الصفحة 299

وهذه رواية ثالثة عن عبد الله بن عبّاس ، وهو الهاشمي الصحابي ، وهي مسندة بإسناد عن الفضل بن شاذان إليه ، والسند وإن اشتملَ على بعض العامّة كما هو ، إلاّ أنّه أدعى للاحتجاج ؛ لأنّ المضمون على خلاف مرامهم ، وهذه الرواية عن ابن عبّاس مع الرواية السابقة عنه ، يُعزِّز أنّ اقتران الشهادات الثلاث حرّض عليها النبي في عدّة مواطن ، لدفع المسلمين على الاعتياد عليها كلّما ذكروا الشهادتين ، وهو بدوره دَفعٌ لهم لذكرها في الأذان ، وجَعْلها شعاراً لهم في كلّ المواطن والشعائر العباديّة الشريفة .

التاسعة : وفي تأويل الآيات الظاهرة ، روى الكليني بإسناده عن مولانا علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين ، عن أبيه أمير المؤمنين ( صلوات الله عليهم ) في حديث قال : ( ولقد سمعتُ حبيبي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ... يقول : مَن قال لا إله إلاّ الله بإخلاص فهو بريء من الشرك ، ومَن خرجَ من الدنيا لا يشرك بالله شيئاً دخلَ الجنة ، ثُمّ تلا هذه الآية ( إِنّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ ) وهم شيعتك ومحبّوك يا علي ... وإنّهم ليخرجون من قبورهم وهم يقولون لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ...) (1) الحديث .

ـــــــــــــــــــــ

(1) تأويل الآيات الظاهرة : ص 147 .


الصفحة 300

وهذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ كلمة التوحيد والإخلاص ، هي اقتران الشهادات الثلاث ، وهذا المفاد حكومة تفسيريّة على كافّة الموارد التي يرد فيها الأمر التشريعي بقراءة كلمة الإخلاص .

وروى الصدوق في التوحيد ، وعيون أخبار الرضا ، وثواب الأعمال ، ومعاني الأخبار ، عن ابن المتوكّل ، عن الأسدي ، عن محمد بن الحسين الصوفي ، عن يوسف بن عقيل ، عن إسحاق بن راهويه قال : لمّا وافى أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون ، اجتمعَ عليه أصحاب الحديث فقالوا له : يا بن رسول الله ، ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك ؟ وكان قد قعدَ في العماريّة ، فأطلعَ رأسه وقال : ( سمعتُ أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : سمعت جبرئيل يقول : سمعت الله جلّ جلاله يقول : لا إله إلاّ الله حِصني ، فمَن دخلَ حصني أمنَ عذابي ، [ قال ] : فلمّا مرّت الراحلة نادانا : بشروطها وأنا من شروطها ) (1) .

وقريب منه ما رواه الصدوق بسند متّصل في كتاب عيون أخبار الرضا ، عن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) عن أبيه .

ــــــــــــــــــــ

(1) التوحيد : ص 25 . ثواب الأعمال : ص6 . عيون أخبار الرضا : ص 135 ، ج2 . معاني الأخبار : ص370ـ 371 .


الصفحة 301 

العاشرة : ما رواه الفضل بن شاذان أيضاً في الفضائل بإسناده عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( لمّا خَلق الله تعالى آدم ... فرفعَ رأسه ، فرأى في العرش مكتوباً عليه لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نبيّ الرحمة ، وعلي أمير المؤمنين مقيم الحجّة فيمَن عَرف ...) (1) الحديث .

وعبد الله بن مسعود من الصحابة ، يروي ندبيّة الاقتران بين الشهادات الثلاث ، ممّا يُعزِّز تقادم السيرة منذ زمن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) .

الحادية عشرة : محسّنة الهيثم بن عبد الله الرمّاني ، عن علي بن موسى ، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين ( عليه السلام ) في قوله تعالى : ( فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا ) قال : ( هو لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ أمير المؤمنين وليّ الله إلى هاهنا التوحيد ) (2) .

