الصفحة 109

الله جلّ وعلا ورفعه لذكر الرسول(صلى الله عليه وآله)

هذا، ونحن نعلم بأنّ الذي رفع ذكرَ الرسول هو الله في محكم كتابه، وإليك أقوال بعض العلماء والمفّسرين لتقف على المقصود، وأنّه أمر ربّاني، وليس كما تصوره أبو سفيان ومعاوية والأمويّون ومن لف لفهم:

قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال: لا أُذكَر إلاّ ذُكِرتَ معي "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله"(1). يعني ـ والله أعلم ـ ذكره عند الإيمان والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.

وقال النووي في شرحه على مسلم ـ بعد ذكره المشـهورَ عن الشافعي في رسالته ومسنده في تفسير قوله تعالى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ـ: "وروينا هذا التفسير مرفوعاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن ربّ العالمين..."(2).

وفي مصنف ابن أبي شيبة الكوفي: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن نجيح، عن مجاهد {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} يقال: ممن هذا الرجل؟

فيقول: من العرب.

____________

1- الرسالة للإمام الشافعي: 16، المسند للإمام الشافعي: 233، المجموع 1: 577، تلخيص وانظر: الحبير 3: 435، تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني 3: 437، وفي السنن الكبرى 3: 209 (باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبيّ في الخطبة) وبعد ذكره لقول الشافعي قال: ويذكر عن محمد بن كعب القرظي مثل ذلك. وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 28.

2- شرح النووي على صحيح مسلم 1: 160 باب مقدّمة الصحيح.


الصفحة 110
فيقال: من أيّ العرب؟

فيقول: من قر يش.

{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} لا أُذكرُ إلاّ ذكرتَ "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله"(1).

حدّثنا شريك بن عبدالله، عن ابن شبرمة، عن الحسن في قوله {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}: أي مُلِئ حكماً وعلماً {وَوَضَعْنَا عَنكَ وَزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} قال: ما أثقل الحمل الظهر {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} بلى لا يذكر إلاّ ذكرت معه...(2).

وفي دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: المراد الأذان والاقامة والتشهّد والخطبة على المنابر، فلو أنّ عبداً عَبَد الله وصدّقه في كلّ شيء ولم يشهد أن محمّداً رسول الله لم يسمع منه ولم ينتفع بشيء وكان كافراً.

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ثمّ إنّ النبيّ سأل جبرئيل (عليه السلام) عن هذه الآية(3)، فقال: قال الله عزّ وجلّ: اذا ذكرتُ ذُكِرتَ معي.

وقال قتادة رضي الله عنه: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، وقيل: رفع ذكره بأخذ الميثاق على النبيين وألزمهم الإيمان به والإقرار به.

وقيل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ليعرف المذنبون قدر رتبتك لديَّ ليتوسّلوا بك إليَّ فلا أردّ أحداً عن مسألته، فأعطيه أياها إمّا عاجلاً وإمّا آجلاً، ولا أخيّب من توسّل بك وإن كان كافراً(4).

____________

1- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6: 315، كتاب الفضائل ـ الحديث 31680.

2- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6: 315، كتاب الفضائل ـ الحديث 31681.

3- آية {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

4- دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي: 134.


الصفحة 111
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فقرن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة، ثمّ أورد حديث ابن لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله في قوله {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال: قال جبرئيل: قال الله: إذا ذكرتُ ذكرتَ(1).

وفي جامع البيان للطبري: حدّثنا ابن عبدالأعلى، قال: حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): ابدؤوا بالعبوديّة وثنّوا بالرسالة، فقلت لمعمر: قال "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده" فهو العبودية، "ورسوله" أن تقول: عبده ورسوله.

حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله".

حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحرث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله أنّه قال: أتاني جبرئيل فقال: إنّ ربّي وربّك يقول: كيف رفعت لك ذِكرك؟ قال: الله أعلم.

قال: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي(2).

وفي زاد المسير لابن الجوزي: قوله عزّوجلّ {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فيه خمسة أقوال:

____________

1- البداية والنهاية 6: 288 باب القول فيما أُعطي إدريس(عليه السلام).

2- تفسير الطبري 30: 151.


الصفحة 112
أحدها: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية فقال: قال الله عزّ وجلّ: إذا ذُكرتُ ذكرتَ معي ; قال قتادة: فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ يقول: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله"، وهذا قول الجمهور.

والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوّة ; قاله يحيى بن سلام.

والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا ; حكاه الماوردي.

والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء.

والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك ; حكاهما الثعلبي(1).

