لست بفوق أن أخطئ من كلام علي (ع)

 

العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

بسم الله الرحمان الرحيم

 

تقديم

الحمد لله، وصلاته وسلامه على خير خلق الله محمد وآله الطاهرين.

وبعد، فإن كلمات الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم هي الحق، والهدى، والصلاح والسداد. وقد يجد الإنسان من بين ما يؤثر عنهم بعض ما يحتاج فهمه، ومعرفة ما يرمي إليه، إلى المزيد من التأمُّل والتدبُّر، وإلى معرفة خصوصيات وعناصر تفيد في استكشاف المعنى، والوقوف على حدوده وأبعاده.وحالاته المختلفة.

وقد يغفل البعض، أو يقصِّر أو حتى يتجاهل، بعض ذلك أو كله. فيقع، أو يوقع الآخرين في المحذور الكبير والخطير، وهو البعد عن المعنى المقصود، والمغزى الذي يرمي إليه…

وإن الكلمة المروية عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، التي جاء فيها: (ما أنا في نفسي بفوق أن أخطئ)الخ… هي من هذا النوع الذي يكثر البعض ترداده في مختلف المناسبات.

ونحن وإن كنا لا نجد في ذلك أية غضاضة، لكننا أحببنا أن نورد في هذا البحث المقتضب بعض التوضيح للمقصود من الكلمة المأثورة، ليضعها القارئ، أو السامع في موضعها الصحيح، والسليم. لنحصنه بذلك عن الوقوع في الشبهة أو الخطأ.

وقد كتب هذا البحث قبل أكثر من ثلاث سنوات، وها هو ينشر اليوم مع تمهيد كتب في أوائل شهر آب الماضي.

والله ولينا وهو الهادي إلى سواء السبيل.

تمهيد(1)

إننا قبل أن نبدأ حديثنا حول الموضوع الأساس، نرى ضرورة إلفات النظر إلى بعض الأمور التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار فيما يرتبط بالتعرض لقضايا الإيمان والعقيدة، مع تأكيدنا على أننا لا نقصد التجريح بأحدٍ من الناس بعينه، فلا يظنن أحد بنا ذلك، وإنما هو الرأي الذي نطرحه على الاخوة العاملين، ولهم الخيار في الرد وفي القبول، إذا اقتضى الأمر –بنظرهم- أياً من هذين الأمرين.

فنقول:

لا بد من التذكير

إن ما نود أن نذكر به القارئ هو الأمور التالية:

1 ـ إن طرح الأحاديث المتشابهة، أو التي يصعب فهمها على الناس، ثم الإصرار على الاستمرار في هذا الطرح، من دون تقديم التفسير المعقول والمقبول، ليس بالأمر المرضي، ولا هو محمود العواقب، خصوصاً إذا كان من قبل أناسٍ يتوقع الناس منهم حلّ المشكلات، وتوضيح المبهمات.

وعلى الأخص إذا كانت هذه الأحاديث أو القضايا المشكلة لا تطرح على أهل الاختصاص من أهل الفكر، وإنما على الناس السذّج والبسطاء، بمن فيهم الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والعالم والجاهل. وذلك عبر وسائل الاعلام العامة وفي الهواء الطلق.

2 ـ إن إثارة المسائل الحساسة، وطرح التساؤلات على أولئك الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكنهم من حل العقدة بصورة سليمة وقويمة. ومن دون تقديم إجابات كافية، أو حتى من دون إجابات أصلاً – إن ذلك يفرض على العلماء المخلصين أن يبادروا إلى رفع النقيصة، وسد الثغرات وتقديم الأجوبة الصحيحة بكل ما يتوافر لديهم من وسائل؛ لئلا يقع الناس الأبرياء الغافلون في الخطأ الكبير والخطير. مع الحرص الأكيد على أن لا تصدر أية إساءة ومن دون تجريح أو انتقاص لأي كان من الناس. وإنما مع حفظ الكرامة والسؤدد، وبالأسلوب العلمي المهذّب والرصين.