وهذه الرواية نصّ على كون الإقرار بالتوحيد هو مجموع الإقرار بالأمور الثلاثة ، سواء بالقلب ، أو التصريح بها باللسان ، فإلى ذلك حدّ التوحيد ، لا بحسب الظاهر للإسلام ، بل بحسب واقع الإيمان الذي يقرّ به ويتشهّد به .

عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، عن جبرئيل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم قال : ( يقول الله عزّ وجل : ولاية علي بن أبي طالب حِصني فمَن دخلَ حِصني أمِنَ من عذابي ) .

ومن ثُمّ جَعل الصدوق في معاني الأخبار ، أنّ معنى كون كلمة الإخلاص حصناً ، هو اقتران الشهادات الثلاث .

ــــــــــــــــــ

(1) الفضائل لابن شاذان : ص152 .

(2) تفسير القمّي : ج2 ذيل سورة الروم .


الصفحة 302 

أقول : والروايات الواردة في أنّ ولايتهم هي الحصن ، وهي الشرط في كلمة الإخلاص ، وفي كونها حصناً وأماناً من العذاب قد وردت بكثرة في الروايات ، ممّا يقضي بتلازم الشهادات الثلاث واقترانها لحصول الإخلاص ، وتحقّق الإيمان ، وترتّب الأمان ، والنجاة من النيران ، ولا ريب أنّ إتيان الشهادة بالتوحيد بنحو الإخلاص هو من أرفع كيفيّاتها ، بل هو النحو الصحيح المتعيّن ، إذ العبادة الخالصة هي العبادة الصحيحة ، فيقتضي ذلك أنّ اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين هي من شرائط صحّة العبادة ، وإن لم تكن من شرائط الشهادتين في الإقرار بظاهر الإسلام ، فيظهر أنّ هذا اللسان المتكاثرة فيه الروايات (1) يمكن تقريبه على الوجه الأوّل ، وهو الجزئيّة في الأذان ، فضلاً عن الوجه الثاني والثالث .

الثانية عشرة : ما رواه صاحب كتاب المستدرك ، عن رجل قال لعلي بن الحسين ( عليه السلام ) : يا بن رسول الله ، إنّا إذا وقفنا بعرفات وبمنى ذَكرنا الله ومجّدناه ، وصلّينا على محمّد وآله الطيّبين ، وذَكرنا آباءنا أيضاً بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم ، نريد بذلك قضاء حقوقهم ، فقال علي بن الحسين ( عليه السلام ) : ( أوَلا أُنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك ؟ قالوا : بلى ، يا بن رسول الله ، قال : أفضل من ذلك أن تُجدّدوا على أنفسكم ذِكر توحيد الله والشهادة به ، وذِكر محمّد رسول الله [ والشهادة له ] بأنّه سيّد المرسلين ، و [ ذكر ] عليّ ولي الله والشهادة له بأنّه سيّد الوصيّين ، وذِكر الأئمّة الطاهرين من آل محمّد الطيّبين بأنّهم عباد الله المخلصين ...) (2) الحديث .

ــــــــــــــــ

(1) أمالي الشيخ الطوسي : ص 588 مجلس 25 ، أمالي الصدوق : المجلس 41 ، ص 235  ، بشارة المصطفى لعماد الدين الطبري : ص 269 ، والمتوفّى بعد سنة 553هـ .

(2) مستدرك الوسائل : ج10 ، ص 41 .


