الصفحة 315

الطائفةُ الرابعة

الشهاداتُ الثلاث في التلقين

تلقين المحتضر والميّت الشهادات الثلاث والإقرار بالأئمّة ( عليهم السلام ) .

الأولى : صحيحة زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( لو أدركتُ عكرمة عند الموت لنفعته ، فقيل لأبي عبد الله ( عليه السلام ) بماذا كان ينفعه ؟ قال : يلقّنه ما أنتم عليه ) (1) .

الثانية : رواية أبي بصير عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( فلقِّنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلاّ الله والولاية ) (2) .

الثالثة : ما رواه أبو بكر الحضرمي قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( والله ، لو أنّ عابد وَثن وصفَ ما تصفون عند خروج نفسه ما طَعمت النار من جسده شيئاً أبداً ) ، أي : وصف كلّ من الشهادات الثلاث .

الرابعة : مصحّح معاوية بن وهب في حديث ، أنّ رجلاً شيخاً كان من المخالفين عَرضَ عليه ابن أخيه الولاية عند موته ، فأقرّ بها وشهقَ ومات قال : فدخلنا على أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، فعرضَ علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، فقال : ( هو رجل من أهل الجنّة ، قال له علي بن السري : إنّه لم يعرف شيئاً من هذا غير ساعته تلك ، قال : فتريدون منه ماذا ؟ قد والله ، دخلَ الجنّة ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب الاحتضار الباب 37 ، الحديث 1 .

(2) الوسائل : أبواب الاحتضار الباب 37 ، الحديث 2 .

(3) أبواب جهاد النفس : الباب 93 ، الحديث 4 .


الصفحة 316  

الخامسة : رواية يحيى بن عبد الله في تلقين الميّت بعد الدفن ، قال سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : ( ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميّتهم لقاء منكر ،... ثُمّ ينادي بأعلى صوته : يا فلان بن فلان ، أو يا فلانة بنت فلان ، هل أنت على العهد الذي فارَقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله سيّد النبيين ، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين وسيّد الوصيين ...) (1) الحديث .

ومثلها رواية جابر بن يزيد (2) .

السادسة : ما روي في إثبات الهداة عن إبراهيم بن إسحاق الصولي ، عن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في حديث عن أبيه ، عن آبائه عن علي ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : إنّ أوّل ما يُسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وأنّك وليّ المؤمنين بما جعلهُ الله وجَعلته لك ، فمَن أقرّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له ) ، إلى أن قال أبو ذكوان : وهذا الحديث قد رواه الناس عن رسول الله ، إلاّ أنّه ليس فيه ذِكر النعيم والآية وتفسيرها ؛ إنّما رووا : أنّ أوّل ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة الشهادة ، والنبوّة ، وموالاة علي بن أبي طالب ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) أبواب الدفن : الباب 35 ، ح1 .

(2) أبواب الدفن : من الباب 35 ، ح2 .

(3) إثبات الهداة : الباب العاشر ، الحديث 129 ، ص 31 ، عيون أخبار الرضا : ج2 .


الصفحة 317  

أقول : هذه الطائفة من الروايات دالّة بوضوح على أنّ اقتران الشهادات الثلاث في التشهّد والإقرار ، هو من قوام الإقرار والتشهّد ، وأنّ من دون ذلك لا يتحقّق كلّ منهما ولا يترتّب أثرهما ، وأنّ الاقتران حقيقة التشهّد وحقيقة الدين الذي يُدان به الإنسان عند موته الذي هو أوّل يوم من أيّام الآخرة ، وأنّه يُسأل عن ذلك قبل بقيّة أركان الدين ، ممّا يقتضي عدم الاكتراث بالعمل ببقيّة الأركان مجرّدة عن اقتران الشهادات الثلاث ، وأنّ مجموع الثلاث واقترانها كالعنوان لصحيفة الأعمال ، كما ورد بهذا اللفظ في روايات الفريقين هذا هو المفاد المطابقي الأوّلي لهذه الروايات ، وهو عين مفاد آية الغدير من إكمال الدين بولاية علي ( عليه السلام ) .

