الصفحة 353

الجهةُ الثانية

الأقوالُ النادرة في حُكم الشهادة الثالثة

قال في المستند : ( وكرّهها بعضهم مع عدم الاعتقاد بمشروعيّتها وحرّمها معه ، ومنهم مَن حرّمها مطلقاً لخلوّ كيفيّتهما المنقولة ) (1) .

هذا بعد أن حكى قول المشهور بالمشروعيّة ، وقول البعض كالمجلسي بنفي البعد عن كونها من الأجزاء المستحبّة ، والظاهر أنّ القول الذي حكاه بالتفصيل بالكراهة والحرمة ، إشارة إلى الفيض الكاشاني في المفاتيح ، حيث قال في مفتاح ما يُكره في الأذان والإقامة :

( وكذا غير ذلك من الكلام وإن كان حقّاً ، بل كان من أحكام الإيمان ؛ لأنّ ذلك كلّه مخالف للسُنّة ، فإن اعتقدهُ شرعاً فهو حرام ) (2) .

ويشير القول الثاني ( قول التحريم ) لصاحب الذخيرة السبزواري حيث قال : ( وأمّا إضافة أنّ عليّاً وليّ الله ، وآل محمّد خير البريّة وأمثال ذلك ، فقد صرّح الأصحاب بأنّها بِدعة وإن كان حقّاً صحيحاً ، إذ الكلام في دخولها في الأذان ، وهو موقوف على التوقيف الشرعي ، ولم يثبت ) (3) .

ــــــــــــــــ

(1) المستند للنراقي : ج4 ، ص486 .

(2) مفاتيح الشرائع1 : 118 .

(3) الذخيرة للسبزواري : ص254 .


الصفحة 354  

وردّ عليهما في المستند قال : ( أمّا القول بالتحريم مطلقاً ، فممّا لا وجه له أصلاً ، والأصل ينفيه ، وعمومات الحثّ على الشهادة تردّه ، وليس من كيفيّتهما اشتراط التوالي وعدم الفصل بين فصولهما حتى يخالفها الشهادة ، كيف ؟ ولا يحرم الكلام اللغو بينها فضلاً عن الحقّ ، وتوهّم الجاهل الجزئيّة غير صالح لإثبات الحرمة ، كما في سائر ما يتخلّل بينها من الدعاء ، بل التقصير على الجاهل حيث لم يتعلّم ، بل وكذا التحريم مع اعتقاد المشروعيّة ، إذ لا يُتصوّر اعتقاد إلاّ مع دليل ، ومعه لا إثمَ إذ لا تكليف فوق العلم ، ولو سُلِّم تحقّق الاعتقاد وحرمته فلا يوجب حرمة القول ، ولا يكون ذلك القول تشريعاً وبدعة ، كما حقّقنا في موضعه .

وأمّا القول بكراهتها : فإن أُريد بخصوصها فلا وجه له أيضاً ، وإن أُريد دخولها في التكلّم المنهي عنه في خلالهما فله وجه لولا المُعارض ، ولكن تعارضهُ عمومات الحثّ بالشهادة مطلقاً ، والأمر بها بعد ذِكر التوحيد والرسالة بخصوصه كما في المقام ) (1) ، ثُمّ ذكرَ رواية الاحتجاج المتقدّمة .

ثُمّ استَظهرَ من كلام الشيخ ، والعلاّمة ، والشهيد ، وصريح المجلسي ، بورود الأخبار بها في الأذان بخصوصه .

ويمكن تلخيص أدلّة الحرمة كالتالي :

1ـ بأنّها بدعة وزيادة في العبادة التوقيفيّة الموظّفة من قِبَل الشارع .

2ـ الإيهام بالجزئيّة وهو تغيير لرسم الأحكام الدينيّة ؛ وذلك بسبب تشاكل وتماثل صورة التكرار عدداً لفصول الأذان .

ـــــــــــــــــ

(1) المستند : ج4 ، ص 486 ـ 487 .


