الصفحة 344
فرقة أو طائفة أو مذهب.

نعم، كان بلال يؤذِّن بها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أذّن مرّة أو مرّتين للزهراء والحسنين في زمن أبي بكر ولم يُتمّ أذانه. ويظهر من جمع الأدلة المارّة وما قلناه أنّه كان يؤذن بـ «حيّ على خير العمل»، ولذلك امتنع عن الأذان في زمن الشيخين أبي بكر وعمر ; إذ جاء في الخطط للمقريزيّ (ت 845 هـ) وغيره: (... وأنَّ عمر أراده أن يؤذِّن له فأبى عليه)(1) لماذا؟!

إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما ذكره المقريزيّ في باب (ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف) وربطنا ذلك بما توصّلنا إليه من السير التاريخيّ لمسألة الأذان فيما يخصّ المسألة المبحوثة وشعاريّتها، وما أُثير حولها من محاولات عامدة للحؤول دون ترسيخها في قلوب المسلمين، وجمعنا ذلك مع ما بحوزتنا من رواياتنا ورواياتهم فسنحصل على ثمرة يانعة تشفي غليل المتطّلع الى الحقيقة، وعلى نتيجة جليّة لا غبار عليها، ويستبين عندئذ أنّها لا تتعدَّى كونها في أصلها شعيرة إلهيّة وشعاراً إسلاميّاً أصيلاً يحمل وراءه نهجاً إسلامياً فكرياً يتبع "الرمز" القدوة الحسنة الذي دعا القرآن الكريم إلى الاقتداء به، ويرمي بعيداً كلّ ما يمتّ بِصلة إلى الاجتهاد بالرأي والاستحسان المقابل لمنهجيّة التعبّد المحض ; ذلك أن «حيّ على خير العمل» سنّة نبويّة، أمّا «الصلاة خير من النوم» فهي دعوة مُستحدَثة لا تمثل جانباً من رؤية الإسلام.

ولدى مرورنا بالنصوص والأحداث سنوضح ـ وفق منهجنا ـ ملابسات المسألة خلال الصراع الأموي العلوي ثمّ الصراع العباسي العلوي، والسلجوقي

____________

1- الخطط المقريزية 2: 270. وانظر الفصل الثاني من هذا الباب " حذف الحيعلة، وامتناع بلال عن التأذين ".


الصفحة 345
البويهي، والأيوبي الفاطمي، وكيفية نشوء الحركات الشيعية في الأمصار، وذلك فيه التجسيم الحقيقي للصراع بين الرفض والإذعان، أو قل صراع الأصوليين الإسلاميين ضد الحكّام الأمويين أو العباسيين ومن حذا حذوهم.

لأنّ أصحاب النهج الحاكم ـ أمويّين وعباسيّين وغيرهم ـ كانوا يَدْعُون إلى اتّباع سيرة الشيخيين على نحو الخصوص. أما الثوار والمعارضون من الطالبيين فكانوا يذهبون إلى شرعية خلافة الإمام عليّ وأولاده المعصومين ويَدْعون الناس إلى اتّباع نهج عليّ وولده.

وقد بدأ الخلاف بين النهجين أولاً في موضوع الخلافة ومن هو الأحّق بها، وهل هناك تنصيب من الله، أم أنّ الأمر شورى بين الأمة ـ أو أصحاب الحَلّ والعقد منهم ـ؟ ثمّ انجرّ هذا الخلاف إلى الشر يعة، فوجدنا أحكاماً تُغيَّر وأخرى تُستحدَث، إما دعماً لمواقف الخليفة، أو للتعرف على رجال الطالبيين، أو لغيرهما من العلل والأسباب.

وقد استفحل هذا الخلاف بعد مقتل عثمان بن عفان، فانقسم المسلمون إلى فئتين كبيرتين:

فجلّ أهل البصرة وأهل الشام كانوا ذوي أهواء عثمانيّة في الانتماء الفكري والسياسي، وأهل الكوفة والأنصار من أهل المدينة وعدد كبير من أهل الحجاز كانوا علويّي الفكرة والعقيدة.

وبعد استشهاد الإمام عليّ وصلح الإمام الحسن تم استيلاء معاو ية بن أبي سفيان على الحكم، فغلبت العثمانيّة على مجريات الأحداث وانحسر الطالبيّون فبدؤوا يعيشون حالة التقيّة.

وإنّما جئنا بهذا الكلام كي نوضح بأن عملنا في هذا الفصل سيكون في

الصفحة 346
محور ين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، لأنهما وجهان لعملة واحدة، هما:

1 ـ المحور السياسي.

