الصفحة 75
فقال: يا ابن أخي، أعيَيْتَ قومك! أين كنت؟

قال: ذهبتُ إلى بيت المقدس.

قال: مِن ليلتك؟!

قال: نعم.

قال: هل أصابك إلاّ خير؟

قال: ما أصابني إلاّ خير، وقيل غير ذلك(1).

وفي روضة الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: لمّا أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح فقعد فحدَّثهم بذلك ; فقالوا له: صِفْ لنا بيت المقدس. قال: فوصف لهم، وإنّما دخله ليلاً فاشتبه عليه النعت، فأتاه جبرئيل فقال: انظر هاهنا، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه، ثمّ نعت لهم ما كان من عِير لهم فيما بينهم وبين الشام، ثمّ قال: هذه عير بني فلان تَقدِم مع طلوع الشمس يتقدّمها جملٌ أورَق أو أحمر. قال: وبعثت قريش رجلاً على فرس ليردّها، قال: وبلغ مع طلوع الشمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لَهفا!! ألاّ أكون لك جذعاً حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك!(2)

وفي أمالي الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: لمّا أسري برسول الله إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البُراق، فأتَيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بها وردّه، فمرّ رسول الله في رجوعه بعِير لقريش، وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه، فشرب رسول الله من ذلك الماء وأهرق باقيه.

____________

1- تفسير روح المعاني 15: 6 سورة بني إسرائيل الآية 1، الدر المنثور 4: 149 سورة الإسراء الآية 1.

2- روضة الكافي 8: 262 / الحديث 376. وانظر: الدرّ المنثور 4: 148 ـ 149.


الصفحة 76
فلما أصبح رسول الله قال لقريش: إنّ الله جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم، وإنّي مررت بعِير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم فشربتُ من مائهم وأهرقتُ باقي ذلك، فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فاسألوه: كم الأساطينُ فيها والقناديل؟

فقالوا: يا محمّد، إنّ ها هنا من قد دخل بيت المقدس، فصِفْ لنا كم أساطينُه وقناديله ومحار يبه؟

فجاء جبرئيل فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه، فلمّا أخبرهم، قالوا: حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت، فقال لهم رسول الله: تصديقُ ذلك أن العِير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جملٌ أورَق.

فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العَقَبة ويقولون: هذه الشمس تطلع [ علينا ] الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العِير ـ حتّى طلع القرص ـ يقدمها جمل أورَق، فسألوهم عمّا قال رسول الله فقالوا: لقد كان هذا ; ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماءً فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يَزِدْهم ذلك إلاّ عُتوّاً(1).

وروى البغوي في تفسيره عن ابن عبّاس وعائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا كانت ليلة أُسري بي أصبحت بمكّة فضِقتُ بأمري وعرفتُ أنّ الناس يكذّبوني، فروي أنّه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً، فمرّ به أبو جهل فجلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل استفدتَ من شيء؟

قال: نعم، إنِّي أُسري بي الليلة.

قال: إلى أين؟

____________

1- أمالي الصدوق: 363، المجلس 69 ـ الحديث 1. وانظر: الدرّ المنثور 4: 148.


الصفحة 77
قال: إلى بيت المقدس.

قال: ثمّ أصبحتَ بين ظَهرانينا؟!

قال: نعم.

فلم يُرِهِ أبو جهل أنّه ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، قال: أتُحدِّثُ قومك بما حدثتني به؟

قال: نعم.

قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، هلمّوا. قال: فانقضّت إليه المجالس فجاؤُوا حتّى جلسوا إليهما، قال: فحدِّثْ قومك بما حدّثتني؟

قال: نعم، أنّه أُسري بي الليلة.

قالوا: إلى أين؟

قال: إلى بيت المقدس.

قالوا: ثمّ أصحبت بين ظهرانينا؟

قال: نعم.