الصفحة 355  

3ـ لزوم جواز الشهادة الثالثة في الصلاة أيضاً ، وحيث يُعلم انتفاء ذلك فالمقدّم والملزوم مثله .

* ويُردّ عليه :

بعد غضّ النظر عن ورود الأدلّة الحاصلة على الجزئيّة ، ولو الأعم من الواجب أو الندبيّة ، وغضّ النظر عن الأدلّة العامّة التي أشار إلى بعض نماذجها المحقّق النراقي ( قدِّس سرّه ) ، وقد عقدَ هذا الكتاب كلّه إشارة إلى الأقسام الثلاثة من الأدلّة في الفصول السابقة ، مع غضّ النظر عن ذلك كلّه .

* يَرد عليه :

أوّلاً : أنّ الإذن باتّخاذ الشعائر والأمر بتعظيمها ، ليس من الإحداث في الدين ، ولو بُنيَ على عدم المشروعيّة من الأوامر العامّة لعُطّلت معظم أدلّة الشريعة ، ممّا كانت بصيغة العموم والإطلاق ولانحسرَ التشريع ؛ لأنّ الأدلّة الخاصّة لا تستوعب كلّ الجزئيات وما لا يتناهى من الجزئيات والصغريات المترامية ، فمن الغريب مَن يرفع هذه الراية والمنهج في الاستدلال ، فهو أشبه باستدلال الجماعة التي تَحكم ببدعيّة الاحتفال بالمواليد والمناسبات الدينيّة ، وبدعيّة الاحتفاء بالأماكن الشريفة والمشاهد المشرّفة للرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأهل بيته ، والأماكن الجغرافيّة التي شهدت أحداثاً تاريخيّة ووقائع للرسول وأهل بيته ، تحت ذريعة أنّ كلّ ذلك لم يرد فيه نصّ خاص فهو بدعة ومُحدث فهو رد ، وكلّ ذلك بسبب الضعف في صناعة الاستدلال ، وعدم التفطّن إلى تحليل قاعدة الشعائر الدينيّة والتعمّق في مفادها ، وحقيقة موضوع قاعدة الشعائر وحقيقة المحمول فيها ، فإنّ قاعدة الشعائر شأنها شأن بقيّة الأدلّة الشرعيّة التي يؤخذ في موضوعها ومتعلّقها بعض العناوين المعيّنة ،


الصفحة 356  

وكلّ عنوان وارد في الأدلّة الشرعيّة إذا لم يَجعل الشارع لمعناه حقيقة شرعيّة ، فيؤخذ بمعناه اللغوي وحقيقتهُ العرفيّة أو التكوينيّة ، أمّا لو أخذَ الشارع في معناه حقيقة شرعيّة ما ، فإنّه يُقتصر على المقدار الذي تصرّف فيه الشارع ، ويبقى الباقي على حقيقته اللغويّة ، وهذا أمر مُطرّد في صناعة الاستنباط ، فكذا الحال في قاعدة الشعائر كقوله تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) .

وغيرها من الآيات الدالّة على معنى الإعلام والنشر لمعالم الدين ، ممّا هو بمضمون الشعيرة كقوله تعالى : ( يُرِيدُونَ ليُطفِئوُا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا ) (3) .

حيث إنّه من خاصّة الشعيرة الإعلاء لمعالم الدين وترويجها ، والشعيرة في أصل الوضع اللغوي هي العلامة ، ومنها الشعار الذي هو رمز لمعنى ، فهي في مقام التحقّق تتوقّف على الاعتبار الحاصل من الوضع ، واتّخاذ شيء علامة ودلالة على شيء آخر ، فهي في الأصل تحقّقها بالدلالة الوضعيّة ، والمفروض أنّ في هذا العنوان ليس هناك حقيقة شرعيّة فيبقى على المعنى اللغوي ، وليس اتخاذ الشارع لبعض الأمور شعيرة في بعض الأبواب أنّ معنى الشعيرة حقيقة شرعيّة وسقطت عن الحقيقة اللغويّة .