__________

(1) قد نشر هذا البحث في مجلة (المنهاج) اللبنانية، في العدد الثالث من السنة الأولى، ولكنهم حذفوا الفقرة الآتية تحت رقم 4 بلا مبرر ظاهر، ونحن ننشره هنا بتمامه.

 

مع التذكير والإلماح إلى أن تبعة إثارة هذه المواضيع تقع على عاتق مثيرها الأول. لا على الذين تصدوا للتصحيح والتوضيح.

وليس من الإنصاف أن تثار هذه الأمور في الهواء الطلق، ثم يطلب من الآخرين أن يسكتوا عن التعرُّض لها، إلا في الخفاء، وبين جدران أربع، وخلف أبواب مغلقة أو مفتوحة، فإن طلباً كهذا لا بد أن يفهم على أنه أمر بالسكوت، بصورة جبرية، وحصر حق الكلام بصاحب السيادة أو السماحة دون سواه.

3 ـ إنه لا مجاملة في قضايا الدين والعقيدة، فلا يتوقعن ذلك أحد من أي كان من الناس حتى لو كان قريباً وحبيباً، ومهما كان موقعه ودوره فإن الحق والدين فوق كل الاعتبارات.

4 ـ قد نجد البعض (1) يبذل محاولات لصرف الأنظار عن القضايا المطروحة التي تمس عقائد الناس، وقضاياهم الدينية باعتماد طريقة إعطاء أي مواجهة لأفكاره طابعاً شخصياً، بزعم أن دافع ذلك الطرف للمواجهة هو عقدة ناشئة عن هذه القضية الشخصية أو تلك، أو أنها نتيجة تخلف ذهني، أو انحراف فكري، أو تعصب، أو وقوع تحت تأثير أجهزةٍ من نوع ما، وما إلى ذلك.

مع أن هذا البعض يعرف: أن ذلك لا يجديه الكثير، لأن أكثر الناس يعرفون: أن القيمة الحقيقية هي للفكر الذي يطرح، وللأدلة التي تقام، فما كان صحيحاً فلا بد أن يؤخذ به، ويعول عليه؛ وإلا فلا بد من رفضه وإهماله، مهما كان الدافع أو الرادع.أما النوايا فالله أعلم بها، وهو الذي يحاسب عليها.

على أن هذه الادعاءات سوف تبقى في مستوى الاتهام، الذي يطالب من يدعيه بإثباته بالطرق الشرعية، وإلا، فلسوف يكون هو المتهم الذي يتجاوز أحكام الشريعة فيما يرتبط بالتعدي على حرمات الآخرين، والمساس بشخصياتهم، وذلك ما لا يرضاه الوجدان والضمير ولا تجيزه أحكام الدين.

__________

(1) هذه الفقرة كلها حذفتها مجلة المنهاج، في العدد الثالث منها.

 

5 ـ إن قضايا الدين والعقيدة ليست حكراً على فريق بعينه، بل هي تعني كل الناس على اختلاف حالاتهم ومستوياتهم، فمن حق كل أحد أن يظهر حساسية تجاه أي مقولة تمس هذه القضايا، ولا بد أن يلاحق ذلك باهتمام بالغ ومسؤول، ليحدد موقفه النهائي سلباً وإيجاباً. ولكن ضمن حدود الاتزان، وبالأسلوب العلمي الموضوعي والرصين.

ويتأكد هذا الأمر إذا عرفنا: أن قضايا العقيدة لا يجوز التقليد فيها، بل لا بد لكل فردٍ من الناس أن يلتمس الدليل المقنع والمقبول..فليست مسائل العقيدة على حد مسائل الفقه التي يرجع فيها الجاهل إلى العالم ليأخذ الفتوى. استناداً إلى الأدلة العامة على لزوم التقليد.

وليس من الإنصاف، بل ليس من الجائز منع الناس عن التعرّض لمثل هذه القضايا، ولا يصح أن يطلب منهم مجرد الأخذ الأعمى لها، وتقليد الآباء والأجداد، أو هذا العالم أو ذاك بها.