أهل البيت ورفع ذكر رسول الله

ومن هذا المنطلق كان أئمّة أهل البيت: يشيدون بهذه المفخرة، ويجعلونها أكبر إرغام لأعداء النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأعدائهم، الذين أرادوا تحريف هذا الرفع للذكر وحطّه إلى مرتبة الأحلام والاقتراحات، وأرادوا أن يطفئوا نور الله فأبى الله إلاّ أنّ يتمّ نوره.


يُريدُ الجاحدونَ لِيطفؤوُه ويأبى الله إلاّ أن يُتمَّهْ

ففي الندبة الرائعة ـ التي وجّهها إمام البلاغة عليّ بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة الزهراء إلى ابن عمّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث أرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ قال فيما قال:


سلامٌ عليك يا رسول الله سلام مودّع لا سَئم ولا قال، فإنْ


____________

1- زاد المسير لابن الجوزي 8: 272.


الصفحة 113

أنصرف فلا عن مَلالة، وإن أقِم فلا عن سوء ظنٍّ بما وَعَد الله الصابرين، والصبرُ أيمنُ وأجمل، ولولا غلبةُ المستولين علينا لَجعلتُ المقام عند قبرك لِزاماً، واللَّبثَ عنده معكوفاً، ولاَعولتُ إعوالَ الثكلى على جليل الرزيّة، فبعينِ الله تُدفَنُ ابنتُك سرّاً... ولم يَطُل العهد، ولم يَخلُ منك الذّكر، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته(1).


وفي هذه الندبة التصريح بأنّ المستولين قلّلوا أو حاولوا التقليل من شأن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وذلك بعد وفاته مباشرة ولمّا يخلق الذكر، وأنّ أمير المؤمنين علياً لو استطاع لجعل مقام رسول الله في محلّه الرفيع الذي وضعه الله فيه، لكنّ الظروف القاسية التي كانت محيطة به لم تتح له الفرصة، فقلّ ذكر النبيّ عند مَن اشتغلوا بمشاغل الدنيا وتركوا النبيّ وذكره أو كادوا، وهذا ممّا جعل الإمام يقول: لجعلتُ المقام عند قبرك لزاماً، واللبث عنده معكوفاً.

وقد أشـارت فاطمة الزهراء في خطبتها التي خطبتها في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذه المسألة نفسها، وأنّ هناك قوماً حاولوا إطفاء نور الله وخفض منزلة النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع قرب العهد وحَداثة ارتحال النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقالت:


فلمّا اختارَ اللهُ لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهرت فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين... هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا


____________

1- مصنّفات الشيخ المفيد 13: 281 ـ 282 المجلس 33، ح 7، أمالي الطوسي: 110، الكافي 1: 459، دلائل الإمامة 138.


الصفحة 114

يندمل، والرسول لمّا يُقبَر.... ثمّ أخذتم تورون وقدتَها، وتهيجون جمرتَها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجَليّ، وإهمال سُنَن النبيّ الصفيّ(1)...


ولذلك كانت تبكي عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتقول: لقد أصبت بخير الآباء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واشوقاه إلى رسول الله، ثمّ انشأت تقول:


إذا مات يوماً ميّت قلّ ذكرُهُ وذكرُ أبي مذ مات والله أكثرُ(2)

وأشارت بذلك إلى أنّ الله سبحانه وتعالى رفع ذكر نبيّه في حياته، وقدّر له أن يرفع بعد وفاته، وإن ظنّ من ظَنَّ أنّه أبترُ إذا مات انقطع ذكره، وارتدّ مَن ارتدّ لعروجه ومقارنة اسمه باسم ربّ العالمين، وغضب من غضب وحاول عزو ذلك إلى أنّه من اقتراح عمر أو من النبيّ نفسه وأراد له السحق والدفن، كلّ تلك المحاولات التحريفية باءت بالفشل وخلد ذكر النبيّ في الأذان والتشهد وفي كلّ موطن يذكر فيه اسم رب العالمين.

ولو قرأت مقولة الإمام الحسن لمعاوية لمّا استنقص عليّاً وحاول الحطّ من ذكره لرأيت الأمر كذلك ; إذ قال له:


أيها الذاكر علياً، انا الحسن وأبي عليّ وأنت معاوية وأبوك صخر، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند، وجدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدّك حرب، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ; فلعن الله أخمَلَنا ذِكراً، وألأمنا حَسَباً، وشَرّنا قدماً،


____________

1- الاحتجاج: 101 ـ 102 والنصّ عنه. وانظرها في دلائل الإمامة: 114 ـ 118، وشرح نهج البلاغة 16: 251.

