/صفحة 1/

الشهادة الثالثة

في الأذان والإقامة

/صفحة 2/

/صفحة 3/

الشهادة الثالثة

في الأذان والإقامة

شبهات.. وردود

السيد جعفر مرتضى العاملي

المركز الإسلامي للدراسات

/صفحة 4/

بسم الله الرحمن الرحيم

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1423هـ. ـ 2002م

المركز الإسلامي للدراسات

/صفحة 5/

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته محمد وآله الطاهرين، ولا سيما وصيه المظلوم علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبنائه الأئمة المعصومين.

وبعد..

فإن هذا الذي نقدمه للقارئ الكريم ليس بحثاً فقهياً حول موضوع الشهادة الثالثة بقدر ما هو إثارات ترسم بوضوح ملامح الضعف والهزال، والخواء على وجه ما يزعمون أنه أدلة وحجج على استبعاد الثالثة: «أشهد أن علياً ولي الله» من الأذان والإقامة..

/صفحة 6/

مع أن ما ذكروه ليس هو في الحقيقة سوى فقاعات خادعة لا تستطيع أن تتماسك أمام سيف الحق الباتر، وتحت وطأة ضربات الحجج الساحقة والماحقة.

وإن هذه الإطلالة على تلك الفقاعات الخاوية، من شأنها أن تعطي الإنسان الحاذق والألمعي انطباعاً عاماً عن حقيقة المستوى الفقهي الذي يدّعيه البعض لنفسه، وينكره عليه العارفون به، والممارسون للشأن الفقهي، وأهل البصيرة فيه.

ولا يخفى أنه يبقى للبهرجات الإعلامية التي يحيط بها البعض نفسه، وللأضواء الخادعة التي تختطف أبصار الناس الطيبين، حين ينفرد بهم، على حين غفلةٍ وغيبة حقيقية من أهل المعرفة بالحقائق ـ يبقى لها ـ تأثيرها.. في تزوير الحقيقة، بل وفي طمس معالمها..

ولكن هذا الأمر سوف يبقى محدوداً بحدود،

/صفحة 7/

ومقيداً بقيود. كما أن البهرجة الإعلامية ستنتهي يوماً، ولمعات أضواء الكاميرات سوف تخبو، وسيذوب الثلج الثقيل، لتظهر التجاعيد والأخاديد، ويُعَرف الحجر من المدر، والحقيقة من الخيال..

وستقرأ الأجيال القادمة الحقيقة بكل هدوء وأناة، وبوعي، وبموضوعية، وإنصاف، بعيداً عن أي تخييل أو إيهام، ومن دون أي رغبة أو رهبة، أو انبهار أو تأثير أو تأثر بالشهرة أو بغيرها.. وسيقرؤون ويعرفون، ويكتشفون. ولا يخدعون.. ولربما يقدر لهذه المداخلة أن تسهم في ذلك بعض إسهام..

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

جعفر مرتضى العاملي

/صفحة 8/

/صفحة 9/

توطئة لا بد منها

لقد ورد في شبكة الميزان الثقافية في شهر ربيع الأول سنة 1423 للهجرة ما يلي:

الكاتب: (سيد أبو زينب).

الموضوع: استفتاءات السيد فضل الله حول الشهادة الثالثة:

السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته:

هل في الشهادة الثالثة في الأذان أي إشكال؟

الجواب: الشهادة الثالثة، ليست جزءاً من الأذان، واعتبارها جزءاً تشريع محرم ولكن مع ذلك لا مانع من الإتيان بها بقصد التبرك لا بقصد الجزئية، وإن كنا نلاحظ أن العبادات ومنها الأذان توفيقية، ولذا يجب

/صفحة 10/

التوقف عند الحدود التي حددها الشرع لها، فلا يدخل فيها ما لم يأت تشريعه بالنص من المعصوم.

* ... * ... *

هل الشهادة الثالثة بدعة، وأعني كيف أدخلت في الأذان فأنا لا أعتقد أنها كانت موجودة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، فهل هي جائزة ولماذا ينبغي أن نقولها، أعني هل بدأت في أيام أحد من الأئمة؟

الجواب: الشهادة الثالثة ليست بدعة في ذاتها، ولكنها ليست من الفصول الواجبة لا في الأذان ولا في الإقامة، نعم هي من حقائق الإيمان عندنا، ولم ينقل لنا في الأخبار أن النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحداً من الأئمة (عليهم السلام) كانوا يدخلونها في الأذان أو الإقامة، ولذا فنحن جرياً على ذلك قلنا إنه لا يجوز اعتبارها جزءاً منهما لأنها ليست كذلك، ولعل الذين أدخلوها هم بعض الغلاة من الشيعة كما يقول الشيخ الصدوق (رحمه الله) باعتبار أنه يستحب الشهادة لعلي بالولاية كلما ذكرت الشهادة

/صفحة 11/

للنبي (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، ولكن هذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك فيما هو من الأمور التوفيقية كالأذان والإقامة، وخاصة بالنسبة للإقامة لاحتمال أن تكون بمثابة الجزء من الصلاة لأنه يكره كراهة شديدة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة.

* ... * ... *

ذكرتم في فقه الشريعة أنكم لا ترون مصلحة شرعية في زيادة الشهادة الثالثة على الأذان، ولكن في أحد المساجد، يتعرّض الإنسان للشتم والقذف إذا أذّن ولم يذكرها، فهل للصبر على أذى الجهال أجر، وما العمل؟

الجواب: إن الشهادة الثالثة هي شهادة حق في عقيدتنا، ولكن أي زيادة أو نقيصة في الأمور التوقيفية والتي لا تعلم إلا من الشارع لا نوافق عليها، وليس فيها مصلحة شرعية، لأن ذلك يؤدي إلى فتح الباب أمام الكثيرين للاجتهاد في إدخال الكثير من الأمور

/صفحة 12/

من خلال أنها حق في نفسها، وقد عبّر الشهيد الثاني عن ذلك بقوله: «إن الشهادة لعلي بالولاية من حقائق الإيمان لا من فصول الأذان»، ولكن قولها لا بقصد الجزئية لا يوجب بطلانه، والله تعالى الموفق.

* ... * ... *

آجركم الله جميعاً هذا رأي السيد محمد حسين فضل كما هو وهذا رابط موقعه نحن ننقل قوله كما هو ولا نقول قال فلان وقرأت مقال وسمعت كاسيت وغيرها من الافتراءات وملتزمون بقول الإمام علي: «بين الحق والباطل 4 أصابع».

كما نود إخبار كل من عنده إشكالية حول موضوع الأذان إرسال السؤال لموقع السيد المبين بالأسفل ليجد الجواب الشافي من السيد مباشره لا من غيره.

هكذا علمنا الإسلام والتشيع والنبي والأئمة والسيد فضل الله آجركم الله جميعاً..

/صفحة 13/

وشكراً للأخوة المخالفين لنا بالرأي على أنهم فتحوا لنا المجال لنقرأ ونفهم ونستعلم أكثر على رأي السيد الحقيقي بعد أن كنا تحت ظلام الافتراءات.

* ... * ... *

انتهى ما ذكره ذلك الرجل الذي سمى نفسه بـ «أبي زينب»..

وماذا بعد:

ثم بدأت مناقشات. وأخذ ورد له مع الآخرين، حول هذا الموضوع على صفحات الشبكة المذكورة.

وقد طُرِحَ سؤال:

هل يمكن أن نعتبر الشيخ الصدوق ضالاً ومضلاً، لأن رأيه يوافق رأي السيد محمد حسين فضل الله؟!

وطُرِحَ سؤال آخر يقول:

هل يجب على السيد محمد حسين فضل الله أن يتبع رأيكم الاجتهادي بهذه المسائل؟!

/صفحة 14/

وذكر في النقاش أيضاً: قول السيد محمد حسين فضل الله في كتاب: المسائل الفقهية ج2 ص123:

«لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة، في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة».

وورد أيضاً: أن «فتوى فقهاء الطائفة المحقة بضلال السيد فضل الله لم يكن منشؤه «الشهادة الثالثة»، بل السبب هو مجموعة آراء تبناها فضل الله، ولم يسبق أن أفتى أحد من الفقهاء بضلال الشيخ الصدوق، أعلى الله مقامه».

وذكر شخص سمى نفسه بأبي زينب: أنه لم يجد كلمة مفاسد كثيرة في كتاب السيد: فقه الشريعة، بموقعه على الإنترنت، ولذلك فهو لا يعتد بما يكتب وينسب إليه لكثرة الافتراءات عليه..

فأجابوه: أن الفقرة قد نقلت عن كتاب المسائل الفقهية، لا عن فقه الشريعة.

/صفحة 15/

ثم هاجم من يسمي نفسه بأبي زينب، من يناقشه بقسوة، وبدون سبب، ثم أخبره بأنه سوف يجيب من يناقشه في هذه المسألة فور وصول الإجابة إليه..

مما يعني أن أبا زينب انما يستعمل كواجهة، وأن غيره هو الذي يكتب له..

والظاهر: أنه كان ينتظر الإجابة من قبل السيد محمد حسين فضل الله بالذات ـ أو من مكتبه..

