر عن تلك الفذلكة والتقرير المتقدّم ، فدلالتها المطابقيّة الابتدائيّة هو كون الشهادة الثالثة من الأذكار الخاصّة بالصلاة وتوابعها ، وقد مرّ بيان ذلك مفصّلاً من أنّ مفادها المطابقي هو الندبيّة الخاصّة ، أي الجزء الندبي الذي هو شرط في الكمال ، بخلاف الجزء الوجوبي الوضعي ؛ فإنّه شرط في صحّة المركّب وإن كان المركّب برمّته مستحبّاً فلاحظ .

ـــــــــــــــ

(1) الجواهر : ج9/ 86 ـ 87 .


الصفحة 293

الجهةُ الثالثة

 عناوينُ الطوائف الروائيّة العامّة

وهي جملة من الطوائف العديدة التي لسانها المطابقي ابتداءً ينطبق على الوجه الثالث وهو الندبيّة العامّة ، إلاّ أنّه بضميمة جملة من القرائن تأتلف دلالتها على الندبيّة الخاصّة ، بل قد مرّ في الفصل السابق تقريب دلالتها في جملة من القرائن على الوجه الأوّل ، وهي الجزئيّة بنحو الوجوب الوضعي ، إلاّ أنّ الكلام في المقام ـ مع غضّ النظر عن ذلك التقريب المتقدّم ، وملاحظة سياق آخر للقرائن ـ لتقريب الندبيّة الخاصّة ، وأهمّ تلك القرائن عمدةً ، هي أنّ هذه الطوائف المستفيضة بل المتواترة معنىً ، تُركّز في مجموعها وتصبّ في بيان أنّ للإقرار بالشهادة والتشهّد حقيقة شرعيّة ، هي مجموع الشهادات الثلاث مقترنة ، فيعمل الاستعمال الشرعي عليه .

وفي البدء نُسرد نُبذاً من متون هذه الطوائف ، ونذكر في طيّاتها تلك القرائن الخاصّة المنضمّة ، ثُمّ ننتهي إلى تلخيص الدلالة ، مع العلم بأنّها متواترة سنداً ودلالة ، فالتوقّف في دلالتها الإجماليّة ـ على رجحان الاقتران للشهادات الثلاث ، أو التوقّف في صدورها المستفيض المتواتر ـ ناشئ من عدم التتبّع ، وعدم التأمّل والتدبّر حقّه .


  الصفحة 294  


الصفحة 295

الطائفةُ الأولى

ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث

وهي الدالّة بالصراحة على استحباب التلازم والتقارن بين الشهادات الثلاث مطلقاً ، والغريب من جملة من الأعلام أنّهم اكتفوا برواية الاحتجاج في استحباب التقارن ، ولم يذكروا الجمّ الغفير من الروايات الأخرى الدالّة على نفس المضمون وبنحو أصرح .

الأولى : رويَ عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( مَن قال ( لا إله إلاّ الله ) تفتّحت له أبواب السماء ، ومَن تلاها بـ ( محمّد رسول الله ) تهلّل وجه الحقّ سبحانه واستبشر بذلك ، ومَن تلاها بـ ( عليّ وليّ الله ) غفرَ الله له ذنوبه ، ولو كانت بعدد قطر المطر ) (1) .

وهذه الرواية وإن كانت مرسلة ، إلاّ أنّ مدلولها في بالغ الأهميّة ، حيث إنّ الراوي لهذه الرواية هو الهاشمي الصحابي عبد الله بن عبّاس ، وعلى تقدير تماميّة السند ـ ولو بالانجبار والتعاضد مع الرواية الأخرى المُسندة عن عبد الله بن عبّاس أيضاً ، والتي رواها فرات الكوفي في تفسيره ، والتي تقدّمت في الطائفة الرابعة من الفصل الأوّل ، حيث تضمّنت تقارن الشهادات الثلاث في نداء المَلَك المقارن لأذان وإقامة جبرائيل لصلاة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )في ليلة المعراج ، فعلى تقدير تعاضد هذه الرواية ولو بما صدر عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ـ يُحكم بندبيّة تقارن الشهادات الثلاث .

ــــــــــــــــــ

(1) الفضائل لابن شاذان : ص 93 ، البحار : ج38 ، ص 318 .


الصفحة 296  

تنبيه

هذه الرواية دالّة على أنّ الحثّ النبوي على تقارن الشهادات الثلاث ، كان في الصدر الأوّل إيعازاً إلى ذِكر الشهادة الثالثة ، وفتحاً لباب النداء بها في الأذان .

الثانية : موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( ما اجتمعَ في مجلس قوم لم يذكروا الله ، ولم يذكرونا ، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة ) ، ثُمّ قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : ( إنّ ذِكرنا من ذِكر الله ، وذكر عدوّنا من ذِكر الشيطان ) (1) .

وفي هذه الموثّقة لم يُقصر على التحريض على ذِكر الله في كلّ مجلس ، بل قَرنهُ لذكرهم ( عليهم السلام ) ، فلا تنتفي الحسرة يوم القيامة إلاّ باقتران الذِكرين ، وفي هذا تحريض أكيد على الاقتران في الشهادات الثلاث والحثّ البالغ على ذلك ، وفي هذا النمط من لسان الأمر بالاقتران ، فُتح لباب الاقتران في الأذان أيضاً ودُفع لممارسته فيه .