2 ـ المحور التشر يعي.

فقد نفرض أن يتغاضى الحاكم الأموي عن شعارية «حيّ على خير العمل» في بعض الأحيان، لكن ذلك لا يعني رضاه وسكوته عن ذلك في كلّ الحالات، لأنّ الحيعلة الثالثة كما علمت لها جانبان تشريعي صلاتيّ وعقائدي سياسي، فإذا كان الإتيان بها منحصراً في حدّ المسألة التشريعية سكت الحكام عنها على مضض، وإن اتّخذت طابعها العقائدي السياسي قامت قيامتهم واستبدّ بهم الغيظ ; لأنّ معناها العقائدي السياسي هو فرع لمعناها التشريعي الصلاتي الذي هو "محمّد وآل محمّد خير البرية" و"الولاية" و"بِرّ فاطمة وولدها"، وهذا البعد التشريعي يتلوه البعد السياسي الذي يعني أنّهم أحقّ بالخلافة والحكم من الآخرين.

فلو دعا الإمام الباقر أو الصادق إلى جزئيتها في العهد الأموي، أو أتى بها عليّ بن الحسين، فقد يسكت الحاكم عنه على مضض، لكن ليس معنى هذا سكوتهم كذلك عن الطالبيين الثوار لو أذّنوا بـ «حيّ على خير العمل» ; لأنّ الأمويّين لو أرادوا معارضة الإمامين الصادق والباقر وقبلهما الإمام عليّ بن الحسين، لفتحت أمامهم جبهة جديدة هم في غنى عنها في تلك المرحلة من تاريخ المعارضة، ولدخل الأمر في إطاره السياسي قبل أوانه.

ذلك أنّ الأمة الإسلامية بدأت تعي الأوضاع بعد شهادة الإمام الحسين سنة 61 هـ، وأخذت تتّضح لها معالم الظلم والمكر الأموي وسعيه لهدم الإسلام، لأنّ ما فعله يز يد بن معاوية بن أبي سفيان بعترة رسول الله واستحلاله المدينة المنورة

الصفحة 347
لثلاثة أيّام وضربه مكّة وغير ذلك كان كلّ واحد منها كافياً لإحداث هذا التحول الفكري لدى عامّة الناس.

نعم، هاجت عواطف الشيعة وغيرهم بمقتل الإمام الحسين، فتلاوموا وتنادموا لعدم إغاثتهم الإمام (عليه السلام)، وقد كانت حصيلة هذا الهياج الجماهيري هو نشوء حركة شيعية باسم حركة التوّابين (61 ـ 64 هـ)(1) ثمّ تلتها حركة المختار ابن أبي عبيد الثقفي "64 ـ 67 هـ " ثمّ قيام زيد بن عليّ "122 هـ " بالعراق، وابنه يحيى "125 هـ" بخراسان، وعبدالله بن معاوية(2) بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الذي قاد حركته في سنة "128 هـ" في إصفهان.

فالامويون والعباسيّون في حدود المسألة التشريعيّة لا يمكنهم الوقوف أمام تأذين عليّ بن الحسين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق بـ «حيّ على خير العمل»، لوجود أمثال عبدالله بن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وغيرهما ممن أذّن بها.

على أنّه يمكن حمل سكوت الأمويين هذا على أنّهم استهدفوا من عملهم هذا هدفاً سياسياً، وهو التعرّف على الطالبيين وتجمّعاتهم، وقد وضحنا سابقاً في كتابنا (وضوء النبيّ) أنّ الطالبيين هم المعارضون الحقيقيون للحكومتين الأموية والعباسية.

واستقراراً على هدفهم هذا سعوا أن يجمعوا الأمة على فقه يخالف فقه الإمام

____________

1- وصف الطبري في تاريخه 5: 558 هذه الحركة بقوله " فلم يَزَل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السرّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القومُ بعد القوم، والنّفرُ بعد النّفر، فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتّى مات يزيد بن معاوية " عام 64 هـ، فالثوار قدموا ثورتهم بموته في حين كان ضمن مخططهم الثورة على يز يد وعلى النظام الحاكم عام 65 هـ، فلم يفلحوا في ذلك.

2- زوجته عُليّه بنت علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) وهي أخت الإمام الباقر (عليه السلام).