وفي عصر ذلك اليوم ـ 8/6/1423 للهجرة ـ أرسل «أبو زينب» الإجابة التي وصلته، وكان ينتظرها، وهي التالية:

أقصى ما عند القوم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

وبعد...

هنالك إجماع لدى الفقهاء بأن الشهادة الثالثة

/صفحة 16/

ليست جزءاً من الأذان ولا من الإقامة وإن إعتقاد جزئيتها تشريع محرم والعبادة من الأمور التوقيفية فزيادة فصل أو نقصانه خلاف الشرع لذلك نحن نشكل على السنة لأنهم زادوا الصلاة خير من النوم، فكانت بدعة، وإدخال بالدين ما ليس من الدين.

وقد قال الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج1 ص573 وقد أجاد في ذلك ـ على حد قول سماحة السيد فضل الله ـ.

إن «الشهادة لعلي بالولاية هي من حقائق الإيمان لا من فصول الأذان» وقول الشهيد الثاني: ولا يجوز اعتقاد شرعية غير ذلك ـ أي فصول الأذان المعروفة، فما كان واقع حقا لا يجوز إدخاله في العبادات شرعاً، المحدودة من الله، فيكون إدخال ذلك فيه بدعة وتشريعاً، كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهداً أو نحو ذلك انتهى كلام الشهيد الثاني.

وقد قال الشيخ الصدوق: إن الشهادة الثالثة في

/صفحة 17/

الأذان من وضع الغلاة والمفوضة ـ علل الشرائع ص133.

أما سماحة السيد فضل الله فيقول: الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة لا توجب بطلانهما. ولكن الأحوط تركها في الإقامة لاحتمال كون الإقامة جزءاً من الصلاة ـ فقه الشريعة ج 1 ص 392 ـ.

سوف تسأل ما هو دليل سماحة السيد فضل الله على احتمال كون الإقامة جزءاً من الصلاة؟

قد ورد في الرواية عن أبي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فأن أقمت فلا تتكلم ولا تؤم بيدك ـ الوسائل ج5 ص396.

ولذلك يشترط في الإقامة الوضوء، ولا يشترط بالأذان، كما في رواية الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يؤذن الرجل من غير وضوء، ولا يقيم إلا وهو على وضوء».

/صفحة 18/

ويجوز الالتفات في الأذان ولا يجوز في الإقامة.

وتجوز فاصلة بين الأذان وبين الصلاة ولا تجوز بين الإقامة وبين الصلاة.

هذا مما جعل سماحة السيد فضل الله يحتاط في هذا الأمر، وإلا لو ذكرها فلا تبطل الصلاة فتأمل.

أما ما هو الدليل على عدم ثبوت استحباب الشهادة الثالثة؟

نحن نطلب الدليل على الاستحباب، لأنها عبادة توقيفية، وتحتاج إلى دليل. ونقصان أو زيادة فصل خلاف الشرع.

يستدل على الاستحباب بعدة أدلة، وكل هذه الأدلة لا تصمد أمام النقد العلمي دليلهم الأول، وهو إجماع فقهاء الطائفة، والإجماع ليس بحجة ما لم يكن كاشفاً عن رأي المعصوم.

ثم ماذا تقول بكلام الشيخ الصدوق بأن الشهادة الثالثة من وضع الغلاة والمفوضة ألم يعد هذا الكلام

/صفحة 19/

خرقاً للإجماع؟؟

وخصوصاً وكون هذا النوع من الإجماع هو إجماع مدركي، فنحن والمدرك..

دليلهم الثاني: السنة ـ الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة ـ وهذه الروايات لا تصمد أمام النقد

الرواية الأولى واردة في كتاب السلافة في أمر الخلافة للشيخ عبد الله المراغي المصري: إن سلمان الفارسي ذكر في الأذان والإقامة الشهادة بالولاية لعلي بعد الشهادة بالرسالة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، فدخل رجل على رسول الله وأخبره بذلك فقال الرسول: سمعت خيراً.

هذا الكتاب يقول عنه علماء الرجال كتاب مجهول، ولا يمكن الوثوق بصحة رواياته.

وقد ورد في كتاب الاحتجاج عن الإمام الصادق (عليه السلام): إذا قال أحدكم لا إله إلا الله محمد رسول الله

/صفحة 20/

فليقل: علي أمير المؤمنين.

وهنالك روايات عديدة من هذا القبيل في كتاب الاحتجاج.

والكل يعلم أن روايات الاحتجاج مرسلة ليس لها أسانيد، فمن الناحية العلمية تطرح جانباً.

أما عمل المشهور بهذه الروايات جابراً لسندها؛ السيد الخوئي (رحمه الله) يقول: «الشهرة لا تساوي عندي فلساً».

يبقى الاستدلال بقاعدة التسامح في أدلة السنن؛ السيد الخوئي (رحمه الله) ومعنى هذه القاعدة إن من بلغه ثواب عمل فعمله رجاء ذلك الثواب كتب له وإن لم يكن الأمر كما بلغه.

السيد الخوئي (رحمه الله) يشكل على هذه القاعدة.

إذن كل الأدلة غير ناهضة على الاستحباب.

والله سبحانه ذكر في كتابه (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).

/صفحة 21/

أما مسألة المفاسد في إدخال الشهادة الثالثة في الأذان، لا توجد أي مفسدة في ذلك.

ولو تذهب إلى لبنان لسمعت المؤذن يذكرها في كل صلاة..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الصولة والجولة:

ثم ألحقها المسمى بأبي زينب برسالة ثانية بتاريخ: 8/6/1423 للهجرة، وهي التالية:

السلام عليكم:

هادي نحن بانتظار تعليقكم آجركم الله.

ونتمنى أن يكون بمستوى ما قمنا بكتابته لكم.

آجركم الله.

ثم أرسل المسمى بأبي زينب رسالة أخرى في نفس اليوم، وهو 8/6/1423 للهجرة، يقول فيها:

أخ هادي، آجركم الله.

خذ راحتكم وما نقلته رأي السيد محمد حسين

/صفحة 22/

فضل الله.

وأنا أعلم أن الخطوط بقم هذه الأيام ضعيفة وصعبة، ولست مستعجلاً لأننا لسنا بمباراة كرة قدم، ولكن هذا رأي عالم مجتهد وقد توصل له سماحته وأرجو أن يكون جوابكم الكريم يثبت أن الرأي خاطئ جملة وتفصيلاً.

وأتمنى أن لا يكون سمعنا وقال وقلنا دون مصادر.

آجركم الله وأعانك في اتصالاتك.

وفي يوم 29/6/1423 للهجرة، أرسل المسمى بأبي زينب الرسالة التالية أيضاً:

أكرر الكلام لهادي..

السلام عليكم..

الأخ الفاضل هادي 110 أجدك قد تأخرت كثيراً عن الجواب، لعل المانع خيراً ولعل الاتصالات مع مدينة قم قد عادت لوضعها الطبيعي لتسأل عما يجب

/صفحة 23/

عليك الرد ولكن نصيحة مني هناك الكثيرون بحوزات أوروبا يمكنك الاعتماد عليهم، إسألهم ونحن ننتظر.

والصبر مفتاح الفرج.

آجركم الله والسلام عليكم.

فتلاحظ: أن المسمى بأبي زينب يرسل الرسائل في كل اتجاه في نوع من التحدي، ودون أن يعطي لمحاوريه أية مهلة..

 

/صفحة 24/

/صفحة 25/

على الباغي تدور الدوائر

فتصدينا له، وواجهناه بالحق. فأسكت الرجل وبهت..

والرسالة التي وجهناها إليه، وإلى من يحركه، ويقف وراءه، وينتظر منه، أو منهم الإجابة، هي التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله..

وبعد..

لقد اطلعت في هذا اليوم على ما ورد في «شبكة الميزان الثقافية» من كلام عن موقف السيد محمد حسين فضل الله من الشهادة الثالثة، حيث ذكرتم بعض نصوص كلامه.. واستدللتم له بما رأيتم أنه يفيد

/صفحة 26/

في دفع ما يقوله منتقدوه..

ونحن هنا لا نريد أن نسجل نقاطاً على السيد محمد حسين فضل الله، ولا على غيره، ولكننا نحب لفت نظر القارئ الكريم إلى أن ما قيل في الدفاع عن هذا الرجل لا يمكن قبوله لأسباب عديدة.. ونحن نوجز الكلام في ذلك في ضمن النقاط التالية:

محور المناقشة:

1 ـ إن الحديث لا بد أن يكون محوره هو كلام السيد محمد حسين نفسه، ولا مجال للدخول في الاستدلالات التبرعية التي جاء بها الآخرون.. لأن ذلك يضيع الفائدة، ويعيق عن الوصول إلى نتائج حاسمة، ولذا فإننا سنحاول حصر الكلام في هذا الاتجاه قدر الإمكان فنقول:

العبادات توقيفية:

2 ـ بالنسبة للاستفتاء الأول تجده تارة يقول: «لا

/صفحة 27/

مانع من الإتيان بها بقصد التبرك..» ثم يذيّل ذلك بقوله: «وإن كنا نلاحظ: أن العبادات، ومنها الأذان توقيفية ولذا يجب التوقف عند الحدود التي حددها الشرع لها، فلا يدخل فيها ما لم يأت تشريعه بالنص عن المعصوم».