2- كفاية الأثر: 198 (باب ما جاء عن فاطمة من النصوص).


الصفحة 115

وأقدمنا كفراً ونفاقاً.

فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.


قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين، قال أبو عبيد: ونحن أيضاً نقول: آمين، قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين(1).

هذا وإن ماسأة كربلاء وقضية الإمام الحسين تؤكّد ما قلناه وأن الإمام خرج للإصلاح في أمة جدّه لمّا رأى التحريفات الواحدة تلو الآخرى تلصق بالدين، وعرف بأنّهم يريدون ليطفئوا نور الله ورسوله.

والعقيلة زينب قد أشارت إلى هذه الحقيقة عندما خاطبت يزيد بقولها:


"كد كيدك، واسْعَ سعَيك، واجهَد جهدك، فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتخاب لا تُدرِك أمدَنا، ولا تَبلُغ غايتنا، ولا تمحو ذِكرَنا، ولا تُميتَ وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فَنَد، وأيامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنةُ الله على الظالم العادي..."(2)


وكأنّ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين أراد الإلماح إلى قضية الاختلافات الأذانيّة، وعداء معاوية مع ذكر اسم النبيّ محمّد في الأذان، حين عرّض بيزيد لمّا أمرَ المؤذن أن يؤذّن ليقطع خطبة الإمام عليّ بن الحسين في مسجد دمشق..

قالوا: قال الإمام عليّ بن الحسين: يا يزيد، ائذَن لي حتّى أصعد هذه الأعواد... فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، ائذن له ليصعد فلعلّنا نسمع

____________

1- مقاتل الطالبيين: 70 والنص عنه، الارشاد للمفيد 2: 15، مناقب ابن شهرآشوب 4: 36، شرح نهج البلاغة 16: 47، كشف الغمة 1: 542.

2- الاحتجاج 309، بحار الأنوار 45: 135، اللهوف لابن طاووس ومثير الأحزان وغيرها.


الصفحة 116
منه شيئاً، فقال لهم: إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: وما قَدرُ ما يُحسِن هذا؟! فلم يزالوا به فإذن له بالصعود، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:


أيّها الناس، أُعطينا سِتّاً وفُضّلنا بسبع، أُعطينا العلم والحلم... وفُضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّد، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيّار، ومنا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنة، فمَن عَرَفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني أنبأتُه بحسبي ونسبي: انا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا... أنا ابن من حُمِلَ على البراق في الهوا، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بَلَغ به جبرئيل إلى سِدرة المنتهى، أنا ابن مَن دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى...(1)


قال: ولم يزل يقول: أنا أنا حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن أن يؤذّن فقطع عليه الكلام وسكت.

فلمّا قال المؤذّن: "الله اكبر" قال عليّ بن الحسين: كبّرتَ كبيراً لا يقاس، ولا يُدرَك بالحواس، ولا شيء أكبر من الله.

فلمّا قال: "أشهد أن لا إله إلاّ الله" قال عليّ بن الحسين: شَهِد بها شَعري

____________

1- كفاية الأثر 198.


الصفحة 117
وبَشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي.

فلمّا قال: "أشهد أنّ محمّداً رسول الله" التفت عليّ بن الحسين من أعلى المنبر إلى يزيد وقال: يا يزيد! محمّدٌ هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت أنّه جدّي فلم قتلتَ عِترته(1)؟

وها هنا ثلاث ركائز مهمة في هذه الخطبة:

أولّها: إن يزيد خاف أن يذكر الإمامُ السجّادُ فضائحَ يزيد ومعاوية وآل أبي سفيان، مع أنّ الإمام في خطبته هذه لم يذكر صريحاً شرك أبي سفيان ولا معاوية ولا كونهما ملعونين، كما لم يذكر هنداً وما كان منها في الجاهلية من سوء السيرة، ولا ما كان من بقرها بطن حمزة ولا ولا... فكانت الفضيحة لهم ببيان الحقائق النيّرة، وما حرّفه المحرّفون، وبيان مقامات النبيّ وعترته.

وثانيها: إنّ قسطاً مهمّاً من الخطبة انصبَّ على حقيقة الإسراء والمعراج ; إذ فيها العناية المتزايدة ببعض تفاصيلهما، والتأكيد على أنّهما حقيقة عيانيّة بدنيّة كانت للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، لا أنّها رؤيا وحُلُم كما يدّعيه الأمويّون، فكان الإسراء والمعراج فيهما رفع ذكر النبيّ وتشريع الأذان والصلاة، وفيهما رفع ذكر آل النبيّ (صلى الله عليه وآله) تبعاً له.