الصفحة 303 

الثالثة عشرة : ما رواه القاسم بن معاوية قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم ، أنّه لمّا أُسريَ برسول الله رأى على العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، أبو بكر الصدّيق ، فقال : ( سبحان الله غيّروا كلّ شيء حتّى هذا ، قلت : نعم ، قال ( عليه السلام ) ، ثُمّ ذَكر أنّ الله تعالى كتب الأمور الثلاثة لمّا خَلق كُلاً من العرش ، والماء ، والكرسي ، واللوح ، وإسرافيل ، وجبرائيل ، والسماوات ، والأرضين ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، ثُمّ قال ( عليه السلام ) : فإذا قال أحدكم لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، فليقل عليّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ) (1) .

أقول : لا يخفى أنّ الرواية دالّة على أنّ الأمر بدوام اقتران الشهادتين بالإقرار بالثالثة ، متفرّع على الشعار التكويني الذي كتبه الله على الخلقة ، ويدلّ على أنّ الروايات التي في باب المعارف وروايات المعراج وغيرها ممّا ذُكر فيه القرن بينها هو إخبار ، المراد به إنشاء الأمر باتّباع هذه السنّة الإلهيّة ، وهي في الاصطلاح تسمّى حكومة تفسيريّة لتلك الروايات وقرينة عامّة عليها .

الرابعة عشرة : ما رواه جملة من محدّثي العامّة عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال : ( لمّا أُسريَ بي رأيتُ في سابق العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله صفوتي من خلقي ، أيّدتهُ بعلي ونصرتهُ به ) (2) .

ــــــــــــــــ

(1) الاحتجاج : ج1 ، ص230 ، طبعة طهران .

(2) ملحقات إحقاق الحق : ج 16 ، ص 468ـ 490 .


الصفحة 304 

وقد رواه السيّد المرعشي ( قدِّس سرّه ) في تتمّة إحقاق الحق عن عشرة من مصادر العامّة منهم : الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (1) في ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) ، ومنهم المتّقي الهندي في كنز العمّال (2) ، وغيرهم فلاحظ ، وجملة منهم رووها من طريق الطبراني عن أبي الحمراء خادم الرسول وأنس بن مالك ، وهذان الراويان من الصحابة ، وهما يرويان استحباب اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين .

 

الخامسة عشرة : ما رواه في إحقاق الحقّ (3) أيضاً عن خمسة من مصادر العامّة ، عن جابر بن عبد الله عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( مكتوب على باب الجنّة لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله أيّدتهُ بعلي ( عليه السلام ) ) .

وقد رواه أيضاً عن الحافظ ابن عساكر في تاريخه (4) في ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وابن حجر في لسان الميزان (5) ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال (6) ، وأخرجه السيوطي في الدرّ المنثور في سورة الإسراء عن ابن عدي وابن عساكر .

فهذا جابر من الصحابة يروي ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث ، ممّا يُنبئ بقِدم السيرة .

ــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق : ج2 ، ص 353 .

(2) كنز العمّال : ج12 ، ص 220 طبعة حيدر آباد .

(3) ملحقات إحقاق الحق : ج16 ، ص 491ـ 493 .

(4) تاريخ دمشق : ج2 ، ص 355 .

(5) لسان الميزان : ج2 ، ص 484 .

(6) كنز العمّال : ح12 ، ص 22 طبعة حيدر آباد .


الصفحة 305 

السادسة عشرة : ما روى ابن حجر العسقلاني في الإصابة (1) في تمييز الصحابة ، في ترجمة ( كدير الضبّي ) بعدما ذَكر له جملة من الروايات في المسانيد قال : وقال البخاري في الضعفاء ( كدير الضبّي ) روى عنه أبو إسحاق ، وروى عنه سميك بن سلمة ، وضعّفه لمّا رواه مغيرة بن مقتم عن السمّاك بن سلمة قال : دخلتُ على كدير الضبي فوجدتهُ يصلّي وهو يقول : اللهمّ صلّي على النبي والوصي ، فقلت : والله ، لا أعودك أبداً ، قال ابن أبي حاتم : سألتُ عنه أبي ، فقال : يُحوّل من كتاب الضعفاء .