6 ـ إن تحسّس الناس لقضايا الدين والعقيدة، ومتابعة هذه القضايا بحيوية وحماس لهو من علامات العافية، ودلائل السلامة، ومن المفترض تشجيعها وتنميتها فضلاً عن لزوم الحفاظ عليها.

ولايصح مهاجمتها، ومواجهتها بالاتهامات الكبيرة بهدف كبتها والقضاء عليها، بل اللازم هو تأكيدها وتحصينها، وتوجيهها بصورة قويمة وسليمة، لتصبح أكثر رسوخاً، وأعمق تأثيراً في السلوك وفي الموقف، لا سيما في مواجهة التحديات.

7 ـ إن العلوم الإسلامية كثيرة، وفيها سعة وشمولية ظاهرة، بالإضافة إلى أنها بالغة الدقة في كثير من تفاصيلها، فلا غضاضة على العالم أن يتريث في الإجابة على كثير من الأسئلة التي توجه إليه في كافة العلوم، بل ليس بمقدوره الإجابة على جميع الأسئلة، إلا أن يكون في مستوى الأنبياء والأئمة. وقد قيل:رحم الله امرءاً عرف حده فوقف عنده.

فعلى العالم أن لا يجيب عن الأسئلة التي لم ينجز هو بحثها وتحقيقها، ودراستها بصورة دقيقة ووافية، تمكنه بعد ذلك من أن يصدر أحكاماً قاطعة.

وإذا لم ينجز دراستها والتحقيق فيها فعليه أن يلتزم حدود العرض والبراءة من العهدة، وتقديم العذر بعدم التوفر على دراسة وتمحيص المسائل التي تواجهه ولا غضاضة عليه لو أنه اكتفى بعرض ما توافق عليه أعاظم علماء المذهب وأساطينه من دون التفات إلى ما تفرد به هذا العالم أو ذاك، حيث لا يمكن التزام الشاذ وترك المشهور والمنصور.

أما أن يثير كل ما يخطر على باله، أو يجيب على سؤاله بطريقة تشكيكية، توحي للناس بأنه عالم بكل تفاصيل القضايا، وبأنه يثير التساؤلات حولها من موقع الخبرة، والمسؤولية، والاطلاع الدقيق، والفكر العميق، فذلك غير مقبول، وغير منطقي ولا معقول.

8 ـ إنه ليس من حق أحد أن يطلب من الناس أن يقتصروا في ما يثيرونه من قضايا على ما ورد عن النبي (ص)بأسانيد صحيحة، وفق المعايير الرجالية في توثيق رجال السند…لأن ذلك معناه أن يسكت الناس كلهم عن الحديث في جل القضايا والمسائل، دينية كانت أو تاريخية أو غيرها.

بل إن هذا الذي يطلب ذلك من الناس، لو أراد هو أن يقتصر في كلامه على خصوص القضايا التي وردت بأسانيد صحيحة عن المعصومين، فسيجد نفسه مضطراً إلى السكوت، والجلوس في بيته، لأنه لن يجد إلا النزر اليسير الذي سيستنفده خلال أيام، إن لم يكن في ساعات.

على أننا نقول، وهو أيضاً يقول: إن ثبوت القضايا لا يتوقف على توفر سند صحيح لها برواية عن المعصومين، فثمة قرائن أخرى تقوي من درجة الاعتماد أحياناً، ككون الرواية الضعيفة قد عمل بها المشهور، واستندوا إليها مع وجود ذات السند الصحيح أمام أعينهم، ثم لم يلتفتوا إليها. إلى جانب قرائن أخرى في قضايا الفقه، والأصول، والعقيدة والتاريخ وغيرها يعرفها أهل الاختصاص، ويستفيدون منها في تقوية الضعيف سنداً، أو تضعيف القوي، بحسب الموارد وتوفر الشواهد.