بل غاية ذلك اعتبار بعض الأفراد والعلامات شعيرة على معانٍ ومعالم خاصّة كقوله تعالى : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِر الله ) (4) ، وقوله تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائرِ الله ) .

ـــــــــــــــــ

(1) الصف : 8 .

(2) البراءة : 40 .

(3) الحج : 32 .

(4) الحج : 36 .


الصفحة 357  

وكما في اتخاذ الأذان شعيرة للصلاة ، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المعنى العام الكلّي قد نُقل عمّا هو عليه ، ويتّضح من ذلك : أنّ أيّ علامة مباحة فضلاً عمّا كانت راجحة إذا اتُّخذت من قِبَل المتشرّعة علامة على معنى ومَعلم ديني ، فإنّها بالاتّخاذ والتباني على العلاميّة والتواضع فيما بينهم ، تصبح شعيرة ومَعلماً للدين ، ويكون إحياءً لذلك المَعلَم الديني وإقامة لرُكنه .

ومن ذلك يظهر وجه آخر لبقاء لفظ الشعيرة على معناه اللغوي ، وهو ما دلّ ووردَ من أوامر على إقامة معالم الدين وتشييد أركانه في كلّ باب من أبواب الدين الحنيف ، وكما ورد أيضاً الأمر بإحياء أمرهم ( عليهم السلام ) ، حيث إنّ الإحياء كالإقامة والتشييد ؛ إنّما يتمّ بالإعلام والنشر والإعلاء والتذكير ، وهذه الأمور كلّها من خاصيّة معنى الشعيرة ، إذ مقتضاها الإعلام والنشر والإعلاء والتذكير .

ومن ذلك يظهر الاستدلال ممّا ورد في المستفيض : ( مَن سَنّ سُنّة حَسَنة كان لهُ أجرها وأجرَ مَن عَمَل بها إلى يوم القيامة ) ، وغيرها من أدلّة قاعدة الشعائر لا يسع المقام ذكرها (1) .

هذا كلّه من حيث كبرى قاعدة الشعائر محمولاً واقتضاءً ، وأمّا من جهة الموضوع : فموردها وموضوعها ، أي الآية التي تُتخذ علامة ومَعلماً شرعيّاً ، فهو ما كان مباحاً أو راجحاً أي ممّا هو غير محرّم ، وقد عرفتَ تضافر الأدلّة لاستحباب واقتران الشهادات الثلاث ، واستحباب اقتران ذكرهم بذكره ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وذكرهم بذكر الله تعالى .

ــــــــــــــــ

(1) ذكرناها مفصّلاً والجهات المتعدّدة في قاعدة الشعائر في كتابَي : الشعائر الحسينيّة ، والشعائر الدينيّة .


الصفحة 358  

هذا ، فضلاً عن الرجحان الذاتي للشهادة الثالثة في نفسها لضرورة المذهب ، كما ذَكر ذلك المجلسي وغيره ، وأنّها من أشرف الأذكار ، وعلى ذلك لا يُستراب في انطباق قاعدة الشعائر ومشروعيّة الشهادة الثالثة كشعيرة في الأذان ؛ لأنّها من أحكام الإيمان ، ولذلك لم يَسترب المشهور شهرة عظيمة في ذلك .

ثانياً : إنّ دعوى إيهام ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان ، أنّها توهِم الجزئيّة لاسيّما مع تكرارها مرّتين ، مدفوعٌ ؛ بأنّ ذلك يطّرد في موارد عديدة من إقامة السُنن الشرعيّة حتّى المندوبات الخاصّة في الصلاة ؛ لأنّ جملة من العوام يبنون على جزئيّة الأذان في الصلاة وأنّه شرط صحّة ، مع أنّ هذا إدخال في الصلاة ما ليس منها وإنّما هو جزء ندبي ، وكذلك الحال في تعقيبات الصلاة ، وكذا الحال في أعمال مِنى في أيّام التشريق ، فإنّهم يبنون على جزئيّتها في الحج ، مع أنّها أعمال وواجبات مستقلّة تتعقّب ماهيّتها .

