الصفحة 333

 الفصلُ الثالث

في إثبات شعاريّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة

وفيه جهتان :

الأولى : شعاريّة الشهادة الثالثة

الثانية : أقوال نادرة في حكمها 


الصفحة 334


الصفحة 335

الجهةُ الأولى

شعاريّة الشهادة الثالثة للإيمان في الأذان والإقامة ، وبيان كبرى قاعدة الشعائر وصغراها في المقام

الأقوالُ في الشعاريّة

قد ذهبَ إلى شعاريّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة أكثر المتأخّرين ومتأخّريهم ، وهو كونها من شعائر الإيمان ، وهو ما أشار إليه كثير من الأصحاب في عبائرهم بأنّها من أحكام الإيمان لا من فصول الأذان ، حيث صرّحوا بعدم الحرج في إتيانها لا بقصد الجزئيّة كالشهيد الأوّل (1) في الدروس ، والثاني في الروضة (2) ، وصاحب الرياض (3) ، ولذلك حملَ المجلسي الأوّل في الروضة العبارة المزبورة منهم على رجحان ذكرها من دون قصد الجزئيّة .

 

أذانُ الإعلام ( الشعيرة الإلهيّة ) واجب كفائي

وقال الشيخ البهائي في الحبل المتين ( في تفسير قوله ( عليه السلام ) : ( ولكنّها معصية ـ أي ترك نوافل الظهر ـ) والضمير يعود إلى ما دلّ عليه الكلام السابق ،

ــــــــــــــــــــ

(1) الدروس : ج1 ، ص162 طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي .

(2) الروضة البهيّة : في بحث الأذان .

(3) رياض المسائل : ج1 ، ص 151 .


الصفحة 336 

أي أنّ هذه الخصلة معصية ، ولعلّ إطلاق المعصية عليها للمبالغة وتغليظ الكراهة ، أو أنّ ترك النوافل بالمرّة معصية حقيقة لمَا فيه من التهاون ، كما قال الأصحاب من أنّه لو أصرّ أهل البلد على ترك الأذان قوتلوا ، وكذا لو أصرّ الحجّاج على ترك زيارة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وما في آخر الحديث التاسع من قوله : ( ولكن يُعذَّب على ترك السُنّة ) محمول على هذا ) (1) .

وقال العلاّمة في منتهى المطلب : ( ذهبَ بعض أصحاب الشافعي إلى وجوب الأذان والإقامة كفاية ، وذهب مالك إلى وجوبه في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها للصلاة ، وذهب أحمد بن حنبل إلى وجوب الأذان على أهل المصر ، واستدلّوا ببعض الروايات (2) بأنّه من شعائر الإسلام فأشبهَ الجهاد ، وناقَشهُ العلاّمة بالفرق بين الأصل وهو الإسلام وبين الفرع وهو الأذان : بأنّ الأصل وضِعَ للدخول في الدين وهو من أهم الواجبات ، فكان الطريق إليه واجباً ، والأذان وضِعَ للدخول في الجماعة وهي غير واجبة ، فالأَولَى بالوسيلة أن لا تكون واجبة ) (3) .

وقال في التذكرة ( مسألة : لا يجوز الاستيجار على الأذان وشبهه من شعائر الإسلام غير المفروضة ... إلى أن قال : وللشافعيّة في الأجر على الشعائر غير المفروضة في الأذان تفريعاً على الأصحّ عندهم ثلاثة أوجه ،

ــــــــــــــــــــ

(1) الحبل المتين للشيخ البهائي : ص133ـ 134 الطبعة القديمة ( بصيرتي ) .

(2) مصادر أهل سنّة الجماعة والخلافة ( المغني : ج1 ، ص 461 ، المجموع : ج3 ، ص 81 المدوّنة الكبرى : ج1 ، ص 61 ، بداية المجتهد : ج1 ، ص 107 ، عمدة القارئ : ج5 ، ص 104 ، نيل الأوطار : ج2 ، ص 10 ) .

(3) منتهى المطلب : ج4 ، ص 411 طبعة جماعة المدرّسين .


الصفحة 337 

فإن جوّزوه فثلاثة أوجه في أنّ المؤذّن يأخذ الأجرة : أحدهما أنّه يأخذ على رعاية المواقيت ، والثاني على رفع الصوت ، والثالث على الحيّعلتين فإنّهما ليستا من الأذان ، والأصحّ عندهم وجه رابع أنّه يأخذ على الأذان بجميع صفاته ، ولا يبعد استحقاق الأجرة على ذكر الله ، كما لا يبعد استحقاقها على تعليم القرآن إن اشتمل على تعلّم القرآن ) (1) .