فأولاً: كيف حكم بالجواز بعنوان التبرك.. ثم أوجب التوقف عند الحدود التي حددها الشرع، فلا يأتي بغير ما ورد النص عليه؟!

ولنفترض أنه لم يحسن التعبير عن مراده، وادّعى ان مقصوده أنه يجب التوقف عن عدّها في جملة فصول الأذان وأجزائه وهذا لا يتنافى مع ما ذكره من الإتيان بها لمطلق التبرك.

فإنه يقال له حينئذ: إنه لا يصح الاستدراك على الجواز تبركاً بكونها توقيفية يجب التوقف فيها عند حدود ما ورد من الشارع. فكلامه متناقض على كل حال.

/صفحة 28/

ثانياً: إذا كان يجب التوقف.. فلا يدخل في الأذان ما لم يأت تشريعه بالنص من المعصوم، فلماذا يرضى بذكر الشهادة الثالثة في الأذان في مسجده، بل في جميع مساجده يا ترى؟!

ثالثاً: إنه قد حكم بجواز الإتيان بها بقصد التبرك..

ونقول له: إذا كان قولها يوجب مفاسد كثيرة، على حد تعبيره، فكيف يجوز الإتيان بها حتى بقصد التبرك(1).

الأخبار، والشهادة الثالثة:

3 ـ إنه قد ذكر في جواب الاستفتاء الثاني أنه: «لم ينقل لنا في الأخبار: أن النبي (صلى الله عليه وآله)، أو أحداً من الأئمة (عليهم السلام) كانوا يدخلونها في الأذان أو الإقامة، ولذا.. فنحن جرياً على ذلك قلنا: إنه لا يجوز اعتبارها جزء منهما لأنها ليست كذلك».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسائل الفقهية ج2 ص123.

/صفحة 29/

ونقول:

أولاً: هل هو لم يجوّز ذلك، لأجل عدم نقل ذلك في الأخبار كما ذكره هنا؟ أم لأجل احتمال جزئية الإقامة للصلاة؟! كما لم يزل يذكره في سائر المواضع؟! فلماذا هذا الاضطراب في استدلالاته.

ثانياً: لنفترض جدلاً: أنه يستدل بكلا الأمرين إما على نحو الإستقلال أو على نحو الربط فيما بينهما فنقول له إن الشهادة الثالثة قد ذكرت في الأخبار بدليل: أن الصدوق (رحمه الله) قد ذكر: أن هناك روايات حول الشهادة الثالثة، ولكنه اعتبرها من وضع المفوضة.. ويظهر من كلامه أن هناك روايات عديدة في ذلك(1).

وقال الشيخ الطوسي: «وأما ما روي من شواذ الأخبار من قول: أشهد أن علياً ولي الله، وآل محمد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتاب الوسائل ج4 ص648 و649 أبواب الأذان والإقامة باب 19 رقم25 وكتاب من لا يحضره الفقيه ص188 و189.

/صفحة 30/

خير البرية، فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة، فمن عمل بها كان مخطئاً»(1).

وقال الشيخ أيضاً: «فأما قول أشهد أن علياً أمير المؤمنين، وآل محمد خير البرية، على ما ورد في شواذ الأخبار؛ فليس بمعول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنه ليس من فضيلة الأذان، ولا من كمال فصوله»(2).

وقال العلامة: «وأما ما روي من الشاذ، من قوله: إن علياً ولي الله، وأن محمداً خير البرية، فمما لا يعول عليه»(3).

إلى غير ذلك مما يؤكد، وجود هذه الروايات، وقد أفتى العلماء بجواز أن تقال فيه وإن كانوا لم يقولوا بأنها جزء من فصول الأذان، ويحكمون على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النهاية للطوسي ص69.

(2) المبسوط ج1 ص99.

(3) المنتهى ج1 ص255.

/صفحة 31/

تلك الأخبار بأنها شاذة. وسيأتي المزيد من التوضيح لهذا الأمر إن شاء الله..

فكيف يقول السيد محمد حسين فضل الله: إنه لا توجد أخبار في ذلك..

إلا أن يكون مراده نفي أن يكون هناك أخبار تدل على أن الأئمة (عليهم السلام) قد قالوا هم أنفسهم هذه الكلمة في أذانهم وإقامتهم..

ثالثاً: إنه حتى لو ثبت أن الأئمة أسقطوها من أذانهم فإن ورود الأخبار بها عنهم، يكفي للحكم بجزئيتها، لإمكان أن يكونوا (عليهم السلام) قد أسقطوا هذا الجزء تقية على أنفسهم وعلى شيعتهم. بانتظار ارتفاع المانع من ذلك..

ولكنه كلام غير مقبول أيضاً، وذلك لما يلي:

ألف ـ إنه حتى إذا كانت مستحبة، أو حتى لو كانت جزءاً حقيقياً من الأذان والإقامة، فإنه لا يجب أن يقولها الأئمة (عليهم السلام)، ما دام هناك تقية، وما دام هناك

/صفحة 32/

سعي لحفظ الشيعة في تلك الأزمنة الصعبة..

ب ـ إن تلك الأخبار التي كانت موجودة لم ينقلها الصدوق لاعتقاده أنها غير صحيحة، فلعلها قد ذكرت أن الأئمة (عليهم السلام) قد فعلوا ذلك أيضاً، فلا يمكن نفي رواية ذلك بصورة قاطعة. كما فعله السيد محمد حسين فضل الله.

ج ـ وحتى لو لم ينقل ذلك في الأخبار، فإنه لا يدل على عدم فعلهم صلوات الله وسلامه عليهم، وها نحن نجد أحكاماً كثيرة جداً لا تكاد تحصى، يتحدث لنا الأئمة (عليهم السلام) عنها، ولا تذكر الروايات أنهم هم أنفسهم قد فعلوها..

والحاصل: أن الاستدلال على صحة أمر، لا يتوقف على نقل فعلهم (عليهم السلام) له، بل يكفي تصريحهم بجوازه وصحته أو تقريرهم لفاعله.

ثالثاً: بعض الروايات ذكرت: أن مجموع فصول الأذان والإقامة هي: اثنان وأربعون حرفاً..

/صفحة 33/

وقد حاول العلماء فهمها على أساس: أن المراد تربيع التكبير في الأذان والإقامة في الأول وتربيعه قبل التهليل في الآخر، مع زيادة: قد قامت الصلاة في الإقامة مرتين ودونه ثمانية وثلاثون بأن يقتصر على المرتين في التكبير أولاً وآخراً، ودونه سبعة وثلاثون ودونه خمس وثلاثون.

غير أننا نقول: لم لا تكون رواية الاثنين وأربعين حرفاً ناظرة إلى تلك الأخبار التي أخبرنا عنها الصدوق، والشيخ، والعلامة، وغيرهم.. حيث تذكر الشهادة بالولاية لعلي أربع مرات في الأذان والإقامة؟!

رابعاً: قد ذكر الشيخ عبد النبي العراقي في كتابه: أن المراغي قد ذكر في: كتاب السلافة في أمر الخلافة روايتين:

إحداهما تقول: إن أبا ذر (رحمه الله) قد أذن بالولاية لعلي (عليه السلام)، فشكاه الناس لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأقره على ما فعل.

والثانية: تروي ما يقرب من ذلك عن سلمان

/صفحة 34/

الفارسي أيضاً.

فقول السيد محمد حسين فضل الله: لم ينقل لنا في الأخبار أن النبي (صلى الله عليه وآله)، أو أحداً من الأئمة (عليهم السلام) كانوا يدخلونها في الأذان والإقامة يصبح بلا معنى.. باعتبار أن المطلوب كما أشرنا هو الأعم من إدخالهم (عليهم السلام) إياها في الأذان والإقامة عملياً، أو تصريحهم بذلك القول أو إقرار غيرهم على فعلها كما هي الأقسام الثلاثة لسنة المعصوم (عليهم السلام).

خامساً: وفي جميع الأحوال فإن السيد محمد حسين فضل الله لم يزل يقول: كما الإثبات يحتاج إلى دليل، كذلك النفي يحتاج إلى دليل.. فنحن نلزمه بتقديم الدليل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لم يقولوا الشهادة الثالثة في أذانهم ولا في إقامتهم.

من الذي أدخل الشهادة الثالثة؟! ولماذا؟

4 ـ لقد ذكر في الفتوى الثانية!! قوله: «لعل الذين أدخلوها هم الغلاة من الشيعة ـ كما يقول الشيخ

/صفحة 35/

الصدوق (رحمه الله) ـ باعتبار أنه يستحب الشهادة لعلي بالولاية، كلما ذكرت الشهادة للنبي (صلى الله عليه وآله) بالرسالة.. ولكن هذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك فيما هو من الأمور التوقيفية، كالأذان والإقامة...».

ونقول:

أولاً: إن الشيخ الصدوق (رحمه الله) لم يذكر ذلك، بل ذكر أن سبب إدخالهم الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة هو روايات عندهم واردة في الأذان، فقد قال:

«وفي بعض رواياتهم، بعد أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن علياً ولي الله، مرتين. ومنهم من روى بدل ذلك: أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً مرتين»(1).

