الصفحة 397

الشهادةُ الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام

ويَعضد ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة الذي هو مفاد موثّقة أبي بصير المتقدّمة ، مكاتبة الحِميري إلى صاحب الزمان ( عليه السلام ) يسأله عن التوجّه للصلاة يقول : على ملّة إبراهيم ودين محمّد ، فإنّ بعض أصحابنا ذَكر أنّه إذا قال : على دين محمّد ، فقد أبدعَ ؛ لأنّه لم نجده في شيء من كتاب الصلاة خلا حديثاً واحداً في كتاب القاسم بن محمد ، عن جدّه الحسن بن راشد أنّ الصادق ( عليه السلام ) قال للحسن : ( كيف تتوجّه ؟ فقال : أقول لبّيك وسعديك ، فقال له الصادق ( عليه السلام ) : ليس عن هذا أسألك ، كيف تقول : وجّهت وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً ؟ قال الحسن : أقوله ، فقال الصادق ( عليه السلام ) : إذا قلتَ ذلك فقل : على ملّة إبراهيم ( عليه السلام ) ، ودين محمّد ، ومنهاج علي بن أبي طالب ، والائتمام بآل محمّد حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين .

فأجاب ( عليه السلام ) : التوجّه كلّه ليس بفريضة ، والسُنّة المؤكّدة فيه التي كالإجماع الذي لا خلاف فيه : وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماوات والأرض حنيفاً مسلماً ، على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وهدى علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وما أنا من المشركين ، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين ، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من المسلمين .

اللهمّ اجعلني من المسلمين ، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، ثُمّ تقرأ الحمد ) (1) .

ــــــــــــــ

(1) الوسائل : أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح ، باب 8 ، حديث3 .


الصفحة 398  

وروى الصدوق في الفقيه قال ، قال الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا قمتَ إلى الصلاة ... وارفع يديك بالتكبير إلى نحرك وكبِّر ثلاث تكبيرات وقل ... ثُمّ كبِّر تكبيرتين... ثُمّ كبِّر تكبيرتين وقل : وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماوات والأرض ، على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، ومنهاج علي حنيفاً مسلماً... الحديث ) (1) .

وقال الصدوق معقّباً الحديث : ( وإنّما جَرت السُنّة في افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات ؛ لمَا رواه زرارة ) .

وفي الفقه الرضوي : ( ثُمّ تكبِّر مع التوجّه ثُمّ تقول : اللهمّ ... ثُمّ تكبّر تكبيرتين وتقول : لبّيك وسعديك ... ثُمّ تكبّر تكبيرتين وتقول : وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السموات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، وولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم ، وما أنا من المشركين ... الحديث ) (2) .

ما رواه السيّد علي بن طاووس في فلاح السائل (3) عن كتاب ابن خانبه (4) قال : ويقول بعد ثلاث تكبيرات من تكبيرات الافتتاح ، ورواه الحَلَبي وغيره عن الصادق ( عليه السلام ) : ( اللهمّ أنت ... ثُمّ يكبّر تكبيرتين ، ثُمّ يقول : لبّيك ... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين ويقول : وجّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، ومنهاج علي صلواتك عليهم حنيفاً مسلماً ) (5) .

ــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ح1 ، وصف الصلاة وأدب المصلي : ص304 ، طبعة قم .

(2) ج4 ، ص142 مستدرك الوسائل : أبواب تكبيرة الإحرام ، باب6 ، ح3 .

(3) فلاح السائل : صفحة132 ، طبعة قم .

(4) وهو أحمد بن عبد ربّه بن خانبه الكرخي .

(5) المستدرك : ج4 ، أبواب تكبيرة الإحرام : باب6 ، ح1 .


الصفحة 399  

وما رواه جملة من المتقدّمين الذي تُعد كتبهم متون روايات : كمقنع الصدوق (1) ، ومقنعة المفيد ، واقتصاد (2) الشيخ ، ومصباح المتهجّد (3) للشيخ ، والكافي للحَلَبي ، وغُنية ابن زهرة ، ومراسم الديلمي ، ومهذّب ابن برّاج ، وهذه الكتب ـ مضافاً إلى أنّها مصادر روائيّة ـ دالّة على فتوى أصحابها بذلك ، فمشهور المتقدّمين يبنون على ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة .

هذا ، ويَعضد ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة ، ما ورد من روايات في التسليم ، وفي كيفيّة الصلاة على محمّد وآل محمّد في التشهّد المتضمّن للشهادة الثالثة ، وقد تقدّم استعراض تلك الروايات مراراً في الفصول السابقة كما في الفقيه للصدوق (4) ، وهو بصيغة : ( السلامُ على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين ، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين ) ، وفي الفقه الرضوي (5) أيضاً وهو بصيغة : ( السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين ) ، والمفيد في المقنعة (6) وهو بصيغة الفقه الرضوي ، وقرّبه الصدوق في المقنع ، والشيخ في النهاية ، وابن برّاج في المهذّب ، وسلاّر في المراسم ، والحَلَبي في الكافي ، والنراقي في المستند (7) .

ـــــــــــــــــ

(1) المقنع : ص93 ، طبعة قم .

(2) اقتصاد الشيخ : ص260 ـ 261 .

(3) مصباح المتهجّد : ص44 ، مؤسّسة الأعلمي .

(4) الفقيه : ج1 ، ص319 ، طبعة قم ، باب وصف الصلاة .

(5) الفقه الرضوي : ص180 .

(6) المقنعة : ص69 .

(7) وقد تقدّم الإشارة إلى مصادرها في المدخل فلاحظ ، وجِلّ هذه الكتب متون روائيّة . 


الصفحة 400  

وكذا الروايات الواردة في صيغة الصلاة على محمّد وآل محمّد في التشهّد ، كما رواه في الفقه الرضوي : ( اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعلي المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين ) (1) .

وقد أفتى به النراقي في المستند (2) ، وقد ذَكر الشيخ المفيد في المقنعة في صيغة الصلاة في القنوت : ( اللهمّ صلِّ على محمّد عبدك ورسولك وآله الطاهرين ... اللهمّ صلِّ على أمير المؤمنين وصي رسول ربّ العالمين ، اللهمّ صلِّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامَي الهدى ، وصلِّ على الأئمّة من وِلد الحسين ، علي بن الحسين ... والخَلف الحجّة ( عليهم السلام ) ، اللهمّ اجعلهُ الإمام المنتظر ...) (3) .

 

الوجهُ الثالث : الروايات الخاصّة تنزيلاً

وهو بمنزلة الروايات الخاصّة والدلالة الخاصّة على جواز أصل الشهادة الثالثة في التشهّد ، وبيانه : عبارة عن أنّه قد وردَ بأنّه ليس في التشهّد شيء مؤقّت ، والمراد منه عدم التوقيت من جانب الكثرة ، وإلاّ فمن ناحية القلّة محدود ومؤقّت بالشهادتين ، فهذه مقدّمة يأتي بيانها ، والمقدّمة الثانية أنّ ظاهر الروايات العديدة في كيفيّة التشهّد المندوب ، دالّة على إطلاق العِنان في تعداد جُمل التشهّد ، حيث إنّ بينها اختلافاً كثيراً في الصيغة والتعداد للجُمل المتشهّد بها ، والجامع الطبيعي بينها : هو أنّها في صدد الحثّ على التشهّد بجملة المعتقدات الحقّة ، لا التحديد والتخصيص بمقدار دون آخر .

ــــــــــــــــــــــ

(1) الفقه الرضوي : ص108 .

(2) مستند الشيعة : ج5 ، ص334 .

(3) المقنعة : ص125 ـ 126ـ 130 .


الصفحة 401  

وعلى ضوء هاتين المقدّمتين الآتيتين ، يتبيّن اقتضاء جواز الشهادة الثالثة ؛ لأنّها من جملة المعتقدات الحقّة ، بل لها موقعيّة المرتبة الثالثة بعد الشهادتين ، متقدّمة على بقيّة المعتقدات الحقّة الأخرى أهميّة بحسب الأدلّة القرآنيّة والنبويّة القطعيّة .

بيانُ المقدّمة الأولى :

وهي ما ورد من الروايات على أنّ ليس في التشهّد شيء مؤقّت من ناحية الكثرة ، بل التحديد من ناحية القلّة ، كصحيح محمّد بن مسلم قال : قلتُ لأبي عبد الله ( عليه السلام ) التشهّد في الصلاة ؟ قال : ( مرّتين ، قال ، قلت : وكيف مرّتين ؟ قال : إذا استويتَ جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحدهُ لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ، ثُمّ تنصرف قال ، قلت : قول العبد : التحيات لله والصلوات الطيبات لله ؟ قال : هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه ) (1) .

وهذه الصحيحة الدالّة على أنّ حدّ التشهّد من جانب القلّة ، هما الشهادتان وأنّه لا حدّ له من جانب الكثرة ، كما تدلّ على مشروعيّة الدعاء والثناء بما هو حق من المعتقدات في التشهّد ، كصحيح زرارة قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : ما يجزي من القول في التشهّد في الركعتين الأوليتين ؟ قال : ( تقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، قلتُ : فما يجزي من تشهّد الركعتين الأخيرتين ؟ فقال : الشهادتان ) (2) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) أبواب التشهّد : باب4 ، ح4 .