أمّا التقريب الخاص بدلالتها ، فبضميمة ما سيأتي من مجموعة قرائن لدلالة جميع هذه الطوائف ، نعم ، هذه الطائفة تمتاز بدفع جملة من الاستبعادات التي تثار في الأقتران في الموارد التي تقتضي الشعاريّة منذ عهد الصدر الأوّل ، لاسيّما وأنّ الباقر ( عليه السلام ) الذي أراد أن يلقِّن عكرمة بها ، قد أدركَ جملة من الصحابة ممّا يُنبّه على تقادم اتخاذ الشهادات في المواطن الحسّاسة لإقامة الدين ، نظير تلقين المحتضر والميّت ، وهو كيوم الدخول في الدين المشار إليه بالعهد في الروايات المتقدّمة .


الصفحة 318  


الصفحة 319

الطائفةُ الخامسة

اقترانُ الشهادات الثلاث في الزيارات

ما ورد في جملة الزيارات في اقتران الشهادات .

الأولى : ما رواه في كامل الزيارات من زيارة الرضا ( عليه السلام ) المعروفة وفيها : ( وقل حين تدخل : بسم الله وبالله ، وعلى ملّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ عليّاً وليّ الله ) .

الثانية : ما رواه ابن طاووس في الزيارة المعروفة بزيارة آل ياسين قال : وهي المعروفة بالندبة ، خَرَجت من الناحية المحفوفة بالقدس إلى أبي جعفر محمد بن عبد الله الحِميري ومنها : ( أشهد يا مولاي أنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله لا حبيب إلاّ هو وأهله ، وأنّ أمير المؤمنين حجّته ...) (1) .

ورواها الطبرسي في الاحتجاج وغيرها من الزيارات العديدة المتضمّنة للشهادات الثلاث فلاحظ .

ــــــــــــــــــ

(1) مصباح الزائر : الفصل 17 الزيارة الثانية لمولانا صاحب الزمان .


  الصفحة 320  


الصفحة 321

الطائفةُ السادسة

إقرارُ الأئمّة عند الولادة بالشهادات الثلاث وكذا بقيّة أهل البيت ( عليهم السلام )

الأولى : ما رواه الصدوق (1) ، قال : حدّثنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي البصري قال : حدّثنا أبو عبد الله عبد السلام بن محمد بن هارون الهاشمي قال : حدّثنا [ محمد بن ] عقبة الشيباني ، قال : حدّثنا أبو القاسم الخضر بن أبان عن أبي هدية إبراهيم بن هدية البصري عن أنس بن مالك قال : أتى أبو ذر يوماً إلى مسجد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : ما رأيت كما رأيت البارحة ؟ قال : رأيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ببابه ، فخرج ليلاً فأخذَ بيد علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وخرجا إلى البقيع ، فما زلتُ أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكّة ، فعدلَ إلى قبر أبيه فصلّى عنده ركعتين ، فإذا بالقبر قد انشقّ وإذا بعبد الله جالس وهو يقول : ( أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ) فقال له : مَن وليّك يا أبه ؟ فقال : وما الولي يا بني ؟ فقال : هو هذا علي فقال : وأنّ عليّاً وليي .

قال : فارجع إلى روضتك ، ثُمّ عدلَ إلى قبر أمّه آمنة فصنعَ كما صنع عند قبر أبيه ، فإذا بالقبر قد انشقّ وإذا هي تقول : ( أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّك نبي الله ورسوله ) فقال لها : مَن وليّك يا أماه ؟ فقالت : وما الولاية يا بني ؟ قال : هو هذا علي بن أبي طالب فقالت : وأنّ عليّاً وليّي ، فقال : ارجعي إلى حفرتك وروضتك ،

ــــــــــــــــــــ

(1) معاني الأخبار : باب معنى قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( ما أظلّت الخضراء ، ولا...) ، ص 178 .


الصفحة 322  

 فكذّبوه ولبّبوه وقالوا : يا رسول الله كذبَ عليك اليوم . فقال : ( وما كان ذلك ؟ قالوا : إنّ جُندب حكى عنك كيت وكيت ، فقال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ...) الحديث .

أقول : وهذه الرواية تؤيّد ما يُحكى عن بعض الكتب ، من تأذين أبو ذر بالشهادات الثلاث بعد حادثة بيعة الغدير ، وأنّ جملة من الصحابة اعترضوا عليه وشكوه إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فأجابهم : ( وعلامَ بايعتموني في الغدير ) .

