الصفحة 366

المبحثُ الثاني

الشهادةُ الثالثة في تشهّد وتسليم الصلاة

* ويتضمّن أمرين :

الأوّل : الشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة .

الثاني : الشهادة الثالثة في تسليم الصلاة .  


الصفحة 367

الأمرُ الأوّل

الشهادةُ الثالثة في التشهّد

* الأقوالُ في المسألة :

*1 ـ القائلون بالجواز :

فقد حكى ابن حجر في الإصابة عن البخاري في الضعفاء ، بسنده عن سمّاك بن سلمة قال : دخلتُ على كدير الضبّي فوجدتهُ يصلّي وهو يقول : ( اللهمّ صلِّ على النبي والوصي ، فقلتُ : لا والله ، لا أعودك أبداً ) (1) .

لكنّ العقيلي في الضعفاء روى بسنده عن سمّاك بن سمكة قال : دخلتُ على كدير بعد الغداة ، فقالت لي امرأته : ادنوا منه ، فإنّه يصلّي حتّى يتوكّأ عليك ، فذهبتُ ليعتمد عليّ ، فسمعتهُ وهو يقول في الصلاة : ( سلام على النبي والوصي فقلت : ...) (2) .

قال في الفقه الرضوي في صورة تشهّد الصلاة في التشهّد الثاني : ( بسم الله وبالله والحمد لله ، والأسماء الحسنى كلّها لله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسلهُ بالحق ... أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ،

ـــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في تمييز الصحابة : ج3 ، ص289 .

(2) الضعفاء : ج3 ، ص 1184 ، رقم المسلسل 1571 ، طبعة دار الضيغمي .


الصفحة 368  

وأنّ عليّاً نِعمَ المولى ، وأنّ الجنّة حق ، والنار حق ، والموت حق ، والبعث حق ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها ، وأنّ الله يبعث مَن في القبور ... اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعليّ المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين ) (1) .

وقال سلاّر أبو يعلي حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني : ( وأمّا التشهّد الأوّل فمثل ما تقدّم ، وأمّا التشهّد الثاني الذي يتعقّبه التسليم في الرابعة من ... فهو : ( بسم الله وبالله والحمد لله ، والأسماء الحسنى كلّها لله ... وأشهد أنّ ربّي نِعمَ الرب ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ، وأنّ عليّاً نِعمَ الإمام ، وأنّ الجنّة حق ، والنار حق ... اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ... ويومِئ بوجهه إلى القبلة فيقول : ( السلام على الأئمّة الراشدين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) ) (2) .

وروى المجلسي الأوّل في كتابه ( فقه كامل فارسي ) ، الذي هو بمثابة رسالة عمليّة له محشّاة بتعليقات جملة من الأعلام منهم : السيّد اليزدي صاحب العروة الوثقى ، والميرازا محمّد تقي الشيرازي ، والسيّد إسماعيل الصدر .

ذكرَ في مبحث التشهّد في الصلاة : ( وروى أبو بصير عن جعفر الصادق ( عليه السلام ) :

( بسم الله وبالله والحمد لله وخير الأسماء كلّها لله ، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسلهُ بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، وأشهدُ أنّ ربي نِعمَ الرب ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ، وأنّ عليّاً نِعم الوصي ، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وتقبّل شفاعتهُ في أمّته وارفع درجتهُ ، الحمد لله ربّ العالمين ) (3) .

ـــــــــــــــــ

(1) الفقه الرضوي : ص18 ـ ص19 .

(2) المراسم العَلَويّة : ص73 .

(3) فقه كامل فارسي : ص 31 ، طبعة مؤسّسة انتشارات فراهاني ـ طهران .


الصفحة 369  

أقول : الظاهر أنّ هذه الرواية هي موثّقة أبي بصير الطويلة التي رواها الشيخ في التهذيب (1) ، وذَكرها صاحب الوسائل في أبواب التشهّد (2) ، وقد أفتى بمضمونها المشهور ، وذكرها صاحب العروة الوثقى في باب التشهّد ، وقد ذَكر فيها : ( أشهدُ أنّ ربي نِعم الرب ، وأنّ محمّداً نِعم الرسول ، وأشهدُ أنّ الساعة آتية لا ريب فيها ... الخ ) ، وقد قال السيّد الميلاني في تعليقته على كلام صاحب العروة : نِسَخ هذا الحديث تختلف بشيء من الزيادة والنقص ، لكنّ الكلّ يتضمّن الواجب وفضيلته ) .

