سياسة الحق والعدل الاجتماعي في خطابات نهج البلاغة

* نوري عبدالرزاق الدايني

 

نهج البلاغة من الكتب المهمة في تاريخ تراث الفكر الإسلامي، جامع لخطب، ومكاتبات ووصايا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، جمعه الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى الكاظم (ع)، الذي عاش ومات في بغداد (359-404هـ) وقد فرغ الشريف الرضي من جمعه سنة (400هـ) وقد شرح هذا الكتاب من قبل عدد من الفقهاء والعلماء والمفكرين.

وكان أبرزهم ابن أبي الحديد المعتزلي الذي شرحه على وفق المعطيات التاريخية والمواقف السياسية، لتلك الخطب والأقوال، أما الإمام محمد عبده فقد قدم لنهج البلاغة شرحاً في اللغة، والعبارات، والكلمات وتابع النهج بصدد غرائب الألفاظ والحكم. وكان الشريف الرضي قد تقصى الحقائق في جمعه لخدمة الكتاب الكبير، فكان عند اشتباهه بكلام معين يعيد روايته ويشير إلى ذلك الاشتباه، وقد بوب هذا الكتاب إلى باب للخطب ثم الكتب بمعنى الرسائل، ثم الحكم والمواعظ، ولم يلتزم الجامع في تاريخ وغرض ذلك، وعن ذلك يقول الشريف الرضي في مقدمته لنهج البلاغة (ورأيت كلام علي (عليه السلام) يدور على أقطاب ثلاثة أولها الخطب والأوامر، وثانيها الكتب والرسائل، وثالثها الحكم والمواعظ، فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الحكم والأدب، مفرداً لكل صنف من ذلك باباً مفضلا فيه أوراقا لتكون مقدمة الاستدراك).

 والقارئ المتمعن في فكر الإمام (ع) يدرك الأهمية البلاغية واللغوية التي بسببها سمى الشريف الرضي هذا الكتاب بنهج البلاغة فبالإضافة إلى الأهمية التاريخية والسياسية إذ من خلاله تتوضح الكثير من الصراعات السياسية في صدر الإسلام، فان هناك أيضا المسائل الفكرية التي طرحت في بعض الخطب كمسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، ومسألة القضاء والقدر، وعلى سبيل المثال رده على (ثعلب اليماني) عندما سأله هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين، وكذلك جوابه لرجل سأله ( أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره)، والى جانب هذا أيضا هناك بعض القضايا الوصفية لغريب بعض الكائنات كالخفاش والطاووس وأصناف أخرى. إن هذا موجز عام ويسير عن الأثر الذي وجد من يأخذه من صدور الحفاظ سطور ذلك الأثر العظيم وليكون عينا من العيون التي وردها ويردها الباحثون والمهتمون بمجال التراث الفكري الإسلامي.

لقد تكلم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن الحق في أكثر من خطبة، وكذلك وصاياه وكتبه إلى عماله وفي أحاديثه لأصحابه وأعدائه، بمعنى (الحق المضاد للباطل، والحق والعدل والقانون).

والمعروف عن الإمام علي (ع) أنه كان خليفة للحكم في الإسلام للنخبة التي لا تأخذها في الحق لومة لائم، التي كان من أبرز رجالها: أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وعدي بن حجر ومالك الاشتر وسلمان الفارسي وغيرهم، وعن هذه النخبة يقول الإمام علي (ع) في إحدى خطبه بعد معركة صفين، (أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق). وهو القائل لأبي ذر الغفاري عند صدور حكم عثمان بإقصائه إلي صحراء الربذة خارج المدينة بعدة أميال (يا أبا ذر إنك غضبت لله فارجع إلى من غضبت له، وإن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك لا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك) وفي آخر كلامه هذا إشارة إلى رفض أبي ذر لمال أعطاه عثمان ومعاوية مقابل سكوته وتأمين جانبه للباطل.