وهاهنا أيضاً في ما رواه الصدوق في معاني الأخبار ، كذّبوا أبا ذر وتناوشوه بأيديهم ( لببوه ) ، لمَا حكاه لهم من أنّ حقيقة الشهادة والإقرار ، هي باقتران الشهادات الثلاث إلاّ ما خرج بالدليل عن عموم هذا المعنى ، كما في الحُكم بظاهر الإسلام ، وبعبارة أخرى : إنّ الأصل في كلّ معنى إذ يُحمل على معناه الحقيقي لا التنزيلي الظاهري ، وههنا تؤكّد هذه الرواية الحقيقة الشرعيّة في معنى الإقرار بالشهادة ، وهذا يُعزِّز تقادم السيرة في الشهادة الثالثة على عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فتعضد ما حكاه العامّة عن كدير الضبّي ، وما رويناه عن عبد الله بن عبّاس وغيره من الصحابة عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أمره بالشهادات الثلاث مقترنة .

الثانية : ما رواه الحافظ البرسي في كتاب مشارق أنوار اليقين قال : ومن أسراره ( عليه السلام ) أنّه لمّا ولِدَ في البيت الحرام خرّ ساجداً ، ثُمّ رفع رأسه فأذّن وأقام وشهد لله بالوحدانيّة ، ولمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالرسالة ، ولنفسه بالخلافة والولاية ...) (1) .

ــــــــــــــــ

(1) إثبات الهداة : ج2 ، ص 465 فصل 22 .


الصفحة 323

الجهةُ الرابعة

في بيان السيرة الشرعيّة للشهادة الثالثة

وهذه السيرة يمكن الوقوف على حصولها في زمن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، عند جملة من الصحابة : كعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن مسعود ، وأنس بن مالك ، وأبي الحمراء ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة ، وكدير الضبّي ، وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي .

وقد مرّ في الطوائف العامّة والخاصّة ذِكر جملة الطرق والمصادر عن أولئك الصحابة ، وهذا ممّا يُنبأ أنّ البناء على ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث ، كان متقارب العهد منذ عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، حيث قد حرّض عليه في عدّة مواطن ، وما رواية الصحابة لهذه الروايات إلاّ عمل وبناء منهم على الاقتران بينها ، كما هو المعروف في علم الرجال والدراية أنّ مذهب الراوي يُعرف ممّا يرويه ، هذا فضلاً عمّا روتهُ العامّة نفسها من ضمّ كدير الضبّي (1) الشهادة للوصي بالشهادتين ، وهو يُنبئ عن سيرة وديدن عملي ممّن كان يشايع أمير المؤمنين ، كما تقدّم في المدخل الإشارة إلى أنّ سيرة الطالبيين في حلب ، والشام ، ومصر هو التأذين بالشهادة الثالثة ، عندما حكموا تلك البلاد في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع حتى أواخره ،

ــــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني : مادّة كدير .


الصفحة 324  

 وقد تقدّم ذلك  مفصّلاً وذكرنا المصادر التاريخيّة في ذلك ، وكذلك في العَلَويين الذين حكموا اليمامة في القرن الخامس .

وعموماً فهذه السيرة في الأذان في تلك البلدان ، قد كانت جارية قبل ولادة الشيخ الصدوق ، سواء من الدولة العبيديّة والفاطميّة في الشام ومصر ، وكذلك دولة الحمدانيين في شمال العراق والشام ، وكذا الدولة البويهيّة في جنوب إيران والعراق وبغداد ، فهي سيرة جارية في الغيبة الصغرى وطوال القرن الرابع والخامس ، وكانت تلك السيرة متجذّرة بتشدّد كتقيّدهم بالتأذين بفصل حيّ على خير العمل ، وقد وقعت مصادمات عديدة بين طائفة الشيعة وأهل سنّة جماعة الخلافة والسلطان على كلّ من الفَصلين في الأذان .

ومن ثُمّ احتملنا فيما تقدّم أنّ موقف الصدوق من طوائف الروايات الواردة في الأذان ، يُحتمل فيه تهدئة الموقف تجاه تلك الصدامات الدامية ، وأنّه محمول على التقيّة بحكم علاقته بآل بويه (1) ، حيث إنّ عبارة الصدوق في الفقيه هي الأخرى تُنبئ عن وجود سيرة لدى جملة من الشيعة في زمانه كانوا يؤذّنون بها ، عاملين بتلك الطوائف من الروايات ، وكذلك الحال في الاستفتاء الموجّه للسيّد المرتضى من شيعة جزيرة المبافارقيات ؛ فإنّ مؤدّى السؤال لدى السائل أنّ المشروعيّة مفروغ منها عندهم ، وإنّما تردّدهم في اللزوم على حذو بقيّة الفصول ، هذا مضافاً إلى أنّ عبارة الصدوق في الفقيه ، والشيخ الطوسي في التهذيب والمبسوط ،

ـــــــــــــــــــ

(1) وقد ذكرنا جملة من الشواهد على هذا الاحتمال من عبارة الصدوق ، في الفصل الأوّل عند التعرّض للطوائف الثلاث ، مضافاً إلى فتوى الصدوق بالشهادة الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام وفي القنوت وفي التسليم .