قال: فمِن بين مصفّق، ومن بين واضع يدَه على رأسه متعجّباً للكذب، وارتدّ ناسٌ ممن كان آمن به وصدّقه...(1)

قال ابن إسحاق: وحدِّثتُ عن الحسن:.... فلمّا أصبح (صلى الله عليه وآله) غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البيِّن! والله إنّ العِير لتطرد شهراً من مكّة إلى الشام ; مُدبرةً شهراً ومُقبلةً شهراً، فيذهب ذلك محمّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكّة!

قال: فارتدّ كثير ممن كان أسلم(2)...


*   *   *

____________

1- تفسير البغوي 3: 79. وانظر: مختصر تاريخ دمشق 17: 189 ترجمة عليّ بن أحمد ابن المبارك.

2- أحكام القرآن للقرطبي 10: 285 سورة بني إسرائيل الآية 60.


الصفحة 78
كان هذا بعض الشيء عن الإسراء والمعراج وتكذيب قريش بهما، وارتداد بعض المسلمين، وقد سعت قريش وعن طريق حكّام بني أميّة وبعض علماء البلاط في العصور المتأخّرة إلى التشكيك في الإسراء والمعراج والتقليل من عظمة هذا الأمر الإلهيّ ومكانة الرسول بطرح تشكيكات ذات طابع جدلي، كالقول باستحالة صعود الأجسام إلى العالم العلوي بهذه السرعة الخارقة للعادة بحيث يذهب في آخر الليل ويرجع إلى مكّة عند الفجر، وعدم تطابق ما قيل في مقدمات هذا السفر الإلهي من شقّ الصدر وغسله بماء زمزم وركوبه (صلى الله عليه وآله) البراق و... مع العقل.

كلّ تلك التساؤلات بل قل التشكيكات جاءت مساوقة للتشكيك في مدلول قوله تعالى في الآية 60 من سورة الإسراء ; إذ قال سبحانه {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ} حيث قالوا بأنّ الإسراء والمعراج كان بروحه (صلى الله عليه وآله) ـ لا بجسمه وروحه ـ كي يقللوا من واقع الإسراء ويعضّدوا القول بأنّه كان في المنام لا في اليقظة و...

فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة رضى الله تعالى عنها، قالت: ما فقدتُ جسدَ رسولِ الله، ولكنّ الله أسرى بروحه(1).

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان أنّه كان إذا سئل عن

____________

1- الدرّ المنثور 4: 157. وفي تفسير الطبري 15: 13 حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني بعض آل أبي بكر أنّ عائشة كانت تقول: ما فُقد جسدُ رسول الله ولكنّ الله أسرى بروحه.


الصفحة 79
مسرى رسول الله قال: كانت رؤيا صادقة(1).


قال القرطبي في تفسيره: وقد احتُجَّ لعائشة بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} فسمّاها رؤيا.

وهذا يردّه قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً}، ولا يقال في النوم: "أسرى"، وأيضاً فقد يقال لرؤية العين "رؤيا"... وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أنّ الإسراء كان بالبدن...(2)

وقال ابن عطيّة الأندلسي:... والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أمّ هاني: لا تُحدِّث الناس بهذا فيكذبوك، إلى غير هذا من الدلائل.

واحتجّ لقول عائشة بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} ويحتمل القول الآخر ; لأنّه يقال لرؤية العين "رؤيا". واحتجّ أيضاً بأنّ في بعض الأحاديث "فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام"، وهذا محتمل أن يريد من الإسراء النوم.

واعترض قول عائشة بأنّها كانت صغيرة لم تشاهد ولا


____________

1- الدرّ المنثور 4: 157. وفي تفسير الطبري 15: 13 حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنّ معاو ية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: كانت رؤيا من الله صادقة!

2- تفسير القرطبي 10: 209 سورة الاسراء الآية 1.