 

وقد أفتى صاحب الحدائق باستحباب الشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم ، حيث قال في الفصل التاسع من تشهّد الحدائق : ( إنّ تحقيق الكلام يقع في موارد :... المورد الثاني : أفضل التشهّد ما رواه الشيخ في الموثّق ... وقال ( عليه السلام ) في الفقه الرضوي ( ثُمّ أوردَ الرواية ) حيث فيها : ( أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ ، وأنّ محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نِعم الرسول ، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم المولى ... إلى آخر الرواية ) (3) .

وإلى ذلك ذهب أيضاً الشيخ حسين العصفور في الأنوار اللوامع ، حيث اعتمدَ على رواية الفقه الرضوي في كيفيّة التشهّد والتسليم .

ــــــــــــــــــ

(1) التهذيب : ج 2, ص99/373 .

(2) أبواب التشهّد : ب 3/2 .

(3) الحدائق الناضرة : ج8 ، ص451 ، طبعة دار الكتب الإسلاميّة .


الصفحة 370  

ويظهر من صاحب الجواهر ذلك أيضاً ، حيث قال في مبحث التسليم : ( إنّ المستفاد من المُتأمِل في النصوص ... كون التسليم كالتشهّد ونحوه من الألفاظ المراد بها هيئات متعدّدة مختلفة بالكمال وعدمه ) (1) .

وقال النراقي في المستند : ( يستحب أن يزيد في تشهّده ما في رواية عبد الملك ،... والأكمل منه للتشهّدين ما في موثّقة أبي بصير ... أو ما في الفقه الرضوي ، ثُمّ ذَكر متن رواية الفقه الرضوي التي فيها : ( وأنّ عليّاً نِعم المولى ) كما أنّ في متنها : ( اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعلي المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين ) .

ثُمّ قال : ثُمّ إنّه لاشكّ في جواز الاكتفاء في التشهّد بما في رواية .... وهل يجوز التبعيض بأن يُذكر بعض ما في رواية واحدة ؟ لا ريب في جوازه من حيث إنّه دعاء ، وأمّا من حيث وروده واستحبابه بخصوصه فمحلّ نظر ، نعم ، يجوز الاكتفاء بأحد التشهّدين بأن يُذكر فيه ما ورد دون الآخر ، ويجوز الاكتفاء بافتتاح التشهّد خاصّة كما في رواية بدو الأذان ) (2) .

وذهب إلى ذلك الميرزا النوري في المستدرك ، فجوّز في صيغة التشهّد ما في رواية الفقه الرضوي ) (3) .

وقال الشيخ مرتضى آل ياسين في فتواه المبسوطة ، في الشهادة الثالثة في الأذان بعد الإشارة إلى الأدلّة قال : ( ومن هنا يظهر لك وجه القول بجواز ذِكر الشهادة الثالثة في الصلاة ، فضلاً عن الأذان والإقامة ، والله العالم ) (4) .

ـــــــــــــــــ

(1) الجواهر : ج10 ، ص 320  ـ 321 .

(2) المستند للنراقي : ج5 ، ص 334 ـ 336 .

(3) المستدرك : أبواب التشهّد ، الباب2 ، ج5 ، ص6 .

(4) شرح رسالة الحقوق : ج2 ، نقلاً عن رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم .


الصفحة 371  

ويظهر من العلاّمة الحلّي (1) : أنّ ذِكر أسمائهم في الصلاة من أذكار الصلاة سواء في التشهّد أو غيره ، حيث قال العلاّمة الحلّي في كتابه المنتهى ( الفصل الثالث : في التروك ) ، حيث استثنى من الكلام المبطل كلّ كلام هو من ذِكر الله ، وجَعل منه ذِكر أسماء الأئمّة ، مستنداً في ذلك إلى صحيح الحَلَبي الدالّ بالخصوص على ذلك .