9 ـ إنه ليس أسهل على الإنسان من أن يقف موقف المشكك والنافي للثبوت، والمتملص من الالتزام بالقضايا، والهروب من تحمل مسؤولياتها.وليس ذلك دليل علمية ولا يشير إلى عالمية في شئ.

والعالم المتبحر، والناقد والمحقق هو الذي يبذل جهده في تأصيل الأصول، وتأكيد الحقائق. وإثبات الثابت منها، وإبعاد المزيف.

10 ـ إن نسبة أي قول إلى فريق أو طائفة، إنما تصح إذا كان ذلك القول هو ما ذهب إليه، وصرح به رموزها الكبار، وعلماؤها على مر الأعصار، أو أكثرهم، وعليه استقرت آراؤهم، وعقدوا عليه قلوبهم.

ويعلم ذلك بالمراجعة إلى مجاميعهم، ومؤلفاتهم، وكتب عقائدهم، وتواريخهم.

أما لو كان ثمة شخص، أو حتى أشخاص من طائفة، قد شذوا في بعض آرائهم، فلا يصح نسبة ما شذوا به إلى الطائفة بأسرها، أو إلى فقهائها، وعلمائها. فكيف إذا كان هؤلاء الذين شذوا بأقوالهم من غير الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب.

وكذا الحال لو فهم بعض الناس قضيةً من القضايا بصورة خاطئة وغير واقعية ولا سليمة، فلا يصح نسبة هذا الفهم إلى الآخرين بطريقة التعميم، لكي تبدأ عملية التشنيع بالكلام الملمع، والمزوّق والمرصّع مع تضخيم له وتعظيم، وتبجيل وتفخيم، ثم يقدم البديل بالكلام المعسول مهما كان ذلك البديل ضعيفاً وهزيلاً.

11 ـ إن طرح القضايا التي يطلب فيها الوضوح، على الناس العاديين بأساليب غائمة، وإن كان ربما يسهّل على من يفعل ذلك التخلص أمام الواعين والمفكرين من تبعة طروحاته إلى حدٍ ما…

ولكنه لا يعفي صاحبه من مسؤولية تلقي الناس العاديين للفكرة على أنها هي كل الحقيقة، وهي الرأي الصواب الناشئ عن البحث والدراسة، وما عداه خطأ.

نعم، لا يعفيه من مسؤولية ذلك، ما دام أن الكل يعلم: أن الناس يفهمون الأمور ببساطة، فلا يلتفتون إلى كلمة: ربما، لعل، لنا أن نتصور، يمكن أن نفهم، نستوحي، علينا أن ندرس، وما إلى ذلك…

وبعد …فإننا نحترم ونقدر جهود العلماء العاملين والمخلصين، وندعو لهم بالتوفيق والتسديد كما أننا نسأل الله سبحا نه أن يوفقنا لسداد الرأي، وخلوص العمل. وهو ولينا، وهو الهادي إلى الرشاد والسداد.

جعفر مرتضى العاملي

1/ أيلول /1996 م

 

الخطأ في فهم النصوص

إننا حين نقرأ نصوصاً كتبها أو قالها غيرنا، فقد نفهمها على حقيقتها، ونقف على المراد منها، كما لو كنا نحن الذين كتبناها أو قلناها. وقد نقع في الخطأ في ذلك.

ويتمثل هذا الخطأ في عدة حالات: فقد يتمثل في مجانبة الحقيقة إلى غيرها بصورة كاملة أحياناً، أو جزئية أحياناً أخرى، وذلك بسبب القصور عن نيل المراد من النص، أو لأي سبب آخر ينشأ عنه ذلك.

وقد يظهر هذا الخطأ بصورة تضخيم المراد، وتجاوزه إلى غيره، إلى درجة لا تقل في خطورتها وسوئها عن مجانبة المعنى نفسه، والابتعاد عنه إلى غيره.

وقد يتجلى ذلك فيما نجده لدى البعض من إصرار على الأخذ بحرفية جانب من النص، والأباء الشديد عن الأخذ بنظر الاعتبار ما يكتنفه من حدود وقيود، وذلك رغبة منه في تأكيد معنى أو مفهوم يسعى إلى تأكيده وترسيخه في الأذهان بصورة خفية وذكية.