الصفحة 80

حدّثت عن النبي (عليه السلام)، وأمّا معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال، صغيراً، ولم يحدّث عن النبيّ...(1)

وقال ابن كثير:... فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدّت جماعة ممّن كان قد أسلم، وأيضاً فإن "العبد" عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً}...(2)

ويجري مجرى قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ما في سورة النجم، فقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (3) لا يتّفق مع الرؤيا، بل الآية في سياق الامتنان وبيان آيات ربّه الكبرى، أمّا الرؤيا فهي نحو من التخيّل يتفق للصالح والطالح ولا منزلة للرسول في القول بهذا.


هذا ويمكن إجابة كلّ التساؤلات والتشكيكات بأنّ الأمر كان معجزةً، والمعجزةُ لا تدركها العقول البسيطة، فهي من قبيل إحياء الأموات، وتبديل العصى ثعباناً، وكولادة عيسى من غير أَب، وخروج ناقة صالح من الجبل الاصم، وقوله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ

____________

1- المحرر الوجيز 3: 435، وانظر: تفسير الثعالبي 2: 248.

2- تفسير ابن كثير 3: 23 سورة الإسراء آية 1.

3- النجم: 17 ـ 18.


الصفحة 81
ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَّكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1)، وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} (2) صريحٌ بإحضار (من عنده علم من الكتاب) لعرش بلقيس من اقصى اليمن إلى اقصى الشام في مقدار لمح البصر، وهو يشبه ما قاله سبحانه عن الرياح وأنّها كانت تسير بسليمان {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} (3) في لحظة واحدة، إلى غيرها من عشرات بل مئات الموارد.

إذاً رسالة الإسلام هي رسالة الغيب والإيمان بما خلق الله من الجنِ والملك والروح و... والمسلم هو الذي يسلم بالغيب ويؤمن به لقوله تعالى: {الذينَ يؤمنون بالغيب} (4).

فلو كان معراج النبيّ محمّد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول آدم من الجنّة وإصعاد عيسى إلى السماء ممتنعاً، بل لسرى الشك في المعجزات لأنّها في أصلها خرقٌ للقوانين المادية.

وعليه فهذه الرؤية طرحت لبذر الشكّ في قلوب المؤمنين من قبل {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ} (5) أو {الذينَ لا يؤمنون} (6) في حين أنّ رسالة السماء معناها الغيب والماورائيات وهي تتفق مع الإسراء وما جاء فيه، وهذا ما لا تدركه عقول هؤلاء من الامتحان الإلهيّ الذي سُنّ ليمحّص الله به المؤمنين ويميزهم عن

____________

1- البقرة: 260.

2- النمل: 40.

3- سبأ: 12.

4- البقرة: 3.

5- المائدة: 52، التوبة: 125، الأنفال: 49.

6- النحل: 22.


الصفحة 82
الكافرين والمنافقين.

هذا وقد أجاب العلاّمة الطباطبائي في (الميزان) عمّا قاله بعض المفسّرين من أنّ الشجرة الملعونة في القرآن تعني شجرة الزقّوم التي قال عنها الباري جلّ شأنه: {أَذلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} (1)، بأنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً لأنّه جلّ شأنه لم يلعنها في موضع من القرآن الكريم، ولو كان مجردّ كونها شجرةً تخرج من أصل الجحيم سبباً موجباً للعنها في القرآن الكريم لكانت النار وما أعدّ الله فيها من العذاب ملعونة وهذا ما لم يَقُله أحد، ولكان ملائكةُ العذاب ـ الذين قال عنهم جل شأنه: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (2) ـ ملعونين، في حين نراه سبحانه قد أثنى عليهم بقوله: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (3).

ولو صحّ هذا الاحتمال لكانت أيدي المؤمنين ملعونة كذلك ; لقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ} (4).

ومثله حال بقية المعاذير التي ذكرها مفسروا أهل السنة والجماعة للتخلّص من كيفية صحّة لعن الشجرة، ومحاولتهم صرف الآية الكريمة عن لعن شجرة بني أميّة(5).

وإنكّ لو تدبّرتَ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً

____________

1- الصافّات: 62 ـ 63.

2- المدّثر: 31.

3- التحريم: 6.

4- التوبة: 14.