ــــــــــــــ

(1) الإصابة في تمييز الصحابة : ج3 .


 الصفحة 306 


الصفحة 307

الطائفةُ الثانية

الشهاداتُ الثلاث دين الله

أنّ التشهّد بإمامتهم المقترن بالشهادتين ، هو دين الله وحقيقة الإسلام .

الأولى : ما رويَ في مصحّحة إسماعيل بن جابر قال : ( قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : أعرِض عليك ديني الذي أدين الله عزّ وجل به ؟ قال : فقال : ( هات ، قال : فقلت : أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، وأنّ عليّاً كان إماماً فرضَ الله طاعته ، ثُمّ كان بعده الحسن إماماً فرضَ الله طاعته ، ثُمّ كان بعده الحسين إماماً فرضَ الله طاعته ، ثُمّ كان بعده عليّ بن الحسين إماماً فرضَ الله طاعته ، حتى انتهى الأمر إليه ، ثُمّ قلت : أنتَ يرحمك الله ؟ قال : فقال : هذا دين الله ودين ملائكته ) .

ونظيرها رواية عبد العظيم الحسني التي عَرضَ فيها دينه على الإمام علي بن محمد الهادي ( عليه السلام ) .

الثانية : محسّنة سنان بن طريف عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) قال : قال : ( إنّا أوّل أهل بيت نوّه الله بأسمائنا ، إنّه لمّا خَلقَ الله السماوات والأرض أمرَ منادياً فنادى : أشهدُ أن لا إله إلاّ الله ، أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله ثلاثاً ، أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ثلاثاً ) (1) .

ورواها الكليني في الكافي (2) بطريق مصحّح .

ـــــــــــــــــ

(1) الأمالي للشيخ الصدوق : المجلس الثامن والثمانون ، ح4 ، ص 701 طبعة مؤسّسة البعثة ، قم المقدّسة .

(2) الكافي : ج1 ، ص441 ، ح8 ، وعنه البحار ورواه الصدوق في أماليه : 483/ ح4 .


الصفحة 308 

أقول : وفي هذه الرواية مضافاً إلى استفادة ندب الاقتران منها ، يُستفاد ندب التكرار بعدد التكرار للشهادتين بعد الفراغ من ذكرهما ، كفصول الأذان عموماً في الأذان وغيره ، كما يستفاد منها أنّ تكرار الشهادة الثالثة بعد تكرار الأوّلتين لا بإدخالها بينهما ، كما يُدخل الصلوات بعد الشهادة الثانية ، ثُمّ التعبير ( منادياً فنادى ) هو معنى ( المؤذِّن فأذّن ) ؛ لأنّ الأذان هو النداء .

الثالثة : ما رواه الصدوق في كتابه ثواب الأعمال ، وتحت عنوان ثواب مَن أقرّ لله بالربوبيّة ، ولمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالنبوّة ، ولعليّ ( عليه السلام ) بالإمامة ، بسند حسن أو معتبر ، عن المفضّل بن عمر ( قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( إنّ الله تعالى ضمّن للمؤمن ضماناً ، قال : قلت : وما هو ؟ قال : ضمّن له إن هو أقرّ له بالربوبيّة ، ولمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالنبوّة ، ولعلي ( عليه السلام ) بالإمامة ، وأدّى ما افترضَ عليه ...) (1) الحديث .

الرابعة : ما رواه الصدوق عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه عن آبائه ، قال : ( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال : مَن علمَ أن لا إله إلاّ أنا وحدي ، وأنّ محمّداً عبدي ورسولي ، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي ، وأنّ الأئمّة من ولده حُججي أُدخلهُ الجنّة برحمتي ، ونجيّتهُ من النار بعفوي ... ومَن لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي ، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ محمّداً عبدي ورسولي ، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي ، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ الأئمّة من ولده حُججي ، فقد جحدَ نعمتي ، وصغّر عظمتي ، وكفرَ بآياتي وكتبي ، إن قَصدني حَجبتهُ ، وإن سَألني حَرَمته ، وإن ناداني لم أسمع نداءه ، وإن دعاني لم أستجب دعاءه ، وإن رَجاني خيّبته وذلك جزاؤه منّي ، وما أنا بظلاّم للعبيد ...) (2) الحديث .