الصفحة 325  

ظاهرة في أنّ هذا الطوائف من الروايات متلقّاة من أصول الأصحاب ، وذكرنا الشواهد على ذلك في الفصل الأوّل ، بل كانت متداولة رواية وعملاً لدى الرواة في الطبقات السابقة زمناً على الشيخ الصدوق ، ومن ثُمّ وصَفَ الصدوق سلسلة رواتها بأنّهم متّهمون بالتفويض ، بينما لم يطعن عليها بأنّها مقطوعة أو مرسلة أو مرفوعة ، ممّا يؤكّد ويدلِّل على اتصال أسانيدها ، إلاّ أنّه ( قدِّس سرّه ) حذفَ الأسانيد في عبارته في الفقيه فصيّر الروايات بالإضافة إلينا مرسلة ، لكنّ شهادة الشيخ الطوسي بتعدّدها وكثرتها ووصفه لها بالشذوذ ، يؤكّد اتّصال أسانيدها وكونهم من الثقاة ، وأنّها غير مقطوعة ولا مرسلة ولا مرفوعة ، ويؤكّد هذه الحقيقة إفتاء السيّد المرتضى ، وابن برّاج ، والشهيد بمضمون هذه الروايات ، وكذا ما يقرب من مضمونها المحقّق الحلّي في المعتبر ، والعلاّمة في التذكرة والمنتهى كما مرّ .


  الصفحة 326  


الصفحة 327

الجهةُ الخامسة

في إثبات الجزئيّة ( الندبيّة الخاصّة ) بحسب قاعدة التسامح في أدلّة السُنن

وهذه القاعدة وإن اشتهرَ عند متأخّري العصر عدم دلالتها على الاستحباب ، بل هي عندهم إرشاد إلى رجاء الاحتياط ، إلاّ أنّ الأقوى والأظهر في مفاد روايات القاعدة ، هو ما ذهب إليه  مشهور الفقهاء من الطبقات  المتقدّمة وذلك :

أولاً : لأنّ تحديد الثواب الخاص كما بلغ ، يعني الجعل الخاص ولو بسبب الانقياد الخاص في مورد البلوغ ، وإلاّ لو كان لا خصوصيّة للقاعدة ولا جَعل خاص في البين ، لكان اللازم هو كون الثواب في الانقياد على نمط واحد ووتيرة متّفقة ، مع أنّ صريح الصحاح الواردة في القاعدة هو ثبوت الثواب الخاص نفسه الذي بلغهُ كلّ مورد بحسبه .

ثانياً : لو كان الثواب من باب الاحتياط ، لكان ثبوت الثواب ليس على الإطلاق ، بل فيما لو أصاب الخبر الوارد الواقع ، كما هو الشأن دائماً في الاحتياط والوظائف الظاهريّة ، مع أنّ صريح الصحاح الواردة في القاعدة هو ثبوت الثواب الخاص ، ولو لم يكن كما بلغه أي ولو لم يكن في الواقع مطابقاً لمَا بلغهُ .

ثالثاً : أنّ هذه الروايات حيث إنّها في صدد الوعد في ثبوت الثواب على كلّ تقدير ، فهي في صدد الحثّ والتحضيض والبعث والتحريك ، وهو معنى الأمر الشرعي والطلب الندبي .


الصفحة 328  

رابعاً : أنّ الانقياد بنفسه طاعة عندما يكون مضافاً إلى الرسول والأئمّة ( عليهم السلام ) ؛ لأنّ حُسنه العقلي ذاتي وإن لم يكن هناك في البين حسن ذاتي في الفعل ، وحسن الانقياد بدرجاته عن النيّة والعزم والشوق ، وحركة الجوانح والجوارح كلّها تنصبغ وتتلوّن بحسن الانقياد ، فالفعل في نفسه وإن لم يكن راجحاً في نفسه ، إلاّ أنّه يطرأ عليه عنوان الانقياد فيجعلهُ راجحاً بسبب هذا الطرو ، نظير ما ذُكر في قبح التجرّي ، وامتداد هذا العنوان من الجوانح إلى الجوارح وتلوّن الفعل به ، وملخّص هذا الوجه : أنّه مدرك عقلي لقاعدة التسامح في أدلّة السُنن ، مستقل ومُعاضد لاستظهار المشهور من الروايات ، هذا ملخّص كبرى إفادة قاعدة التسامح في أدلّة السُنن الندب الشرعي الخاص .