5- انظر: على سبيل المثال تفسير الميزان 13: 141 ـ 143 ففيه جواب تلك المعاذير المطروحة.


الصفحة 83
لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} لعرفت أنّ المقصود منها بنو أميّةِ ; لما فعلوه من قبيح الأعمال، ولا يصحّ ما قالوه بأنّ المعنيّ من الرؤيا هي الإسراء وغيرها من الأفكار الفاسدة.

وبهذا فقد عرفت أَنَّ جهلهم بالاُمور الغيبية ومكانة الرسول لم يكن عن قصور أو تقصير بَدْويَّينِ، بل إنَّ جذوره ترجع إلى خلفيات هي أعمـق ممّا قالـوه بكثير.

مع الرسول ورؤياه

قال الالوسي في تفسير آية الرؤيا:... وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد، قال: "رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني أميّة يَنْزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات عليه الصلاة والسلام، وأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا}. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب، قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني أميّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: إنّما هي دنيا أُعطُوها، فقرّت عينه، وذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا}... الخ.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرّة، قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت بني أميّة على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء، واهتمّ عليه الصلاة والسلام لذلك، فأنزل الله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا}... الآية " وأخرج عن ابن عمر: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "رأيتُ ولد الحَكَم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة، وأنزل الله تعالى في ذلك {وَمَا جَعَلْنَا}... الخ، والشجرة الملعونة الحكم وولده" وفي عبارة بعض المفسرين: هي بنو أميّة.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّها قالت لمروان بن

الصفحة 84
الحكم: "سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لأبيك وجدّك: إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن".

فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم، والكلام على ما قيل على حذف مضاف، أي "وما جعلنا تعبير الرؤيا" أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً، وبذلك فسره ابن المسيب.

وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحقّ وما عدلوا، وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم، ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً، أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان.

ويحتمل أن يكون المراد "ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلاّ فتنة"، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير {وَنُخَوِّفُهُمْ} على هذا لما كان له أوّلاً، أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أميّة ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة، والفروج المحصنة، وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها، وتبديل الأحكام، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيام.

وجاء لعنهم في القرآن، إما على الخصوص كما زعمته الشيعة، أو على العموم كما نقول، فقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وقال عزّوجلّ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} إلى آيات أخر، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أوّليّاً(1)، انتهى موضع الحاجة

____________

1- تفسير روح المعاني 15: 107 ـ 108، هذا ومن المفيد الرجوع إلى التفسير الكبير للرازي 20: 236 ـ 237 لملاحظة سائر الأقوال في الآية المباركة.


الصفحة 85
من كلام الآلوسي.

وقال القرطبي في تفسيره: "فنزلت الآية مخبرة أنّ ذلك من تملّكهم وصعودهم [أي نَزْوِهِم على منبره نزو القردة] يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً، وقرأ الحسن بن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين}. قال ابن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا، عثمان، ولا عمر بن عبدالعزيز، ولا معاوية"(1).

وعليه فلا يصحّ ما قالوه من تكلّفات في كلمة الرؤيا والشجرة الملعونة في الآية، مع وضوح أنّ الملعونين في القرآن هم جند إبليس واليهود، والمشركون، والمنافقون، والذين ماتوا وهم كفار، والذين يكتمون ما أنزل الله، والذين يؤذون الله ورسوله وغيرها لا شجرة الزقوم ولا غيرها من التأويلات التي صيغت بأخرة لإبعاد الآية الكريمة عن معناها الحقيقي(2).

____________

1- تفسير القرطبي 10: 283 سورة الاسراء.