(2) أبواب التشهّد : باب4 ، ح1 .


الصفحة 402  

وصحيح الفضلاء عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( إذا فرغَ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فإن كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرفَ ، أجزأهُ ) (1) ، وغيرها من الروايات الواردة (2) .

وفي الصحيح إلى منصور بن حازم عن بكر بن حبيب قال ، قلتُ لأبي جعفر ( عليه السلام ) : أيّ شيء أقول في التشهّد والقنوت ؟ قال : ( قل بأحسن ما عَلمت ، فإنّه لو كان موقّتاً لهلكَ الناس ) (3) .

وفي طريق الكليني مع اختلاف في الألفاظ : ( لو كان كما يقولون واجباً على الناس هلكوا ، إنّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون إذا حمدتَ الله أجزأ عنك ) (4) .

وبكر بن حبيب وإن لم يكن فيه توثيق خاص ، إلاّ أنّه قد روى عنه منصور بن حازم ما يقرب من ستة مواضع (5)، وقال الشيخ البهائي في تعليقه على الفقيه وفي الحبل المتين : ( إنّ جمهور الأصحاب تلقّوا رواية له بالقبول) .

ومن الروايات التي رواها عنه منصور بن حازم عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، رواية تعليم رسول الله لعلي ألف باب يُفتح منه ألف باب ، وفيها اُدعو لي خليلي .

وهذه الرواية ( إنّه لو كان مؤقّتاً لهلكَ الناس ) مضمونها يتطابق مع الصِحاح المتقدّمة في جانب الكثرة ،

ـــــــــــــــ

(1) أبواب التشهّد : باب4 ، ح2 .

(2) أبواب التشهّد : الباب الرابع والخامس .

(3) أبواب التشهّد : باب5 ، ح1 .

(4) أبواب التشهّد : الباب5 ، ح2 .

(5) الكتب الأربعة ، والخصال ، وبصائر الدرجات ، ومحاسن البرقي .


الصفحة 403  

أنّه ليس هناك شيء مؤقّت ، وكما فيه الترخيص في كلّ ما يَحسن من القول ممّا هو من جنس الدعاء ، والثناء لله ، والتشهّد بالمعتقدات الحقّة ، وكذلك دلالة الصحاح المتقدّمة ؛ لأنّ التعبير بـ( يجزي ) فيها أي أقلّ ما يجزي .

ونظيرها رواية سورة بن كليب قال : سألتُ أبا جعفر عن أدنى ما يجزي من التشهّد ، قال : ( الشهادتان ) (1) .

هذا ، وقد مرّ فتاوى مشهور الأصحاب وتنصيصهم بأنّ أدنى ما يجزي في التشهّد الشهادتان ، هذا مع مفروغيّة وجوب الصلاة على محمّد وآله ؛ لوجوبها بذكره في الشهادتين .

أمّا المقدّمة الثانية :

دلالة الروايات الخاصّة الواردة في التشهّد على جواز كيفيّات مختلفة ، يستفاد منها أنّ الأمر في التشهّد موسّع من ناحية الكثرة ، وأنّ ما كان من دعاء وثناء وإقرار وتشهّد بفرائض الإيمان ، فإنّ كلّ ذلك من الأجزاء الندبيّة للتشهّد ، كصحيحة الحَلَبي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّه قال : أسمّي الأئمّة في الصلاة ؟ فقال : ( أجمِلهم ) .

ومنها : موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : ( إذا جلستَ في الركعة الثانية فقل : بسم الله وبالله والحمد لله ، وخير الأسماء لله ، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهد أنّك نِعمَ الربّ ، وأنّ محمّداً نِعم الرسول ، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ،

 ـــــــــــــ

(1) أبواب التشهّد : الباب2 ، ح3 .


الصفحة 404  

وتقبّل شفاعتهُ في أمّته وأرفع درجتهُ ، ثُمّ تَحمد الله مرّتين أو ثلاثاً ثُمّ تقوم ، فإذا جلستَ في الرابعة قلتَ : بسم الله وبالله ، والحمدُ لله وخير الأسماء لله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهدُ أنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعثُ مَن في القبور ، الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، الحمد لله ربّ العالمين .

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وبارك على محمّد وعلى آل محمد ، وسلِّم على محمّد وعلى آل محمّد ، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد .

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تَجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ، ربّنا إنّك رؤوف رحيم ، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وامنُن عليّ بالجنّة وعافِني من النار .

اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد واغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولمَن دَخل بيتي مؤمناً ولا تزد الظالمين إلاّ تباراً ، ثُمّ قل : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على أنبياء الله ورُسله ، السلام على جبرائيل وميكائيل والملائكة المقرّبين ، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبيّ بعده ، والسلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين ، ثُمّ تسلِّم ) (1) .

 وهذه الموثّقة دلّت على عدّة كيفيّات من التشهّد ، فبيّنت التشهّد الأوّل في كيفيّة ، والتشهّد الثاني في كيفيّة أخرى ، بل قد تضمّنت ستّة كيفيّات للتشهّد ، كما تضمّنت جواز تكرار التشهّد في التشهّد الواحد ،

ــــــــــــــــــ

(2) أبواب التشهّد : باب3 ، ح2 .


الصفحة 405  

كما أنّها تضمّنت التشهّد بالساعة ، وبالبعث من القبور أي بالمعاد ، كما تضمّنت الطلب بالجنّة ، والوقاية من النار ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات ، كما أنّها تضمّنت التبري من الظالمين أعداء الله ورسوله ، كما أنّ صيغة السلام فيها تضمّنت السلام على أنبياء الله ورسله ، وعلى ميكائيل وجبرائيل وملائكة الله المقرّبين .

ومنها : ذيل صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم قال ، قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) ... : قول العبد التحيات لله والصلوات الطيّبات لله ، قال : ( هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه ) (1) .

ومنها : صحيح يعقوب بن شعيب قال : قلتُ لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أقرأ في التشهّد ما طابَ لله وما خبثَ فلغيره ، فقال : ( هكذا كان يقول علي ( عليه السلام ) ) (2) .

وفي مصحّح عبد الملك بن عمرو الأحول عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( التشهّد في الركعتين الأولتين : الحمدُ لله أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسولهُ ، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وتقبّل شفاعتهُ ، وارفع درجتهُ ) (3) .

فترى الكيفيّة في هذه المصحّحة تختلف عن الكيفيّة في الرواية الأخرى ، كما أنّ صحيحة محمّد بن مسلم السابقة عليها نصّت على الجزئيّة الندبيّة للدعاء والثناء في التشهّد ، وكذلك صحيح يعقوب بن شعيب ، وغيرها من الروايات الواردة التي أوردها صاحب الوسائل في أبواب التشهّد وصاحب المستدرك ،

ــــــــــــــــــ

(1) أبواب التشهّد : باب4 ، ح4 .

(2) أبواب التشهّد : الباب الثالث ، ح5 .

(3) أبواب التشهّد : باب3 ، ح1 .


الصفحة 406  

كذلك الدالّة على مشروعيّة الدعاء والثناء والإقرار لمجمل قول الحق وفرائض الإيمان في التشهّد ، فهذه كالكبرى تنضمّ إلى صغرى ما تقدّم من الكيفيّات المستحبّة للشهادتين ، أن يؤتى بضميمة ثالثة لمجمل قول الحق وفرائض الإيمان ، فضلاً عمّا دلّ على ذكريّته الذاتيّة .

 

الوجهُ الرابع : الروايات الخاصّة

وهو دلالة النصوص الخاصّة على مشروعيّة الشهادة الثالثة في التشهّد فمنها : معتبرة أو مصحّحة الفضل بن شاذان عن الرضا ( عليه السلام ) قال : ( وإنّما جُعل التشهّد بعد الركعتين ؛ لأنّه كما قُدّم قبل الركوع والسجود من الأذان والدعاء والقراءة ، فكذلك أيضاً أخّر بعدها التشهّد والتحيّة والدعاء ) (1) .

وهذه المصحّحة صريحة في اتّحاد ماهيّة التشهّد في الأذان مع ماهيّة التشهّد في الصلاة ، فيتأتّى ما دلّ على الشهادة الثالثة بالخصوص من الطوائف المتقدّمة مع الشهادتين في الأذان ، فكلّ ما قُرِّر في الشهادة الثالثة في الأذان يتأتّى بمقتضى هذه المصحّحة في تشهّد الصلاة .

ومنها : رواية الفقه الرضوي ... قال : ( ... فإذا صلّيت الركعة الرابعة فقل في تشهّدك : بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله ، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، التحيات [ لله ] والصلوات الطيّبات الزاكيات الرائحات التامّات الناعمات المباركات الصالحات لله ، ما طابَ وزكيَ وطهرَ ونمى وخلُص ، وما خبُث فلغير الله ،

ــــــــــــــــ

(1) أبواب التشهّد : باب3 ، ح6 .