ــــــــــــــــــ

(1) ثواب الأعمال : ص 30 .

(2) كمال الدين وإتمام النعمة : ج1 ، ص 258 طبعة جماعة المدرّسين بقم المقدّسة .


الصفحة 309 

أقول : وذُيّل باقتران الشهادات الثلاث وإن كان التشهّد والإقرار في مقام الاعتقاد ، إلاّ أنّ ظهورها في أنّ هذا هو التشهّد التام الكامل بيّن ، وأنّ الاقتران هو الذي ينبغي عليه أن يكون من صورة التشهّد ، ثُمّ إنّ ما في الذيل من النداء والدعاء والرجاء صادق بعمومه على الأذان ؛ لأنّ مفاد الحديث اقتران الشهادات الثلاث ، هو الباب لسماع النداء ، ولرفع حجاب السماء ، ولنجاح الرجاء .

الخامسة : ما رواه الصدوق بسند متصل من رجال العامّة ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال : ( بينما نحن عنده ( أي عمر بن الخطاب ) جلوس يوماً ، إذ جاءه يهودي من يهود المدينة وهم يزعمون أنّه من وِلد هارون أخي موسى ( عليهما السلام ) ، حتّى وقفَ على عمر فقال له : يا أمير المؤمنين ، أيّكم أعلم بعلم نبيّكم وبكتاب ربّكم ، حتّى أسأله عمّا أريد ، قال أشار عمر إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فقال له اليهودي : أكذلكَ أنت يا علي ؟ قال : ( نعم ، سل عمّا تريد ... إلى أن قال له علي ( عليه السلام ) : على أنّ لي عليك إن أجبتك فيهنّ بالصواب أن تُسلم ، فقال اليهودي : والله ، لأَنْ أجبتَ فيهنّ بالصواب لأسلمنّ الساعة على يديك ، ثُمّ سأل أسألتهُ السبعة ، فأجابه ( عليه السلام ) في كلّ واحدة منها ، واليهودي يقول بعد كلّ جواب : أشهد بالله لقد صدقت ، ثُمّ وثبَ إليه اليهودي وقال : أشهدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، وأنّك وصيّ رسول الله ...) (1) .

ــــــــــــــــــــ

(1) كمال الدين وتمام النعمة : ج1 ، ص 294 الباب السادس والعشرون ، ح3 .


الصفحة 310

ورواه الصدوق بطريق آخر (1) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) ، ورواها الصدوق أيضاً بطريق ثالث (2) عن أبي الطفيل أيضاً ، بل رواه الصدوق بطريقين آخرين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) في نفس الباب (3) .

السادسة : ما رواه الكليني في الكافي عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في حديثه ( عليه السلام ) مع الشامي قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( أُخبرك كيف كان سفرك ، وكيف كان طريقك ؟ كان كذا وكذا ، فأقبلَ الشامي يقول : صدقتَ ، أسلمتُ لله الساعة ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( بل آمنتَ بالله الساعة ، إنّ الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون ، والإيمان عليه يثابون ) .

فقال الشامي : صدقتَ ، وأنا الساعة أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وأنّك وصيّ الأوصياء ) (4) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) كمال الدين وتمام النعمة : ج1 ، ص 297 الباب السادس والعشرون ، ح5 .

(2) كمال الدين : ج1 الباب السادس والعشرون ح6 ، ص 299 .

(3) كمال الدين : ج1 الباب السادس والعشرون ح7 ، ح8 .

(4) الكليني : ج1 ، ص171 ـ 173 .