2- وللتاكيد انظر: كتاب المأمون العبّاسي في تاريخ الطبري 10: 57 ـ 58 حتى تقف على الفهم السائد في القرون الأولى بالنسبة للشجرة الملعونة وأنّها تعني بني أميّه وأن أهل البيت هم العترة ـ والكتاب طو يل نأخذ من قوله ـ:... فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين، أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيرا، ومعدن الحكمة، وورثة النبوة، وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة، وألزم العباد لهم الطاعة، وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر، والسواد الأعظم، يتلقّونه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة والتخو يف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه من قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه، وأشدّهم في ذاك عداوة وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصبة، لا يرفع على الإسلام راية إلاّ كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كلّ مواطن الحرب من بدر، وأحد، والخندق، والفتح: أبو سفيان بن حرب، وأشياعه من بني أميّة الملعونين في كتاب الله، ثمّ الملعونين على لسان رسول الله في عدة مواطن وعدّة مواضع ; لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم، وكفر أحلامهم، فحارب مجاهداً، ودافع مكابداً، وأقام منابذاً حتّى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون، فتقوَّل بالإسلام غير منطو عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله والمسلمون وميّز له المؤلفة قلوبهم فقبله، وولده على علم منه، ممّا لعنهم الله به على لسان نبيه وأنزل به كتاباً قوله: {والشجرةَ الملعونَة في القرانِ ونُخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيرا} ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني أميّة، ومنه قول الرسول (عليه السلام) وقد رآه مقبلاً على حمار، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله القائد، والراكب، والسائق...


الصفحة 86

المجتهدون الأوائل ودورهم في التشريع:

أبانت دراساتنا السابقة عن (وضوء النبيّ) و(منع تدوين الحديث) و(تاريخ الحديث النبوي الشريف)(1) بروز نهجين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان موجودين في حياته:

أحدهما: يتّخذ المواقف من خلال الأصول، ويتّبع القرآن والسـنّة، ولا يرتضي الرأي والاجتهاد مع وجود النصّ.

والآخر: يتّخذ الأصول من خلال مواقف الصحابة وإن خالفت النصوص، فهؤلاء يشرّعون الرأي ويأخذون به مقابل النص، ويتعاملون مع رسول الله كأنّه بشر غير كامل يصيب ويخطئ ويسبّ ويلعن ثمّ يطلب المغفرة للملعونين(2)، أو أنّه(صلى الله عليه وآله) خفي عليه أمر الوحي حتّى أخبره ورقة بن نوفل بذلك! وهذا يخالف ما ثبت من أنّ خاتم النبوة كان مكتوباً على كتفه.

وبين هـؤلاء من رفع صوته ـ في ممارسـاته اليـومـيـة ـ فـوق صـوت النـبيّ، واعتـرض على رسـول الله في أعـمالـه(3)، وتعـرّف المصـلحـة وهـو

____________

1- طبع سابقا في مجلة تراثنا (الأعداد 53 ـ 60) تحت عنوان (السنّة بعد الرسول).

2- صحيح البخاري 8: 435 / كتاب الدعوات، باب 736، ح 1230 سورة الإسراء، مسند أحمد 2: 316 ـ 317، 419، وج 3: 40.

3- كاعتراض عمر بن الخطاب على رسول الله لمّا أراد أن يصلّي على المنافق، وقوله له: أتصلّي عليه وهو منافق؟! وإنكاره على رسول الله فعله في أخذ الفداء من أسرى بدر وغيرها. انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عمر.


الصفحة 87
بحـضـرتـه (صلى الله عليه وآله)، وتـنـزّه فـي أمـر رخّـص فـيـه، أو تـزهّـد فـي أمـر نهـى عـنـه.

فجاء في كتاب الآداب من صحيح البخاري أنّ النبيّ رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس، فبلغ النبيّ فغضب ثمّ قال: ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فوالله إنّي لأعلمُهم وأشدّهم خشية(1).

وفي خبر آخر: أُخبر رسول الله أنّ عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل، فقال له رسول الله: أنت الذي تقول: "لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت"؟!

قال: قد قلت ذلك يا رسول الله.

فقال رسـول الله: إنّـك لا تسـتطيع ذلك فصُـمْ وأفطـرِ، ونَـم وقُـم، وصُم من الشـهـر ثلاثـة أيّام، فإنّ الحسـنة بعشـر أمـثالهـا، وذلـك مـثل صـيام الدهـر.

