الصفحة 172

البابُ الأَوَّل
حيَّ عَلى خَيْرِ العَمَلِ
الشرعية والشعارية




              أنّها جـزء على عهد رسـول الله

              تأذين الصحابة وأهل البيت بها

              رفـع الخـليفـة الثـاني لـها

              بيان لمعنى الحيعلة وسبب حذفها

              تاريخ المسألة والصراعات فيها





الصفحة 173

الصفحة 174
ويقع الكلام في هذا الباب في أربعة فصول:


          الفصل الأوّل: الكلام في شرعيّة حيَّ على خير العمل، وأنّها كانت جزءاً على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

          الفصل الثاني: في تحديد زمن حذف هذه الحَيعَلة، وامتناع بلال عن التأذين.

          الفصل الثالث: في بيان معنى حيّ على خير العمل، والأسباب التي دَعَتِ عمر بن الخطاب إلى حَذْفِها من الأذان.

          الفصل الرّابع: بيان تاريخ المسألة وكيف صارت شعاراً لنهج التعبّد المحض، وحذفُها شعاراً سياسيّاً لخصومهم في
العصور المتأخّرة بعد ثبوت شرعيّتها على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله).


الصفحة 175

الصفحة 176

الفصل الأوّل




في جزئية
حيَّ على خير العمل





الصفحة 177

الصفحة 178
ويتلّخص الكلام فيه في ثلاثة أقسام:


القسم الأوّل: بيان اتّفاق الفريقين على أصل شرعيّة " حيَّ على خير العمل " وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النَّسخ فيها من بعد.


القسم الثاني: أسماء من أذّن بـ " حيَّ على خير العمل " من الصَّحابة والتّابعين وأهل البيت.


القسـم الثالث: إجماع العترة.


الصفحة 179

الصفحة 180

القسم الأوّل
اتّفاق الفريقين على أصل شرعيّتها


من الثابت المسلّم الذي لا يقبل الشكّ هو ثبوت جزئيّة "حيَّ على خير العمل" في الأذان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ; لأنّها مضافاً إلى وجودها في روايات الإمامية الاثني عشرية وفي روايات الزيّدية والإسماعيليّة، رواها أهل السنة والجماعة بطرقهم، وأنّ بلالاً كان يؤذّن بها في الصبح خاصّة، بل كان جمّ غفير من الصحابة يؤذّنون بها.

وحكي عن بعض أئمّة المذاهب الأربعة أنّهم قالوا بالتأذين بها، لكنّ عامّتهم ادّعوا أنّ رسول الله أمر بلالاً بحذفها من الأذان ووضع مكانها جملة «الصلاة خير من النوم».

من هذا يتبيّن أنّهم لا ينكرون شرعيّتها في مبدأ الأمر، لكنّهم يقولون بنسخها، فما هو الناسخ إذاً؟ ولِمَ تُنسخُ هذه الجملة بالخُصوص من الأذان؟

للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من ملاحظة أنّ أهل السنّة والجماعة انقسموا ـ في هذه المسألة ـ إلى فريقين ; فمنهم من قال إنّ الناسخ هو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبلال: "اجعل مكانها الصلاة خير من النوم"(1)، في حين لم يَرَ الفريقُ الآخر منهم

____________

1- انظر: مجمع الزوائد 1: 330، "وفيه: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبدالرحمن بن عمّار بن سعد وقد ضعّفه ابن معين". والجدير بالذكر أن المتّقي الهندي ذكر رواية الطبراني في كنز العمال 8: 342 ح 23174 بعد ذكر إسنادها قال: كان بلال يؤذّن بالصبح فيقول: حيَّ على خير العمل، ولم يذكر فيه: "اجعل مكانها الصلاة خير من النوم".


الصفحة 181
بُدّاً من السُّكوت عن بيان الناسخ ; لضعف تلك الأخبار وعدم دلالتها على المقصود، بل لاحتواء تلك الأسانيد على وقفات علميّة ; سَنَديّة ودلاليّة، يجب بيانها إن اقتضى الحال.


قال السيّد المرتضى في الانتصار: وقد روت العامّة أنّ ذلك [أي «حيّ على خير العمل»] مما كان يقال في بعض أيام النبيّ، وإنّما ادّعي أن ذلك نُسخ ورُفع، وعلى مَن ادّعى النسخ الدلالة له، وما يجدها(1).

