الصفحة 410

أدلّةُ القائلين بالمَنع

وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند نقل القول بالمنع ، وعُمدة ما استُدلّ به للمنع كما مرّ في كلام السيّد الخوئي ، وميرزا باقر الزنجاني : هو أنّه قد مُنع في الصلاة عن كلّ كلام فيها ، عدا القرآن والذكر والدعاء ، وهذا المنع شامل لمَا لو كان الكلام مستحبّاً في نفسه ، إذا لم يكن قرآناً أو ذكراً أو دعاءً ، كلّ ذلك للأخبار الخاصّة الناهية عن إدخال الكلام في أثناء الصلاة ، إلاّ ما كان من الأجناس الثلاثة المتقدّمة ، وهذا كلّه بالنسبة للشهادة الثالثة دون الصلاة على النبي وآله ، فإنّها من الدعاء بخلاف الشهادة بالولاية .

* وفيه عدّة مواضع للنظر :

الأوّل : لو سُلِّم أنّ نطاق النهي عن الكلام في الصلاة غير مقصور على الكلام الآدمي ، وأنّه أوسع من ذلك لمطلق الكلام ولم يُستثنَ منه إلاّ العناوين الثلاثة ، فقد مرّ في وجوه الاستدلال على الجواز أنّ الشهادة بالولاية ـ أي الشهادة الثالثة ـ هي من أشرف الأذكار وأعظمها بعد الشهادتين ، وأنّ إضافته ذاتيّة إلى الساحة الربوبيّة يجعلهُ من الذكر ، كما في ذِكر الجنّة والنار والآخرة ، نظير ما ورد في ظهور المهدي ( عجّلَ الله تعالى فرجهُ الشريف ) أنّه من المعاد ، وفي رجعتهم ( عليهم السلام ) أنّها من المعاد أيضاً ، والإقرار بولاية الإمام هو إقرار بولاية الله ورسوله ، وقد قرنَ الله ولايته بولاية الله ورسوله في جملة من الآيات ،


الصفحة 411  

وكما مرّ أنّ الشهادة بالولاية ركن الإيمان ، وكمال الدين ، وقوام رضا الرب للإسلام ، وأنّ التصديق بالولاية إيمان ، والإيمان من أعظم درجات العبادة والذكر ، بل هو مفتاح قبول العبادة والأعمال حيث قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) (1) .

فجعلَ التصديق بآيات الله وآياته هم حججه ، كما أطلقت الآية على نبيّ الله عيسى بن مريم ، والخضوع لها مفتاح قبول الدعاء والتقرّب إلى الله ، ومن ثُمّ كان إباء واستكبار إبليس قد أبطلَ عبادته ، وكيف يُتصوّر أنّ ما هو شرط صحّة العبادة وقبولها هو منافٍ لها ، وقد تقدّم في موثّقة أبي بصير أنّ ذِكرهم من ذكر الله ، بل في خصوص صحيحة الحَلَبي التنصيص الخاص على أنّ ذِكر أسمائهم ( عليهم السلام ) في الصلاة من أذكار الصلاة المرخّص بها ، وقد أفتى لذلك العلاّمة في المنتهى كما مرّت الإشارة إليه ، واعتمدَ على الصحيحة كلّ من : الصدوق ، والمفيد ، والطوسي ، وجماعة من المتقدّمين في قنوت الصلاة .

 هذا ، مضافاً إلى ما مرّ من ورود الشهادة الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام ، وفي صلاة التشهّد والتسليم .

الثاني : قد تقدّم في مبحث الأذان دلالة الروايات المستفيضة والطوائف المتعدّدة ، الدالّة على أنّ الشهادة الثالثة من الكيفيّات الراجحة لأداء الشهادتين ، وأنّ أكمل أفراد طبيعة الشهادتين هو المقرون بالشهادة الثالثة ، نظير الصلاة على محمّد وآله .

ــــــــــــــــ

(1) الأعراف : 40 .