قال : المطلب الثاني عشر ( لا بأس بأصناف الكلام الذي يناجي به الربّ تعالى ، لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال : سألتُ أبا جعفر ( عليه السلام ) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه ؟ قال : ( نعم ) (2) ، وعن الحَلَبي قال : قلتُ لأبي عبد الله ( عليه السلام ) أسمّي الأئمّة ( عليهم السلام ) في الصلاة ؟ قال : ( أجمِلهم ) (3) .

ومن هذا الباب كلّ ذِكر يُقصد به تنبيه غيره ) (4) .

ويُستظهر ذلك من الشيخ الطوسي في التهذيب أيضاً ، حيث أوردَ صحيح الحَلَبي في موضعين (5) في دعاء قنوت الوتر بقوله : ( وممّا وردَ في الحثّ على الدعاء ) ، ثُمّ أوردَ في ضمن ذلك صحيح الحَلَبي ،

ـــــــــــــــــــ

(1) إنّما أخّرنا ذِكر قول العلاّمة ، والطوسي ، والمفيد ، والصدوق ؛ لكون فتواهم ليست في خصوص التشهّد ، بل في عموم الصلاة .

(2) منتهى المطلب : ج5 ، ص292 طبعة الأستانة الرضويّة ـ مشهد .

(3) أبواب القنوت : باب 14 الحديث الأول ، التهذيب ، ج2 ، ص 346 ، الحديث 1338 .

(4) منتهى المطلب : 5/ 292 طبعة مشهد .

(5) التهذيب : ج2 ، ص346 ، ح1338 .


الصفحة 372  

وكذلك في باب كيفيّة الصلاة وصفتها أوردَ صحيح الحَلَبي المتضمّن لذكر أسمائهم في الصلاة ، بعدما أوردَ رواية في مطلق ذكر الله في الصلاة ، فيظهر من الشيخ الاعتماد على مفاد الرواية ( صحيحة الحَلَبي ) في مطلق الصلاة ، وأنّها نظير المناجاة والدعاء من الأذكار الصلاتيّة الخارجة عن الكلام المبطل في الصلاة .

ومثله يُستظهر من فتوى الشيخ الصدوق في الفقيه ، حيث أوردَ الصحيح في باب القنوت في الصلاة ، وفي باب قنوت صلاة الوتر .

وكذلك يُستظهر من الشيخ المفيد في المقنعة ، حيث قال في دعاء قنوت الوتر بصيغة التشهّد الصريحة : ( اللهمّ فإنّي أشهدُ على حين غفلة من خلقك أنّك الله لا إله إلاّ أنت ، وأنّ محمّداً عبدك المرتضى ونبيّك المصطفى ، أسبغتَ عليه نعمتك ، وأتممتَ عليه كرامتك ، وفضّلت لكرامته آله ، فجعلتهم أئمّة الهدى ، وأكملتَ بحبّهم وطاعتهم الإيمان ، وقبلتَ بمعرفتهم والإقرار بولايتهم الأعمال ، واستعبدتَ بالصلاة عليهم عبادك وجعلتهم مفتاحاً ... اللهمّ صلِّ على أمير المؤمنين وصيّ رسول ربّ العالمين ، اللهمّ صلِّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامَي الهدى ، وصلِّ على الأئمّة من وِلد الحسين علي بن الحسين ،... والخلف الحجّة ، اللهمّ اجعلهُ الإمام المنتظر ) (1) .

أقول : ولا يخفى من اعتماد الشيخ المفيد على أنّ التشهد بالشهادة الثالثة بصيَغه المختلفة ، هو من الدعاء والذِكر الصلاتي ؛ بل لأنّ الكلام المأذون في الصلاة إمّا يكون ذكراً ، أو قرآناً ، أو دعاءً ، بل اعتمدَ الشيخ المفيد ( قدِّس سرّه ) في فتواه هذه على أنّ التشهّد بلفظه ومادّته بمقامات أهل البيت المتعدّدة ، هو من الذكر في الصلاة ، فهذه فتوى خاصّة بالتشهّد بالولاية في الصلاة من المفيد ( قدِّس سرّه ) .

ــــــــــــــــــ

(1) المقنعة : س 125 ـ 130 طبعة قم .