كما أنّ في الخطبة حقيقة أنّ عليّاً هو الصدّيق لا غيره، وأنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين، لا كما حرّفوا من أنّ الصدّيق هو أبو بكر، وأنّ اسمه على قائمة العرش، مع أنّ الحقيقة هي أنّ عليّاً هو الصديق وأن اسمه مكتوب على العرش ـ كما سيأتيك بيانه لاحقاً ـ وأن الصدّيقة فاطمة الزهراء قد كذَّبت أبا بكر الصديق!!! وقالت له: لقد جئتَ شيئاً فَريّاً(2) وكذا الإمام عليّ فانه كذب من ادعى الصدّيقية في أبي بكر

____________

1- مقتل الحسين للخوارزمي 69 ـ 71، والفتوح لابن أعثم 3: 155.

2- تثبيت الإمامة 30، بلاغات النساء 14، شرح نهج البلاغة 16: 212، 251، جواهر المطالب 1: 161.


الصفحة 118
بقوله: أنا عبدَالله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الاكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذاب مفتري، لقد صليت قبل الناس بسبع سنين(1).

وقال في آخر: أنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته(2).

وعن معاذة قالت: سمعت عليّاً وهو يخطب على منبر البصرة يقول: أنا الصدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم [أبو بكر](3)، فلا يعرفُ بعد هذا من هو الصادق ومن هو الكاذب ومن هو الصدّيق ومن هي الصدّيقة في قاموس القوم؟ وقد مرّ عليك أنّ معاوية حرّف كلّ فضيلة لعليّ وجعلها في غيره.

وثالثها: أنّ يزيد لمّا أمر المؤذّن بالأذان ليقطع كلام الإمام، كان الإمام السجّاد يوضّح كلّ فقرة من فقرات الأذان، مُعرِّضاً بمن يتلفّظون بألفاظه دون وعي لمفاهيمه، وهو ما سنقوله لاحقاً من أنّه يحتوي على مفاهيم الإسلام، وأنّه وجه الدين، وأنّه ثبت بالوحي، لا كما أرادوا تصويره بأنّه مجرّد إعلام قابل للزيادة والنقصان، وُضع بأحلام واقتراحات من الصحابة!!

وفي قول السجّاد (عليه السلام) "يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك" بيان لارتفاع ذكر النبيّ وآله، وأنّ الأمويّين لم يفلحوا في حذف اسمه من الأذان وإخماد ذكره،

____________

1- مستدرك الحاكم 3: 112 وقال: صحيح على شرط الشيخين وتلخيصه للذهبي، وشرح نهج البلاغة 13: 228، 1: 30، سنن ابن ماجه 1: 44 ح 120 قال في الزوائد: هذا اسناد صحيح ورجاله ثقات، تاريخ الطبري 2: 310، والآحاد والمثاني 1: 148 وغيرها.

2- شرح نهج البلاغة 4: 122، 13: 200، والمعارف لابن قتيبة 97. وفيه قال عليّ(عليه السلام): أنا الصدّيق الأكبر آمنتُ قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر.

3- شرح نهج البلاغة 13: 228، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي 146، الآحاد والمثاني 1: 151، والمعارف لابن قتيبة 99.


الصفحة 119
ومحاولة إدراج اسم "أمير المؤمنين"(1)!!! معاوية في آخر الأذان، وإن نجحوا ظاهريّاً في إخماد ثورة الحسين وقتله وقتل عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

فالأذان المشرع من الوحي كان مفخرة آل النبيّ، وبياناً لارتفاع ذكره وذكر آله، لا كما قيل فيه من أنواع المختلقات.

ويؤكد ذلك أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسين بعد قتل أبيه الحسين (عليه السلام) إلى المدينة استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله وقال:


يا عليّ بن الحسين، مَن غَلَب؟ وذلك على سبيل الشماتة فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردتَ أن تعلم من غَلَب ودخل وقت الصلاة فأذِّن ثمّ أقِم(2).


وذلك أنّ ذكر الرسول المصطفى خُلّد في الأذان والإقامة رغم نصب الناصبين وعداء المعادين، وبه خلود ذكر آل النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فيكونون هم الغالبين لا بنو أميّة ولا من غصبوا الحقوق وحرَّفوا المعالم عن سُنَنها ومجاريها.