ثانياً: إن الذين استدلوا بما دل على استحباب الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية كلما ذكرت الشهادة للنبي (صلى الله عليه وآله) بالرسالة.. ليسوا هم الغلاة أو المفوضة، بل هم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه ج1 ص188.

/صفحة 36/

علماؤنا الأبرار الأخيار رضوان الله تعالى عليهم. فراجع كلماتهم في المستمسك، للسيد الحكيم رضوان الله عليه، وغيره.

فهل يريد اتهام هؤلاء الفقهاء العظام بهذا الأمر العظيم؟!

ثالثاً: لقد قال السيد الحكيم (رحمه الله):

«مجرد الشهادة بكذب الراوي، لا يمنع من احتمال الصدق واقعاً، الموجب لاحتمال المطلوبية..».

وقال في البحار:

«لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلامة، والشهيد، وغيرهم، بورود الأخبار بها».

رابعاً: إن الشيخ وغيره قد تحدثوا عن ورود أخبار بالشهادة بالولاية لعلي (عليه السلام) بالأذان.. لكن وذكر الصدوق (رحمه الله) أيضاً: أن المفوضة قد وضعوا أخباراً في ذلك..

/صفحة 37/

والسؤال هو:

ألف : من الذي قال: إن الأخبار التي أشار إليها الصدوق هي نفس الأخبار التي تحدث عنها الشيخ، والعلامة، والشهيد..

ب : وحتى لو كانت هي نفسها، فإن حكم السيد محمد حسين فضل الله بعدم ورود أخبار في الشهادة الثالثة يبقى غير مقبول، كما قلنا. وعليه أن يثبت لنا هذا النفي، وفقاً لقاعدته المعروفة عنه.

خامساً: بالنسبة إلى حكم الصدوق على الأخبار التي أشار إليها بأنها من وضع المفوضة نقول: إن هذا ما هو إلا رأي اجتهادي له.. فلا بد أن ينظر فيه، إذ أن طعن الصدوق بالأخبار لا يسقطها عن الحجية، على أساس المعايير الاجتهادية، فقد يقبل منه، وقد يرد عليه.. ولتوضيح ذلك، نقول:

ألف ـ إن الشيخ الصدوق (رحمه الله) مطالب بإثبات مدعاه بأن تلك الأخبار موضوعة، فكيف عرف ذلك؟!

/صفحة 38/

هل حضر معهم، ورآهم يفعلون ذلك؟!

أم أنه يصدر حكمه هذا استناداً إلى قرائن؟! فلا بد أن نسأله عن تلك القرائن التي استند إليها، فليبينها لننظر فيها.. فلعلها لا تصلح للقرينية، والظاهر أن الأمر كذلك، أي أنها غير صالحة، ولذلك لم يقبل منه ذلك الفقهاء العظام، وسيأتي السبب إن شاء الله..

ب ـ من أين عرف الشيخ الصدوق (رحمه الله): أن خصوص المفوضة هم الذين وضعوا تلك الأخبار ـ لو كانت موضوعة بالفعل؟!

ج ـ ما الذي يستفيده المفوضة من وضع هذه الأخبار في الأذان والإقامة؟! فهل هي تساعدهم على القول بالتفويض؟! أو هل يثبت بها أن الله قد فوض أمر خلق الخلق إلى علي (عليه السلام)؟!..

وهل يلزم من ذلك ـ وفق هذا المنطق ـ إعتقاد أن الشهادة للنبي (صلى الله عليه وآله) بالرسالة ـ وهو الأمر المتفق عليه بين علماء الأمة بأسرها ـ هو الآخر من علائم

/صفحة 39/

تفويض أمر خلق الخلق إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، كما يعتقده المفوضة؟

ولم اختاروا الأذان ليضعوها فيه، ولم يضعوها في الصلاة مثلاً؟!

وهل وضعها يفيدهم، ولا يفيد غيرهم، فالتزم بها هؤلاء، وانصرف عنها أولئك؟!

د ـ إن الشيخ الصدوق إنما اعترض على تلك الأخبار لأنه قد فهم منها: أن الشهادة الثالثة جزء من الأذان، ومن فصوله التي يبطل بتركها، ولذلك قال: «ولكن ذلك ليس في أصل الأذان» فاتخذ منها هذا الموقف، لأنه مقتنع بأنها ليست من فصوله الأصلية..

ولو أنه فهم منها أنها تقول: بأن الشهادة الثالثة هي من قبيل المستحب في ضمن فعل آخر.. كالقنوت في الصلاة، وكالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الشهادة الثانية في الأذان والإقامة، فلربما لا يعترض عليها بهذه الشدة والحدة، بل لعله يقبلها ويفتي بمضمونها..

/صفحة 40/

وفقهاؤنا رضوان الله تعالى عليهم إنما يفتون، إما باستحبابها في ضمن فعل آخر، كالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)، عند ذكره في الشهادة الثانية، أو يجوّزون ذكرها برجاء المطلوبية، والحصول على الثواب الوارد في تلك الأخبار، أو في خبر الاحتجاج..

ولا يقولون بأنها جزء من أصل الأذان، ولا أنها من فصوله، كما يعلم من مراجعة كلماتهم..

والحاصل: أنه ليس ثمة ما يدل على أن الصدوق قد أصاب في حكمه على تلك الأخبار بالوضع، فلعلها قد صدرت عن المعصوم بالفعل، وقد اشتبه الأمر عليه (رحمه الله)، خصوصاً مع تفرده بالطعن عليها بالوضع.

وهناك أمور كثيرة تفرد بها الشيخ الصدوق لم يقبلها منه علماؤنا وفقهاؤنا رضوان الله تعالى عليهم. ولا نريد أن نثير هذه القضايا لقلة جدواها فيما نحن بصدد الحديث عنه. ولا مانع من أن يشتبه الأمر على

/صفحة 41/

الصدوق، فلا يلتفت إلى أن القصد منها هو الإعلام بجواز الشهادة الثالثة في الأذان، وإن لم تكن من فصوله..

د ـ إنه حتى لو كانت تلك الأخبار تريد تشريع الشهادة الثالثة في الأذان ولو مع قصد الجزئية، فما هو المانع من ذلك.

كما أن ذلك لا يوجب أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) قد فعلاها.

إذ حتى لو لم يرد ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وعن علي (عليه السلام).. فإن مما لا ريب فيه: أن بيان بعض الأحكام لم يكن ميسوراً لهم في بعض تلك الحقب الزمنية، لأكثر من سبب وعلة.. فبقيت محفوظة لديهم (عليهم السلام)، إلى أن بينها من تأخر زمانه من الأئمة (عليهم السلام)، بصورة لا توجب هيجان المناوئين لشيعتهم، ومواجهة الشيعة بالأذى.

وحين استقرت أمور الاعتقاد، وأصبح بالإمكان

/صفحة 42/

الجهر بهذه القضايا، ولو بمقدار محدود.. بادروا (عليهم السلام) إلى ذلك، وبينوا للناس ما لزم بيانه، وبالطريقة المناسبة لظروفهم (عليهم السلام)، ولعل هذا هو سبب عدم ظهور تلك الأخبار في الكتب المشهورة الشائعة، ولعل ظهورها في غيرها قد ابتلي بمعوقات وموانع كما يدل عليه موقف الشيخ الصدوق (رحمه الله)، منها فإن عدم ذكره لها بسبب شبهة عرضت له قد حرمنا من الاطلاع عليها.

ز ـ ومما يدعم ما ذكرناه آنفاً: أن الأدلة قد دلت على أن الله تعالى قد فوض للنبي (صلى الله عليه وآله)، وللأئمة (عليهم السلام) جعل وإنشاء بعض الأحكام، وذلك حينما تكتمل العناصر الموجبة لذلك، وفقاً للضوابط التي أعطاهم الله إياها.. وقد أضاف النبي (صلى الله عليه وآله)، الركعتين الأخيرتين من صلاة الظهر والعصر والعشاء، ولأجل ذلك يعبّر عن هاتين الركعتين بركعتي السنة، وعن الركعتين الأوليين بركعتي الفريضة..

سادساً: إن من الواضح: أن مطالبة النبي (صلى الله عليه وآله)

/صفحة 43/

والأئمة (عليهم السلام)، بالإعلان بالشهادة الثالثة، وأخذ شيعة علي (عليه السلام) بها، وورودها في الأخبار بصورة مكثفة، سوف يصطدم بقسوة وبطش الحكام والجبارين، بأهل البيت (عليهم السلام)، وشيعتهم، والإيقاع بهم..

وكيف نتصور أن يسمح الخلفاء الغاصبون، وبعدهم حكام بني أمية، ثم العباسيون بهذا الأمر الذي يرون أن لا شيء أخطر منه على سياساتهم، وقد قتلوا من أجله من قتلوا من أهل البيت (عليهم السلام)، وشيعتهم..

وليس عدوانهم على الزهراء عليها السلام)، وإسقاط المحسن، ثم استشهاد الإمام علي، والحسن، والحسين (عليهم السلام)، وسائر ما جرى على الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم من بعده، بالذي يمكن أن يجهله، أو أن يتجاهله أحد..

الإقامة جزء من الصلاة:

5 ـ قد ذكر السيد فضل الله في فتواه الثانية:

«أنه يحتمل أن تكون الإقامة بمثابة الجزء من

/صفحة 44/

الصلاة..» واستدل على ذلك بقوله: «لأنه يكره كراهة شديدة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة..».