الثالثة : روى عبد الله التميمي عن الرضا عن آبائه عن علي ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : مَن كان آخر كلامه الصلاة عليّ وعلى عليّ دَخل الجنّة ) (2) .

الرابعة : روى عبد الله بن عبد الله الدهقان ، قال : دخلتُ على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ، فقال لي : ( ما معنى قوله : ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى ) ؟ فقلت :

ــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الذكر باب 36 ، ح1 .

(2) الوسائل : أبواب الذكر باب 38 ، ح1 .


الصفحة 297  

 كلّما ذَكر اسم ربّه قام فصلّى ، فقال لي : لقد كلّف الله عزّ وجل هذا شططا ؟ فقلتُ : جُعلت فداك ، وكيف هو ؟ فقال : كلّما ذَكرَ اسم ربّه صلّى على محمّد وآله ) (1) .

ودلالة هذه الرواية تشير إلى أنّ الآية تريد استحباب اقتران ذكره بذكرهم ( عليهم السلام ) ، وأنّ تشريع استحباب الاقتران تشريع قرآني .

الخامسة : روى علي بن إبراهيم في تفسيره ، وفي ذيل تفسير آية ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ) من سورة فاطر ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : ( الكلِمُ الطيّب قول المؤمن : ( لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله وخليفة رسول الله ) ، وقال : ( والعمل الصالح ، الاعتقاد بالقلب أنّ هذا هو الحقّ من عند الله ، لا شكّ فيه من ربّ العالمين ) (2) ، ورواها في تفسير العسكري ( عليه السلام ) (3) عن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) .

وفي هذه الرواية تحديد الكلم الطيّب ، وأنّه يتقوّم باقتران الشهادات الثلاث ، وأنّ الشهادتين من دون الشهادة الثالثة لا تصعد إليه ، وإن كانت في الأذان والإقامة .

السادسة : روى الطبري في دلائل الإمامة عن عبد الله بن محمد ، عن عمارة بن زيد قال ، قلتُ لأبي الحسن : أتقدر أن تصعد إلى السماء حتّى تأتي بشيء ليس في الأرض حتّى نعلم ذلك ؟ فارتفع في الهواء وأنا أنظر إليه ، حتّى غاب ، ثُمّ رجعَ ومعه طير من ذهب ، في أذنه أشنِفة من ذهب ، وفي منقاره درّة وهو يقول : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ ولي الله ، فقال : ( هذا طير من طيور الجنّة ) ثُم سيّبه ، فرجعَ (4) .

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الذكر باب 41 ، ح1 .

(2) تفسير القمّي : ح2 ، ص 208 .

(3) تفسير الإمام العسكري : ص 328 .

(4) دلائل الإمامة للطبري : ص 413 .


الصفحة 298

وهي دالّة على أنّ اقتران الشهادات الثلاث من الأوراد والأذكار التي هي من كنوز الجنّة .

السابعة : ما رواه الفضل بن شاذان في كتابه الفضائل ، بإسناد يرفعه لابن مسعود أنّه قال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( لمّا أُسريَ بي إلى السماء قال لي جبرائيل : قد أُمرتُ بعرض الجنّة والنار عليك ، فرأيتُ الجنّة وما فيها من النعيم ، ورأيت النار وما فيها من عذاب أليم ، والجنّة لها ثمانية أبواب على كلّ باب منها أربع كلمات ، كلّ كلمة فيها خير من الدنيا ومَن فيها لمَن يعرفها ويعمل بها ... فعلى الباب الأوّل مكتوب ( لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، لكلّ شيء حيلة ...) .

ثُمّ ذَكر ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كتابة الشهادات الثلاث على كلّ باب من الأبواب الثمانية ، والكلمات والحِكم الأربع على كلّ باب ، وقال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في ضمن ذلك : ( وعلى الباب الخامس مكتوب لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ ولي الله ، فمَن أراد أن لا يُشتم ، ومَن أراد أن لا يُذل ، ومَن أراد أن لا يُظلم ولا يَظلِم ، ومَن أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى في الدنيا والآخرة ، فليقل : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ...) (1) الحديث .

الثامنة : في كتاب الفضائل لابن شاذان ، روى عن سليمان بن مهران الأعمش قال ، حدّثنا جابر عن مجاهد قال ، حدّثنا عبد الله بن عبّاس قال ، حدّثنا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( لمّا عُرجَ بي إلى السماء رأيتُ على باب الجنّة لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ ولي الله ، والحسن والحسين سبطا رسول الله ، وفاطمة الزهراء صفوة الله ، وعلى ناكرهم وباغضهم لعنةُ الله ...) (2) الحديث .

وروى الصدوق هذه الرواية في الخِصال (3) مسندةً .

ـــــــــــــــــــ

(1) الفضائل لابن شاذان : ص 153 .

(2) الفضائل لابن شاذان : ص 83 .

(3) الخصال : ج1 ، ص 323ـ 334 .