الصفحة 348
عليّ بن أبي طالب ; الذي فيه الجهر بالبسملة، والجمع بين الصلاتين، وعدم مسح الخفّين، والمسح على الارجل، والتكبير على الميت خمساً، وغيرها من الأمور الشرعية ذات البُعد الشعاري التي استخدمها النهج الحاكم للتعرف على جماعات الطالبيين.

وفي هذه الظروف وهذا الخضمّ كان من الطبيعي أن تكون الحيعلة الثالثة من تلك المسائل الشرعية السياسية التي كان للحكام من وراء حذفها ومحاربتها هدف بل أهداف.

وفي قبالة ذلك التيار الجارف نجد أن الإمامين الباقر والصادق كانا يدعوان إلى الحيعلة الثالثة، ويؤكّدان على شرعيتها بدون خوف واكتراث من السلطة، لكن الأمر نفسه لم يكن عند الثوار في ظروف التعبئة السريّة، بل كانوا يتّقون ويخافون من تعرف السلطة على مواقعهم العسكرية وتجمعاتهم الثورية، فلم يقولوا بـ «حيّ على خير العمل» إلاّ في الصحراء وحين يأمنون مكر السلطة.

ومن المعلوم أنّ الدولة العباسية أُسست على شعار الرضا من آل محمّد(1)وأنهم قد تذرعوا بطلب ثار الشهداء من أبناء فاطمة: الحسين بن عليّ، زيد بن عليّ بن الحسين، وولده يحيى وسواهم.

لكنّهم سرعان ما قلبوا للعلويين ظهر المجنّ فلم يَفُوا بما عاهدوا عليه الأمة، ولم يحافظوا على الدلالة الصادقة لمقولة "الرضا من آل محمّد"، بل نقضوا ما بايعوا عليه محمّد بن عبدالله بن الحسن "النفس الزكية" قبل الانتصار.

وبعد خيانة العباسيين لشعار الرضا من آل محمّد، ادّعَوا أنّهم أولى بالخلافة من العلويين ; لمكان العبّاس عم الرسول، وأنه أولى بالنبي من عليّ وفاطمة

____________

1- انظر: تاريخ الطبري 7: 358 احداث سنة 129 و7: 390 احداث سنة 130 هـ وغيرهما.


الصفحة 349
وأبنائها! وهنا كان من الطبيعي أن تغيظهم الحيعلة الثالثة المشيرة إلى أولوية عليّ وأولاده المعصومين بالخلافة من بني العبّاس وغيرهم.

وبما أنّ الحكومتين الأمويّة والعباسيّة كانتا تقدّمان الشيخين على الإمام عليّ وتأخذان بسيرتيهما، فمن المنطقيّ جدّاً أن لا يرتضي العلويّون السكوت عما فعله هؤلاء من ظلم لأهل البيت ومن طمس لـ "خير العمل"، فلذلك كان العلويون يقفون أمام الاجتهادات الُمحدَثة من قبَلَ الخلفاء كحذف «حيّ على خير العمل» وتشريع صلاة التراويح، والتكبير على الميّت أربعاً، وإخفات البسملة. بل ربّما كان العلويّون يبعدون المرمى ويصيبون المقتل فيصرّحون بأنّ السبب الأوّل في ضياع حقهم في الخلافة وضياع أحكام الدين ما هو إلاّ ما فعله الشيخان بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله).

من هنا جَدَّ العلويّون لإعادة السنّة إلى موضعها ـ كما كانت في عهد رسول الله وكما أرادها الإمام عليّ ـ فأخذوا يعلنون «حيّ على خير العمل» على المآذن، ويجهرون بالبسملة، ويكبّرون على الميّت خمساً، وينادون بـ "من مات عن بنت وأخ وأخت فالمال كله لها" ويصرحّون بالصحيح من دين الله في عشرات المسائل التي حرّفها المحرّفون.

وجاء في جامع علي بن اسباط عن الحسن بن جهنم قال: ذكرت لابن عبدالله جعفر بن محمّد (عليه السلام) ما نحن فيه وما للناس فيه من اذلال بني العباس قلت: ومتى الفرج؟ قال: النداء بحي على خير العمل على المنارة(1).

وهذا يشير إلى أنّ الخلاف بين الحكّام والعلويين كان أصولياً، وليس كما يصوّره البعض بأنّه خلاف حول الخلافة بما هي خلافة فقط، بل إنّ اختلافهم كان

____________

1- الايضاح للقاضي النعمان المطبوع في " ميراث حديث شبيعه " دفتر دهم ص 109.


الصفحة 350
على الشريعة حكومةً وأحكاماً.