ونظير هذا الإشكال ، ما يورده مَن يستشكل في الشعائر والطقوس المستجدّة : كالاحتفال بالمواليد للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وللأئمّة الأطهار ( عليهم السلام ) ، والبِقاع المشرّفة ، والمناسبات الدينيّة الخالدة في تاريخ الإسلام ؛ فإنّ هذه الشعائر اعتُبرت جزءاً من الدين وأُدخلت فيه ، مع أنّه لا نصّ عليها بالخصوص وكلّ هذه من المُحدثات المُبتدعة .

ويردّه : ما سبقَ من أنّ الشرعيّة لا تتوقّف على النصّ الخاص بل تتحقّق مع عموم الدليل ، فشرعيّة المصاديق الخاصّة تُكتسب من العموم ، نعم ، خصوصيّتها لم تُشرّع بما هي خاصّة ، بل بما هي مندرجة في طبيعي الموضوع العام ، وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر في المقام بقوله : ( لولا تسالُم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة ، والأمر سهل ) (1) ،

ـــــــــــــــــ

(1) الجواهر : ج9 ، 86 ـ 87 .


الصفحة 359  

بل إنّه في كلامه يشير لإمكان استفادة طلب الخصوصيّة من الأمر العام فتدبّر .

والشيء الواحد قد يختلف حكمه من حيثيّة أخرى ، فالزيارة للأئمّة وإن كانت في خصوصها مستحبّة ، لكنّها من جهة وحيثيّة طبيعي التولّي لهم وصِلتهم تندرج في الواجب ، نظير : زيارة بيت الله الحرام ، وزيارة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، حيث قد وردت النصوص في الحج ، أنّ على الوالي إحجاج جماعة من المسلمين للحج والزيارة لو تركَ عامّة المكلّفين الحج والزيارة ولو لعدم القدرة (1) ، وكذا الإقامة في مكّة والمدينة في حين كونها مستحبّة ، إلاّ أنّها من حيثيّة أخرى واجب كفائي .

 وكذلك الحال في شعائر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) والشعائر الحسينيّة ؛ فإنّها وإن كانت مستحبّة في نفسها ، إلاّ أنّها من جهة إقامة الحقّ ونشر الهداية فهي واجبة بالوجوب الكفائي ، وقد تتعدّد الحيثيات إلى أكثر من ذلك ، فإنّ الضرب بالسلاسل على تقدير عدم ورود النص فيه بالخصوص ، إلاّ أنّه من حيثيّة إظهار الجزع مستحب ، ومن حيثيّة إقامة ذِكر أهل البيت وحقّانيّتهم ومظلوميّتهم واجب كفائي ، بمعنى أنّ إقامة ذِكرهم وبيان مظلوميّتهم غير منحصر بهذا الأسلوب ، فقد يؤدّى بأنماط متعدّدة ، غاية الأمر إذا أوديَ بذاك الأسلوب يتأدّى به الواجب .

والحاصل : أنّ الطبيعة العامّة التي هي مفاد العموم ، تنحدر في درجات من المصاديق المباحة ، وتكون من سريان الطبيعة الواجبة أو الراجحة في طبقات ومدارج من المصاديق ، فالتغافل عن هذه الحقيقة في العمومات يوجِب سدّ باب العمل بها .

ــــــــــــــــــ

(1) أبواب وجوب الحجّ : ب4 ، ح5 .


الصفحة 360  

والضابطة في هذه القاعدة في العمومات ، والتي تسمّى بالعناوين الثانويّة من جانب الموضوع ، وهي تُغاير العناوين الثانويّة من جانب المحمول وهي المعهودة والدارجة على الألسن ، إذ الطرو الثانوي من جهة الموضوع ليس بمعنى الثانويّة في الحكم ، بل الحكم هو أوليّ ، ولكنّ طروّ الموضوع على المصاديق ثانوي ، فطبيعة المِلاك أوليّة ، إلاّ أنّ طروّ الموضوع العام على المصاديق ثانوي ، وذلك بعد أن لم يُقيّد الشارع انطباق الموضوع العام في تحديد مصاديق معيّنة ، وهذا من مقتضيات عدم جَعل الحقيقة الشرعيّة .