أمّا انطباقها على المقام ، فبلحاظ الطوائف الروائيّة الثلاث التي رواها الصدوق في الفقيه ، هذا إن لم تتم سنداً بعدما مرّ من إفتاء جملة من المتقدّمين بمضمونها ، ونفى الشيخ الإثم عن العامل بها وإن خطّئه اجتهاداً ، وقد تقدّم ما فيه الكفاية في المدخل ، وفي الفصل الأوّل من الشواهد للوثوق بصدورها .

أمّا الخدشة في ذلك ـ لدعوى الوضع في الخبر أو الشذوذ ممّن نقلَ منه الخبر ، وأنّه على ذلك لا مجرى لقاعدة التسامح ـ فمدفوعة لوجوه :

أولاً : أنّ الناقل وهو الصدوق قد تقدّم عدم جزمه بالوضع ؛ وإنّما جَعَل مَن يروي مثل هذه الأحاديث متّهم بالغلو لا متيقّن الغلو ، وأنّ الغلو عند الصدوق ( قدِّس سرّه ) والقمّيَين حدّه معروف الخدشة ، وأنّ الشهادة الثالثة ليس فيها ما يدلّ على الغلو ،


الصفحة 329  

 بل قد استفاضت الروايات لرجحان إتيانها مطلقاً في كلّ مورد يتشهّد بالأولتين ، وإنّ الشيخ الطوسي نفى الإثم عن العامل به ممّا يظهر منه اعتبار سندها ، بل يظهر منه الإفتاء بجواز العمل بها ، كما مرّ قرائن وشواهد من كلامه دالّة على ذلك ، وإن أَشكلَ في حجيّتها باعتبار الشذوذ في المضمون بسبب خلو بقيّة روايات الأذان عنها ، وكذا العلاّمة والشهيد في البيان ، وأنّ القاضي ابن برّاج قد أفتى ببعض مضمونها ، وأنّ الشذوذ في المصطلح الأشهر هو الخبر المعتبر غير المعمول به لانفراد متنه عن بقيّة متون الروايات ، وأنّ الشذوذ ـ على ماله من معنى مصطلح ـ لا يتنافى مع جريان قاعدة التسامح بعدما كان غاية ما يصنعه الشذوذ إسقاط الخبر عن الحجيّة لا الجزم بالوضع ، وبعدما كان مقتضى العمل به بتوسط القاعدة بعد جريانها لا يحافظ على مضمون الخبر الشاذ ، الدالّ على الجزئيّة في الماهيّة الأوليّة بل بعنوان الجزئيّة الندبيّة ، سواء فسّرنا الجزء المندوب بمعنى العوارض الفرديّة على الطبيعة ، أو صوّرنا الجزء المندوب بمعنى المطلوب الندبي في ظرف المطلوب والمتعلّق الأصلي وهو الطبيعة .

هذا ، وقد جمعَ الفاضل المحقّق السيّد عبد الرزاق المقرّم ( قدِّس سرّه ) ، في رسالته التي ألّفها في الشهادة الثالثة وغيره ممّن تطرّق إلى المسألة ، ما يربو على المائة من فتاوى الفقهاء من عهد المجلسين ( قدِّس سرّهما ) إلى يومنا الحاضر باستحبابها في الأذان والإقامة من دون قصد الجزئيّة ، بل ذهب صاحب المستمسك إلى احتمال الوجوب من جهة صيرورته شعيرة إيمانيّة من دون قصد الجزئيّة قال : ( لا بأس بالإتيان بالشهادة بالولاية بقصد الاستحباب المطلق ؛ لمَا في خبر الاحتجاج ... بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع ، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً ، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان ) (1) .

ــــــــــــــــــــ

(1) مستمسك العروة الوثقى : ج5 ، ص545 .


الصفحة 330  

ثانياً : ضعف منشأ تضعيف الصدوق لروايات الشهادة الثالثة ، كما تقدّم مفصّلاً في الفصل الأوّل .