قال، قلت: إنّي أُطيق أفضلَ من ذلك.

فقال (صلى الله عليه وآله): فصم يوماً وأفطِر يومين.

قال: قلت: إنّي أطيق أفضل من ذلك.

فقال: قـال: فَصُـم يوماً وأفطِر يوماً، فذلك صيام داود (عليه السلام) وهو أفضل الصيام.

فقلت: أطيق أفضل من ذلك.

فقال النبيّ: لا أفضل من ذلك(2).

____________

1- انظر: صحيح البخاري 8: 353 كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب، ح 979.

2- انظر: صحيح البخاري 3: 91 كتاب الصوم، باب صوم الدهر، ح 233.


الصفحة 88
إن مثل هذا التحكيم للرأي الشخصي في مقابل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحمل في طياته مخاطر عديدة، ويفتح مسارات للتحريف والتبديل، ومن شأنه أن يحول الدين الالهي إلى دين مشوب بآراء الناس ووجهات نظرهم الشخصية، وهو يجرّ من ثمّ إلى تجزئ الدين والى النزعة التلفيقية في الشريعة، ومن هنا ظهرت في الصدر الأوّل وما بعده الأحكام المبتدعة والأهواء المتّبعة التي ليست من دين الله في شيء، ولا تمت إلى الحياة الإسلامية النزيهة بصلة، وهو الذي كان رسول الله يتخوف على اُمته منه. وقد صرّح الإمام عليّ في خطبة له بأنّه لو أتيحت له الفرصة لأرجع بعض الأُمور إلى أصلها، فقال: (... وإنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً... إلى أن يقول:.. أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة، ورددت صاع رسول الله كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد(1)، ورددت قضايا من الجور قضي بها(2)، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهن إلى أزواجهن(3) واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكـام، وسـبيت ذراري بني تغلب(4)، ورددت ما قسّم من أرض خيبر،

____________

1- كأنّهم غصبوها وأدخلوها في المسجد.

2- كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث وسواهما.

3- كمن طلّق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به. إلخ، وانظر: نهج البلاغة 1: 42 خ 14.

4- لأنّ عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمّة، فيحلّ سبي ذراريهم، قال محيي السنّة البغويّ: روي أنّ عمر بن الخطّاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدّي العجم، ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض، بعنوان الصدقة. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجز ية، فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة.


الصفحة 89
ومحوت دواوين العطايا(1)، وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطي بالسويّة، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء. وألقيت المساحة(2)، وسوّيت بين المناكح(3)، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل عزّوجلّ وفرضه(4)، ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه(5)، وسددت ما فُتح فيه من الأبواب(6)، وفتحت ما سُدّ منه، وحرّمت المسح على الخفين(7)، وحَدَدت على النبيذ، وأمرت بإحلال المُتعتيَن(8)، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات(9)، وألزمتُ الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(10)، وأخرجت من أُدخل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممّن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه، وأدخلت من أُخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممّن كان رسول

____________

1- إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من وضعه الخراج على أرباب الزراعة والصناعة والتجارة لأهل العلم والولاة والجند، بمنزلة الزكاة المفروضة، ودوّن دواوين فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء.

2- راجع تفصيل هذا الأمر في كتاب الشافي للسيّد المرتضى.

3- ربّما كان إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من منع غير القرشيّ الزواج من القرشيّة، ومنعه العجم من التزوّج من العرب.

4- إشارة إلى منع عمر أهل البيت خُمسَهم.

5- يعني أخرجت منه ما زاده عليه غصباً.

6- إشارة إلى ما نزل به جبرئيل من الله تعالى بسدّ الأبواب المفضية إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلاّ باب عليّ.

7- إشارة إلى ما أجازه عمر في المسح على الخفّين، ومخالفة عائشة وابن عبّاس وعليّ وغيرهم له في هذا الصدد.