وبذلك يتبيّن مشروعيّة الشعاريّة في الأذان ، لاسيّما مع ملاحظة ما تقدّم مفصّلاً في الفصل الأوّل من بيان ماهيّة الأذان من أنّها دعوة للإيمان ، والدعوة بمعنى الإعلام والإعلان بالإيمان ، أي تقتضيه ماهيّة الأذان لاسيّما مع ما مرّ في الفصل الأوّل والثاني من اختلاف فصول الأذان بشكل كبير ، كما يُلاحظه المتتبّع في روايات الأذان ، وصرّح بذلك الشيخ في النهاية والمبسوط ، والعلاّمة في المنتهى ، وغيرهم من الأعلام ، وهو ممّا يؤذِن ويقتضي التوسّع في ماهيّة وعدد فصول الأذان ، بل إنّ هذا الاختلاف في مفاد الروايات يصلح أن يكون وجهاً خاصّاً لمشروعيّة ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان ، وهذا بضميمة تصريح مشهور المتأخّرين بعدم الجزئيّة بكتبهم الفقهيّة لا يبقى إيهام يتذرّع به .

وأمّا تخيّل الجاهل المقصّر في تعلّم الأحكام من الكتب المعدّة والوسائل المنصوبة ، فلا يُعتدّ به ولا يُحسب له وَقْع ؛ لأنّ المدار في مَعالم الدين وضروراته هي سيرة ونظر المتشرّعة الملتزمين ، لا أهل المعاصي والتقصير ، وإلاّ لاطّرد ذلك بحسب تهاونه في تعلّم الأحكام في موارد السيرة المختلفة لاستعلام معالم الأحكام ،


الصفحة 361  

وقد تقدّم أنّ التكلّم في الأثناء مكروه لا محرّم ، بل الكراهة غير شاملة للمقام كما تقدّم ، نعم ، التزمَ بالحرمة محمّد بن عبد الوهّاب حتّى لمثل الصلاة على النبي وآله بعد الشهادة الثانية ، ولمثل التنزيه والتقديس كذلك بعد التكبير وقُبيل الأذان وبعده (1) .

ثالثاً : إنّ عدم الجزئيّة ليست من المسلّمات القطعيّة بل هي مسألة اجتهاديّة ، إذ قد عرفتَ أنّ الشيخ ، والصدوق ، وكذا العلاّمة ، والشهيد قد اعترفوا بورود  روايات لم يعملوا بها ، بل قد أورد الصدوق  في الفقيه نصّ متونها ، بل الشيخ في المبسوط أفتى بعدم حرمة العامل بها بقصد الجزئيّة ، بل قد استظهرنا من عبارة  المبسوط فتواه برخصة العمل بها .

وقد أفتى ببعض مضمونها ابن برّاج والشهيد في الذكرى ، كما قد مالَ إلى ما ذكره الشيخ في الإثم من عدم العمل بها كلّ من : العلاّمة في المنتهى ، والشهيد في البيان .

وقد أومأ الصدوق ، والشيخ ، والسيّد المرتضى وغيرهم ، بتأذين جملة من الطائفة بالشهادة الثالثة في زمانهم ، وقد مرّت الإشارة إلى جملة من المصادر التاريخيّة الدالّة على ذلك ، فلاحظ ما مرّ من استعراض السيرة ، مضافاً إلى ميل كلّ من : صاحب البحار ، والحدائق ، وصاحب الجواهر وغيرهم ، إلى الجزئيّة بمقتضى الصناعة لولا إعراض المشهور ، فمعَ كلّ ذلك يمتنع تحقّق موضوع البدعة والإحداث ، إذ الاختلاف في الاجتهاد لا يؤدّي إلى نسبة أحد الاجتهادين الآخر إلى البدعة ، كما لا يخفى على المتفقّه فضلاً عن الفقيه ،

