الصفحة 39

لَمحةٌ عن المَسار العَملي للمَسألة 

لقد كُتب واستُدلّ لمشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ، في ضمن رسائل عديدة لأعلام الطائفة في الأعصار الأخيرة ، بل إنّ المسألة مثارةٌ علميّاً في كُتب الأقدمين والمتقدّمين ، بل هي ظاهرة عمليّة ثابتة مارستها أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كما يشير إلى ذلك الصدوق في كتابه الفقيه (1) ، بل قد عُزي في بعض المصادر إتيان بعض صحابة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بها .

 فقد قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة : ( كدير ) بالتصغير الضبّي يقال : هو ابن قتادة ،... روى حديثه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن كدير الضبّي ، أنّه أتى النبي (2) ....

وقال البخاري في الضعفاء : ( كدير الضبّي روى عنه أبو إسحاق ، وروى عنه سميك بن سلمة ، وضعّفه لمّا رواه مغيرة بن مقسم عن سمّاك بن سلمة قال : دخلتُ على كدير الضبّي أعودهُ فوجدتهُ يصلّي وهو يقول : اللهمّ صلّي على النبيّ والوصيّ ، فقلت : والله ، لا أعودك أبداً ) (3) .

وروى العقيلي في الضعفاء بسنده عن سمّاك بن سمكة قال : دخلتُ على كدير بعد الغداة فقالت لي امرأته : ادنوا منه فإنّه يصلّي حتى يتوكّأ عليك ، فذهبتُ ليعتمد عليّ ، فسمعته وهو يقول في الصلاة : سلامٌ على النبيّ والوصيّ فقلت ...) (4) .

ـــــــــــــــــ

(1) سيأتي التعرّض إلى كلامه مفصّلاً .

(2) الإصابة في تمييز الصحابة : في حرف الكاف القسم الأول في باب ك د ، وسيأتي ذكر مصادر أخرى تشير إلى ذلك في ص52 من المدخل .

(3) لاحظ : الملحق 1 .

(4) الضعفاء : ج3 ، ص1184 رقم المسلسل 1571 ، طبعة دار الصنيعي .


الصفحة 40  

وبالرغم من ذلك ، فإنّ كلمات متأخّري المتأخّرين لم يستوفوا فيها النظر حقّه في الروايات الواردة بحثاً ودراسة ، ولم يكثروا التأمّل كفايته في كلام المتقدّمين فبنوا على الظاهر البدوي من كلامهم ، وجعلوا مؤدّى كلماتهم ( أي كلمات المتقدّمين ) على مفاد واحد مع أنّها مختلفة ، وتقييمهم لاعتبار الروايات متباين ، فنظرةُ الصدوق حول تلك الروايات مختلفة تماماً عن نظرة الشيخ الطوسي ، فضلاً عن المرتضى وابن برّاج ، فلم يُنجَز البحث الدرائي حول الروايات كما هو حقّه ، كما لم يُعالج السبب للموقف الفقهي للصدوق والشيخ اتّجاه تلك الروايات ، مع أنّ ذلك السبب مدركي اجتهادي لا تعبّدي ، بل لم يتمّ تحليل رأي الصدوق ومغزى مرامه الذي هو أشدّ المتقدّمين طعناً اتّجاه تلك الروايات بحسب الظاهر المترائى ، مع أنّ حقيقة موقف الصدوق ليس ما يوحيه ظاهر كلامه بموجب قرائن عدّة آتية في تحليل كلامه ، وهذه النقاط في كلام المتقدّمين مؤثرة مصيريّاً في تقييم واعتبار حجيّة الروايات صدوراً .

هذا ، مضافاً إلى نضوب البحث والاختزال في الاستدلال في المسألة ، في الجهات الصناعيّة للوجوه المختلفة ، فلم يوردوا في المقام طوائف الروايات الأخرى التي لا يخلو مضمونها من ربط وصلة متوسطة أو بعيدة ، لكنّها غير أجنبيّة عن المقام من رأس ولا مقطوعة الصلة بتاتاً .