8- يعني متعة النساء ومتعة الحجّ.

9- لِما كبّر النبيّ(صلى الله عليه وآله) خمساً في رواية حذيفة وزيد بن أرقم وغيرهما.

10- والجهر بالبسملة ممّا ثبت قطعاً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في صلاتهِ، وروى الصحابة في ذلك آثاراً صحيحة مستفيضة متظافرة.


الصفحة 90
الله (صلى الله عليه وآله) أدخله(1)، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنّة(2)، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها(3)، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها(4)، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم(5)، ورددت سبايا فارس وسائر الأُمم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله).. إذن لتفرّقوا عنّي(6).

وقد أعلن الأئمّة من آل البيت أنهم كانوا يتبعون النصوص ولا يرتضون الرأي..

فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال لجابر: والله يا جابر لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نُفتيهم بآثار من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأُصول علم عندنا، نتوارثها كابراً عن كابر، نَكنِزُها كما يكنز هؤلاء ذهـبهم وفضّتهم(7).

وسأل رجلُ الإمام الصادق (عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيتَ

____________

1- يحتمل أن يكون المراد إشارة إلى الصحابة المخالفين الذين أُخرجوا بعد رسول الله من المسجد في حين كانوا مقرّبين عند النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكذا إنّه(عليه السلام) يخرج من أخرجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كالحكم بن العاص وغيره.

2- ينظر(عليه السلام) إلى الاجتهادات المخالفة للقرآن وما قالوه في الطلاق ثلاثاً.

3- أي من أجناسها التسعة، وهي: الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والغنم والبقر.

4- وذلك لمخالفتهم هذه الأحكام. وقد أوضّحنا حكم الوضوء منه في كتابنا (وضوء النبيّ) فراجع، نأمل أن نوفّق في الكتابة عن الغسل والصلاة وغيرها من الأحكام الشرعية التي أشار الإمام علي بن أبي طالب إلى التحريف والابتداع فيها إنّ شاء الله تعالى.

5- وهم الذين أجلاهم عمر عن مواطنهم.

6- الكافي 8: 58، الروضة ح 21.

7- بصائر الدرجات: 300 ح 4 والنص عنه، و299 ح 1.


الصفحة 91
إن كان كذا وكذا، ما يكون القول فيها؟

فقال له: مَه! ما أجبتك فيه شيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا من "أرأيت" في شيء(1).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): ما أحدٌ أكذب على الله وعلى رسوله ممّن كذّبنا أهلَ البيت أو كذب علينا ; لأنّا إنّما نحدِّث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن الله. فإذا كُذّبنا فقد كُذّب الله ورسوله(2).

وقال: لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه فبيّنها لنا(3).

وعن أبي بصير، قال: قلت للصادق: تَرد علينا أشياءُ ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة، فننظر فيها؟ قال: لا، أما إنّك إن أصبتَ لم تُؤجَر، وإن أخطأتَ كذبتَ على الله عزّ وجلّ(4).

نعم، إنّ نهج الاجتهاد كان له دعاة وأتباع استمدّوا جذورهم من مصدر غير التعبد والتسليم، وهو أقرب إلى ما عرفوه في الجاهلية ممّا عرفوه في الإسلام وكان لهؤلاء وجود ملحوظ أيضاً في صدر الإسلام، فقد اقترح بعض المشركين على رسول الله أن يبدل بعض الأحكام الشرعية وهو (صلى الله عليه وآله) يقول: {مَايَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} (5).

وقد أثبتنا سابقاً أنّ عمر بن الخطّاب كان من المجتهدين الأوائل الذين تعرّفوا

____________

1- الكافي 1: 58. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي والمقاييس ح 21.

2- جامع أحاديث الشيعة 1: 181. باب حجيّة فتوى الأئمّة المعصومين، ح 114.

3- بصائر الدرجات: 299 ح 2 وانظر: 301 ح 1.

4- الكافي 1: 56. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي ح 11.

5- يونس: 15.