وقال ابن عربي في الفتوحات المكية:... وأمّا من زاد في الأذان حيَّ على خير العمل فإن كان فُعل في زمان رسول الله ـ كما روي أنّ ذلك دعا به في غزوة الخندق ; إذ كان الناس يحفرون، فجاء وقت الصلاة وهي خير موضوع كما ورد في الحديث، فنادى المنادي أهل الخندق "حيَّ على خير العمل" ـ فما أخطأ مَن جعلها في الأذان، بل اقتدى إن صحّ الخبر، أو سنّ سنّة حسنة(2).

وجاء في الروض النضير عن كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أنّ الأذان شرّع بحيّ على خير العمل، لأنّه اتُّفِق على الأذان به يوم الخندق، ولأنّه دعاءٌ إلى الصَّلاة، وقد قال (صلى الله عليه وآله) "خير أعمالكم الصلاة"(3). كما وردت روايات


____________

1- الانتصار 137، باب "وجوب قول حيّ على خير العمل في الأذان".

2- الفتوحات المكية 1: 400.

3- هذا ما حكاه عزّان محقّق كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل):12 عن الروض النضير 1: 542.


الصفحة 182

أخرى تفيد أنّ مؤذّني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغيرهم من الصحابة استمرّوا على التأذين بها حتّى ماتوا(1).


وعليه فالفريقان شيعةً وسنةً متّفقان على ثبوت حكمها في الصدر الأوّل وعلى كونها جزء الأذان في بدء التشريع، لكنّ أهل السنة والجماعة انفردوا بدعوى النسخ، وهو كلام قُرِّر في العهود اللاحقة لأسباب تقف عليها لاحقاً.

فهذا الأمر يشير إلى أنّ شرعيتها وجزئيتها كانت ثابتة عند الفريقين من لدن عهد الرسول الأكرم، ويضاف إلى ذلك أنّ الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية لهم طرقهم الخاصَّة والصَّحيحة وكُلُّها تُؤكّد ثبوتها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدم نَسْخها في حياته (صلى الله عليه وآله)، "وأنّ رسول الله أمَرَ بلالاً أنْ يُؤذّن بها فلم يَزَلْ يُؤَذِّنُ بها حتّى قَبَضَ اللهُ رَسولَهُ"(2).

وهذا نص صريح يدل على عدم نسخ "حَيّ على خير العمل" وعلى كونها جُزء الأذان حتّى قَبَضَ الله رسوله.

ويؤيِّد هذا المروي عندنا عن بلال ما رواه الحافظ العلوي الزيدي(3) مسنداً

____________

1- المصدر نفسه 50 ـ 56..

2- انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 284/ ح 872 وعنه في وسائل الشيعة 5: 416، والاستبصار 1: 306 ح 1134، والأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 91.

3- وهو أبو عبدالله محمد بن علي بن الحسن العلوي الشجري الكوفي (الإمام المحدّث الثقة العالم الفقيه مسند الكوفة) كما نصّ عليه الذهبي في العبر 3: 212 وسير أعلام النبلاء 17: 636 وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3: 274. مات بالكوفة في ربيع الأول سنة 445 هـ، ومولده في رجب سنة 367 هـ.

قال ابن النرسي: ما رأيت من كان يفهم فقه الحديث مثلَه. وقال: كان حافظاً خرّج عنه الحافظ الصوري وأفاد عنه وكان يفتخر به (سير اعلام النبلاء 17: 636). وفي (طبقات الزيدية 2: 292): الثقة العابد مسند أهل الكوفة، وقد ترجم له الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (أعلام القرن الخامس 170 ـ 172).

له كتاب " فضل الكوفة " و" فضل زيارة الحسين " و" تسمية من روى عن الإمام زيد من التابعين "، و" التاريخ "، و" التعازي " وكتاب " الجامع الكافي " وقد جمعه من بضع وثلاثين كتاباً من كتب الإمام محمد بن المنصور المرادي الزيدي، وهو من أجلّ ما كتب في الفقه ونصوص الأئمّة الزيديّة، وفيه بحث الأذان. وله كتاب على انفراد باسم " الأذان بحيَّ على خير العمل " له طرق متعدّدة عند الزيديّة، وقد أشار محمد يحيى سالم عزّان إلى بعض طرقه إلى هذا الكتاب في مقدّمة تحقيقه ص (32)، وكذا العلاّمة السيّد محمّد بن حسين بن عبدالله الجلال، حيث قال في آخر نسخته: يقول الفقير إلى الله المعترف بالذنب والتقصير محمد بن حسين بن عبدالله الجلال:

أروي كتاب " الأذان بحيَّ على خير العمل " من عدّة طرق عن مشايخي رحمهم الله بطر يق الإجازة العامّة، وأرو يه عن سيّدي العلاّمة قاسم بن حسين أبو طالب بالسماع من فاتحته إلى خاتمته إلاّ اليسير منه فبالإجازة العامّة، وهو يرو يه عن عدد من مشايخه ذكرتهم في مؤلّفي المسمّى (الأنوار السنيّة في إسناد علوم الأمة المحمديّة) منهم شيخه العلاّمة عليّ بن حسين المغربي عن شيخه السيّد العلاّمة عبدالكريم بن عبدالله أبو طالب عن شيخه العلاّمة بدر الال... إلى آخر مشايخه ـ عن المؤلّف أبي عبدالله محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعاً.

وقد طبع هذا الكتاب في اليمن في شهر صفر عام 1399 هـ، السيّد يحيى عبدالكر يم الفضل عن نسخة العلاّمة الجلال. قال المحقق في مقدّمته للكتاب: وقد روى التأذين بـ " حي على خير العمل "، أكثر من عشرة من الصحابة، وجاءت رواية الأذان من أكثر من مائة طريق، وكلّ منها بإسناد متصل (انظر: المقدمة 5 ـ 6).

وقد نقل عن هذا الكتاب كثير من الأعلام أمثال الإمام القاسم بن محمّد في كتاب الاعتصام، والشوكاني في نيل الأوطار، وأخرج مسنده في كتابه (إتحاف الأكابر)، ورواه وأخرج مسنده العلاّمة عبدالواسع الواسعي في كتابه (درر الأسانيد)، وكذا العلاّمة مجد الدين المؤيّد والعلاّمة الجلال وغيرهم.

ومن المؤسف أنّ النسخة المطبوعة التي بأيدينا مغلوطة، ولم تُعرض وتقابَل مع نسخ خطية أخرى للكتاب، وإن كتب على المطبوع حقّقه السيّد يحيى عبدالكر يم الفضيل. ولأجله استعنت في بعض الأحيان بنسخة أخرى من تحقيق محمّد يحيى سالم عزّان، وفي أحيان أخرى بكتاب الاعتصام بحبل الله المطبوع فيه كتاب الأذان بكامله. وقد أراني المحقّق الحجة السيّد محمد رضا الجلالي نسخة من كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل) بخط العلاّمة المحدّث السيّد محمد بن الحسين الجلال مجيزاً له رواية هذا الكتاب، وقد أخبرني بأنه يعزم على تحقيقه وطبعه فسرّني عزمه آملين له التوفيق والسداد.


الصفحة 183

الصفحة 184
إلى أبي محذورة من أنَّ رسول الله علّمه الأذان، وفيه التَّأذين بحيَّ على خير العمل(1).

ومن المعلوم أنَّ أبا محذورة تَعَلَّمَ الأذان من رسول الله ـ حسبما يقولون ـ في أواخر السَّنَة الثامنة من الهجرة بعد رجوعه من حُنَين(2)، ومعناه ثبوتُ حيّ على خير العمل وشرعيتُها حتّى ذلك التأريخ، ولم يَأمر رسولُ الله بإبدالها بـ «الصلاة خير من النوم».

ويضاف إلى ذلك أنَّ رواية الحافظ العَلوي عن بلال تنفي الزيادة التي جاء بها الطـبراني والبيهـقي عنـه رضـوان الله تعالى عليه ; لأنَّ الحافظ العَلـوي كان قـد قال:


حدّثنا عليّ بن محمّد بن إسحاق المقري الخزّاز، أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي، حدّثنا أبو بكر بن تومردا، أخبرنا مسلم بن الحجّاج، حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن عرعرة، حدّثنا معن بن عيسى، حدّثنا عبدالرحمن بن سعد المؤذِّن، عن محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر، عن جدّه حفص بن عمر بن سعد، قال: كان بلال يؤذِّن في أذان الصبح بحيَّ على خير العمل(3).


____________

1- انظر: " الأذان بحيّ على خير العمل " للحافظ العلوي 26 ـ 27،29. وكذا: تحقيق عزّان 50 ـ 54.

2- سبل السلام 1: 120، كتاب المسند للشافعي 31، مسند أحمد 3: 408، سنن النسائي 2: 5.