لقد جاء الإمام علي (ع) إلى السلطة والفتن على اشدها ونتيجة لتمسكه المتصلب بالحق، والاهتمام بالسياسة وتحقيق الممكن منها على إنها فن الممكن كما نفهم في عصرنا مما يريد أن يحقق، وهذا الأمر بحد ذاته لا يرجع كما هو شائع إلى عدم دراية وبلوغ فطنة، بل تذمر الناس الشديد من سياسة عمال الخليفة عثمان، على الأمصار إذ وصل الأمر إلى الثورة ضده وقتله، وبهذا لم يكن أمام الإمام علي (ع) إلا رفع الشعار الآتي: (وأيم الله لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته) والحق الذي يريد أن يقيمه كما سار عليه رسول الله (ص)، وما انتهك لا يمكن تحقيقه، والولاة يتربعون على إمارة الأمصار ويملكون خزائن أموال المسلمين، ولذلك فان أول ما نهض به الإمام علي (ع) هو أخذه قطائع الأرض التي منحت للصفوة من القوم في خلافة عثمان وعلى يد بعض ولاته، وبهذا يقول (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من بيت المال فهو مردود إلى بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء وإن وجدته قد تزوج).

وفي العبارة القديمة نجد الإصرار على استرجاع هذه القطائع إلى بيت المال، والإمام علي كما يتضح اتخذ سياسة الوضوح حيث لم يضع في حساباته أو في سياسته ما يعرف بالوسائل التي تبرز الغايات.

وعن سياسته هذه يقول (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس)، إن اعتبار القيم والأخلاق عند الإمام علي (ع) التي هي حقيقة من سجاياه الشخصية جعلته يلتزم بها في سياسته مع أعدائه وقد أتضح هذا في حادثة التحكيم التي غصبه عليها خوف سريان الفتنة بين أصحابه وبعد الحيلة التي تغلب بها (عمرو بن العاص) على أبي موسى الأشعري، ورغم إصرار بعض أصحابه على القتال، فانه ظل ملتزما بما ستؤول إليه نتيجة التحكيم، وهو العارف والقائل لابن عمه عبد الله بن عباس في استغلال بعض آيات القرآن الكريم، بسبب إمكانية تأويله وتفسيره (لا تخاصمهم بالقرآن الكريم، فهو حمّال أوجه وذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا).

لقد شغلت مسألة الحق والعدل سياسة الإمام علي بن أبي طالب كلها، وهو يصف استهانته بالإمارة والسلطة في حديث له مع عبد الله بن عباس بأن نعله الذي يخصفه بيده أحب له من هذه الإمارة (إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا) وكذلك يقول (لم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا، أني أريدكم لله وانتم تريدوني لأنفسكم).

أيها الناس أعينوني على نفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها).

إن هذه السياسة التي كانت محوراً منفردا في سياسة الإمام علي (ع) لم يتحملها الكثرة من المستفيدين من أمراء ومسؤولي بيت مال المسلمين، لذلك أصبح الاصطفاف مع معاوية له ثقله في مواجهة هذه السياسة، إذ وصل الأمر بأخيه عقيل أن يشد رحاله إلى معاوية بعد أن منعه أخوه الخليفة من لقمة وكساء لأطفاله. وهذه الحادثة مذكورة بقوله ( والله لقد رأيت عقيلا، وقد احلق حتى استماضى من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظام، صبغة النيله، وعاودني مؤكدا وكرر علي القول مرودا، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني، واتبع قياده مفارقا طريقي) ويقصد به طريق الحق.