ــــــــــــــــ

(1) فتنة الوهّابيّة لأحمد زيني دحلان : ص19 ـ 20 ، وذَكرَ قصّة قَتل المؤذِّن الصالح في الحَرَمين الشريفين من قِبَل محمد بن عبد الوهّاب ؛ لأنّه نهاه عن الصلاة على النبي في الأذان فلم يترك ذلك . ولاحظ أيضاً كتاب أُمراء الكلام في تاريخ البلد الحرام ، لأحمد زيني دحلان .


الصفحة 362  

 ولذلك قال الشيخ في النهاية : بأنّ العامل بتلك الروايات الواردة في الجزئيّة يُخطئ ، وهو معنى التخطئة والتصويب في الاجتهاد عند الاختلاف ، لا الحُكم بالبدعيّة كما توهّمه القائل بالبدعيّة ، بل الأحرى أن يكون هذا التوهّم بدعة في ميزان الاجتهاد .

وقد أشار إلى التخطئة العلاّمة في المنتهى ، والشهيد في الدروس ، ومرادهم من العمل بها : الفتوى بالجزئيّة ، وقد عرفتَ أنّهم يشيرون إلى فتوى ابن برّاج في المهذّب وعَمله ببعض مضمونها ، بل قد عملَ السيّد المرتضى بها في المسائل المبافارقيات ، وقد أشار في تلك المسائل إلى عمل جماعة بها .

رابعاً : لو سلّمنا بالتقصير في اجتهاد مَن ذهبَ إلى الجزئيّة ؛ فإنّ ذلك لا يستلزم البدعة ، كما هو الحال في سائر موارد الاختلاف في الاجتهادات الظنيّة ، إذ الزيادة القطعيّة في الدين هي البدعة ، أو ما ليس عليه دليل أصلاً ، لا ما عليه دليل بحسب الأنظار المختلفة الأخرى ، بل إنّ ظاهر مَن يحكم بالبدعيّة هو حُكمه بالبدعيّة على مشهور علماء المذهب الحق .

خامساً : قد مرّ وتقدّم استعراض العديد من الروايات المتضمّنة لاستحباب تكرار الشهادة الثالثة بعدد تكرار الشهادتين ، وبنحوٍ منفصل عنهما غير متداخل كهيئة فصول الأذان ، فمعَ التسالم على الاستحباب المطلق في غير الأذان لإكمال وإقران الشهادتين بالشهادة الثالثة ، والاستحباب المطلق غير مختصّ بما عدا الأذان ، بل هو شامل له ، فيقضي كلّ ذلك باستحباب هذه الهيئة الخاصّة المماثلة لفصول الأذان سواء في الأذان وغيره .

ثُمّ إنّ الإشكال بحصول الإيهام والإقرار بذلك للمستشكل ، شاهد على وجود الدلالة في تلك الروايات الدالّة على استحباب تكرار الشهادة الثالثة بعدد تكرار الشهادتين ، وبنحو منفصل دلالتها على جزئيّة الشهادة الثالثة ندباً في الأذان ؛ لأنّ المفروض أنّها تدلّ على هيئة مماثلة لهيئة فصول الأذان ، والمفروض حصول الإيهام ، فليس ذلك إلاّ للإيماء بالأذان في تلك الروايات فتدبّر ، وقد أشرنا إلى هذه الدلالة سابقاً فراجع .


الصفحة 363  

سادساً : إنّ النقض بلزوم الجواز في الشهادة الثالثة داخل الصلاة ففيه :

ألف : ما سيأتي في المبحث الثاني من ذهاب جماعة من متأخّري هذه الأعصار إلى جواز ذلك ، ومنهم : النراقي ، والنوري ، ومن المتقدّمين منهم علي بن بابويه أيضاً ، لمَا ورد في التشهّد من أنّه غير مؤقّت ، وقد ورد في رواياته اختلاف صيَغه المندوبة بأنحاء عديدة ، كلّها متضمّن لاستعراض الأمور الاعتقاديّة الحقّة ، ونُصّ على تضمّن التشهّد للشهادة الثالثة في رواية الفقه الرضوي ، هذا في التشهّد .