ونقول:

أولاً: إن كراهة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد والإقامة، لا يدل على أن الشهادة الثالثة في وسط الإقامة تنافي الإقامة، فإن هذا قياس باطل.. فإذا جاز هذا القياس عنه، فنحن نلزمه بما ألزم به نفسه، حيث أنه يصرح بأن الشهادة الثالثة لا تبطل الإقامة ولا الأذان.. فإذا كانت لا تبطلهما، فهي لا تبطل الصلاة؟!

ثانياً: إن نفس دليله على صحة ما يدعيه هو الدليل على بطلانه، لأن الإقامة لو كانت جزءاً من الصلاة لكان الإتيان بما ينافي الصلاة فيما بينهما حراماً ومبطلاً، فكيف يكون مكروهاً كراهة شديدة فقط؟!

فالحكم بكراهة المنافي دليل على عدم الجزئية، وإلا لكان اللازم الحكم بحرمة المنافي لا بكراهته.

ثالثاً: إن الدليل دل على كراهة بعض الأمور بين

/صفحة 45/

الإقامة والصلاة، لا على كراهة جميعها، فإنه لا يكره الكلام في تقديم إمام..

بل قد دلت الروايات العديدة على أنه لا بأس بالكلام بين الإقامة والصلاة بما شاء، ودلت روايات أخرى على جواز التكلم بين فصول الأذان والإقامة أيضاً، فراجع(1).

فلا يصح قوله: لأنه يكره كراهة شديدة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة.

ودلت الروايات أيضاً على عدم لزوم استقبال القبلة، فراجع ما رواه علي بن جعفر عن أخيه الإمام الكاظم (عليه السلام)(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل ط دار إحياء التراث ج4 ص629 و630 وفي هامشه عن التهذيب ج1 ص149 والاستبصار ج1 ص154 والسرائر ص479 .

(2) راجع الوسائل دار إحياء التراث ج4 ص673 عن قرب الإسناد ص86 .

/صفحة 46/

رابعاً: إن السيد فضل الله قد قال: «إنه يحتمل أن تكون الإقامة بمثابة الجزء من الصلاة..».

ونقول إن هذه الجزئية المستنبطة لا مجال لترتيب أحكام قطعية عليها، والاحتجاج بها على الفقهاء، والمنع عن العمل ولو بالخبر الشاذ لأجلها، أو المنع من الإتيان بالأمر برجاء المحبوبية والمطلوبية، أو برجاء ثواب محتمل..

إذا كان شذوذه لا يمنع من العمل به كما هو الحال في موارد التقية الصعبة جداً ولاسيما إذا كانت هذه الأحاديث موجودة في عصر الغيبة الصغرى، وقد عمل بها واستند إليها بعض الفقهاء، وإن أنكر عليهم الصدوق ذلك لأجل شبهة عرضت له.

خامساً: إن تعبيره صريح في أنه قد عجز حتى عن استنباط جزئية محتملة للإقامة في الصلاة، حيث قال: «هي بمثابة الجزء»!! فكيف يصح منه إذن أن يرتب هذه الأحكام على أمر لا يستطيع هو أن

/صفحة 47/

يحتمله، بل هو يحتمل ما هو بمثابته؟

سادساً: إن ما يكون بمثابة الشيء ليس بالضرورة أن تكون له جميع أحكام ذلك الشيء، فقد تترتب عليه بعضها دون بعض.. فإن الأمر في ذلك تابع لدليل التنزيل.

سابعاً: إنه لو صح ما ذكره من كراهة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة، فإن ذلك لا يوجب، لا احتمال الجزئية، ولا احتمال عدمها، حيث لا ربط لذلك بالجزئية، ولا بسواها. إذ هناك أمور شرعية يشترط فيها الوضوء، ويشترط فيها استقبال القبلة، وعدم الفصل بينها وبين الصلاة، وليست جزءاً من الصلاة كما في دعاء التوجه(1) وعند القيام إليها(2) وكما هو الحال في التكبيرات السبع التي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: وسائل الشيعة ط دار إحياء التراث ج4 ص724.

(2) راجع: الوسائل ج4 ص708.

/صفحة 48/

تفتتح بها الصلاة(1).

ثامناً: حتى لو كانت الإقامة جزءاً حقيقياً، فإن أحكام الأجزاء تختلف أيضاً، فإن بعضها تبطل الصلاة بتركه، وبزيادته عمداً أو سهواً، وبعضها ليس كذلك.. وقد حكم نفس السيد محمد حسين فضل الله: أن زيادة الشهادة الثالثة ليس مبطلاً خصوصاً إذا كان ذلك بقصد التبرك.

فما معنى جعل احتمال جزئية الإقامة للصلاة ـ بعد هذا كله ـ دليلاً على عدم جواز الإتيان بالشهادة الثالثة؟! إن ذلك عجيب حقاً!! وأي عجيب!!

تاسعاً: إن من يهاجم العلماء لأجل احتياطهم في الأحكام، لا يحق له أن يثير كل هذه الضجة من أجل احتمال إما لا منشأ له سوى هذا الذي صرح به هو نفسه أو أن منشأه روايات ضعيفة لا يصح منها شيء من حيث السند.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: نفس المصدر ص721.

/صفحة 49/

والأدهى والأمر: أنه يدعي أن في ذكرها في الأذان والإقامة مفاسد كثيرة، وأنه يثير ذلك كله ليمنع من يقولها لا بقصد الجزئية، ولو بنية القربة المطلقة أو بنية الاستحباب العام في الخاص تماماً كما هو الحال في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)، حين ذكره في الأذان..

الرواية الدالة على جزئية الإقامة للصلاة:

6 ـ وبعد.. فإن ما استدل به السيد فضل الله على جزئية الإقامة للصلاة من الآثار هو:

أولاً: ما تقدم مما دل على اعتبار الوضوء، والاستقبال، وعدم الكلام، وعدم الفصل الكثير بينها وبين الصلاة..

وما ذكرناه من روايات صريحة بخلاف ذلك كاف في إسقاط الاستدلال بهذه الروايات..

هذا بالإضافة إلى إيرادات أخرى ذكرناها فيما تقدم فلا نعيد.

ثانياً: رواية أبي هارون المكفوف، التي تقول: إن

/صفحة 50/

الإمام الصادق (عليه السلام)، قال له: يا أبا هارون، الإقامة من الصلاة، فإن أقمت، فلا تتكلم، ولا توم بيدك(1).

ونقول:

ألف ـ إنها رواية ضعيفة السند.. فلا معنى للاستناد إليها ممن لم يزل يطالب الآخرين بالسند الصحيح..

ب ـ إن علماء الأمة بأجمعهم قد أعرضوا عن هذه الرواية، حيث لا يمكن أن تجد فقيهاً واحداً يقول حتى باحتمال أن تكون الإقامة جزءاً من الصلاة، فضلاً عن أن يجزم بذلك كما هو مقتضى هذه الرواية.

ج ـ هناك روايات كثيرة ومنها ما هو صحيح السند تدل على جواز التكلم في الإقامة وبعد الإنتهاء منها كما ألمحنا إليه سابقاً(2).

د ـ إن قوله في رواية أبي هارون: الإقامة من الصلاة يمكن حمله على ما لا ينافي تلك الروايات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ج4 ص630.

(2) راجع: كتاب الوسائل ط دار إحياء التراث ج4 ص628 /630.

/صفحة 51/

________________________________________

الصحيحة والكثيرة، بأن يكون المراد أنها بمنزلة الصلاة، كقوله (عليه السلام): الطواف في البيت صلاة..

هـ ـ إن الروايات الدالة على جواز ذكر الشهادة الثالثة، وعلى مطلوبيتها في الأذان والإقامة وإن وصفت بالشذوذ. لكن ذلك لا يعني عدم صحة سندها.. فإن الشاذ إنما هو في مقابل ما هو متداول في الكتب المشهورة، والمعروفة.. وطعن الصدوق بها لا يعني سقوطها، وليس بالضرورة أن يكون مصيباً في ذلك كما أوضحناه..

فكيف يترك السيد فضل الله هذه الأخبار، التي لا يعلم ضعفها إلا من جهة عدم وجودها في الكتب الشائعة ويلجأ إلى رواية لا شك في ضعف سندها، ولا شك في وجود روايات كثيرة وصحيحة تناقضها، فيرتب عليها أحكاماً واحتياطات، مع أنه لم يزل هو يشنع على العلماء إذا أوجبوا الاحتياط استناداً إلى أدلة سديدة وقوية؟!

/صفحة 52/

ثامناً: وأما الحديث عن احتمال جزئية الإقامة من الصلاة، فقد دلت النصوص الكثيرة جداً والصحيحة على نفيه.

ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما ورد في كتاب: «خلفيات كتاب: مأساة الزهراء ج2 ص441 الطبعة الخامسة» مما دل على استقلال الصلاة عن الإقامة:

أ ـ أن مفتاح الصلاة التكبير(1) فلو كانت الإقامة جزءاً من الصلاة لكان اللازم القول: إن مفتاح الصلاة الإقامة.