إن تحقيق هذا الأمر عند الإمام (ع) هو السير الثابت لتحقيق أبرز سمات الدعوة الإسلامية وخصائصها كعدالة اجتماعية، وهاهو يراها تميز بين الناس وتصف الغني عن الفقير، حين يتكلم الإمام علي عن الحق بهذا الجهاد، فهو يعد الحق قانونا والتزاما على الناس بعد أن تم اختيارهم له غير مرغمين عليه، ويعد دفاع الناس عن هذه السياسة حقا بموجب العقد الذي عقدوه معه، والذي كان به يقبل مشورتهم، فهو يقول عندما طالبه قوم من أصحابه في عقاب القوم الذين استفادوا من سياسة عثمان والتعجيل بمحاسبتهم (أخوتاه إنه ليس ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وقد ثارت معهم عنانكم والتفتت إليهم عريانكم) واكثر ما كان علي (ع) يحدث الناس بهذا الحق كسيادة قانون في حربه ضد تكتل معاوية، الذي يعده المعرقل القوي لهذه السيادة وتعميمها، لذلك فكل جهوده الحربية متجهة بهذا الاتجاه إذ قال في رسالته إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف (وسأجهد في أن اطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس) يعني به معاوية ومن خطبة له بصفين عند مواجهة هذا الباطل وساسته يقول (فالحق أوسع الأشياء، في التواصف، وأضيفها في التناصف لا يجري على أحد إلا جرى عليه– إلى قوله– وأعظم ما افترضه الله سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي).

لم يبعد الإمام علي (ع) من عد هذا الحق السياسي عقدا بين السلطة والناس، ولكن بافتراض الهي حمله القران الكريم للناس والسنة النبوية الشريفة وليس مثلما افترض جان جاك روسو وأشار به إلى نظرية العقد الاجتماعي، لقد حاول الإمام علي (ع) في مواقف عديدة حقن دماء الناس بتأكيد هذا الحق، وذلك أن يبايع له معاوية كالعامة، وان يعزل من الشام ويأتي للحساب كرأس من رؤوس أصحاب القطائع أيام عثمان، وان يرد ما عنده من المال لبيت مال المسلمين،لان معاوية كان في الشام وان إمكانية تدبير مؤامراته في الإغراء أو الاغتيال للأقوياء من أصحاب الإمام علي (ع) كقتل (مالك الاشتر) وهو في طريقه إلى مصر واليا عليها بعد أن قتل (محمد بن أبي بكر) فيها، وكإغراء (زياد ابن أبيه) والي علي (ع) في البصرة نيابة عن واليها عبد الله بن عباس.

ومن خلال مطالعة رسائل الإمام (ع) إلى عماله تظهر الدعوة إلى سيادة الحق بين الناس، فهو لا يضع لسلطة الوالي أي معيار غير أن يكون محققا لهذه السيادة والبدء بنفسه فيها، وهو يقول لواليه على البصرة (اتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك، ليكن من النار خلاصك) وكان سبب هذه الرسالة أن الوالي عثمان بن حنيف قبل دعوة إلى وليمة، فسرها علي (ع)- وهو الصائب- بهذا التفسير، بأنها مراهنة لهذا المسؤول، وكذلك رسالته (لمقصلة بن هبيرة الشيباني) واليه على آرادشير– (مقاطعة من بلاد فارس):

 (إنك تقسم في المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من أعراب قومك فهو الذي خلق الحبّة، وبرأ النسمة لأن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا، وتتحفن عندي ميزانا).

ورسالته إلى عامل آخر لم يذكر اسمه: (كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم انك تأكل حراما ؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء، مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فانك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك، فوالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل).

وفي قوله إلى أحد اتباعه المخلصين، وهو عبد الله بن زمعة حين قدم عليه يطلب مالاً: (إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم).

هذا ما اختلف به الإمام علي (ع) عن معاوية الذي كان يعطي بدون طلب ويغدق الأموال للحصول على تأييد.. كان الإمام (ع) يتصرف بهذه السياسة الحكيمة وهو في أمس الحاجة إلى المؤيدين والأنصار. وبهذا السلوك الشخصي ذي الالتزام الصارم بالحق كان يدفع عدداً من الناس إلى تأييده والبقاء على نصرته حتى الموت، وبهذا السلوك الذي لم يشك به حتى أعداؤه بل كان يقيم حجة على ولاته في الأمصار، وهو القائل فيما قاله لأبي حنيف: (فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غثائها وفراً ولا أدت ليالي ثوبي طمراً).