وعدا عن جميع ذلك فإننا نجد لدى آخرين اهتماماً بالموارد المتشابهة، التي يحتاج فهمها إلى الرجوع إلى الراسخين في العلم من أهل بيت العصمة عليهم السلام، فيحاول هؤلاء إثارتها بصورة عشوائية ليغرقوا الناس في بحر من الشبهات التي تبعدهم عن الهدى وتصدهم عن الرشد. وهذا هو الأسلوب الذي يتبعه أهل الزيغ، ومثيروا الفتنة، الذين جاءت الإدانة الصريحة لهم في كتاب الله سبحانه حيث يقول:

(منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون:آمنا به كل من عند ربنا. وما يتذكر إلا أولوا الألباب)(1).

__________

(1) سورة آل عمران الآية 7.

 

وقد جاءت النصوص العديدة لتؤكد على أن في الحديث الشريف أيضاً – كما في القرآن – ناسخاً ومنسوخاً، ومحكماً ومتشابهاً، وخاصاً وعاماً(1).

وثمة فريق آخر من الناس ما أسهل عليه أن يبادر إلى رفض النص، والحكم عليه بالتحريف تارة، وبالتزوير والاختلاق أخرى، وبإظهار البراءة من عهدته بأسلوب إثارة الشبهة في ثبوته ثالثة أو يتجنب الإجابة الصريحة بأسلوب التقليل من أهمية النص الوارد عن المعصوم، حين يقول: هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (!!!) - إنه يفعل ذلك – لأنه عجز عن تبريره وتوجيهه، وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه غير ملتفت إلى أن قصوره هذا لا يبرر له التشكيك بثبوت النص، أو بسلامته من التحريف.

وإنما قلنا: (وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه)، لإدراكنا: أن كثيراً من النصوص القرآنية والحديثية الواردة عن المعصومين يحتاج فهم المراد منها إلى الاعتماد على خلفيات فكرية، وسوابق ذهنية، من شأنها أن تتحكم في مسارها، وتحدد نقطة الانطلاق والارتكاز منها وفيها. وتخرجها – من ثم – عن دائرة الإجمال والترديد، لتضعها في دائرة الوضوح والتعين والتحديد.

كما أن هذه الخلفيات تساعد على معرفة الحدود التي ينتهي إليها ويقف عندها النص، وتفصح عن امتداداته وغاياته، فتحصنه عن القصور والتقصير في شموليته وانحساره على حد سواء.

فإذا كان ثمة خلل أو نقص في تلك الخلفيات فلسوف يؤثر ذلك إلى فهم النص بصورة سليمة وقويمة.

وأما رد الروايات بالاحتمالات العقلية، فهو غير صحيح ولا مقبول. إلا إذا صادمت الرواية الحكم العقلي القاطع والصريح.

مثال على ما تقدم

ونحن نشير هنا إلى واحد من هذه النصوص التي ربما يقف عندها أو يتحير فيها، أو يخطئ بعض الناس في فهم المراد منها…للأسباب المختلفة التي أشير إلى بعضها، أو يستغل درجة الدقة والغموض فيها، وهو النص التالي:

__________

(1) راجع: الكافي ج1 ص63-65 والأربعون حديثاً للبهائي ص147-150.

 

 

(عن علي بن الحسن المؤدب، عن احمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد، عن علي بن الحسن التيمي، جميعاً عن إسماعيل بن مهران، قال:حدثني عبد الله بن الحارث، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

خطب أمير المؤمنين الناس بصفين – وذكر خطبته – فكان مما قاله عليه السلام:

(فلا تكلموني بما تُكلّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا مني بما يُتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة(1)، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فإنه من اسثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه.