ب ـ لقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله): «افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ط دار إحياء التراث ج4 ص714 عن التهذيب ج1 ص330.

(2) المصدر السابق ص715 عن الكافي [الفروع] ج1 ص21 وعن من لا يحضره الفقيه ج1 ص12.

/صفحة 53/

ج ـ في حديث عن «الله اكبر» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا تفتح الصلاة إلا بها»(1).

د ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يكبر حتى افتتح الصلاة، «قال: يعيد الصلاة»(2).

هـ ـ في حديث عن ابن يقطين: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلوة حتى يركع، «قال: يعيد الصلاة»(3).

و ـ عن الإمام الرضا (عليه السلام): «الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح»(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص715 عن المجالس ص113.

(2) المصدر السابق ص716 عن التهذيب ج1 ص176 وعن الاستبصار ج1 ص177.

(3) المصدر السابق عن المصدرين السابقين أيضاً.

(4) المصدر السابق ص716 و718 عن الفروع ج1 ص96 وعن التهذيب ج1 ص232 و176 وعن الفقيه ج1.

/صفحة 54/

ز ـ عن عمار: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف إمام، فلم يفتتح الصلاة، قال: «يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح»(1).

ح ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح»(2).

ط ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير» الخ..(3).

ي ـ عن الرضا (عليه السلام) أنه سئل عن رجل «نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع الخ..».

فكل هذه الأحاديث ـ باستثناء حديث: «ب ـ» اعتبرت أن افتتاح الصلاة هو التكبير لا الإقامة، فكيف يحتمل هذا البعض احتمالاً قوياً جداً!! أن الإقامة جزء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق عن التهذيب ج1 ص237.

(2) المصدر السابق ص617 و618 عن الفقيه ج1 ص115.

(3) المصدر السابق ص618 عن الفروع ج1 ص96 وعن التهذيب ج1 ص176 وعن الاستبصار ج1 ص178.

/صفحة 55/

من الصلاة وما قيمة الرواية الضعيفة باعترافه التي تحدث عنها؟!

ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية(1).

يضاف إلى ذلك كله: الروايات التي ذكرت: أن الإمام الباقر (عليه السلام)، قد صلى بلا أذان، وبلا إقامة.. تارة لأنه مرّ بجعفر (عليه السلام)، وهو يؤذن ويقيم، فلم يتكلم، فأجزأه ذلك.. وأخرى لأنه سمع جاراً له يفعل ذلك، فصلى بدونهما، وقال: يجزيكم أذان جاركم..(2).

كما أن الإمام الصادق (عليه السلام)، كان يؤذن، ويقيم غيره. وكان أيضاً يقيم، ويؤذن غيره(3).

وعلى أي حال فإن الذي يدخل في هذا السياق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق عن التهذيب ج1 ص 176 وعن الفقيه ج1 ص115 وعن الاستبصار ج1 ص178.

(2) راجع: الوسائل ط دار إحياء التراث ج4 ص659.

(3) راجع: الوسائل ط دار إحياء التراث ج4 ص660.

/صفحة 56/

كثير، فمن أراد المزيد فليراجع كتاب وسائل الشيعة، ومستدرك الوسائل، والوافي، والبحار، وغير ذلك من مجاميع الحديث والرواية. وليلاحظ الروايات ودلالاتها.

دليل لا نوافق!!

7 ـ وقد ذكر في الفتوى الثالثة: أنه لا يوافق على زيادة الشهادة الثالثة في الأذان وليس فيها مصلحة شرعية..

ونقول:

أولاً: إن موضوع الكلام حول الشهادة الثالثة، هو في جواز إيرادها في الأذان، والإقامة، أو عدم جوازه.. وليس الكلام في موافقة البشر على ذلك، أو عدم موافقتهم..

ثم الكلام هو في أنها هل تبطل الأذان والإقامة، أو لا تبطلهما؟! أو أنها تبطل الصلاة، أو لا تبطلها؟! لا في موافقة السيد محمد حسين فضل الله، أو عدم موافقته..

/صفحة 57/

ثانياً: إن توقيفية الأذان والإقامة لا تمنع من الإتيان بالشهادة الثالثة فيهما برجاء المطلوبية، استناداً إلى الأخبار التي أشار إليها الصدوق، والطوسي، والعلامة، والشهيد.. أو بعنوان استحباب شيء في ضمن شيء آخر، إما لأجل تلك الأخبار أيضاً، أو لأجل خبر الاحتجاج.. أو لأجل الإجماع على مشروعيتها، أو لأجل جريان سيرة المتشرعة إلى زمن المعصوم أو لأجل غير ذلك من أمور ذكرها العلماء.. كقاعدة من بلغه ثواب على عمل.. وغيرها.

ثالثاً: إن الحكم بعدم وجود مصلحة شرعية، متوقف على أن يكون السيد محمد حسين فضل الله مطلعاً على الواقع، الذي هو من غيب الله تعالى، ولا أظنه قادراً على أن يدعي ذلك في هذه الفترة على الأقل!!

رابعاً: إذا كان ينفي وجود المصلحة، ويريد نفي علمه بها، لكن العبارة قد خانته، والعبارة الصحيحة

/صفحة 58/

هي أنه لا يجد مصلحة شرعية في ذلك.. كما هو تعبيره في المسائل الفقهية ج2 ص123.

فنقول له:

إن المدار ليس على أن يجد هو المصلحة، بل المدار على أن يجد الدليل على الجواز، فإذا وجد الدليل على الجواز، فلا مانع من الزيادة.

بل قد يقال: إن المدار هو على أن لا يجد دليلاً على المنع من الزيادة، ولا حاجة إلى أكثر من ذلك..

فكيف إذا كانت هناك أدلة عامة ـ تقدمت الإشارة إلى بعضها ـ يصح الاستناد إليها في أصل الجواز والمشروعية.

دليل الزيادة: أنها حق في نفسها:

8 ـ وقد قال في فتواه الثالثة أيضاً: «أنه لا يوافق على زيادة الشهادة الثالثة في الأذان، لأن ذلك يؤدي إلى فتح الباب أمام الكثيرين للاجتهاد في إدخال الكثير من الأمور، من خلال أنها حق في نفسها».

/صفحة 59/

ونقول:

أولاً: لم يستدل أحد أبداً على زيادة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة بأنها حق في نفسها..

بل استدلوا: إما بالأخبار التي أشار إليها الصدوق، أو بخبر الاحتجاج، أو بغير ذلك مما أشرنا إليه فيما سبق. فما معنى طرح القضية بهذه الطريقة؟؟!!

ثانياً: إن كلامه يشير إلى أن إدخال الشهادة بالأذان إنما كان بفعل الفقهاء وباجتهاد منهم، مع أن هناك أخباراً تدل على ذلك، بالإضافة إلى أدلة أخرى، إذن.. فليس إدخالها في الأذان باجتهاد منهم، كما ينسبه إليهم!!

ثالثاً: لنفترض ـ وفرض المحال ليس محالاً ـ أنهم قد أدخلوها باجتهاد منهم، وأن إدخالها كان من خلال أنها حق في نفسها.. فإن ما يخاف منه السيد محمد حسين فضل الله لم يحصل، ولو في مورد واحد، طيلة حوالي ألف ومئتي سنة، حسبما تشير إليه

/صفحة 60/

المعلومات المتوافرة عنها..

بل إذا أخذنا بالروايات ومنها ما روي عن سلمان وأبي ذر، فإن زيادتها ـ في الأذان ـ تمتد إلى عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)..

ومهما يكن من أمر، فإن على السيد محمد حسين فضل الله قبل أن يطرح مخاوفه هذه، أن يثبت وجود مبررات لها من خلال واقع الفقهاء والعلماء، فيما يرتبط بتقواهم، أولاً، وبمناهجهم الاجتهادية ثانياً.. وليس له أن ينسب إليهم أموراً لم يفعلوها.. بل لم يفكروا بأن يفعلوها.. لأن دينهم يمنعهم من ذلك..

الاستدلال بالإجماع:

9 ـ ويبقى سؤال، وهو:

هل يمكن الاستدلال بالإجماع على جواز ذكر الشهادة الثالثة في الأذان؟! ويمكن أن يجاب: بأن مما لا شك فيه: أن ذكرها بعنوان الجزئية مما لم يقم عليه إجماع ولا شهرة، ولا غيرها..

/صفحة 61/

وأما ذكرها، لا بعنوان الجزئية، فقد يدعى: أن الإجماع قائم على جوازه، سواء أكان بعنوان التبرك، أو برجاء المثوبة. أو بعنوان الاستحباب لعمل في داخل عمل آخر.. استناداً إلى عمومات بعينها، تماماً كما هو الحال بالنسبة لاستحباب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)، حين الشهادة له، بالرسالة في الأذان والإقامة، فإن هذه الصلاة عليه ليست جزءاً من الأذان، بل هي مستحبة عند ذكر اسمه الشريف في الأذان، أو في غيره..

لكن يبقى هنا إشكالان:

الأول: أنه كيف يدعى الإجماع والصدوق مخالف في ذلك؟!

والجواب عن ذلك قد تقدم من عدة وجوه، منها: أن كلامه ظاهر في أنه إنما أنكر كونها أحد فصول الأذان، ومن أجزائه، ولم ينكر قولها برجاء الثواب، أو بعنوان الاستحباب العام، كالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)..