وهو الذي ترفع عن مقابلة الأمويين بالسباب يوم جعلوا يرشقونه به، فليس من خلقه العظيم أن ينال من ناصبوه العداء بالسباب، ولو سبوه، بل إنه منع على أصحابه أن ينال من ناصبوه بالشتيمة المقذعة. فهو ما كاد يسمع قوما من أصحابه هؤلاء يسبون أهل الشام أيام حروبهم بصفين، لأنهم سايروا الغدر وماشوا الخديعة حتى قال لهم: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، وكفاكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في الغدر وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به).

وتراه يعيش بين فتنة الخوارج وفتنة بني أمية، يلتمس للأولى معاذيرها، ويدعو إلى قتال الفتنة الثانية لأنها هي فتنة الزيغ والطمع والضلال، لذلك نجده يوصي أصحابه، بعد ما فر من فر من بقايا الخوارج في النهروان قائلا: (لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) فالخوارج عند الإمام علي (ع) لم يتخطوا أن يكونوا طلاب حق، ولكنهم أخطأوا حين نصروا هذا الحق الذي تصوروه بجانبهم، فهؤلاء يجوز قتالهم من قبيل التأديب.

لهذا السبب مضى الإمام علي (ع) بثبات وجرأة في هذه السياسة وأراد أن يجري الناس على سنة الله ورسوله الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) وأراد أن يحاسبهم على الصغيرة والكبيرة فيما يعتقدون، وأن يحملهم على العدل والحق الذي يطرحه الإسلام،خاليا من العبث والهوى والمادة.

ومن هذا الاستعراض والسياحة في آفاق نهج البلاغة وفكره الإبداعي، كانت دعوة الإمام علي (ع) لتثبت أن الحق وإعلان العدالة أمران لا يتحققان إلا حين تنتصر فيه إرادة الله السامية على نوازع الشر المنحطة التي تصطنع سبلا كثيرة من الكذب والمكر واستهواء الناس بما يلائم مطامعهم مما يحسنه أهل المكر والرياء والنفاق، ولا يحسنه أهل الصدق والصفاء والإيمان … هذا هو الإنسان الكبير في حياته، الكبير في موته، الكبير في عبقريته….. تفتيك عن الكثير من التراجم وتعفيك من آفات الروايات.

وحسبنا من الإنسان أثره الذي ينطق عنه، وحين يجتمع الناس على حب رجل، سواء فيه الخصوم والمحبون، فاعلم بأنه رجل عظيم، لأن المحبين أسفوا على المأساة في حياته وموته، والمبغضين لم يسعهم إلا أن يعترفوا بعظمته ويخضعوا لسلطانه.

وهو الذي كان يتمنى أن يخلص حبه من محب غالٍ فيه، وأن يبرأ بغضه من نفاق وانحياز كما قال له المصطفى (ص): يا علي يهلك فيك اثنان.. محب غال ومبغض قال. لقد كان الإمام علي (ع) ولا يزال مثال الشجاعة والحكمة والعلم والأدب والصراحة والشخصية النبيلة، والمثل الأعلى للإنسان في كفاحه ضد الظلم والباطل والضلال منذ أن سطع نجمه وهو غلام في كنف النبوة إلى يوم الدين.

 


* باحث وكاتب

المصادر:

1- النصوص التي وردت في المقال اعتمدت على نهج البلاغة للشيخ محمد عبده، والشيخ ابن أبي الحديد المعتزلي.

2- ترجمة سيرة الشريف الرضي مأخوذة من نتاج الأستاذ الكبير الدكتور زكي مبارك في كتابه (عبقرية الشريف الرضي).