فلا تكفوا عني مقالةً بحق، أو مشورةً بعدلٍ، فأني لست ـ في نفسي ـ بفوق (ما ) أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون)(2) الخ…

الطعن الخفي، والذكي

وقد اعتبر البعض: أن هذا النص يكاد يكون صريح الدلالة على إمكان وقوع الخطأ من المعصوم عليه السلام، ولتلطيف الجو قد يقال لك: (ولكنه الخطأ غير المتعمد الذي لا يوجب عقوبة، ولا بعداً عن الساحة الإلهية، ولا يعد من الذنوب، لا من كبيرها، ولا من صغيرها).

وقد قال المعتزلي الشافعي:

__________

(1) البادرة: الحدة والمصانعة: الرشوة.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي ج8 ص293 وبحار الأنوار، للعلامة المجلسي ج27 ص253 وج41 ص154 وج74 ص358/359، ونهج البلاغة ص245 ط دار التعارف، بيروت.

 

(هذا اعتراف منه عليه السلام بعدم العصمة، فإما أن يكون الكلام على ظاهره أو يكون قاله على سبيل هضم النفس، كما قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: (ولا أنا إلا أن يتداركني الله برحمته). انتهى(1).

رأي الشيعة

أما الشيعة، فيقولون: إن النبي والإمام معصوم عن الذنب، وعن السهو والنسيان، والخطأ، عمدياً كان أو غير عمدي، في التبليغ وفي غيره(2). وتدل على ذلك الروايات (3).

__________

(1) شرح نهج البلاغة ج11 ص107 و108 والحديث عنه (ص) يوجد في المصادر التالية، بحار الأنوار ج7 ص11 ومسند أحمد بن حنبل ط دار إحياء التراث العربي سنة 1414 هـ ق. ج3 ص305 و230 و236 و17 و260 و270 و308 و452 وج 4 ص336 وج 2 ص467 و505 و519 و613 ومجمع البيان ط سنة 1412 هـ. دار إحياء التراث العربي ج3 ص352 وقال: رواه الحسن في تفسيره وجامع الأصول ج 1 ص212 –215 عن البخاري ومسلم وصحيح البخاري ج 8 ص176 و177 ط المكتبة الثقافية – بيروت وصحيح مسلم ط دار إحياء التراث العربي ج4 ص2169 – 2171 وسنن ألد ارمي ج2 ص396 ط دار الكتاب العربي سنة 1407 هـ ق. وسنن ابن ماجة ( بشرح السندي )ج2 ص550 ط دار الجيل – بيروت.

(2) راجع على سبيل المثال: أنوار الولاية ص 567 ط سنة 1409 هـ ق. تأليف: زين العابدين الكلبايكاني، المتوفى سنة 1289 هـ ق. وراجع: الفخر الرازي، التفسير الكبير. ج10 ص144 والأصول العامة للفقه المقارن ص159 عنه وعبقات الأنوار ج2 ص291 /292 عن الرازي أيضاً. وراجع: دلائل الصدق ج2 مبحث العصمة والتنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان ص10 و12 و13 و14 و45-54 عن الفاضل المقداد والبهائي وعن الشهيد في الذكرى والبيان.

(3) راجع: التنبيه بالمعلوم من البرهان ص 26 –44.

 

 

والعصمة هي لطف رباني، ورعاية وتسديد إلهي شامل، أين منها ملكة العدالة في عمقها وقوتها ورسوخها. ولا يمكن تجزئة الملكة، ليكون معصوماً هنا عن الخطأ غير معصوم عنه هناك.

وكيف يمكن أن نتصور الخطأ والسهو في من هو أسوة وقدوة في كل حركاته وسكناته حتى في أخص شؤونه وحالاته، وفي كل ما يمكن أن يصدر عنه حتى في أدق التفاصيل في حياته الشخصية ؟!.فمن يخطئ كيف يكون أسوة وقدوة ؟، وقوله وفعله وتقريره حجة ودليل على حكم الإباحة على الأقل ؟.

وعلى هذا الأساس، يصبح فهم قول الإمام عليه السلام: (لست –في نفسي– بفوق أن أخطئ ) صعباً ومعضلاً، بحسب النظرة السطحية وفي بادئ الأمر.