الصفحة 412  

الثالث : أنّه قد تقدّم في المدخل ، أنّ الشهادة الثالثة سبب للإيمان بحسب طبيعتها ، إذ لا يكفي فيها الاعتقاد بالجنان من دون الإقرار باللسان ، والإيمان شرط في صحّة العبادات ، كما ذهبَ إليه جُلّ علماء الإماميّة ، أو شرط قبول كما ذهبَ شذاذ ؛ فإنّه على كِلا التقديرين مقتضى ذلك : شرطيّة الشهادة الثالثة في الأعمال العباديّة ، إمّا في الصحّة ، أو في كمال الماهيّة ، إذ ما هو شرط في الصحّة لا يُعقل تنافيه معه ، وكذلك ما هو دخيل في كمال العمل ، فلاحظ ثمّة .

والغريب في كلام السيّد الخوئي ( رحمهُ الله ) المتقدّم ، فإنّه لا يتلائم مع ما قاله في الشهادة الثالثة في الأذان في شرح العروة ، حيث أقرّ بما يفيد ويظهر منه ذكريّة الشهادة الثالثة ، حيث قال : ( إنّنا في غِنى من ورود النص ، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متمّمات الرسالة ، ومقوّمات الإيمان ، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) بل من الخَمس التي بُني عليها الإسلام ، ولاسيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعار ، وأبرز رموز التشيّع وشعائر المذهب الفرقة الناجية ، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً ، وراجح قطعاً في الأذان وغيره ...) (1) .

وجهُ التدافع في كلام السيّد الخوئي ( رحمهُ الله ) : أنّ الإقرار ببداهة رجحان الشهادة الثالثة ، وأنّها ممّا يُتقوّم بها الإيمان ويرضى بها الربّ ، فهل هذا إلاّ معنى الذِكر ؛ لأنّه القول الراجح ذاتاً ، والذي يكون مؤدّاه من الإيمان بالغيب ، ويوجِب الزُلفى والرضا الإلهي بعد كونه ذو إضافة ذاتية إليه تعالى ، وقد توفّرت هذه الأمور بما ذكره في بحث الأذان .

ــــــــــــــ

(1) المستند في شرح العروة الوثقى : ج13 ، ص260 ، طبعة قم .


الصفحة 413  

الرابع : ما مرّ من ورود النصوص الصحيحة ، من أنّه ليس في التشهّد شيء مؤقّت من جهة الكثرة ، وأنّ كيفيّته من جهة الكثرة هو التشهّد بكلّ ما يكون من العقائد الحقّة : كمسائلة القبر ، والشهادة بالنار ، والجنّة ، والملائكة وغيرها من الأمور الحقّة ، بعد إشارة النصوص المزبورة بجواز كيفيّات مختلفة التعداد من الأمور الحقّة المقرّ بها ، وهذا تعبّد خاصّ بالجزئيّة الندبيّة للتشهّد بالإقرار بكلّ العقائد الحقّة .

الخامس : أنّ الكلام المبطل في الصلاة هو الكلام الآدمي لا مطلق الكلام ، كما نبّه على ذلك جملة من الأعلام ، ومن ثُمّ خرجَ من الكلام المبطل مثل : القرآن ، والذكر ، والدعاء ، والغريب في ذلك : أنّ السيّد الخوئي صرّح في ذلك في شرح العروة ، فقال في ذيل الكلام للمسألة التاسعة من فصل مبطلات الصلاة ، المتضمّنة استثناء الذكر والدعاء من الكلام المبطل :

( بلا خلاف فيه ولا إشكال ، ويدلّنا عليه ـ مضافاً إلى انصراف نصوص المنع إلى ما كان من سنخ الآدميين غير الصادق على مثل القرآن ، والذكر ، والدعاء ، ممّا كان التخاطب فيه مع الله تعالى ، بل قد قُيّد التكلّم به في بعض النصوص المتقدّمة ، كيف وأقوال الصلاة مؤلّفة من هذه الأمور ، فكيف يشملها دليل المنع ولا يكون منصرفاً عنها ـ جملة من النصوص الدالّة على الجواز ، وأنّه كلّ ما ناجيتَ به ربّك فهو من الصلاة ، التي منها صحيحة علي بن مهزيار قال : ( سألتُ أبا جعفر ( عليه السلام ) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة لكلّ شيء يناجي ربّه قال : ( نعم )، وصحيحة الحَلَبي قال : ( قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( كلّ ما ذكرتَ الله به والنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فهو من الصلاة ) (1) .