إنّ وقـوف الطـالبيين أمام الحكـام ما هو إلاّ انعكاس لنهج أصـيل يقـف في مواجهة الخـلفاء، ومـا جزئـيّة "حيّ على خـير العمل" إلاّ نمـوذج مصغرَّ لهـذا الصـراع الفكـري العقائـدي في الشـريعة، وإلـيك الآن بعض النصوص في ذلك:

زيد بن عليّ بن الحسين "122 هـ"

روى الحافظ العلوي بسنده إلى يزيد بن معاوية بن إسحاق، قال: كنّا بجبّانة سالم(1)، وقد أَمِنَّا أهل الشام، فأمر زيدُ بن عليّ معاويةَ بن إسحاق فقال: أذِّن بـ "حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل"(2).

يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين "125 هـ"

أخرج الحافظ العلوي بسنده عن زياد بن المنذر، قال: حدّثني حسّان، قال: أذّنت ليحيى بن زيد بخراسان، فأمرني أن أقول: حيّ على خير العمل، [ حي على خير العمل ].

وبإسناده عن صباح المزني، قال: أذّن رجل كان مع يحيى بن زيد بخراسان، قال: ما زال مؤذنهم ينادي بحيّ على خير العمل حتّى قُتل(3).

____________

1- أهل الكوفة يسمّون مكان دفن الأموات جبّانة، كما يسميّها أهل البصرة المقبرة، وجبانه سالم تنسب إلى سالم بن عمارة بن عبدالحارث (انظر: معجم البلدان 2: 99 ـ 100).

2- الأذان بحيّ على خير العمل: 83 للحافظ العلوي.

3- الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 87 وانظر: إمالي أحمد بن عيسى 1: 97 الحديث 236.


الصفحة 351

إبراهيم بن عبدالله بن الحسن "145 هـ"

أخرج الحافظ العلوي باسناده عن سالم الخزاز، قال: كان إبراهيم بن عبدالله ابن الحسن يأمر أصحابه إذا كانوا في البادية أن يزيدوا في الأذان " حيّ على خير العمل "(1).

الحسين بن عليّ (صاحب فَخّ) "169 هـ"

روى أبو الفرج الإصفهانيّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ، وَلِي المدينة في أيّام موسى الهادي، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطّاب، يُعرف بعبد العزيز بن عبدالله، فحمل على الطالبيّين، وأساء إليهم، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض [عليه] كلّ يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كلّ واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه، فضمن الحسينُ بن عليّ، ويحيى ابن عبدالله بن الحسن: الحسنَ بن محمَّد بن عبدالله بن الحسن، ووافى أوائل الحاجّ، وقَدِم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، ولقوا حسيناً وغيرَه، فبلغ ذلك العمرىَّ فأنكره، وكان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمّد بن عبدالله، وابن جندب الهذلي الشاعر، ومولى لعمر ابن الخطاب وهم مجتمعون، فأشاع أنّه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطاً، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً، وضرب مولى عمر سبعة أسواط، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشّفي الظهور ليفضحهم، فبعثت إليه الهاشميّة ـ صاحبة الراية السوداء في أيام محمّد بن عبدالله ـ فقالت له: لا ولا كرامة، لا تشهّر أحداً من بني هاشم،

____________

1- الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 88،89، وبتحقيق عزّان: 147 ح 186، 187.


الصفحة 352
وتشنّع عليهم وأنت ظالم، فكفَّ عن ذلك وخلّى سبيلهم... إلى أن يقول: ثمّ عرضهم يوم الجمعة... فدعا باسم الحسن بن محمَّد، فلم يحضر ; فقال ليحيى والحسين بن عليّ: لتأتياني به أو لأحبسنَّكما، فإنَّ له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض، ولقد خرج أو تغيَّب... أريد أن تأتياني بالحسن بن محمَّد.

فقال له الحسين: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطّاب، فاجمعهم كما جمعتنا، ثمَّ اعرضهم رجلاً رجلاً، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك، فقد أنصفتنا.

فحلف [العمريّ] على الحسين بطلاق امراته وحريّة مماليكه، أنّه لا يخلّي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته، وأنّه إن لم يجئ به ليركبنّ إلى سويقِهِ فيخرّبها ويحرقها وليضربنَّ الحسين ألف سوط...

فوثب يحيى مُغضَباً، فقال له: أنا أعطي الله عهداً.. ثمّ وجَّهَ [الحسين] فجاءهُ يحيى، وسليمان، وإدريس ـ بنو عبدالله بن الحسن ـ وعبدالله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسين بن الحسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وعبدالله بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.. ووجَّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا.. ستّة وعشر ين رجلاً من ولد عليّ، وعشرة من الحاجّ، ونفر من الموالي.