الصفحة 41  

أضف إلى ذلك : أنّ هناك جملة من الفتاوى لبعض المتقدّمين أو المتأخّرين مواتية لإثبات الحكم في المسألة ، لم يُنبّه عليها في الكتب المطوّلة الراصدة لأقوال الفقهاء ، وهذا ممّا أوجبَ استيحاش جملة ـ ممّن مالَ إلى تقرير الحُكم ـ عن مخالفة ظاهر المشهور ، وقد صرّح جملة من الأساطين بذلك ، ولم يقف الأمر والحال عند ذلك ، بل آلَ عند بعض متأخّري العصر إلى الاستشكال في المسألة وتقريب وجوه المنع والحرمة غفلةً عن ما تقدّم .


  الصفحة 42  


الصفحة 43

المُتون الروائيّة الخاصّة بالشهادة الثالثة في الأذان

إنّ من الأمور المهمّة في المقام اللازم الالتفات إليها : أنّ متون الروايات المتضمنّة لجزئيّة الشهادة الثالثة في فصول الأذان ، قد ذكرها الصدوق نصّاً في كتابه مَن لا يحضره الفقيه (1) ، مع أنّ الملاحَظ في الكثير من الكلمات الغفلة عن ذلك ، وتُوّهِم أنّ الصدوق قد أشار إليها إجمالاً من دون أن يروي متونها ، لا كما صنعَ الشيخ الطوسي في المبسوط والنهاية ، حيث أشار إليها إجمالاً من دون أن يورد متونها لكنّه بيّن بنحو واضح حال أسانيدها ، عكس الصدوق الذي بيّن متونها من دون أن يفصح تفصيلاً عن طُرقها .

 وهذا ما غفلَ عنه جُلّ المتأخّرين في المقام ، غاية الأمر أنّ الصدوق لم يورد مصادر تلك الطوائف من الروايات ، ولا طرق رواياتها ؛ وإنّما ألفاظ متونها بنحو المراسيل ، لكنّه أشار إلى تعدّدها وتعدّد ألسنتها وتطويفها إلى ثلاث طوائف ، كما هو دَيدن الصدوق في كثير من الأبواب الفقهيّة الروائيّة من كتاب مَن لا يحضره الفقيه ، حيث يورد العديد من المراسيل مع أنّها مسانيد في التهذيب والكافي ، والشيخ في المبسوط قد نبّه بكلامه الآتي على أنّها مسانيد معتبرة ، غاية الأمر أنّها مبتلاة بروايات أخرى معارضة بحسب نظره الشريف ونظر الصدوق .

ــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ج1 ، كتاب الصلاة أبواب الأذان والإقامة ص290 ، طبعة قم .


الصفحة 44  

وسيأتي نصّ عبارة الصدوق في الفقيه التي تُعد رواية منه لتلك الروايات بنحو الإرسال ، كما أشار إلى ذلك في الجواهر (1) ، وإن حَكمَ عليها هو بالضعف ، وسيأتي أنّه ليس ضعفاً في السند بل هو ضعف من جهة أخرى في نظره ، كما سيأتي بيانه مفصّلاً حيث قال : ( ومع ذلك كلّه فعن المجلسي : أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان ؛ استناداً إلى هذه المراسيل التي رُميت بالشذوذ ) (2) .

وممّن نبّه على وصول المتون الروائية أيضاً : المجلسي الأوّل في شرح الفقيه في كتابه روضة المتقين ، حيث قال في ذيل عبارة الصدوق ـ التي تضمّنت حكمه بأنّ تلك الروايات من وضع المفوّضة ـ :

( الجزم بأنّ هذه الأخبار من موضوعاتهم مشكل ، مع أنّ الأخبار التي ذكرنا مختلفة الزيادة والنقصان ، وما لم نذكره كثيراً ، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضاً كانت في الأصول ، وكانت صحيحة أيضاً كما يظهر من المحقّق والعلاّمة والشهيد ؛ فإنّهم نسبوها إلى الشذوذ والشاذ ما يكون صحيحاً غير مشهور ) (3) .