الصفحة 407  

 أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ، وأنّ علي بن أبي طالب نِعمَ الولي ، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ ، والموت حقّ ، والبعث حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها ، وأنّ الله يبعثُ مَن في القبور ، والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، أفضل ما صلّيت وباركت ورحمت وترحّمت وسلّمت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين ، إنّك حميد مجيد .

اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى ، وعليّ المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن والحسين ، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين ، اللهمّ صلِّ على نورك الأنور ، وعلى حبلك الأطول ، وعلى عروتك الأوثق ، وعلى وجهك الكريم ، وعلى جنبك الأوجب ، وعلى بابك الأدنى ، وعلى ( مسلك الصراط ) .

اللهمّ صلِّ على الهادين المهديين الراشدين الفاضلين الطيبين الطاهرين الأخيار الأبرار ، اللهمّ صلِّ على جبرئيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، وعلى ملائكتك المقرّبين ، وأنبيائك المرسلين ، ورسلك أجمعين من أهل السماوات والأرضين ، وأهل طاعتك أكتعين ، واخصُص محمّداً بأفضل الصلاة والتسليم ) (1) .

ويَعضده ما في المراسم لسلاّر الديلمي ، حيث إنّ جملة كتب المتقدّمين تُعد متون للروايات ؛ لاعتمادهم بالفتوى على نصّ ألفاظ الروايات .

(قال : وأمّا التشهّد الثاني الذي يلحقهُ التسليم في الرابعة من الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، والثالثة من المغرب والثانية من صلاة الغداة فهو :

ـــــــــــــ

(1) مستدرك الوسائل : أبواب التشهّد ، باب2 ، ح3 .


الصفحة 408  

( بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله ، التحيّات لله والصلوات الطيّبات الطاهرات الزاكيات الناعمات السابغات التامّات الحسنات  لله ، ما طابَ وطهر وزكا ونما وخلُص وما خبُث فلغير الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسولهُ ، أرسلهُ بالهدى ودين الحقّ ليظهرهُ على الدين كلّه ولو كرهَ المشركون ، وأشهدُ أنّ ربّي نِعمَ الربّ ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول ، وأنّ عليّاً نِعمَ الإمام ، وأنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث مَن في القبور .

اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحَم محمّداً وآل محمّد ، وتحنّن على محمّد وآل محمّد ، كأفضل ما صلّيت وباركتَ وترحّمت وتحنّنت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ) (1) .

ثُمّ إنّه يؤيَّد المقام برواية ما في تفسير العسكري ( عليه السلام ) قال : ( إذا قعدَ المصلّي للتشهّد الأوّل والتشهّد الثاني ، قال الله تعالى : ( يا ملائكتي ، قد قضى خِدمتي وعبادتي وقعدَ يُثني عليّ ، ويصلّي على محمّد نبيّي ، لأُثنينّ عليه في ملكوت السماوات والأرض ، ولأصلّينّ على روحه في الأرواح ) ، فإذا صلّى على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صلاته ، قال : لأصلّينّ عليك كما صلّيت عليه ، ولأجعلنّه شفيعك كما استشفعتَ به ) (2) .

 

الوجهُ الخامس :

وهو الاستدلال بجملة الطوائف للعامّة من الروايات التي مرّت الإشارة إلى متون بعضها ومصادرها ، وهي في مفادها المطابقي الأوّلي ، وإن كان مصبّها استحباب اقتران الشهادات الثلاث ،

ـــــــــــــــــــ

(1) المراسم العَلويّة : ص72 ـ 73 .

(2) تفسير الإمام العسكري : ص 240 .


الصفحة 409  

إلاّ أنّ مجموعها يَشرف المُلاحِظ المتدبّر لدلالتها ، أنّها تقتضي بيان حقيقة شرعيّة في معنى التشهّد والشهادة والإقرار ، وأنّه متقوّم بالشهادات الثلاث ، وأنّ الخروج عن هذا المعنى في حكم ظاهر الإسلام للدليل ، وهو بمنزلة المخرج عن هذا العموم في معنى الحقيقة الشرعيّة ، لاسيّما وأنّ الأصل في المعاني أنّ تُحمل على وجودها الحقيقي لا التنزيلي الظاهري ، وعلى ذلك فتكون مفسِّرة لعنوان التشهّد أينما وردَ في الأدلّة ، لاسيّما في باب الصلاة حيث اقترن بالتشهّد بالشهادتين ـ في جملة الروايات الواردة في المقام ـ التشهّد بجملة الاعتقادات الحقّة .