فلمَّا أذَّن المؤذِّن للصبح دخلوا المسجد، ثمَّ نادوا: (أحد، أحد)، وصعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ (صلى الله عليه وآله)، عند موضع الجنائز ; فقال للمؤذِّن: أذِّن بـ "حيَّ على خير العمل"، فلمَّا نظر إلى السيف في يده أذَّن بها. وسمعه العمريّ، فأحسَّ بالشرِّ، ودهش... وولَّى هارباً... فصلَّى الحسين بالناس

الصفحة 353
الصبح ; ودعا بالشهود العدول الذين كان العمريّ أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعا بالحسن ; وقال للشهود: "هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العمريّ وإلاّ والله خرجت من يميني، وممَّا عَلَيَّ". ولم يتخلَّف عنه أحد من الطالبيّين(1).

غير أنّهم حرّفوا الخلاف العقائدي السياسي إلى خلاف سياسي بحت، فنراهم يشككون في أهداف ثورة صاحب فخ ويتّهمونه وكلَّ الثوار بأنّهم ثاروا للدفاع عن شخص سكّير ـ والعياذ بالله ـ وهو الحسن بن محمّد بن عبدالله بن الحسن (ابن النفس الزكية)(2)!

ومثله قالوا عن ثورة الإمام زيد وشككوا في دواعي ثورته الخالصة، زاعمين أنّها جاءت على أثر خلاف ماليّ بينه وبين بعض أعوان السلطة وهو خالد بن عبدالله(3) أو أنّه وابني الحسن تخاصما في وقف لعلي(4) أو ما شابه ذلك من التهم الفارغة التي تباين شخصية هؤلاء الأفذاذ، وما هذا إلاّ كصنيع الأمويين مع النصوص والأحداث.

لقد سعت حكومة عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان والحكومة الأموية، إلى تجريد الحيعلة الثالثة من طابعها السياسي، بل حاولوا إدخالها في إطار اختلاف

____________

1- مقاتل الطالبيّين: 443 ـ 447 وقد رويناه مختصراً.

2- تاريخ الطبري 8: 192، 193، الكامل في التاريخ 5: 74 ـ 75.

3- تاريخ الطبري 7: 160. وقد أجاب الإمام زيد عن هذه التهمة وقال ليوسف بن عمر: أنّى يودعني مالاً وهو يشتم آبائي على منبره.

فارسل [ يوسف ] إلى خالد فاحضره في عباءة فقال له: هذا زيد، زعمت أنك قد أودعته مالاً، وقد أنكر.

فنظر خالد في وجههما ثمّ قال: أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثماً في هذا! كيف أودعه مالاً وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! قال: فشتمه يوسف، ثمّ رده، (تاريخ الطبري 7: 167).

4- تاريخ الطبري 7: 163 احداث سنة 121.


الصفحة 354
وجهات النظر والاجتهاد بين الصحابة كما يسمّونه، لكنّ الأمر أخذ يختلف في العهد العباسي الأول ثمّ من بعده في الحكومات اللاحقة، إذ راح يتبلور أكثر فأكثر كون الحيعلة الثالثة شعاراً دينيَّاً سياسياً للثوار، وأخذت الحكومة تتحسس منه ولا تستطيع خنقه.

فإبراهيم بن عبدالله بن الحسن ـ أخو النفس الزكية الذي خرج بالبصرة بعد شهادة أخيه ـ يأمر أصحابه أن يؤذّنوا بالحيعلة سراً كي لا يقف النهج الحاكم وجواسيسه عليهم. وهكذا حال الحسين صاحب فخ، فإنّه لم يكن تأذينه وأتباعُهُ بالحيعلة الثالثة إلاّ معنى آخر للثورة وليعلنوا أنهم هم الأولى بالله ورسوله وخلافته.

طبرستان (سنة 250 هـ)

خرج بطبرستان الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.

وكان سبب ظهوره أنّ محمّد بن عبدالله بن طاهر لمّا ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين بالله العباسي من ضواحي السلطان بطبرستان قطائعَ، منها قطيعة قرب ثغر الديلم وهما كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك إنّما هي مَوات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأ.

فوجّه محمّد بن عبدالله نائبه لحيازة ما أُقطِع، واسمه جابر بن هارون النصراني، فلمّا قَدِم جابر عَمَد فحاز ما اتّصل به من أرض مَوات يرتفق بها الناس.