وكذلك المجلسي الثاني في البحار ، قال في ذيل عبارة الصدوق : ( لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان ؛ لشهادة الشيخ ، والعلاّمة ، والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها ) (4) .

ـــــــــــــــــــ

(1) الجواهر : ج9 ، ص86 .

(2) الجواهر : ج9 ، ص86 .

(3) روضة المتقين : ج2 ، ص245 ، طبعة بنياد فرهنكي إسلامي .

(4) البحار : ج84 ، ص111 .


الصفحة 45  

فمن الغريب بعد الالتفات إلى ذلك ـ أي إلى أنّ الصدوق قد روى هذه الروايات الدالّة على جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان بنحو الروايات المرسلة ، وأنّ الروايات تلك مرويّة في كتاب الفقيه بمتونها وألفاظها ـ : تشبّث جملة من الأعلام لاستحباب الشهادة الثالثة في الأذان بنمط ندبيّة المقارنة العامّة بين الشهادتين والشهادة الثالثة ، يتشبّثون بمرسلة الاحتجاج الآتية الدالّة على استحباب مقارنة الشهادة الثانية بالشهادة الثالثة في مطلق الأحوال من دون تعرّضها للأذان ، فبينَ المَتنين بونٌ بعيد ، كما أنّ بينهما بوناً كبيراً في المأخذ الروائي ؛ فإنّ المُرسل في الأولى هو الصدوق الأقرب عهداً بصدور النص مضافاً إلى روايته لها وإنّها على طوائف ثلاث ، بينما مرسلة الاحتجاج هي رواية واحدة والمرسل لها الطبرسي المتأخّر عهداً بثلاث طبقات أو أكثر عن عهد الصدوق ، فهذه قيمة درائيّة حديثيّة .

وممّن تنبّه إلى وصول متون الروايات بالشهادة الثالثة إلينا : العلاّمة المحدِّث الشيخ حسين العصفوري البحراني ، حيث قال في الفرحة الأنسيّة : ( وأمّا الفصل المروّي في بعض الأخبار المرسلة وهو ( أشهد أنّ عليّاً وليّ الله ) ، فممّا نفاه الأكثر ، وظاهر الشيخ في المبسوط ثبوته وجواز العمل به ، وهو الأقوى ) (1) .

وممّن أشار إلى ذلك أيضاً صاحب القوانين في كتاب الغنائم حيث قال : ( ويظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية بها ، فلا يبعد القول برجحان الشهادة بالولاية ) (2) .

ــــــــــــــــــ

(1) الفرحة الإنسيّة : ج2، ص16، طبعة بيروت .

(2) غنائم الأيام : ج2 ، ص423 مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي ـ قم .


الصفحة 46  

وممّن أشار إلى ذلك أيضاً ، المحقِّق الهمداني في مصباح الفقيه قال : ( ولولا رَمي الشيخ والعلاّمة لهذه الأخبار بالشذوذ وادّعاء الصدوق وضعها ، لأمكنَ الالتزام بكون ما تضمّنته هذه المراسيل من الشهادة بالولاية والإمرة ، وإنّ محمّداً وآله خير البريّة من الأجزاء المستحبّة للأذان والإقامة لقاعدة التسامح ، كما نفى عنه البُعد المحدِّث المجلسي في المحكي تعويلاً على هذه المراسيل ) (1) .

 

* المتونُ الروائيّة :

ثُمّ إنّه يُعدّ ممّن نقلَ متون هذه الروايات أيضاً : ابن برّاج ، والسيّد المرتضى ؛ وذلك لكون فتاوى المتقدّمين هي متون روايات ، كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي في مقدّمة المبسوط : بأنّ الأصحاب كانوا يستوحشون من الفتوى بغير ألفاظ الروايات ، ومن ثَمّ عُرف عن السيّد البروجردي أنّه كان يقول : إنّ كُتب المتقدّمين هي متون روايات وهي بمنزلة الأصول المتلقاة ، وعلى ذلك ففتوى ابن برّاج في المهذّب ، والسيّد المرتضى في رسائله ، بمثابة النقل لمتون الروايات لاسيّما وإنّها متطابقة مع المتون التي رواها الصدوق في الفقيه ، واليك نصّ المتن الروائي في فتوى ابن برّاج حيث قال : ( يستحبّ لمَن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند ( حيّ على خير العمل ) : ( آل محمّد خيرُ البريّة ) مرّتين ) .