أقول : ويستفاد من كلام العلاّمة وأقوال المذاهب الأخرى ، أنّ الأذان تنطبق عليه عدّة طبايع مندوبة ، فمضافاً إلى خصوصيّة الأذان تنطبق عليه أيضاً الطبيعة العامّة لشعائر الإسلام ، فيندرج في قاعدة تعظيم الشعائر كما تنطبق عليه طبيعة ذِكر الله المندوب ، ولعلّه باللحاظ الثالث تخرج الحيّعلات عن بقيّة الفصول ، إذ ليس هي بذكر .

ومن ثُمّ لم يسوِّغ الشيخ الطوسي في المبسوط حكايتهنّ عند سماع الأذان لمَن كان في أثناء الصلاة ، وقال : إنّهنّ من كلام الآدمي وإن كنّ مستحبّات من حيثيّة أذان الإعلام ، وبالتالي فطبيعة الأذان قد اجتمعَ فيها عدّة طبايع شرعيّة ، ولكلّ منها حكم يستحبّ عليها دون الطبيعة الأخرى ، كما هو واضح من أمثلة الأحكام الآنفة ، ومن ثُمّ يتبيّن تعدّد وجه مشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان تصل إلى ثلاثة وجوه أو أكثر ، ومن تلك الوجوه جهة الشعيرة والشعائر الإيمانيّة .

وقال السيّد المرتضى في رسائله ( المسألة الثالثة عشر : [ وجوب ( حيّ على خير العمل ) في الأذان ] .

استعمال ( حيّ على خير العمل ) في الأذان ، وأنّ تركهُ كترك شيء من ألفاظ الأذان .

ــــــــــــــــ

(1) التذكرة : فصل الأذان والإقامة .


الصفحة 338 

والحجّة أيضاً اتّفاق الطائفة المحقّة عليه ، حتّى صار لها شعاراً لا يُدفع وعلماً لا يُجحد (1) ، وقال في المستمسك : ( ومجرّد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيةّ ، كما أنّه لا بأس بالإتيان به بقصد الاستحباب المطلق ؛ لمَا في خبر الاحتجاج : ( إذا قال أحدكم : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، فليقل : عليّ أمير المؤمنين ) ، بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع ، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً ، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان ، ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان ؛ لشهادة الشيخ ، والعلاّمة ، والشهيد وغيرهم ...) (2) .

وقال في المستند : ( ولكنّ الذي يهوّن الخطبَ أنّنا في غنى من ورود النص ، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متمّمات الرسالة ، ومقوّمات الإيمان ، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) بل من الخَمس التي بُني عليها الإسلام ، ولاسيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعائر ، وأبرز رموز التشيّع وشعائر مذهب الفرقة الناجية ، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره ) (3) .

وقال السيّد الخوئي في معرض الجواب عن سؤالٍ وجّه إليه : ( وقد جرت سيرة العلماء والأبرار على الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة ،

ــــــــــــــــــــ

(1) رسائل السيّد المرتضى : 1/ 219 .

(2) مستمسك العروة الوثقى : ج5 ، ص545 .

(3) مستند العروة : ج13 ، ص259 ـ 260 .


الصفحة 339 

لا يُقصد الجزئيّة منذ عهد بعيد من دون نكير من أحدهم ، حتّى أصبح ذلك شعاراً للشيعة ومميّزاً لهم عن غيرهم ، ولا ريبَ في أنّ لكلّ أمّة أن تأخذ ما هو سائغ في نفسه ، بل راجح في الشريعة المقدّسة شعاراً لها ...) (1) .

أقول : قد ذَكر ( قدِّس سرّه ) الضابطة في قاعدة الشعاريّة موضوعاً ومورداً ، فموضوعها : اتّخاذ شيء سائغ فضلاً عن الراجح علامة ومعلماً لباب من أبواب الدين ، هذا بيان الموضوع على صعيد الكبرى الكليّة .

وأمّا على صعيد الصغرى وبيان المورد في المقام : فبيّنَ في صدر جوابه الإشارة إلى أنّ الشهادة بالولاية مكمّلة للشهادة بالرسالة ، وأنّ الإيمان بها لا يتمّ إلاّ بالإيمان بالولاية ، ثُمّ بيّن وقوع اتّخاذ الشهادة الثالثة في الأذان شعاراً للمذهب ، كما هو الشأن في طبيعة اتّخاذ العلامات الوضعيّة أنّها تُتخذ للتباني والتواضع ، فتشمل عموم القاعدة المورد في المقام ، ونظير هذا الكلام ما ذكره الميرزا باقر الزنجاني في معرض جوابه عن هذا السؤال نفسه قال :

(.... وقد بَلَغنا عن أئمّتنا الهداة ( صلوات الله عليهم ) الأمر عقيب قول لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، أن يقول : عليٌّ أمير المؤمنين بنحو الإطلاق ، وبه أخذ الإماميّة خَلَفاً عن سلف فجهروا بتلك الشهادة عقيب الشهادتين في الأذان على المآذن ، وفي المساجد ، وأوقات الصلاة حتى صار ذلك شعاراً لهم ... فالإماميّة يعلمون أنّ هذه الشهادة كالصلاة على النبي وآله عقيب ذِكر اسمه الشريف في خروجها عن فصول الأذان ،

ـــــــــــــــــــــ

(1) شرح رسالة الحقوق : ج2 ، ص127 .