وكان في تلك الناحية يومئذ أخوانِ لهما بأسٌ مذكوران بإطعام الطعام

الصفحة 355
وبالإفضال، يقال لأحدهما: محمّد، وللآخر: جعفر، وهما ابنا رستم، فانكرا ما فعل جابر من حيازة الموات وكانا مُطاعَين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات ; فخافهما جابر فهرب منهما فلحق بسليمان بن عبدالله بن طاهر وكان عامل طبرستان يومئذ، وخاف محمّد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الدَّيلم يذكّرونهم العهد الذي بينهم، ثمّ أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين ـ اسمه محمّد بن إبراهيم كان بطبرستان ـ يدعونه إلى البيعة، فامتنع، وقال: لكنّي أدلّكم على رجل منّا هو أقوم بهذا الأمر منّي، فدلّهم على الحسن بن زيد وهو بالري، فوجّهوا إليه عن رسالة محمّد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليها، فأتاهم وقد صارت كلّ الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته، فبايعوه كلّهم وطردوا عمّال ابن أوس عنهم ـ وكان هذا من عمال سليمان بن عبدالله عامل طبرستان ـ فلحقوا بسليمان بن عبدالله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان.

ثمّ تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل ثمّ سارية، وقيل إنّ سليمان انهزم اختياراً لأنّ الطاهريّة كلّها كانت تتشيّع، فلمّا أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثّم سليمان من قتاله لشدّته في التشيع، وقال:


نبّئتُ خيل ابن زيد أقبلت خَبَباً تُريدنا لتُحَسِّينا ألامَرَّيْنا
يا قَومُ إن كانت الأنباءُ صادقةً فالوَيلُ لي ولجميع الطاهريّينا
أمّا أنا فإذا اصطفّت كتائبُنا أكونُ من بينهم رأَس المُوَلّينا
فالعُذرُ عند رسول الله منبسطٌ إذا احتسبت دماء الفاطميّينا

فلما التقوا انهزم سليمان، فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى "جندا"

الصفحة 356
مع رجل من أهله يقال له الحسن بن زيد أيضاً، فملكها وطرد عنها عامل الطاهرية، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمّد بن جعفر وانصرف عنها"(1).

وقد جاء في تاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب المتوفّى 613 هـ قوله:


"استقر الداعي الكبير ابن زيد في آمُل، وأعلن في أطراف طبرستان وكيلان والديلم أنّه: قد رأينا العمل بكتاب الله وسنّة رسوله وما صحّ عن أمير المؤمنين، وإلحاق حيَّ على خير العمل، والجهر بالبسملة، والتكبير خمساً على الميت، ومن خالف فليس منّا"(2).


وقد حكى الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة عن تاريخ طبرستان: 240 أن الداعي إلى الحق الحسن بن زيد كتب في سنة 252 منشورة عن آمل إلى سائر بلاده، بإعلاء شعائر التشيع من تقديم أمير المؤمنين (عليه السلام)، والأخذ بما صح عنه في جميع الأصول والفروع من قول «حيّ على خير العمل» والجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" وغير ذلك(3).

هكذا نجح الحسن بن زيد في تكوين هذه الدولة التي تُعرف بالدولة الزيدية بطبرستان، واقتطع من ملك بني العبّاس وآل طاهر طرفاً عظيماً تحميه جبال طبرستان والديلم، واستمرت هذه الحكومة نحو قرن كامل (250 ـ 355 هـ) تولى فيها:

1 ـ الحسن بن زيد الداعي 250 ـ 270.

____________

1- انظر: تفاصيل هذا الامر في الكامل لابن الأثير 5: 314 ـ 317 حوادث سنة 250.

2- تاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب: 239 وعنه في تاريخ طبرستان للمرعشي 881 هـ.

3- الذريعة إلى تصانيف الشيعة 17: 270.


الصفحة 357
2 ـ محمّد بن زيد القائم بالحق 270 ـ 279.

3 ـ احتلال الدولة السامية لطبرستان 279 ـ 301.

4 ـ تولي الحسن الأطروش بن عليّ بن عمر بن زين العابدين 301 ـ 304 على طبرستان مرّة أُخرى.

5 ـ الحسن بن القاسم بن عليّ بن عبدالرحمن ومعه أولاد الأُطروش 304 ـ 355.