ـــــــــــــــ

(1) المستند : ج10 ، ص445 ـ 446 .


الصفحة 414  

وما أبعدَ ما قاله السيّد الخوئي ( رحمه الله ) في كلامه الأسبق ، من عدم ذكريّة أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله ، وبين ما ذهبَ إليه الميرزا النائيني في تقريرات الصلاة حيث قال : ( لا إشكال في كون المتيقّن من استثناء الدعاء ، هو ما إذا كانت المخاطبة مع الله سبحانه ، وأمّا إذا كان مع النبي والأئمّة ( صلوات الله عليه وعليهم ) ففي جوازه وعدمه وجهان : من ورود المخاطبة مع النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في بعض أدعية السجود ، وكذا ما ورد من السلام عليه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في سجود السهو ؛ ولأنّ المخاطبة معهم ( صلوات الله عليهم ) دعاء مع الله ، لكونهم وسائل إليه سبحانه ، ومن انصراف الدعاء عن مثله ، إذ الظاهر المنصرَف إليه منه ، هو ما كانت المخاطبة فيه  مع الله سبحانه ، ومختار الأستاذ ـ دام بقائه ـ هو الأوّل ) (1) .

وفي صحيح علي بن جعفر في كتابه عن أخيه ( عليه السلام ) قال : سألتهُ عن رجل يصلّي خلف إمام يُقتدى به في الظهر والعصر ، يقرأ ؟ قال : ( لا ، ولكن يسبِّح ويَحمد ربّه ويصلّي على نبيّه ) (2) ، ورواه أيضاً في قرب الإسناد بطريق معتبر عن علي بن جعفر .

ومقتضاه : تكرار الصلاة على النبي وآله من المأموم طوال فترة قراءة الإمام ، ونظيره ما في صحيح الحَلَبي قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( كلّما ذكرتَ الله به والنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فهو من الصلاة ) .

وفي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : سألتهُ عن رجل يذكر النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو في الصلاة المكتوبة ...: ( إنّ الصلاة على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كهيئة التكبير والتسبيح ... الحديث ) (3) .

ــــــــــــــــ

(1) كتاب الصلاة : ج2 ، تقريرات بحث المحقّق الميرزا محمّد حسين النائيني : ص286 .

(2) الوسائل : أبواب صلاة الجماعة ، باب32 ، حديث3 .

(3) الوسائل : أبواب الركوع ، باب20 ، حديث1 .


الصفحة 415

الأمرُ الثاني

الشهادةُ الثالثة في التسليم

وقد أفتى بذلك جملة المتقدّمين كما ستأتي كلماتهم مفصّلاً : كعلي بن بابويه في الفقه الرضوي ، والصدوق ، والمفيد ، والشيخ ، وابن برّاج ، وابن سلاّر الديلمي ، وابن طاووس ، والشهيد ، وصاحب كاشف اللثام ، وصاحب الحدائق ، وصاحب الجواهر ، والنراقي ، والميرزا النوري ، وبعض المعاصرين ، وفي العروة للسيّد اليزدي أنّه يخطر بباله الأنبياء والأئمّة والحَفَظة في السلام على عباد الله الصالحين ، وظاهر المحشّين موافقته ، وهو نظير ما ذكرهُ الشهيدين في الذكرى ، واللمعة ، والروضة .

ولا يخفى أنّ المراد من كون التسليم على الأئمّة ( عليهم السلام ) ، هي صيغة من صيَغ الشهادة الثالثة ؛ وذلك لكون التسليم عليهم هو بنعت الإمامة لهم فيكون إقرار من المصلّي بذلك .