الصفحة 311

الطائفةُ الثالثة

شهاداتُ الميثاق

وهي الروايات التي لسانها أخذُ الشهادات الثلاث في الميثاق ، على الأنبياء والرسل وفي الكتب السابقة .

الأولى : ما رواه الحرّ العاملي في إثبات الهداة عن كتاب المعرفة لإبراهيم بن محمد الثقفي ، بسنده عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( إنّ الله خَلق مَلَكين يكنفان العرش وأمَرَهما بشهادتين فشهدا ، ثُمّ قال لهما اشهدا أنّ عليّاً أمير المؤمنين فشهدا ) (1) .

وروى عدّة روايات بنفس السند تفيد اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين في العرش وحول العرش .

الثانية : أيضاً ما رواه الحرّ العاملي بنفس الإسناد السابق عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : ( إنّ عليّاً سُمّي أمير المؤمنين عند أخذ الميثاق على بني آدم ) (2) .

الثالثة : ما رواه أيضاً الحرّ العاملي عن كتاب ما نزلَ من القرآن في النبي والآل ، لمحمّد بن العبّاس بن مروان بإسناده عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، في حديث أنّ الأنبياء قالوا له ليلة المعراج : ( إنّ عليّاً أمير المؤمنين وصيّك ، وأنّك سيّد النبيّين ، وأنّ عليّاً سيّد الوصيين ) (3) .

ــــــــــــــــــــ

(1) إثبات الهداة : الباب العاشر ح955 ، ص 193 .

(2) إثبات الهداة : الباب العاشر ح958 ، ص 193 .

(3) إثبات الهداة : الباب العاشر ح 963 ، ص193 .


الصفحة 312

الرابعة : ما رواه الحرّ العاملي عن بكير بن أعين ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في حديث الحجر الأسود : ( وإنّ الله أودعهُ ـ يعني ذلك المَلَك ـ الميثاق والعهد دون غيره من الملائكة ؛ لأنّ الله عزّ وجل لمّا أخذ الميثاق له بالربوبيّة ، ولمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالنبوّة ، ولعليّ ( عليه السلام ) بالوصيّة ، اصطكّت فرايص الملائكة ، فأوّل مَن أسرعَ إلى الإقرار ذلك المَلَك ، ولم يكن فيهم أشدّ حبّاً لمحمّد وآل محمّد منه ، فكذلك اختارهُ الله من بينهم وألقمهُ الميثاق ) (1) .

الخامسة : ما رواه الصدوق بسند متّصل عن محمد بن عبد الرحمان الضبّي ، قال : سمعتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : ( ولايتنا ولاية الله التي لم يُبعث نبيّ قط إلاّ بها ) (2) .

السادسة : ما رواه الصدوق عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين : ( أنّه جاء إليه رجل فقال له : يا أبا الحسن ، إنّك تدّعي أمير المؤمنين فمَن أمّرك عليهم ؟ قال ( عليه السلام ) : ( الله جلّ جلاله أمّرني عليهم ، فجاء الرجل إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : يا رسول الله ، أيصدق علي فيما يقول إنّ الله أمّره على خلقه ، فغضبَ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقال : إنّ عليّاً أمير المؤمنين بولاية من الله عزّ وجل عَقدها له فوق عرشه ، وأشهدَ على ذلك ملائكته أنّ عليّاً خليفة الله وحجّة الله ، وإنّه لإمام المسلمين ...) (3) الحديث .

ــــــــــــــــــ

(1) إثبات الهداة : الباب العاشر ح64 ، ص16 , عِلل الشرائع للصدوق : الباب 164 الحديث الأول ، ص429 .

(2) الأمالي للطوسي : المجلس السادس والثلاثون ، الحديث 19 .

(3) الأمالي للصدوق : المجلس السابع والعشرون ، الحديث 8 .