ثالثاً : أنّ الروايات المزبورة حيث قد وصِفت بالشذوذ وعدم العمل ، وهما وصفان يتعارف ويصطلح إطلاقهما على الروايات المعتبرة من حيث السند ، كما تقدّم ذلك مفصّلاً في التذييلين المُلحقين بالفصل الأوّل ، ومرّ فيهما عمل وفتوى جملة من الأكابر بأخبار شاذّة في أبواب فقهيّة عديدة فلاحظ ، فكيف بالعمل بالشاذ من باب قاعدة التسامح ، وتقدّم أنّ ابن برّاج وغيره قد عمل وأفتى ببعض مضمونها ، فالوسوسة في العمل بقاعدة التسامح في ما وصف بالشذوذ غفلة صناعيّة واضحة .

الرابع : إنّ بعض الشيعة في زمان الصدوق ( قدِّس سرّه ) كان يؤذِّن ويقيم بالشهادة الثالثة ، كما تقدّم ذِكر ذلك ، وهذا يظهر أيضاً من كلام الشيخ في المبسوط والنهاية ، كما لا يخفى لمَن أمعنَ التدبّر ، وكذا من فتوى الشريف المرتضى في مسائل المباقارقيات ، وكذا الظاهر من كلام ابن برّاج في المهذّب والشهيدين ، وصرّح المجلسي الأوّل بأنّ ذلك عمل الشيعة في قديم الزمان وحديثه ، وقد ذكرَ ذلك في السيرة بشكل مفصّل .

الخامس : ذهاب جماعة من القدماء إلى عدم الحرمة والإثم بذكرها في الأذان والإقامة ، كالشيخ في المبسوط ، بل إنّ نظرَ الشيخ في ذلك إلى مَن ذكرها بقصد الجزئيّة كما لا يخفى ،


الصفحة 331  

والظاهر أنّ حكمهُ بعدم الحرمة لإمكان استناد الفاعل إلى تلك الروايات ، وإن لم يجزم هو ( قدِّس سرّه ) بها ، لكن قد مرّ استظهار فتواه بجواز العمل بمضمونها بقرائن من كلامه في المبسوط ، فلاحظ ما مرّ في الفصل الأوّل ، كما يظهر ذلك من الشهيد في البيان ، وكذا العلاّمة في المنتهى .

وذهب الشهيد الثاني في الروضة إلى ذلك مع عدم قصد الجزئيّة ، ويَستظهر ذلك مع عدم قصد الجزئيّة من كلّ مَن عبّر عنها أنّها من أحكام الإيمان لا من أجزاء الأذان ، كما تقدّم حيث إنّه دالّ على رجحانها في نفسها تلو الشهادتين ، إذ المجموع يتمّ به الإيمان ، فمقتضى تلك العبائر استحباب الإتيان بها لا بقصد الجزئيّة ، كما في الصلوات على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعد الشهادة الثانية .

السادس : أنّ منشأ الإعراض الحاصل من أكثر القدماء عن الفتوى بها ، هو العمل بصحيحة زرارة ، وأبي بكر الحضرمي ، وكليب الاسدي ، المشار إليها في كلام الصدوق ( قدِّس سرّه ) ، حيث لم يذكر فيها ذلك بل الحصر في عدد مخصوص ، مع أنّ روايات فصول الأذان والإقامة مختلفة جدّاً وبكثرة في عدد الفصول ، بل حتّى الصحيح المزبور قد جُعل فيه عدد فصولهما متّحد ، فلا يصلح الصحيح ليكون منشأ للإعراض وإن كان متيناً بالإضافة إلى غيره ، ولعلّه بلحاظ الفصول الواجبة في الصحّة لا المستحبّة .

السابع : أنّه من المطمئنّ به أو المقطوع كما تقدّم ، أنّ تلك الروايات مرويّة في أصول أصحابنا ، وإلاّ لمّا تعرّض له الصدوق ، لعدم وضع كتاب مَن لا يحضره الفقيه للمقابلة مع روايات وكتب الفِرق المنحرفة الغالية المفوّضة ،


الصفحة 332  

ولا ذلك دأبه ، وإلاّ لمَا اقتصر على ذلك الموضع ، بل لشوهدَ منه في أبواب أخر .

الثامن : أنّه لو سلِّم الطعن بكذب الراوي ، فهو لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيّة ، كما ذَكر ذلك غير واحد من الأساطين .