وأمّا تضمّن دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام للشهادة الثالثة ، وكذا القنوت والتسليم آخر الصلاة ، فقد وردَ بذلك النص والفتوى ، كفتوى الصدوق في الفقيه ، وعلي بن بابويه ، والنراقي ، والميرزا النوري ، وفي خصوص القنوت فقد أفتى الشيخ المفيد بذلك ، والشيخ الطوسي ، وأفتى العلاّمة في المنتهى بأنّ أسمائهم من أذكار الصلاة ، وأفتى الأردبيلي بجواز ذكرها في قنوت صلاة الجمعة ، وقد أفتى بالشهادة الثالثة في خصوص التوجّه : الشيخ الطوسي في الاقتصاد والمصباح ، والحَلَبي في الكافي ، والمفيد في المقنعة ، والقاضي ابن برّاج في المهذّب ، وابن زهرة في الغُنية ، والديلمي في المراسم ، هذا فضلاً عن اتّفاق جمهور علماء الإماميّة على ذكرها بصيغة الصلاة في خطبَتَي صلاة الجمعة ، وقد ورد في موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّه قال : ( قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : إنّ ذِكرنا من ذِكر الله ) (1) ، وهو عام شامل للصلاة وغيرها .

ـــــــــــــــــــ

(1) أبواب الذكر : ب36 ، الحديث الأوّل .


الصفحة 364  

باء : عدم المحذور في ذلك ، حيث إنّ الممنوع في الصلاة الكلام الآدمي دون ذكر الله وما هو بمنزلته : كقراءة القرآن ، والدعاء ، والصلاة على النبي وآله ، والإقرار بالإيمان ، فضلاً عن ذكرها في الأذان والإقامة .

القولُ بالكراهة : واستدلّ له بكراهيّة التكلّم في الأذان واشتداده في الإقامة ، فيكون القول بالتكلّم في التشهّد بالشهادة الثالثة مكروهاً ، وإن كان راجحاً ذاتاً .

 وفيه :

1ـ قد عرفتَ من صحيح زرارة الوارد في الصلاة على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كلّما ذُكر ـ وإن كان في الأذان ـ دلالتهُ على انصراف الكراهة عن الكلام الحق الذي هو من مستحبّات كيفيّة الشهادة الثانية ، وكلّ من الصلوات والشهادة الثالثة من المستحبّات المشخّصة المفردة للشهادة الثانية .

2ـ ما مرّ من موثّق أبي بصير الدالّ على أنّ ذكرهم من ذكر الله ، يقتضي بتنزيله منزلة الذكر أثناء الأذان والإقامة أيضاً .

وصلّى الله على محمّد ، وعلى وصيّه أمير المؤمنين سيّد الوصيين ، وآله الأئمّة الميامين الهداة المهديين .

تمّت بعون الله أبحاث أستاذنا في إثبات استحباب الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ، فكان الفراغ من ذلك في صبيحة يوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك ، يوم ضُربت فيه هامة أركان الهدى ، وانفصمت العروة الوثقى ، من سنة ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين للهجرة على مهاجرها ووصيّه وآله آلاف التحية والسلام ، والبدء في بداية سنة ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرين من الهجرة ،


الصفحة 365  

وذلك على أثر رسالة مختصرة كانت قد طُبعت في سنة ألف وأربعمائة وسبعة عشر ، ثُمّ استجدّ له أيّدهُ الله أن يبحث الشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم ، فوجدنا أن تمام الفائدة جعْلهُ بحثاً لاحقاً ، فلله الحمد والمنّة ثُمّ الصلاة على نبيه وآله الميامين.