الصفحة 313 

السابعة : ما رواه الصدوق في العلّة التي من أجلها جُعل الميثاق في حجر الركن ، عن بكير بن أعين عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) لأيّ علّة وضعَ الله الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يوضع في غيره ؟ قال : ( .... فلعلّة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق ، وتجديداً للبيعة ، وليؤدّوا إليه في ذلك العهد الذي أُخذ عليهم في الميثاق فيأتونه في كلّ سنة ، وليؤدّوا إليه ذلك العهد ،... وإنّ الله عزّ وجل أودعهُ العهد والميثاق وألقمهُ إياه دون غيره من الملائكة ؛ لأنّ الله تعالى لمّا أخذ الميثاق له بالربوبيّة ، ولمحمّد بالنبوّة ، ولعليّ ( عليه السلام ) بالوصيّة ...) (1) .

 

الثامنة : روى الصدوق بالصحيح الأعلائي عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري ، عن أبي جعفر الثاني محمّد بن علي ( عليهم السلام ) قال : ( أقبلَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ذات يوم معه الحسن بن علي ( عليه السلام ) ، وسلمان الفارسي ( رحمه الله ) ، وأمير المؤمنين متكئ على يد سلمان ، فدخلَ المسجد الحرام فجلسَ ، إذ أقبلَ رجل حَسَن الهيئة واللباس فسلّم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فردّ عليه السلام ، فجلسَ ثُمّ قال : يا أمير المؤمنين ، أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتَني بهنّ علمتُ أنّ القوم قد ركبوا من أمرك ما أُقضي عليهم ... ـ ثُمّ سألَ مسائله الثلاث ـ فأوعزَ أمير المؤمنين إلى أبي محمد الحسن ( عليه السلام ) فأجابهُ على مسائله كلّها فقال الرجل :

ـــــــــــــ

(1) عِلل الشرائع : ج2 ، ص429 ـ430 .


الصفحة 314 

 أشهد أن لا إله إلاّ الله ولم أزل أشهد بها ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ولم أزل أشهد بها ، وأشهد أنّك وصيّه والقائم بحجّته بعده ـ وأشار بيده إلى أمير المؤمنين ـ ولم أزل أشهد بها ، ثُمّ تشهّد بوصاية واحد واحد من أسماء الأئمّة حتّى ذكرَ أسمائهم ، ثُمّ قام فمضى فقال ( عليه السلام ) : هو الخضر ...) (1) .

التاسعة : ما رواه المفيد في الاختصاص عن المفضّل بن عمر قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( إنّ الله تبارك وتعالى توحّد بمُلكه ... ثُمّ قال : يا مفضّل ، والله ما استوجبَ آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه ، إلاّ بولاية علي ( عليه السلام ) ، وما كلّمَ الله موسى تكليماً إلاّ بولاية علي ( عليه السلام ) ، ولا أقامَ الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلاّ بالخضوع لعلي ( عليه السلام ) ، ثُمّ قال : أجملَ الأمر ما استأهلَ خلق من الله النظر إليه ، إلاّ بالعبوديّة لنا ) (2) .

ويراد بالعبوديّة هنا : خضوع وانقياد الطاعة لهم صلوات الله عليهم أجمعين ، حيث قرنَ الله تعالى طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله .

وعقدَ المجلسي ( قدِّس سرّه ) في البحار (3) في تاريخ أمير المؤمنين ، باباً بعنوان ذِكره ( عليه السلام ) في الكتب السماويّة ، وقد تضمّن ما يقرب من ثلاثة عشر حديثاً وكلّها متضمّنة لاقتران الشهادات الثلاث في الكتب السماويّة .

ـــــــــــــ

(1) إكمال الدين وإتمام النعمة : الباب 29 ، ح1 ، ص 313 ـ 315 .

(2) الاختصاص : ص250 طبعة جماعة المدرّسين ، قم المقدّسة .

(3) البحار : ج38 ، باب 58 ، ص41 ـ 62 .