الصفحة 373  

وكذلك يُستظهر ذلك من المحقّق النراقي في المستند (1) ، حيث استدلّ على مشروعيّة إضافة الآل في الصلاة في التشهّد من صحيح الحَلَبي بتقريب : أنّ ذِكر أسمائهم في الصلاة نظير المناجاة والدعاء .

وكذلك يُستظهر من المحقّق الأردبيلي (2) ، حيث استدلّ على ذِكر أسمائهم في قنوت صلاة الجمعة بصحيح الحَلَبي ، باستظهار كون ذكرهم من أذكار الصلاة المطلقة المستثناة من الكلام المبطل .

ويُستفاد من فتوى جماعة من المتقدّمين أيضاً ـ باستحباب الشهادة الثالثة في دعاء التوجّه الذي يؤتى به بعد تكبيرة الإحرام أي داخل الصلاة ـ أنّ التشهّد بالثالثة من أذكار الصلاة والأدعية الواردة في الصلاة .

قال الصدوق في الفقيه : ( قال الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا قمتَ إلى الصلاة فقل ... ثُمّ كبِّر تكبيرتين وقل : وجّهتُ وجهي للذي فطرَ السموات والأرض على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ومنهاج عليّ حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ... أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ...) (3) .

وظاهر ذيل كلامه : إسناد ذلك إلى رواية زرارة ، وقريب من ذلك ما أفتى به في كتابه المقنع ، إلاّ أنّ فيه : ( على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، وولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب حنيفاً مسلماً ) (4) .

وأفتى بذلك أيضاً المفيد في المقنعة (5) في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام ، ولفظ فتواه كما مرّ في المقنع للشيخ الصدوق .

ــــــــــــــــــ

(1) المستند : ج5 ، ص 331 ـ 332 .

(2) مجمع الفائدة والبرهان : ج2 ، ص 392 ـ 393 .

(3) الفقيه : ج1 ، ص33 ـ 34 ، طبعة قم .

(4) المقنع : ص93 ، طبعة قم .

(5) المقنعة : ص103 ، طبعة قم .


الصفحة 374  

وأفتى بذلك الشيخ الطوسي أيضاً في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام في كتاب النهاية (1) ، والاقتصاد ، ومصباح المتهجّد (2) باللفظ الذي مرّ في المقنع .

وأفتى بذلك الحَلَبي أيضاً في الكافي في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام ، إلاّ أنّ اللفظ فيه : ( على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، وولاية أمير المؤمنين ، والأئمّة من ذرّيتهم الطاهرين ) (3) .

وأفتى بذلك ابن برّاج في المهذّب (4) ، وابن زهرة الحَلَبي في الغُنية (5) .

وأفتى بذلك سلاّر الديلمي في المراسم (6) .

هذا ، ويَعضد بناءهم ـ أي المتقدّمين ـ على كون الشهادة الثالثة وأسماء الأئمّة بصيَغه المختلفة ، من أذكار الصلاة العامّة ، ومن مراسم ورسوم الدعاء المطلق ما أفتى به المشهور من ذكر أسمائهم ( عليهم السلام ) بوصف الإمامة في خطبة الجمعة ، والتي هي عوض ركعَتي الظهر ، وهي شرط في صلاة الجمعة ، والشهادة الثالثة من الأجزاء الواجبة في الخطبة ، كما حكى ذلك في مفتاح الكرامة ( عن : الجعفريّة ، وكشف الالتباس ، وحاشية الإرشاد ، والدروس ، والنافع ، والمعتبر ، وموضع من السرائر ، ومصباح السيّد ، والنهاية ، والمدارك ، والشافية ) (7) .

ــــــــــــــ

(1) النهاية : ج1 ، ص294 طبعة قم .

(2) الاقتصاد : ص260 ـ 261 ، مصباح المتهجّد : ص44 طبعة بيروت .

(3) الكافي في الفقه : ص121 ـ 122 .

(4) المهذّب : ج1 ، ص92 طبعة قم .

(5) الغُنية : ص830 طبعة قم .

(6) المراسم العَلَويّة : ص71 طبعة قم .

(7) مفتاح الكرامة : ج3 ، ص114 .