وهذا المتن : هو عين أحد متون طوائف الروايات التي استعرضها الصدوق في الفقيه كما مرّ .

والمتن الروائي في فتوى السيّد المرتضى ، حيث سُئل هل يجب في الأذان بعد قول ( حيّ على خير العمل ) : ( محمّد وعلي خير البشر ) ؟ فأجاب : إن قال : ( محمّد وعلي خير البشر ) على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز ؛ فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ، وإن لم يكن فلا شيء عليه ) (2) .

ـــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه : كتاب الصلاة فصل الأذان .

(2) المسائل المبافارقيّة : ص257، ورسائل السيّد المرتضى : ج1 ، ص279، طبعة المرعشي .


الصفحة 47  

ومراده من الذيل ـ كما سيأتي شرح ذلك ـ : إن قال على أنّه من فصول الأذان فلا شيء عليه ، والملاحَظ في هذا المتن الذي أفتى به مغايرته مع المتون الثلاثة التي ذكرها في الفقيه ، وإن كان مقارباً لأحدها لاسيّما مع متن ابن برّاج حيث خصّ الموضع ما بعد حيّ على خير العمل ، بل قد يُستكشف من ذلك أنّ الشهادة الثالثة لـها موضعان :

أحدهما : بعد الشهادة الثانية وهو الشهادة بالإمرة والولاية ، والموضع الآخر : بعد ( حيّ على خير العمل ) وهو القول بأنّ : ( محمّد وآله خير البشريّة ) ، أو قوله : ( محمّد وعلي خير البشر ) .

 

* المتون الروائيّة التي رواها الصدوق :

وإليك متن في عبارة الصدوق في الفقيه : وقال مصنّف هذا الكتاب ( رحمه الله ) : هذا هو الأذان الصحيح لا يُزاد فيه ولا يُنقص فيه ، والمفوّضة ( لعنهم الله ) قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان ( محمّد وآل محمّدٍ خير البريّة ) مرّتين ، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أنّ محمّداً رسول الله : ( أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله ) مرّتين ، ومنهم مَن روى بدل ذلك : ( أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ) مرّتين ، ولا شكّ في أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً ، وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البريّة ، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان ؛ وإنّما ذُكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلِّسون أنفسهم في جملتنا ) (1) انتهى كلامه ( قدِّس سرّه ) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ج1 .


الصفحة 48  

وعبارته وإن كانت كما سيأتي في الفصل الأوّل تحليلها وتقييمها بنحو مفصّل ، إلاّ أنّ الذي يُعنينا في المقام هو تنصيص الصدوق على كونها روايات لا رواية واحدة ، وتنصيصه على كونها ثلاثة طوائف وروايته لمتونها بألفاظها .

 

* المتونُ التي رواها الشيخ في النهاية والمبسوط :

لاسيّما وأنّ النهاية كلّها متون روايات كما هو معروف ، بل قد نصّص الشيخ فيها بلفظ الرواية فقال : ( وأمّا ما رويَ في شواذ الأخبار من قول : ( أشهد أنّ عليّاً وليّ الله ) ، و ( وآل محمّد خير البريّة ).....) (1) ، وسيأتي تتمّة كلامه عند استعراض فتواه ، وقال في المبسوط : وأمّا قول : ( أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين )، و ( وآل محمّد خير البريّة ) على ما ورد في شواذ الأخبار.....) (2) وسيأتي تتمّة كلامه عند استعراض فتواه .