1 ـ فقهُ الرضا : قال علي بن بابويه : ( والتسليم ـ بعد ذكر مستحبّات التشهّد ـ السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (1) .

ـــــــــــــــــــ

(1) فقه الرضا : ص109 ، طبعة مؤسّسة آل البيت ( عليهم السلام ) .


الصفحة 416  

2ـ المُقنع : قال الصدوق ( قدِّس سرّه ) : ( ثُمّ سلِّم وقل : اللهمّ أنت السلام ، ومنك السلام ... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين ...) (1) .

وقال ( قدِّس سرّه ) في كتابه ( مَن لا يحضره الفقيه ) : ( فإذا صلّيت الرابعة فتشهّد ، وقل في تشهّدك : ( بسم الله وبالله .... السلام عليك أيّها النبيّ ... السلام على محمّد خاتم النبيين ، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين ....)) (2) .

3ـ المقنعة : قال الشيخ المفيد ( قدِّس سرّه ) : ( فإذا جلسَ للتشهّد في الرابعة من الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، وفي التشهّد الثاني من الثالثة في المغرب ، أو في الثانية من الغداة ، فليقل : ( بسم الله وبالله .... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ... السلام على الأئمّة الراشدين ...)) (3) .

4ـ النهاية : وقال الشيخ الطوسي ( قدِّس سرّه ) : ( غير أنّه يستحبّ أن يقول في التشهّد : ( بسم الله وبالله .... السلام عليك أيّها النبيّ .... السلام على الأئمّة الهادين المهديين ...)) (4) .

وقال ( قدِّس سرّه ) في مصباح المتهجّد : ( فإذا جلستَ للتشهّد في الرابعة على ما وصفناه قلت : (بسم الله وبالله ... السلام على الأئمّة الهادين المهديِّين ...)) (5) .

5ـ المهذّب : قال القاضي ابن برّاج : ( فإذا فعلَ ذلك ، جلسَ للتشهّد الأخير وقال : بسم الله وبالله ... السلام على الأئمّة الهادين المهديين ...) (6) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) المُقنع للصدوق : ص96 .

(2) مَن لا يحضرهُ الفقيه : ج1 ، ص319 ، طبعة جامعة المدرّسين .

(3) المقنعة : ص114 ، طبعة جماعة المدرّسين .

(4) النهاية للشيخ الطوسي : ج1 ، ص311 ، طبعة جماعة المدرّسين .

(5) مصباح المتهجّد : ص54 .

(6) المهذّب : ج1 ، ص95 .


الصفحة 417  

6ـ المراسمُ العَلَويّة : قال الشيخ أبي يعلي الديلمي المعروف بسلاّر : ( وأمّا التشهّد الثاني .... فهو : ( بسم الله وبالله ... السلام عليك أيّها النبيّ ... السلام على الأئمّة الراشدين ....)) (1) .

7ـ منتهى المطلب : قال العلاّمة : ( أكملُ التشهّد : ما رواه الشيخ في الموثّق عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( إذا جلستَ في الركعة الثانية فقل : .... ثُمّ تقوم ، فإذا جلستَ في الرابعة قلت : بسم الله وبالله .... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على أنبياء الله ورسله ، السلام على جبرئيل ، وميكائيل ، والملائكة المقرّبين ، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبي بعده ،....) (2) .

أقول : وهو وإن لم يكن متضمّناً للتسليم بصيغة الشهادة الثالثة ، إلاّ أنّه متضمّن للتسليم على الملائكة .

8ـ البيان : قال الشهيد الأوّل في بحث التسليم : ( والسُنّة هنا أن يكون كهيئة المتشهّد .... وتقديم قوله : ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله ، السلام على الأئمّة الهادين المهديّين ...)) (3) .

وقال أيضاً ( رحمه الله ) بعدَما حكى قول صاحب الفاخر بعد كلام ، وعَنى بالذي آخر التشهّد قوله :

ـــــــــــــــ

(1) المراسم العَلَويّة : 73 ، المجمع العالمي لأهل البيت ، قم .