الصفحة 340 

وإنّما هما من الآداب المطلوبة المرغوب فيهما بمقتضى الأخبار ،... فعلى أبناء الشيعة ( ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت ) ، أن يقتفوا أثر أسلافهم التابعين لفتاوى علمائهم الأبرار ، أن لا يتركوا هذا الشعار المشروع الذي لا مطعن فيه ولا مغمز ، وليستقيموا كما أُمروا ) (1) .

 

شعاريّة ذِكرهم في الأذان

وقال العلاّمة في المنتهى : ( ويستحبّ إذا فرغَ من التلبية أن يصلّي على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )لقوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) قيل في التفسير : لا أُذكَر إلاّ وتُذكَر ، يعني ولأنّ كلّ موضع شُرِّع فيه ذِكر الله تعالى شُرِّع فيه ذِكر نبيّه كالصلاة والأذان ) (2) .

أقول : وقد قال تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ له فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ ، رِجَالٌ لاّ تُلهيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ...) (3) .

فأمرَ في تعظيم تلك البيوت التي هي ليست من الحجر والمَدَر ، بل هي رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع ، بمقتضى عطف الآية الثانية على الآية الأولى ، وأنّ نور الله المخلوق هو في تلك البيوت التي هي الرجال الذي لا تلهيهم تجارة ولا بيع ، وقد وردَ التنبيه على تفسير ظاهر هذه الآيات لهذا المفاد روايات عديدة من الفريقين ، وأنّ بيت علي وفاطمة من أفاضلها .

ومن ذلك : ما روى السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل الآية قال : ( وأخرجَ ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال :

ـــــــــــ

(1) شرح رسالة الحقوق : نقلاً عن كتاب سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم ، ج2 ، ص125 ـ 126 .

(2) منتهى المطلب : ج2 ، ص 681 .

(3) النور : 36 .


الصفحة 341 

 قَرأ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) هذه الآية ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ) فقامَ إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال : ( بيوت الأنبياء ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله ، هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة ؟ قال : نعم ، من أفاضلها ) .

فكما ورد عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قوله تعالى ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ، وقد فُسِّرت باقتران ذِكره بذكر الله تعالى في الأذان ، كما ورد في بعض الروايات تأويلها بذلك ، وكذلك ورد تأويل ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) بعلي صهرك .

وفي رواية الطبرسي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي ( عليهم السلام ) ، في حديثه لليهودي مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث قال ( عليه السلام ) في شرح قوله ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) : ( فمَن هذا الذي يُشركه في هذا الاسم ، إذ تمّ من الله به الشهادة فلا تتمّ الشهادة إلاّ أن يقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ينادى على المنار ، فلا يُرفع صوت لذكر الله عزّ وجل إلاّ رُفع بذكر محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) معه ) ، وكذا ذُكر في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل نفس الآية .

فكذلك ورد فيهم ( عليهم السلام ) : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، يُسَبّحُ له فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ ، رِجَالٌ ...) (1) .

ومن ثُمّ ورد في الروايات المعتبرة التي تقدّمت أنّ ذكرهم من ذكر الله ، كما في موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( قال : ما اجتمعَ في مجلس قوم لم يذكروا الله ولم يذكرونا ، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة ... ثُمّ قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : إنّ ذِكرنا من ذكر الله ، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان ) (2) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) النور : 36 .

(2) الوسائل : أبواب الذكر باب 36 ، ح1 .


الصفحة 342 

فتقرّر من آية النور : أنّ إقامة ذِكرهم مقروناً بذكر الله وبذكر نبيّه ، فكما أخبرَ تعالى بترفيع ذِكر النبي بذكره تعالى ، كذلك أمرَ تعالى في آية النور ـ المعتضد مفادها بالنصوص ـ بترفيع ذِكرهم مع ذكره تعالى ، فتكون الآية مع النصوص دليلاً خاصّاً على شعاريّة ذِكرهم في الأذان ، بل عند التدبّر ـ وبضميمة ما في قوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) وما وردَ في ذلك أنّه في الأذان ، بالإضافة إلى عمومات الاقتران الدالّة على الحقيقة الشرعيّة في الشهادة ـ يُستَشعر الجزئيّة في الأذان .