  * لمحةٌ عن أسانيد المتون الخاصّة :

إنّ الظاهر المنسبق من عبارة الصدوق السابقة ، وإن كان يتبادر منه حُكمه بالوضع في صدور تلك الروايات مع أنّه روى متونها ، إلاّ أنّه سيأتي أنّ ذيل عبارته ينافي ذلك ، إلاّ أنّه يناسب مقدّمة البحث ، ذكرَ عبارة المبسوط وتقييمه لدرجة صدور تلك الروايات الدالّة على كون الشهادة الثالثة من فصول الأذان ، وهو يخالف بذلك موقف الصدوق من صدور الروايات ، وقد وافق الشيخ في ذلك : العلاّمة الحلّي ، والشهيد الأوّل ، كما سيأتي لاحقاً في استعراض الأقوال واليك نص عبارة المبسوط :

ــــــــــــــــــــ

(1) النهاية : ج1 ، ص293 طبعة جماعة المدرّسين .

(2) المبسوط : ج1 ، ص293 طبعة جماعة المدرّسين .


الصفحة 49  

قال في كتاب الصلاة منه في فصل الأذان : ( ففصول الأذان أربع تكبيرات في أوله ،... فأمّا قول : ( أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين ، وآل محمّد خير البريّة ) على ما ورد في شواذ الأخبار ، فليس بمعمول عليه في الأذان ، ولو فعلـه الإنسان لم يأثم به ، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصولـه ) (1) ، انتهى كلامه ( قدِّس سرّه ) .

فقد حُكم عليها بالشذوذ وعدم الإثم بالعمل بها ، وقد عَقدنا تذييلين (2) فيهما بحثٌ مفصّل في خاتمة الفصل الأوّل ، في بيان معنى الشاذ لدى الشيخ والمحدّثين وعلماء الدراية هو المعتبر سنداً المُعرض عنه عملاً .

وقال في النهاية في كتاب الصلاة : ( وهذا الذي ذكرناه من فصول الأذان والإقامة هو المختار المعمول عليه ، وقد روي سبعة وثلاثون فصلاً في بعض الروايات وفي بعضها ،... وفي بعضها ،... فإن عَمل عامل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً ، وأمّا ما رويَ عن شواذ الأخبار من قول : ( أشهد أنّ عليّاً وليُّ الله ، وآل محمّد خير البريّة ) فممّا لا يُعمل عليه في الأذان والإقامة فمَن عملَ بها كان مخطئاً ) ، انتهى كلامه ( قدِّس سرّه ) (3) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط : ج1 ، ص148، طبعة جماعة المدرّسين ـ قم المقدّسة .

(2) راجع : ص240 .

(3) النهاية : ص293 ، طبعة جماعة المدرّسين ـ قم المقدّسة .


الصفحة 50

وشرح كلامه سيأتي مفصّلاً لاحقاً ، لكن نشير إجمالاً إلى أنّ تعبيره في المبسوط أنّ العامل بها غير مأثوم ، قد عبّر به في النهاية عن العمل بطوائف الروايات المختلفة الواردة في عدد فصول الأذان ، التي هي مسألة أخرى غير الشهادة الثالثة ، وجملة تلك الروايات طوائفها معتبرة ، ممّا يؤكّد اعتبار صدور الروايات في الشهادة الثالثة في فصول الأذان ، غاية الأمر أنّه وصفها بالشذوذ بمعنى الإعراض عن العمل بها .

* فتحصّل :

أولاً : الالتفات إلى كون الروايات الواردة المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من فصول الأذان ، قد أشار إلى متونها الصدوق في كتابه مَن لا يحضره الفقيه وغيره من المتقدّمين في كتبهم ، كما مرّ وهي موجودة في أصول الأصحاب المعتبرة في الطبقات السابقة عليه .