ويبدو أنّ المنشور الذي أعلنه الداعي الكبير سنة 252 هـ ظل ساري المفعول حتّى نهاية هذه الدولة العلوية الزيديّة، فكانت المآذن تؤذن بـ " حيّ على خير العمل " لأكثر من قرن، منبّهين على أنّ هذا المرسوم صدر في وقت مبكر جداً من أوائل حكومة هذا الداعي الكبير، لما له من هيبة دينية وبُعد سياسي، وما له من أثر في ترسيخ حكومة تقوم على أساس الدين من وجهة نظر علوية، ويؤكد صحةَ هذا ما نراه اليوم وبعد أكثر من ألف عام في التراث الزيدي، فلو راجعت كتبهم الفقهية والحديثية القديمة عرفت ثبوتها عندهم، وهذا الموقف من الحسن بن زيد وغيره هو امتداد لشرعيتها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

حمص / مصر / بغداد (سنة 290 هـ)

جاء في كتاب بغية الطلب في أخبار حلب لابن العديم المتوفى (660 هـ):


"... فصار [صاحب الخال] إلى حمص ودُعي له بكورها وأمرهم أن يصلوا الجمعة أربع ركعات، وأن يخطبوا بعد الظهر ويكون أذانهم: أشهد أن محمّداً رسول الله، أشهد



الصفحة 358

أن عليّاً ولي الله، حيّ على خير العمل"(1).


وجاء في كتاب " أخبار بني عبيد " لمحمد بن عليّ بن حماد في ترجمة عبيدالله (322 هـ) ـ مؤسس الدولة العبيدية في مصر ـ:


... وكان مما أحدث عبيدالله أن قطع صلاة التراويح في شهر رمضان، وأمر بصيام يومين قبله، وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع، وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة، وأسقط من أذان صلاة الصبح: «الصلاة خير من النوم»، وزاد: «حيّ على خير العمل»، "محمد وعلي خير البشر"، ونص الأذان طول مدة بني عبيد بعد التكبير والتشهدين: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح مرتين، حيّ على خير العمل محمد وعلي خير البشر مرتين مرتين، لا إله إلاّ الله مرة(2).


هذان نصان أحدهما عن الطالبيين في حلب والآخر في مصر، وهما يؤكدان أنّ النزاع الفكري بين الطالبيين والنهج الحاكم كان مستمراً عبر جميع القرون، ولم يختصّ ببلدة دون أخرى.

ويدلّ على أصالة الحيعلة الثالثة، وامتداد التأذين بها زماناً، وانتشارها مكاناً، ما رواه القاضي التنوخي المتوفّى 384 هـ عن أبي فرج الاصفهاني فيما حدث في بغداد في نفس تلك الفترة تقريباً، قال:


أخبرني أبو الفرج الاصفهاني (المتوفّى 356 هـ) قال:


____________

1- بغية الطلب 2: 944.

2- اخبار بني عبيد 1: 50.


الصفحة 359

سمعت رجلاً من القطيعة(1)، يؤذن: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن عليّاً ولي الله، محمد وعلي خير البشر، فمن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ


____________

1- رجّح محقق كتاب نشوار المحاضرة أن يكون المقصود من القطيعة هي قطيعة أمّ جعفر، وهي محلّة ببغداد عند باب التبن وهو الموضع الذي فيه مشهد الإمام موسى ابن جعفر، لكن ترجيحه ليس براجح بنظرنا، لأن أبا الفرج لو أراد تلك القطيعة لقال: رجلُ من أهل القطيعة أو رجل من قطيعة أمّ جعفر ; وذلك لتمييزها عن القطائع الكثيرة الأخرى ـ والتي ذكرها صاحب معجم البلدان 4: 376 ـ كقطيعة إسحاق، وقطيعة الرقيق، وقطيعة الربيع، وقطيعة زهير، وقطيعة العجم، وقطيعة عيسى وغيرها.

وحيث لا يمكن الترجيح أو القول بأن القطيعة هي علم لقطيعة أم جعفر فلابدّ من احتمال أن تكون القطيعة هي تصحيف للقطعية وهي الفرقة التي قطعت بموت موسى ابن جعفر وإمامة عليّ بن موسى الرضا(عليهم السلام)، وهم في مقابل الواقفيّة التي وقفت على إمامة موسى بن جعفر الكاظم ولم تقل بإمامة مَن بعده، ويترجّح احتمالنا حينما نرى التنوخي يأتي بـ " خبر أذان رجل من القطيعة " بعد خبر " حجّام يحجم بالنسيّة إلى الرجعة " وكلاهما يرتبط بأمر تقوله الشيعة الإماميّة الاثنا عشرية.