وقد روى الفضل بن شاذان بإسناده إلى المقداد بن الأسود الكندي وقال : كنّا مع سيّدنا رسول الله وهو متعلّق بأستار الكعبة وهو يقول : ( اللهمّ اعضُدني ، واشدُد أزري ، واشرح صدري ، وارفع ذكري ، فنزلَ عليه جبرئيل ( عليه السلام ) وقال : اقرأ يا محمّد ؟ قال : وما أقرأ ؟ قال : اقرأ : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) مع عليّ بن أبي طالب صهرك ) ، فقرأها النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأثبَتها عبد الله بن مسعود في مصحفه ، فأسقطها عثمان بن عفان حين وحّد المصاحف ) (1) .

أقول : والمراد بإثباتها في مصحف عبد الله بن مسعود : أنّه مشتمل على التنزيل والتأويل ، وعلى أيّ تقدير تكون دلالة الرواية نصّاً في رفع ذِكر النبي ورفع ذِكر الوصي ، وقد ورد في روايات الفريقين أنّ تفسير ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) هو جَعل اسمه الشريف في الأذان ، فتكون هذه الرواية كالنص في جَعل الشهادة الثالثة في الأذان .

ــــــــــــــــ

(1) الفضائل لابن شاذان : ص151 .


الصفحة 343 

وهناك جملة من الروايات وردت في أنّ تلك البيوت هي بيوت آل محمّد ، فقد روى علي بن إبراهيم بسنده المتصل عن جابر عن أبي جعفر في قوله تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله ...) قال : ( هي بيوت الأنبياء وبيت علي منها ) (1) .

 وروى الكليني عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ـ في حديث في ذيل الآية ـ : ( والتَمسوا البيوت التي أذِنَ الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه ؛ فإنّه أخبَركم أنّهم ( رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) ) (2) .

وفي صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، في حديث دخول قتادة بن دعامة البصري حيث قال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : ( ويحك يا قتادة ، إنّ الله عزّ وجل خلقَ خلقاً من خلقه ، فجعلهم حُججاً على خلقه ، منهم أوتاد في أرضه ، قوّام بأمره ، نُجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه ، أظلةّ عن يمين عرشه ، قال : فسكت قتادة طويلاً ثُمّ قال : أصلحكَ الله ، والله لقد جلستُ بين يدي الفقهاء ، وقدّام ابن عبّاس ، فما اضطربَ قلبي قدّام واحد منهم ما اضطربَ قدّامك ، فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : ( ويحكَ أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ...) فأنتَ ثَمّ ، ونحن أولئك ) فقال له قتادة : صدقتَ والله ، جَعلني الله فداك ، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين ... (3) الحديث .

وغيرها من الروايات أوردها صاحب تفسير البرهان ونور الثقلين عن المصادر الحديثيّة ، فلاحظ ما ذَكراه في ذيل الآية .

ــــــــــــــــــ

(1) تفسر القمّي : ج2 ، ص 79 .

(2) الكافي : ج1 ، ص 139 .

(3) الكافي : ج6 ، ص 256 .


الصفحة 344 

ومن هذه الآيات والروايات يتبيّن : أنّ أبرز المصاديق التي ينصرف إليها الإطلاق في ترفيع الذكر هو الأذان والإقامة ، ومنه تُستشعر الجزئيّة ، ونحوهما تشهّد الصلاة ، وأنّ الحال كذلك في العمومات الواردة التي تقدّمت الإشارة إليها في الفصل السابق ، الدالّة على استحباب اقتران الشهادات الثلاث عموماً ، وأنّ أبرز المصاديق المنصرف إليها هذه العمومات هو الأذان والإقامة ، لاسيّما وأنّ طوائف روايات الاقتران دالّة بمجموعها على تقرير الحقيقة الشرعيّة للشهادة ، وأنّ بدون الثلاث معاً لا يتقرّر ولا يتحقّق أصل التشهّد ؛ لأنّ الثالثة بتبع الاثنتين ركن قوامي في حقيقة الإقرار والتشهّد أيضاً .

 

شعاريّةُ الأذان والشهادة الثالثة :

قال تعالى : ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصّلاَةِ اتّخَذُوهَا هُزُوا ًوَلَعِباً ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ) (1) .

وقوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى‏ ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ) (2) .

وقد ورد في نزول هذه الآية أنّ بعض المنافقين أو أهل الكتاب من الكفّار ، إذا سمعوا المؤذّن يقول : ( أشهد أن محمّداً رسول الله ) شتمَ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فدخَلَت خادمتهُ بنار ذات ليلة وهو نائم ، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترقَ البيت ، واحترق هو وأهله .

وقد قُرّر أنّ في الآية دليل على ثبوت الأذان بنصّ الكتاب ، لا بالمنام لبعض الصحابة كما روته العامّة ، وفي الآية دلالة على إطلاق عنوان النداء على الأذان ،

ــــــــــــــــ

(1) المائدة : آية 58 .

(2) الجمعة : آية 9 .