ثانياً : إنّ هذه الأخبار معتبرة في نفسها عند الشيخ وجملة من الأصحاب ، كما سيأتي شرح ذلك مفصّلاً بشهادة وصفها بالشذوذ لا الضعف ، وإنّ العامل بها غير مأثوم وغير ذلك من عباراتهم الآتية ، وإنّ الصدوق ـ بمقتضى ذيل كلامه كما مرّ وسيأتي شرحه ـ لم يجزم بالوضع لها صدوراً ؛ وإنّما طرحها لكونهم من المتّهمين بالتفويض عنده لا أنّه ( قدِّس سرّه ) متحقّق من تفويضهم ومن وَصفها .

والجدير بالالتفات أيضاً : أنّ عبارة الصدوق في الفقيه ناصّة على تكثّر روايات الشهادة الثالثة في الأذان ، فعبّر بلفظ ( أخباراً ) ، وعبّر أيضاً بلفظ ( وفي بعض رواياتهم ) عن ورود الصيغة الثانية في تلك الروايات ، وعبّر أيضاً ومنهم مَن روى بدل ذلك عن الصيغة الثالثة للشهادة الثالثة ، والتفنّن بهذه التعبيرات منه حكاية واضحة عن كثرة طرق تلك الأخبار ، وممّا يشهد لكثرة الطرق أيضاً : اختلاف صيغ الشهادة الثالثة في الأذان المرويّة في تلك الروايات وسيأتي بيان ذلك لاحقاً .


الصفحة 51  

وسيأتي أنّ الشيخ وغير واحد ، بل وكذا الصدوق ـ وإن اختلف رأيه في اعتبار الروايات عن الشيخ وأتباعه ـ إنّما أطرحوا هذه الروايات لدعوى المعارض الراجح ، ممّا يقضي بكونها حجّة في نفسها لولا المُعارض ، ومن ثُمّ لم يحكموا بأثم العامل بتلك الأخبار أي على أنّها من فصول الأذان ، وإنّما حكموا بخطئه بحسب صناعة الترجيح أي أنّ كِلا طرفي الروايات معتبر في نفسه ، وإنّما طُرحت روايات الشهادة الثالثة لأرجحيّة معارضه (1) ، وقد تبعَ الشيخ في موقفه وتقييمه للروايات ومعالجته لها في كلّ ذلك كلّ من : العلاّمة ، والشهيد الأوّل ، كما سيأتي نقل كلامهم .

ـــــــــــــــــ

(1) وسيأتي أنّ دعوى أصل المعارضة من متقدّمي الأصحاب ، ليس في محلّه ، كما نبّه عليه المجلسي الأوّل في روضة المتّقين لشرح كتاب الفقيه ، فضلاً عن أرجحيّة الروايات الخالية من الشهادة الثالثة .


  الصفحة 52  


الصفحة 53

صيَغ الشهادة الثالِثة

يتّضح ممّا تقدّم : أنّ للشهادة الثالثة في الأذان والإقامة أو الصلاة هي بأشكال متعدّدة وصيغ مختلفة :

الأولى ، والثانية ، والثالثة : ما ذكرها الصدوق في الفقيه (1) من متون الروايات : ( محمّد وآل محمّد خير البريّة ) مرّتين ، ولم يحدِّد لها الصدوق في الرواية الواردة موضعاً خاصّاً في الأذان ولعلّها بعد ( حيّ على خير العمل ) ، كما في كلمات السيّد المرتضى وابن برّاج وغيرهما : ( وأشهد أنّ عليّاً وليّ الله ) مرّتين ، وقد ذكر الصدوق موضعها بعد الشهادة الثانية ، وصيغتها مكرّرةً كبقيّة فصول الأذان ، و ( أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ) مرّتين ، وظاهر الصدوق أنّ الوارد في الروايات الأخرى هذه الصيغة بعد الشهادة الثانية .

الرابعة : الصيغة التي رواها السيّد المرتضى في كتابه ( مسائل المبافارقيات ) ، بعد حيّ على خير العمل وهي : ( أشهد أنّ محمّد وعليّاً خير البشر ) (2) .