وقد كانت نعرة البغض لرهط النبي وآله مترسّخة متجذرة في نفوس الأمويين إلى أبعد الحدود، حتّى وصلت بهم درجة الإحساس بالتعالي والتيه والكبر إلى أن يحاسبوا حتّى من يمدحهم غاية المدح فيما إذا قدّم عليهم آل الرسول، فقد افتخر ابن ميادة الشاعر بقومه بعد رهط النبي وبعد بني مروان، فقال:


فَضَلْنا قريشاً غيرَ رهطِ محمَّدِ وغيرطَ بني مروان أَهلِ الفضائلِ

فقال له الخليفة الاموي الوليد بن يزيد: قدَّمْتَّ رهطَ محمّد قبلنا؟! فقال ابن

____________

1- مر عليك قبل قليل قول السيوطي في كتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل 26: أن أوّل من أمر المؤذن أن يشعره ويناديه فيقول: السلام على أمير المؤمنين الصلاة يرحمك الله، معاوية بن أبي سفيان.

2- أمالي الطوسي 687 ـ 688، مجلس يوم الجمعة السابع من شعبان 457 هـ.


الصفحة 120
ميادة: ما كنت أظنه يمكن إلاّ ذاك(1).

فها هو الشاعر يصرّح ـ طبقاً لضرورات الدين ـ بأنه لا يمكن للمسلم إلاّ أن يقدّم رهط النبي (صلى الله عليه وآله) على قومه وعلى جميع الاقوام، لكن العقلية الأموية والمروانية كانت تسعى في طمس آثار آل الرسول بكل ثقلها وجهدها.

وفي العصر العباسي، دخل الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) يوماً على المتوكّل فقال له المتوكل: يا أبا الحسن مَن أشعر الناس؟ ـ وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم، فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ـ فلما سأل الإمامَ قال: عليّ الحماني حيث يقول:


لقد فاخَرَتْنا من قريش عصابةٌ بمطّ خُدود وامتدادِ أصابعِ
فلمّا تَنازَعنا المقالَ قضى لنا عليهم بما نهوى نداءُ الصَّوامعِ

قال المتوكّل: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله" جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكل ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه(2).


تَرانا سُكوتاً والشهيدُ بفضلِنا تَراهُ جَهيرَ الصوتِ في كلِّ جامعِ
بأنّ رسولَ اللهِ أحمدَ جدُّنا ونحن بَنوهُ كالنجومِ الطَّوالعِ(3)

فكان الأذان وفيه اسم محمّد، المرفوع ذكره، المستتبع لرفع ذكر الأئمّة من أولاده(4)، كان ذلك أكبر مفخرة للمسلم الحقيقي، كما كان يؤذي أعداء الإسلام

____________

1- انظر انساب الاشراف 13: 128. وفيه انّ إبراهيم بن هشام بن عبدالملك قال لابن ميادة: يا ماصَّ بظر أمّه أنت فضلت قريشاً، وجرّده فضربه مائة سوط أو أقل.

2- أمالي الطوسي 293.

3- انظر: ديوان عليّ الحمّاني 81، ومناقب ابن شهرآشوب 4: 406 وفيه: "عليهم" بدل: "تراه".

4- لأنّه(صلى الله عليه وآله) أمر أن لا يصلوا عليه الصلاة البتراء.


الصفحة 121
الذين ارتدوا بسبب المعراج، ويؤذي من أرادوا جعل الأذان وفصوله أحلاماً واقتراحات، ويؤذي معاوية الذي أرّقه ذكر اسم "محمّد" واقترانه باسم ربّ العالمين، ويؤذي أولاد طلحة وقتلة الحسين (عليه السلام)، كما كان يؤرق المتوكّل العباسي، وكلّ رموز التحريف وأرباب الطموحات السلطويين، وكلّهم من السلك القرشي المعادي لله وللرسول ولعترة الرسول صلوات الله عليهم أجمعين.

القدرة الإلهيّة وفشل المخطّطات

إن قريشاً سعت للوقوف أمام الدعوة ودأبت على طمس معالم الإسلام، لكن الله أبى إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1).

وقد مرّ عليك قول معاوية بن أبي سفيان: (إلاّ دفناً دفناً) في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

وقال السدّي في تفسير قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}: كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده: أبتر، فلمّا مات ابنه (صلى الله عليه وآله): القاسم، وعبدالله بمكّة، وإبراهيم بالمدينة، قالوا: بُتِرَ، فليس له من يقوم مقامه.

ثمّ إنّه تعالى بيّن أنّ عدوّه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنّا نرى أنّ نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام يزداد كلّ يوم وينمو وهكذا إلى يوم القيامة(2).


فقد أشار الفخرالرازي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا


____________

1- التوبة: 32.

2- التفسير الكبير 32: 133.