3- الأذان بحيّ على خير العمل 28. وبتحقيق عزّان 56. والاعتصام بحبل الله 1: 290.


الصفحة 185
في حين نرى نفس هذا الحديث قد ورد في الطبراني والبيهقي(1) من طريق يعقوب بن حميد، عن عبدالرحمن بن سعد [المؤذّن]، عن عبدالله بن محمّد وعمر وعمّار ابنَي حفص، عن آبائهم، عن أجـدادهم، عن بلال: أنّـه كان ينـادي بالصـبح فيقول: "حيَّ على خير العمل"، إلاّ أنّ فيما أخرجـه الطبراني والبيهقي زيادة:


فأمره النبيّ (صلى الله عليه وآله) أن يجعل مكانها «الصلاة خير من النوم» وترك "حيَّ على خير العمل".


والمتأمِّل في رواية معن بن عيسى عن عبدالرحمن بن سعد التي أوردها الحافظ العلـوي يراهـا أوثـق من روايـة يعقـوب بن حمـيد التي أوردها الطـبراني والبيهـقي باتفاق الجمـيع ; لأنَّ معن بن عيسـى ثقـة ثبـت وكذا غـيره من رجال السـند.

وممّا يحبذ هنا هو أنّ نقوم بتحقيق بسيط عن رجال الإسنادين وما رَوَوه عن بلال وأبي محذورة، واختلاف النقل عنهما، كي نتعرف على ملابسات مثل هذه الأمور في الشريعة والأحكام:

____________

1- المعجم الكبير 1: 353 والنصّ عنه، وفي السنن الكبرى 1: 425 وفيه قال الشيخ: هذه اللفظه لم تثبت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيما علّم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه وبالله التوفيق.


الصفحة 186

وقفه مع الحديثَين(1)


ذكرت كتب الحديث والتاريخ أسماء أربعة من الذين أذنوا على عهد رسول الله، وهم:

1 ـ بلال بن رباح الحبشي 2 ـ أبو محذورة القرشي 3 ـ عبدالله بن أمّ مكتوم 4 ـ سعد القرظ وقد أذّن أبو محذورة بعد السنة الثامنة من الهجرة(2)، وقيل بعد فتح مكّة(3)، ونقل عن سعد القرظ أنّه كان يؤذّن بِقُبا(4).

وربّما تكون روايات الأذان عند المذاهب الأربعة والاختلافات في فصوله وأعداده، راجعـة إلى اختـلاف عمل هـؤلاء الصـحابة في الأذان أو اختلاف النـقل عنهـم، مضـافـاً إلى ما جـاء عن عبد الله بن زيـد بن ثعلـبة بن عبد ربـه فيه.

فالاختلاف أمر ملحوظ في الأحاديث، وقد يُنقَل عن الصحابي الواحد نقلان متخالفان ; فالتكبيرتان والأربع في أوّل الأذان مثلاً ورد كلّ منهما عن عبدالله بن

____________

1- أحدهما: الذي رواه الطبراني والبيهقي بإسنادهما عن عبدالرحمن بن سعد القرظ، وفيه: كان بلال يؤذّن في أذان الصبح بحيّ على خير العمل، وأنّ رسول الله أمره أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم، وهو يخالف ما رواه الحافظ العلوي من طر يق مسلم بن الحجّاج والذي يخلو من هذه الزيادة.

الثانية: حديث أبي محذورة المختلف فيه، والذي رواه رجال الصحاح والسنن ليس فيه «حيّ على خير العمل»، أمّا الحافظ العلوي وأحمد بن محمّد بن السري فقد رَوَياه وفيه التأذين بحيّ على خير العمل، وهو الذي يتّفق مع مرويّات أهل البيت، وعليه إجماع العترة حسبما ستعرف بعد قليل.

2- سبل السلام 1: 120، كتاب المسند للشافعي 31، مسند أحمد3: 408، سنن النسائي 2: 5.

3- الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 450.

4- تلخيص الحبير 3: 199، تهذيب الأسماء للنووي 1: 55.


الصفحة 187
زيد، والتثويب وعدمه جاءا عن أبي محذورة، واختص خبر الترجيع(1) بأبي محذورة دون غيره من المؤذنين، فما سبب كلّ هذا الاختلاف والكل ينسب فعله إلى الصحابة؟

"فمالك والشافعي ذهبا إلى أنّ الأذان مثنى مثنى والإقامة مرّة مرّة، إلاّ أنّ الشافعيّ يقول في أوّل الأذان (الله أكبر) أربع مرات ويرويها محفوظاً عن عبدالله بن زيد وأبي محذورة، وهي زيادة مقبولة والعمل بها في مكّة ومن تبعهم من أهل الحجاز.