ومنها: أن كاشفية الإجماع عن قول المعصوم لا

/صفحة 62/

يقدح فيها مخالفة الشيخ الصدوق، على عدة من المباني في حجية الإجماع.. وقد ظهر أن مخالفة الصدوق كانت لشبهة عرضت له كما أوضحناه.

الثاني: إنه قد يقال: إنه إجماع مدركي، فلا بد أن ينظر في المدرك والدليل.

ويمكن أن يجاب عن ذلك.. بأنه ليس كل إجماع مدركي يكون ساقطاً عن الحجية، بل بعض موارد هذا الإجماع، حجة أيضاً.. وقد يكون هذا المورد منه.. وذلك فيما إذا أجمع فقهاء الأمة على حكم، واستدلوا بدليل ظاهر الفساد، إلى حد أنه لا يعقل أن يستند جهابذة العلم، وأساطينه إلى دليل من هذا القبيل، فإن ذلك يشير إلى أنهم رضوان الله تعالى عليهم قد أخذوا الحكم عن المعصوم، ولكنهم يستدلون بمثل هذه الأدلة لإبعاد الشبهة عنه. أو لأسباب أخرى لم تظهر لمن بعدهم..

فيكون هذا المدرك الذي أعلنوا عنه بحكم العدم

/صفحة 63/

ويتعامل مع هذا الإجماع على أساس أنه إجماع كاشف عن رأي المعصوم.

وعلى كل حال فإن إطلاق القول بعدم حجية الإجماع لمجرد وجود المدرك، غير صحيح، لما ذكرناه، ولمعلومية صحة وحجية كثير من الإجماعات التامة، مع أنها لا تخلو من مدرك صحيح معتبر خصوصاً على مسلك الحدس في حجية الإجماع، فإن الحدس بالحكم الصادر منه (عليه السلام) من اتفاق جميع العلماء أو جميع أعيانهم في الأعصار والأمصار، ليس بعزيز ولو كان له ألف مدرك.

على أن المتتبع يشهد بأن جملة من الإجماعات قد انعقدت وصحت قبل تصنيف الكتب المعدة للاستدلال وذكر المدارك والأدلة.

ومجرد وجود الدليل في زمن انعقاد الإجماع لا يدل على التمسك به في المسألة بل قد يحرز عدمه. فيكون مثل هذا الإجماع كالإجماع الخالي من المدرك

/صفحة 64/

في تعبديته، وكاشفيته عن قول الإمام (عليه السلام).

بل قد يدعى في كثير من الإجماعات المزعوم مدركيتها أن التمسك بالمدرك والاستناد إليه إنما نشأ متأخراً لأجل الحاجة إلى إثبات الأمر بالدليل في مقابل الخصوم، وفي مقام الجدال العلمي. أو لمن لم يثبت عنده الإجماع أو غير ذلك، وتشخيص ذلك ومعرفته هو شأن الفقيه العارف وليس كل أحد.

ويمكن التمثيل هنا لموضوع السعي إلى إبهام بعض الأمور، بما ورد من استحباب التياسر لأهل العراق في الصلاة إلى الكعبة، حيث كانوا يأمرون شيعتهم بالتياسر، ويذكرون في تعليل هذا الأمر أموراً يشكل تطبيقها على المورد.. ولكن الفقهاء مع ذلك قد غضوا النظر عن تلك التعليلات، والتزموا بالأوامر الصادرة..

فيقولون مثلاً: إن سبب استحباب التياسر هو زيادة فسحة الحرم إلى الجهة الأخرى.

/صفحة 65/

وواضح: أن هذه الزيادة اليسيرة في الحرم، لا تستدعي ذلك، لأن التياسر، ولو بمقدار إصبع، سينتهي إلى الابتعاد عن الكعبة عشرات الأميال، بعد امتداد المسافة إلى المئات والألوف..

وهذا يدل على أن ثمة سراً سيلحق البوح به ضرراً أساسياً بهم (عليهم السلام)، وبشيعتهم.. فلجأوا إلى بيان الأمور بهذه الطريقة.. وربما كان المقربون منهم يعرفون ذلك، فيسكتون، أو لا يعرفونه، فيقبلون منهم، ويسلمون لهم صلوات الله وسلامه عليهم..

قاعدة التسامح:

10 ـ قال السيد الخوئي (رحمه الله): «إن قاعدة التسامح في أدلة السنن غير تامة في نفسها، إذ لا يثبت بها إلا الثواب دون الاستحباب، لتكون الشهادة الثالثة من فصول الأذان، وأجزائه المستحبة ـ كما فصلنا البحث حوله في الأصول ـ إذ على تقدير تسليمها فهي خاصة بصورة بلوغ الثواب فحسب، لا بلوغه مع بلوغ

/صفحة 66/

عدمه، كما في المقام، حيث إن الراوي، وهو الشيخ، والصدوق قد بلغنا عنه القطع بكذب تلك الرواية، وعدم الثواب على الشهادة»(1).

ونقول:

أولاً: إننا لا نريد أن نثبت بقاعدة التسامح في أدلة السنن استحباب الشهادة الثالثة.. بل نريد فقط أن نقولها لنحصل على الثواب.. وهذا لا يمانع فيه السيد الخوئي (رحمه الله)، كما ظهر من كلامه.

ثانياً: إن ثبوت الاستحباب بقاعدة التسامح بأدلة السنن، لا يلزم منه اعتبار الشهادة الثالثة جزءاً من الأذان.. إلا إذا كان الاستدلال عليها بالأخبار التي أشار إليها الشيخ، الصدوق، والشهيد، والعلامة، رحمهم الله تعالى.. مع افتراض أن تلك الأخبار تجعل هذه الشهادة جزءاً.

أما إذا كانت تجعلها من قبيل المستحب العام في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مستند العروة كتاب الصلاة ج2 ص287 و288.

/صفحة 67/

الخاص، كما هو الحال في استحباب الصلاة على الرسول كلما ذكر اسمه في الأذان أو في غيره، فإن ذلك لا يجعلها جزءاً من الأذان والإقامة، ولا يبقى مانع من الأخذ بتلك الأخبار، والعمل بها..

ثالثاً: قوله: إن المورد لا تشمله قاعدة التسامح، لأنها خاصة بمورد بلوغ الثواب، لا مورد بلوغه مع بلوغ عدمه.

هو الآخر غير مقبول.. إذ أن الصدوق (رحمه الله) هو الذي حكم بعدم الثواب، لكن لا على أساس أنه قد بلغه العدم.. وأما نحن فلم يبلغنا إلا الثواب.. واجتهاد الصدوق في رواية، ورده لها يكون حجة عليه هو، وليس حجة علينا..

نعم لو وردت رواية تنفي الثواب عن الشهادة الثالثة، لصح أن يقال: قد بلغ الثواب وبلغ عدمه، فلا تشمله قاعدة: من بلغه ثواب على عمل..

رابعاً: إننا حتى لو سلمنا أن قول الصدوق يكفي

/صفحة 68/

في البلاغ، فإننا نقول: إنه إنما يكفي في صورة عدم وجود شبهة لديه.. وقد قلنا: إن الصدوق إنما اعترض على الروايات حين فهم منها: أنها تجعل الشهادة الثالثة جزءاً، ولعلها ليست ناظرة إلى ذلك، وتكون بصدد إثبات الثواب على قولها، تماماً كالأحاديث الواردة باستحباب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى في الأذان..

خامساً: لماذا لا تكون الشهادة الثالثة جزءاً من الأذان والإقامة، وتكون نفس تلك الروايات دليلاً على ذلك؟

ويؤيده الروايات التي تقول: الإقامة والأذان اثنان وأربعون حرفاً حسبما قدمناه.. ولعل الصدوق قد اشتبه في هذا الأمر، فحكم بما حكم، والحق خلافه..

في الشهادة الثالثة مفاسد كثيرة:

11 ـ وأخيراً.. فإننا فيما يرتبط بالحديث الذي أطلقه السيد محمد حسين فضل الله عن وجود مفاسد كثيرة في الشهادة الثالثة، نسجل ما يلي:

/صفحة 69/

أولاً: إننا نعتقد أن من حق السيد محمد حسين فضل الله، ومن حق أي إنسان أن يتصدى للبحث العلمي، وأن يعتقد في نفسه أنه قد بلغ درجة الاجتهاد.. وإن كان ينفيها عنه كثيرون آخرون، ومنهم من هو من مراجع الأمة، ومنهم من هو من أصدقائه والعارفين به، من أمثال آيات الله العظام: الشيخ جواد التبريزي، والسيد كاظم الحائري، والشيخ حسين النوري، وسواهم..

ولكن إذا كان من حقه أن يطرح آراءه، فإنه ليس من حقه أن يتجاوز الحدود، إلى درجة: أن يعلن أن الشهادة الثالثة في الأذان فيها مفاسد كثيرة..

فإذا كانت فيها مفاسد كثيرة، فكيف يجوّز للناس أن يقولوها في الأذان بعنوان التبرك؟!

وكيف يتركهم يقولونها في مسجده، وبمرأى ومسمع منه؟!

إلا أن يدعي أن المصلحة هنا قد تلغي تلك

/صفحة 70/

المفاسد!!