الخامسة: الصيغة التي بنى عليها العلاّمة الحلّي في المنتهى (3) ، ممّا رواه من صحيحة الحَلَبي وهو : تسمية الأئمّة بالإجمال في الصلاة كذكرٍ من أذكارها .

ـــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ج1 ، كتاب الصلاة ، أبواب الأذان والإقامة ، ص290 طبعة قم .

(2) المبارقيات : ص257 .

(3) المنتهى : ج5 ، ص292 طبعة الأستانة الرضويّة .


الصفحة54  

السادسة : الصيغة التي ذكرها علي بن بابويه في التشهّد في كتابه الفقه الرضوي حيث قال : ( فإذا تشهّدت في الثانية فقل : بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله ، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لـه ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ،... فإذا صلّيت الرابعة فقل في تشهّدك : بسم الله وبالله ،... أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ،.. وأشهدُ أنّك نِعمَ الربُّ ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم الولي ، وأنّ الجنّة حق ....) (1) .

السابعة : الصيغة التي ذكرها كلّ من : علي بن بابويه ، والنراقي ، والميرزا النوري :

( اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعلي المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين ...) (2) .

 الثامنة والتاسعة : وهما الصيغتان المذكورتان في دعاء التوجّه في فتاوى القدماء ؛ تَبعاً لمَا ورد في النصوص وهما :  ( ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ) ، و ( منهاج علي بن أبي طالب ) و( هدي علي ) .

العاشرة : ما ورد في قضيّة كُدير الضبّي بقوله في صلاته : ( اللهمّ صلِّ على النبيّ والوصيّ ) .

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الفقه الرضوي : ص108 .

(2) ( فقه الرضا ، المستند ، مستدرك الوسائل ) .


الصفحة 55

سيرةُ العلماء المتقادمة وفتاواهم بجواز الشهادة الثالثة

* الأولى : فتوى السيّد المرتضى بالجواز

في رسالة له ( المسائل المبافارقيّات ) المسألة الخامسة عشر : هل يجب في الأذان بعد قول : ( حيّ على خير العمل ) محمّد وعلي خير البشر ؟

الجواب : إن قال : محمّد وعلي خير البشر على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ، وإن لم يكن فلا شيء عليه ) (1) .

أقول : ولا يخفى أنّ الشق الثاني من جوابه من قوله : ( وإن لم يكن فلا شيء عليه ) المراد منه : أي إن لم يقل ذلك على أنّه من خارج لفظ الأذان ، أي جعلـه من داخل لفظ الأذان وفصولـه فلا شيء عليه ، فحكمهُ ( قدِّس سرّه ) فتوى صريحة بمضمون الروايات التي أوردها الصدوق ( الفقيه ) المتضمنّة بكون صيغ الشهادة الثالثة من فصول الأذان .

ثُمّ إنّ سؤال السائل من مدينة مبّافارقي (2) ـ وهي مدينة كبيرة عند إيل من بلاد الجزيرة وفي معالِم العلماء مبافارقي ـ وقعَ عن وجوب ذلك في الأذان ، وسواء كان السائل من العوام أو من أهل الفضل ؛ فإنّ سؤاله يبني عن وقوع التأذين بالشهادة الثالثة في الأذان عند الشيعة والمفروغيّة من مشروعيّتها لديهم ، وإنّما ترديدهم في لزومها على نحو الوجوب أو الندب ، وهذا يؤكّد ما تفيده عبارة الصدوق في الفقيه المتقدّمة من وجود ظاهرة عمل وسلوك الشيعة وسيرتهم بذكر الشهادة الثالثة في الأذان في زمن الصدوق ، وزمن السيّد المرتضى ،

 

ــــــــــــــــــــ

(1) رسالة المسائل : مطبوعة بضميمة جواهر الفقه لابن برّاج ، طبعة جماعة المدرّسين ، وفي رسائل السيّد المرتضى : طبعة السيّد المرعشي ، ج1 ، ص279 .

(2) المبّافارقي : بفتح الميم وتشديد الباء الموحّدة والفاء بين الألفين ، وآخرها الراء والقاف ، قريبة من الموصل .