لكن مالكاً وأصحابه ذهبا إلى تثنية التكبير، وقد رووا ذلك من وجوه صحاح من أذان أبي محذورة ومن أذان عبدالله بن زيد وعليه عمل أهل المدينة من آل سعد القرظ"(2).

واتفق مالك(3) والشافعي(4) على الترجيع في الأذان، لكن الحنابلة(5)والأحناف(6) قالوا: لا ترجيع في الأذان، وكلٌ استند فيما ذهب إليه إلى نقله عن بعض الصحابة!!

قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله [يعني أحمد بن حنبل] يُسأَلُ: إلى أيّ الأذان يذهب؟ قال: إلى أذان بلال...

قيل لأبي عبدالله: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبدالله بن زيد ; لأنّ

____________

1- الترجيع في الأذان هو تكرير الشهادتين جهراً، هكذا فسره الصاغاني، انظر: تاج العروس 5: 351.

2- انظر: فتح المالك 1: 7. وفتح الباري لابن رجب الحنبلي 3: 413.

3- فتح المالك 1: 8.

4- المجموع للنووي 3: 90.

5- المغني لابن قدامة 1: 416. فتح الباري لابن رجب 3: 414.

6- المبسوط للسرخسي 1: 128، الهداية شرح البداية 1: 41 باب الأذان.


الصفحة 188
حديث أبي محذورة بعد فتح مكّة؟

فقال: أليس قد رجع النـبيّ إلى المدينـة فأقرّ بلالاً على أذان عبد الله بن زيـد(1).

بلى، إنّ فِعل الصحابي كان هو الحجة رغم الاختلافات، لكن لنا أنّ نتساءل عن هذا الاختلاف هل أنّه حصل بالفعل في زمن الصحابي، أم أنّه من صنع المتأخرين، وما هي ملابسات هذه الأحاديث المختلفة؟ بل ما هي قيمة رجال إسنادها؟!

ونحن إيماناً بضرورة دراسة مثل هذه الأمور سلّطنا بعض الضوء على رجال خبري بلال وأبي محذورة.

فقد ادّعي في طريق الطبراني والبيهقي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لبلال: "اجعل مكانها الصلاة خير من النوم"، مع أنّ هذه الزيادة غير موجودة في طريق الحافظ العلوي.

وفي رواية أبي محذورة "فاجعل في آخرها: الصلاة خير من النوم"، وهي أيضاً غير موجودة في طريق الحافظ العلوي.

فأيّ النقلين هو الصواب إذن؟!

____________

1- المغني لابن قدامة 1: 416 ـ 417.


الصفحة 189

مع ما رواه الطبراني والبيهقي عن بلال


قد مر عليك قبل قليل(1) ما رواه الطبراني عن شيخه محمّد بن عليّ الصائغ، والبيهقي بإسناده عن أبي الشيخ الإصفهانيّ ـ في كتاب الأذان ـ عن محمّد بن عبدالله بن رسته، كلاهما عن يعقوب بن حميد بن كاسب:


حدّثنا عبدالرحمن بن سعد بن عمّار بن سعد القرظ، عن عبدالله بن محمّد، وعمر وعمّار ابنَي حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال...


وفي هذا الإسناد: يعقوب بن حميد بن كاسب، فهو أبو يوسف، مدنيّ الأصل، مكيّ الدار ; هذا ما قاله ابن أبي حاتم الرازي، ثمّ قال: سألت يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب، فقال: ليس بشيء.

وقال أبو بكر بن خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول وذكر ابن كاسب، فقال: ليس بثقه، قلت: من أين قلت ذلك؟ قال: لأنّه محدود(2).

قلت: أليس في سماعه ثقة؟ قال: بلى.

أخبرنا عبدالرحمن، قال: سمعت أبي يقول: ضعيف الحديث.

أخبرنا عبدالرحمن قال: سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب، فحرّك رأسه، قلت: كان صدوقاً في الحديث، قال: لهذا شروط. وقال في حديث رواه يعقوب: قلبي لا يسكن إلى ابن كاسب(3).