ثانياً: كيف اكتشف هذه المفاسد في الشهادة الثالثة، وهل يستطيع أن يعددها لنا..

ثالثاً: لقد صرح بأنه لا يرى مصلحة في أن تقال في الأذان والإقامة، فلماذا يقول في مسجده، ما لا مصلحة فيه.. كما أنه قد صرح بأنه يجيزها بعنوان التبرك، ونقول له: أليس هذا التبرك مصلحة؟!

رابعاً: لقد أفتى بجواز التكتف في الصلاة، وقد استنبط له عنواناً لجوازه، وهو إظهار الخضوع والخشوع(1).

فلماذا لا يفتي بجواز الشهادة الثالثة حتى في الصلاة أيضاً، ويستنبط لها عنواناً شبيهاً بعنوان الخضوع والخشوع؟! ولا سيما بعد أن أصبحت من شعائر الشيعة ومن ميزاتهم.. وليس التكتف بالأمر المطروح لدى الشيعة، ولا سعى أحد لطرحه، وليس هو من ميزاتهم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: المسائل الفقهية ج1 ص91.

/صفحة 71/

وإذا كانت الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة فيها مفاسد كثيرة، أو لا يرى السيد محمد حسين مصلحة فيها، فلم لا يكون التكتف في الصلاة بقصد الخشوع والخضوع فيه مفاسد كثيرة، أو لا يجد أية مصلحة في إضافته إلى نفس الصلاة؟

خامساً: ماذا يقصد بقوله: «لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة»(1).

هل يقصد: أنه هو الذي ينشيء الأحكام حين يجد المصلحة الشرعية، ويلغيها، حين يؤدي ذلك إلى مفاسد كثيرة؟!

وهل أعطى الله له وحده هذا الحق، ولم يعطه لأحد سواه؟

وإذا كان قد أعطاه لغيره، فهل يمكنه أن يذكر لنا أسماءهم أو أوصافهم؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: المسائل الفقهية ج2 ص123.

/صفحة 72/

سادساً: لماذا جرّت باؤه في دعواه وجود مفاسد كثيرة في الشهادة الثالثة، وفي احتماله جزئية الإقامة للصلاة..

ولم تجر باء فقهاء الأمة، إذ أفتوا بالإتيان بها بنية الاستحباب المطلق، أو بنية القربة المطلقة بقصد الثواب، مع تصريحهم بعدم جزئيتها أصلاً..

ولماذا جرّت باؤه إذ قال: إنه لا يجد فيها مصلحة، ولم تجر باء غيره إذا لم يقبل منه ذلك، ورده عليه؟ وقال: إن فيها كل المصلحة، والخير، والسداد؟!

سابعاً: ما هذا الإصرار على متابعة احتمالات ضعيفة وموهونة؟ من أجل منع الناس من الإتيان بأمر مستحب استحباباً مطلقاً، أو من الإتيان به برجاء الثواب ورجاء المحبوبية.. مع أنه هو نفسه الذي لم يزل يشنع على الفقهاء بسبب الاحتياطات التي يسجلونها في رسائلهم العملية، ويقول لهم: إن الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه من خلال تحفظاته

/صفحة 73/

الذاتية، فعليه أن لا يبرز للمجتمع كمرجع في الفتوى، بل عليه أن يحتفظ بفتاويه، واحتياطاته لنفسه.

ولماذا لم يبرز هذا الحرص على الأحكام الشرعية في الموارد الأخرى، فيحتاط في أمر التكتف، وقول آمين، في الصلاة، ويحكم ببطلان الصلاة لمن تكتف، وقال آمين، بدلاً من تقريب الصحة في هذه، والتأكيد عليها في تلك..

ثامناً: إن السيد محمد حسين فضل الله يقول: إنه ما من فتوى يصدرها إلا وهناك من يوافقه عليها في علماء الطائفة(1).

ولكن هل يستطيع أن يذكر لنا عالماً واحداً يعتدّ برأيه في هذه الطائفة يقول:

الأحوط استحباباً ترك الشهادة بالولاية لعلي (عليه السلام) في الإقامة والأذان مع عدم قصد الجزئية؟..

أو يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: كتاب «خلفيات كتاب مأساة الزهراء» للعاملي.

/صفحة 74/

«لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة في مقدماتها، وفي أفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة؟»(1).

 

ملاحظة أخيرة:

نأمل من الإخوة الأكارم إن كان هناك مناقشة لدى أحدهم لما ذكرناه أن تكون هذه المناقشة شاملة ودقيقة وأن لايكتفى ببعض الكلام على بعض النقاط التي ربما تكون هامشية وترك ما عداها.. فإن إبطال بعض النقاط في البحث ـ لو أمكن ذلك ـ لا يعني بطلان سائر النقاط.

والحمد لله والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: المسائل الفقهية ج2 ص123.

/صفحة 75/

هذا هو ردّهم

السلام عليكم جميعاً..

الأخ الفاضل..

ما تفضلتم به ما هو إلا تكرار لما تفضل له الأخوة في نقاش الموضوع، ولكن الاختلاف الوحيد هو أنكم كتبتم بشكل منفصل وأنكم اعتمدتم وذكرتم المصادر بصراحة منها كتب الشبهات.

على كل لا أحب أن أكرر ولكن سيكون لي متابعة حول موضوعك مستقبلاً، ولكن بالعنوان السابق للموضوع وليس هذا.

آجركم الله جميعاً..

/صفحة 76/

الجواب.. والختام

بسمه تعالى

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله

إننا نقول لمن كتب هذه الإجابة:

1 ـ أما كون ما ذكرناه تكراراً لما ذكره الأخوة، فنحن نحيل ذلك إلى القراء الكرام، ليتولوا هم الحكم على هذا الأمر..

وإن هذا الادعاء يعرفنا: أن الطرف الآخر يسعى للتأثير النفسي على الآخرين بهذه الأساليب، كما أن فيه إشارة خفية يدركها ذوو الفطانة والدراية إلى أن ثمة أمراً يراد التغطية عليه وستره، ألا وهو عدم القدرة على مقارعة الحجة بالحجة، وعلى أن الآخر لا يملك الدليل المقنع والمقبول..

2 ـ ماذا يقصد هذا المجيب بكتب الشبهات التي اعتمدنا عليها.. فهل يقصد بها كتاب الكافي، أو كتاب

/صفحة 77/

الوسائل، أو كتاب النهاية، والمنتهى و.. و.. إلخ..

3 ـ إن على الأخ الذي يتحدث عن كتب الشبهات أن يلتفت إلى ما أوردناه من أدلة، ويعطي رأيه في صحتها وصوابها على أساس ما تملكه من قوة وقيمة علمية.. وليس الكتاب الذي يؤخذ منه هو المعيار في الرد أو في القبول..

4 ـ إن ما أثار استغرابنا هو اتهامنا بالأخذ من كتب الشبهات، مع أننا لم نعتمد على ما ورد في كتب السيد محمد حسين فضل الله، التي وصفها مراجع الأمة بأنها كتب ضلال لا يجوز اقتناؤها، ولا شراؤها، أو بيعها..

كما أننا لم نأخذ أي نص من كتاب الآيات الشيطانية لسلمان رشدي..

ولا نعلم أن أياً من المراجع قد أفتى بشيء فيما عدا ما صدر عنهم بحق هذه الكتب في هذا العصر..

5 ـ هل ذكر المصادر بصراحة يعد عيباً يؤاخذ

/صفحة 78/

الباحث عليه؟!

وهل تُذْكَرُ المصادر مرة بصراحة ومرة تذكر بغير صراحة؟!..

وكيف؟!.

6 ـ ماذا يقصد بقوله: أنه سيتابع الموضوع مستقبلاً بالعنوان السابق وليس هذا؟! وهل يستطيع أن يبين لنا الفرق بينهما؟!

والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله.

/صفحة 79/

كلمة أخيرة

بسمه تعالى

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

وبعد..

فقد انتهت هذه المداخلة عند هذا الحد.. ونأمل أن نكون قد وفقنا لبيان ما أردنا بيانه، وأن يكون هذا الاختصار والاقتضاب الذي توخيناه، استجابة منا لمقتضيات البحث في المنتديات العامة ـ نأمل أن لا يكون ـ قد تسبب بإبهام الفكرة، وإغلاق العبارة، واختزال دلالاتها، والإخلال بمراميها..

ومهما يكن من أمر: فإننا لم نجرِ على ما أوردناه

/صفحة 80/

أي تعديل أو تبديل ما دام أنه لم يكن هناك ما يقتضي ذلك..

كما أننا قد صرفنا النظر عن التصرف في العبارة لأجل الإيضاح والبيان، وذلك ثقة منا بقدرة القارئ على نيل دلالاتها ومراميها.

كما أننا لم نورد النصوص التي أشرنا إليها في الهوامش، ثقة منا بأن بإمكان القارئ أن يراجعها في مصادرها إن احتاج إلى ذلك..

وأخيراً أقول:

هذا جناي وخياره فيه ... إن كل جان يده إلى فيه..

أقدمه إلى القارئ الكريم، وأقدم إليه عذري، وخالص شكري..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

أواخر جمادى الثانية 1423 للهجرة

جعفر مرتضى العاملي