ويتقوى احتمالنا هذا حينما نرى الإصفهاني ـ الزيدي العقيدة ـ ينقل هذا الخبر، وهو تأكيد لأذان الإمامية القطعية في الكاظمية، وأنهم كانوا يؤذّنون بالشهادة الثالثة. ولو أحببت أن تتأكد بأن القطعية هو اصطلاح للشيعة الاثني عشرية راجع كتب الشيخ الصدوق ومقالات الإسلامين للأشعري 1: 17، والملل والنحل للشهرستاني 1: 29، وخاتمة المستدرك 4: 248 عن النوبختي في كتاب مذاهب فرق أهل الامة.

وعلى فرض أن يكون المراد قطيعة أمّ جعفر، فهي أيضاً كانت من الأماكن التي يقطنها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، قال الحموي في معجم البلدان 4: 448، وأهل الكرخ كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سنيّ ألبتة. وانظر: حول تشيعها الاثني عشري البداية والنهاية 11: 307 / احداث سنة 379، وموسوعة العتبات المقدسة " الكاظمية " 9: 115.

هذا وقد أضاف المحقق جملة من بعض النسخ تشمئز منها النفوس ولا تتفق مع السير التاريخي وارتباط هند وابن عمر بمسألة الأذان، فراجع.


الصفحة 360

الله(1)...


ولتأكيد وجود الخلاف الفقهي العقائدي في تلك البرهة من التاريخ إليك كلام المقريزي في (المواعظ والاعتبار) عند ذكره مذاهب أهل مصر ونِحَلِهم، قال:


قال أبو عمر الكندي في كتاب (أمراء مصر): ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومائتين (253 هـ)، قال: ومنع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع، وأمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها وذلك في رجب سنة ثلاث وستّين ومائتين (263 هـ)، ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.

إلى أن يقول:... إلى أن قدم القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة (358 هـ) بجيوش مولاه المعز لدين الله أبي تميم معدّ وبنى مدينة القاهرة، فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشيعة، وعمل به في القضاء وأنكر ما خالفه، ولم يبقَ مذهب سواه، وقد كان التشيّع بأرض مصر معروفاً قبل ذلك.

قال أبو عمر الكندي في كتاب الموالي، عن عبدالله بن لهيعة أنه قال: قال يزيد بن أبي حبيب: نشأت بمصر وهي


____________

1- نشوار المحاضرة للتنوخي 2: 133.


الصفحة 361

علويّة فقلبتُها عثمانية(1).


ثمّ عمد المقريزي إلى شرح الأدوار التي مرت بها الشيعة في مصر وكيف كانت علويّة وصارت عثمانيّة حتّى يصل إلى صفحة 340، وفيها يذكر حوادث سنة (353 و356 هـ) وأن " جوهراً " أعلن حيّ على خير العمل وفضّل الإمام عليّاً وأولاده على غيره وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم، ممّا سيأتي في ما ننقله عن حوادث مصر في تلك السنة.

هذا نموذج بسيط عن مسار الاتجاهين الفكري. وقد أكدنا اكثر من مرّة على أنّ لكلّ واحد من النهجين قادة وجماهير.

ولما حكم نهج الاجتهاد والرأي ـ في الحكومات الأموية والعباسية أو السلجوقية والأيوبية ـ حكّم آراء الخلفاء وفقههم في الشريعة.

أما النهج الشيعي فقد دعا إلى الأخذ بسنة رسول الله عن عليّ وأولاده، وهؤلاء قد عارضوا النهج الحاكم في زمن الشيخين وعثمان وطيلة الحكم الاموي والعباسي. ولا ننسى أن شعارية " حيّ على خير العمل " وغيرها قد تجسدت في العصر العباسي الأوّل والثاني، أي بنشوء الدول الشيعية كالدولة الإدريسية في المغرب والحمدانية في حلب، والبويهية في بغداد، والزيدية في طبرستان، والفاطمية في مصر و...

وقد اتّخذ كلّ اتجاه أُصولا في عمله، فأحدهم يمنع من تدوين الحديث والآخر يصرّ عليه وإن وضعت الصمصامة على عنقه.

والأوّل يذهب إلى عدم تنصيص النبيّ على أحد بل ترك الأمّة لتختار لإمامتها من تشاء، والآخر يعتقد بلزوم الوصاية والخلافة وقد عيّن النبيُّ بالفعل

____________

1- الخطط المقريزية 2: 334.