(2) منتهى المطلب : ج5 ، ص192 ، طبعة مشهد المقدّسة ، الطبعة الأولى 1419هـ .

(3) البيان : الشهيد الأوّل ، ص177 ، طبعة بنياد فرهنكي الإمام المهدي .


الصفحة 418  

(السلام على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعلى أهل بيته ، السلام على نبيّ الله ، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول ربّ العالمين ، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ، السلام على الأئمّة الهادين المهديّين الراشدين ، ثُمّ تَذكر الأئمة واحداً واحداً ....) (1) .

9ـ فلاحُ السائل : قال السيّد ابن طاووس : ( أقول : فيصلّي العبد الركعتين الأولتين ... فإذا فرغَ من سجدَتي الركعة الرابعة ، جلسَ للتشهّد الآخر ... والسلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله ، السلام على الأئمّة الهادين المهديين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ...) (2) .

10ـ كشفُ اللثام : قال الفاضل الهندي في كتابه ( كشف اللثام ) ، بعدَما ذكرَ خبَرَي أبي بصير الآتيين والمشتملَين ( السلام على جبرائيل ، وميكائيل ، والملائكة المقرّبين ، والتسليم على النبي وآله ) ، وبعدما ذَكر جملة أقوال الأصحاب في صيَغ التسليم المختلفة ومنها : قول الصدوق في الفقيه ، والمقنع ، من التسليم على النبي والأنبياء والأئمّة ، ونقلَ بعد ذلك كلام الراوندي عن كتابه الرائع ، وعن كتابه حلّ المعقود ، وقال خلاصة كلامه في الكتابين : أنّ الفرض هو السلام عليكم ، ولكن ينوب منابة التسليم المندوب ، كما أنّ صوم يوم الشك ندباً يُسقط الفرض ، ويحصل به الجمع بين القولين .

ثُمّ استدلّ على ذلك برواية العِلل الآتية أنّ أقلّ المُجزي : السلام على النبي ، وأنّ ما زاد فضلٌ ، ثُمّ أيّد كلامه بكلام الشهيد الأوّل في الذكرى والبيان (3) .

ـــــــــــــــــــ

(1) الذكرى : ص208 ، الطبعة القديمة .

(2) فلاح السائل : ص162 ـ 163 ، مركز انتشارات دفتر تلبيغات إسلامي ، قم .

(3) كشف اللثام : ج4 ، ص131 ـ 135 ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي .


الصفحة 419  

11ـ الحدائقُ الناضرة : حيث قال الشيخ يوسف البحراني ( قدِّس سرّه ) في الفصل التاسع في التشهّد : ( المورد الثاني : أفضلُ التشهّد ما رواه الشيخ في الموثّق ،... ثُمّ روى رواية الفقه الرضوي وفيها : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) ) (1) .

12ـ جواهرُ الكلام : استشهدَ بكلام الشيخ المفيد في نافلة الزوال ، من كيفيّة التسليم اتّجاه القبلة وفي الفريضة بعد التشهّد : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، ويومئ بوجهه إلى القبلة ويقول : السلام على الأئمّة الراشدين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (2) .

وقال أيضاً : ( إنّ المستفاد من التأمّل في النصوص .... : كون التسليم كالتشهّد ونحوه من الألفاظ المراد بها هيئات متعدّدة مختلفة بالكمال وعدمه ، وإلاّ فالكلّ واجب على التخيير .

فالكامل منه مثلاً ، المشتمل على التسليم على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والملائكة وغيرهم ممّن هو مذكور إلى الصيغة الثانية ، ودونه المشتمل على الصيغتين خاصّة ، أو على التسليم على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، أو على الصيغة الثانية خاصّة ، أو غير ذلك من الهيئات المستفادة من النصوص .... فالآتي حينئذٍ بهيئة من الهيئات السابقة .... آتٍ بواجب وإن طال ، كما أنّه لو اقتصر على : ( السلام علينا ) ، أو ( السلام عليكم ) أجزَأ ؛ لصدق التسليم حينئذٍ ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) الحدائق الناظرة : ج8 ، ص452 ، طبعة دار الكتب الإسلاميّة .