وقال أبو بكر: سمعت يحيى بن معين وذكر ابن كاسب يقول: ليس بثقة، فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: لأنّه محدود، قلت: أليس هو في سماعه ثقة؟ فقال: بلى، فقلت له: أنا أعطيك رجلاً تزعم أنّه وجب عليه حدٌّ وتزعم أنّه ثقة، قال: من

____________

1- مرّ في صفحة: 186.

2- المحدود: من أقيم عليه الحدّ.

3- الجرح والتعديل 9: 206.


الصفحة 190
هو؟ قلت: خلف بن سالم، قال: ذلك إنما شتم بنت حاتم مرّة واحدة، وما به بأس لولا أنّه سفيه.

قلت لمصعب الزبيري: إنّ يحيى بن معين يقول في ابن كاسب: إنّ حديثه لا يجوز لأنّه محدود، فقال: ليس ما قال، إنما حدّه الطالبيّون في التحامل وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء لجورهم، وابن كاسب ثقة مأمون صاحب حديث، أبوه مولى للخيزران، وكان من أمناء القضاة زماناً(1).

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: تفرّد بأشياء وله مناكير، حدّث عنه البخاري وابن ماجة وعبدالله بن أحمد وإسماعيل القاضي، وأبو بكر بن أبي عاصم وطائفة، ذكره البخاري فقال: لم نرَ إلاّ خيراً، وقال أبو حاتم: ضعيف(2).

وفي ميزان الاعتدال: قال البخاري: لم نرَ إلاّ خيراً، هو في الأصل صدوق وشذّ مضر بن محمّد الاسدي فروى عن ابن معين: ثقة، وروى عبّاس عن يحيى: ليس بثقه(3)، فقلت: لم؟

قال: لأنّه محدود...

والنسائي: ليس بشيء.

وأبو حاتم: ضعيف.

قال الذهبي: كان من علماء الحديث لكن له مناكير وغرائب، وحديثه في صحيح البخاري في موضعين: في الصلح، وفيمن شهد بدراً...

قال الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها،

____________

1- التعديل والتجريح للباجي 3: 1425.

2- تذكرة الحفّاظ 2: 466.

3- في تهذيب الكمال 32: 322 عن عباس الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.


الصفحة 191
فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثمّ أخرجها بَعدُ فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيَّرة بخطِّ طَرِيّ ; كانت مراسيل فأسنَدَها وزادَ فيها(1).

وفي سير أعلام النبلاء:

"... وكان من أئمّة الأثر على كثرة مناكير له ـ إلى أنّ يقول ـ: وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته، هو كثير الحديث، كثير الغرائب، كتبت مسنده عن القاسم بن عبدالله عنه، صَنّفه على الأبواب، وفيه من الغرائب والنسخ والأحاديث العزيزة، وشيوخ أهل المدينة ممّن لا يروي عنهم غيره..."(2).

وقال ابن حبّان في الثقات: مات سنة أربعين أو أحد وأربعين ومائتين، كان ممّن يحفظ وممّن جمع وصنّف، واعتمد على حفظه فربّما أخطأ في الشيء بعد الشيء، وليس خطأ الإنسان في شيء يَهِمُ فيه ما لم يفحش ذلك منه بمُخْرِجِهِ عن الثقات إذا تقدّمت عدالته(3).

قلت: كيف يقول ابن حبّان هذا وهو يعلم بأن الخدشة فيه جاءت لكونه محدوداً لا من جهة حفظه ; لأنّ الثابت عدم قبول شهادة الفاسق وخصوصاً لو أفحش في التحامل على أهل البيت، وخصوصاً الإمام عليّ بن أبي طالب، وهذا يشير إلى نصبه بلا أدنى شك ; لأنّ الطالبيين حدّوه لنصبه، وقد وقفت على سرّ الحد لقول الزبيري "إنّما حده الطالبيون في التحامل" وقول ابن معين في خلف بن سالم "... إنّما شتم بنت حاتم مرّة واحدة وما به بأس"، وهما يرشدان إلى أنّ الخدشة جاءت فيه من هذه الجهة، وهي فسق بلا شك، لا من جهة نسيانه، وكيف لا يكون فاسقاً غير معتمد الرواية وهو يغير الأصول ويسند المراسيل؟! أضف إلى كلّ ذلك

____________

1- ميزان الاعتدال 7: 276 ـ 277. وانظر: الضعفاء الكبير للعقيلي 4: 446.

2- سير أعلام النبلاء 11: 158 وانظر: كلام ابن عدي في الكامل 7: 151.

3- الثقات لابن حبّان 9: 285.