(2) جواهر الكلام : ج10 ، ص334 .

(3) جواهر الكلام : ج10 ، ص32 ـ 321 .


الصفحة 420  

ويدلّ على رجحان ما ذهب إليه الأصحاب من التسليم عليهم بوصف الإمامة بعد التسليم على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، روايات :

الأولى : ما رواه الصدوق في الفقيه : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على محمّد خاتم النبيين ، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (1) ، وقد تقدّم أنّ سياق عبارة الصدوق في الفقيه تؤمن بكونه من تتمّة صحيح زرارة ، وقد أفتى بذلك في المُقنع الذي هو متون روايات ، ويكفي ذلك لقاعدة التسامح .

الثانية : ما رواه الشيخ في الموثّق ـ على الأصح ـ عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( إذا كنتَ إماماً فإنّما التسليم أن تُسلّم على النبي عليه وآله السلام وتقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإذا قلتَ ذلك فقد انقطعت الصلاة ) (2) ...الحديث .

وقوله : ( أن تُسلِّم على النبي عليه وآله السلام ) ، وإن كانت محتملة لتخصيص التسليم في الصلاة بالنبي دون الآل ، وأنّ ذِكرهم هو للتسليم عليهم بتبع التسليم لذكره ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الجواب ، والرواية لا في الصلاة ، ولكن على هذا الاحتمال الدلالة أيضاً تامّة ، حيث إنّها تدلّ على كون اقتران التسليم عليهم بالتسليم عليه ، هو من مستحبّات كيفيّة التسليم عليه ، لاسيّما وإنّه ( عليه السلام ) في مقام بيان كيفيّة التسليم في الصلاة .

ـــــــــــــــــــ

(1) الفقيه : ص319 ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم .

(2) أبواب التسليم : ب2 / 8 .


الصفحة 421  

الثالثة : ما رواه في الفقه الرضوي من كيفيّة التسليم : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (1) ، وضُعف السند لا يضر ، وكونه فتاوى علي بن بابويه التي هي متون روايات يكفي في تحقيق موضع قاعدة التسامح في أدلّة السُنن ، لا سيّما مع ما يأتي من الروايات الأخرى .

الرابعة : ما رواه المفيد في المقنعة (2) ، وقد تقدّم الإشارة إليه في الأقوال بعد التسليم على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( السلام على الأئمّة الراشدين ) ، وهي أيضاً متون روايات .

الخامسة : ما تقدّم من كلام الشيخ في النهاية ، ومصباح المتهجّد ، وكليهما متن روايات ، مضافاً إلى كلام ابن برّاج ، وسلاّر الديلمي ، وكتابيهما من الأصول المتلقّاة التي هي غالباً متون روايات ، وهذا المجموع ممّا يوجِب الوثوق بصدور الرواية في ذلك ، فضلاً عن تحقيق موضوع القاعدة في التسامح في أدلّة السُنن .

ويَعضد كلّ ذلك : ما في موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) من صيغة التسليم : ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، السلام على أنبياء الله ورسله ، السلام على جبرئيل ، وميكائيل ، والملائكة المقرّبين ، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبيّ بعده ، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) (3) .

ــــــــــــــــــــ

(1) الفقه الرضوي : ص109 ، طبعة مؤسّسة آل البيت ( عليهم السلام ) .

(2) المقنعة : ص114 ، طبعة قم .

(3) أبواب التشهّد : ب3 ، ح2 .


الصفحة 422  

حيث تضمّن التسليم على الأنبياء ، والملائكة ، والرسل بعد التسليم على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وما في رواية العِلل لمحمد بن علي بن إبراهيم التي رواها في البحار :

( وأقلّ ما يجزي من السلام ( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته ) ، وما زاد على ذلك ففيه الفضل ؛ لقول الله : ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ) ) (1) .

ــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : ج85/ 39 ، باب التسليم وآدابه ، ب57 .