فهل لهذا الكلام وجه وجيه ومقبول؟!

أم لا بد من الحكم عليه بالبطلان، وتكذيب نسبته إليه عليه السلام، لمخالفة بديهيات المذهب ثم ضرورات العقل والوجدان الحي؟!

أم أن الأصوب هو الحكم عليه بأنه قد حرف بزيادة أو نقيصة، لا نملك تحديدها ؟!

أم أن الأولى هو الاعتراف بالعجز التام عن فهم مغزاه ومرماه، وإيكال أمره – من ثم – من أهله، فانهم عليهم السلام أعرف بمقاصدهم، وأعلم بمرامي كلامهم؟!

سؤال، أو أسئلة تطرح نفسها، وتتطّلب منا الإجابة عنها بإنصاف وبموضوعية وأناة.

 

أي ذلك أقرب وأصوب

ونقول في الجواب:

إن هناك أكثر من إجابة على هذه الشبهة، وللقارئ أن يختار منها ما هو أولى وأقرب، وأصح وأصوب، مما هو أوفق بالمعايير الصحيحة، التي يفترض فيها أن تكون هي التي تتحكم بطريقة التعامل مع النصوص، ومع الأفكار التي يريد الإنسان أن يتبناها، وأن يلتزم ويلزم الآخرين بها.

ونذكر من هذه الإجابات ما يلي:

1 ـ هضم النفس والتواضع:

لقد أشار البعض، كابن أبي الحديد المعتزلي، ومحمد بن إسماعيل المازندراني الخواجوئي وأوضحه العلامة محمد باقر المجلسي رحمه الله، إلى أنه عليه السلام قد قال مقالته تلك على سبيل هضم النفس، والانقطاع إلى الله، والتواضع، الباعث لهم على الانبساط بقول الحق، وعدِّ نفسه من المقصرين في مقام العبودية، والإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه.

وليس أنه اعتراف بعدم العصمة كما تُوُهِّم، بل ليست العصمة إلا ذلك، فإنها هي أن يعصم الله تعالى العبد عن ارتكاب المعاصي(1) وقد أشار عليه السلام إلى ذلك بقوله: إلا أن يكفي الله.

ويؤكد صحة هذا التوجيه: أنه عليه السلام قد قال هذه الكلمات في حرب صفين. ولم يكن العراقيون آنئذ يعتقدون بإمامته وعصمته عليه السلام، فيما عدا بعض الأفراد القليلين منهم.

واستشهد الخواجوئي لذلك بما روي عن علي عليه السلام: ( ألم تعلموا: أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عيّ ولا بكم، وأنهم لفصحاء العقلاء الأ لباء العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازاً لله وإعظاماً وإجلالاً. فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضون بالقليل)(2) الخ…

2 ـ لولا العصمة الإلهية لكان الخطأ:

__________

(1) راجع فيما تقدم: مرآة العقول ج 26 ص527 و528 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج4 ص48 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج11 ص107 و108 وقد تقدمت عبارته. وراجع أيضاً، مفتاح الفلاح للخواجوئي ص129 وراجع ص226.

(2) مفتاح الفلاح ص226.

 

 

وقد يجاب عن ذلك بطريقة أخرى لا تختلف عن سابقتها من حيث النتيجة، وإن كانت تفترق عنها من حيث استبعاد عنصر التواضع وهضم النفس. فيقال: إن الإمام قد تحدث عن نفسه بغض النظر عن العصمة التي هي لطف الهي، وتسديد وتوفيق، وهبة ورعاية ربانية لمن تطلب ذلك وسعى إليه. أي أنه عليه السلام يريد أن يقول: لولا العصمة الإلهية لوقعت في الخطأ.

فإنه عليه السلام قد نظر إلى نفسه الإنسانية بما لها من خصائص ومزايا ومواصفات اقتضتها الطبيعة البشرية، والتكوين الإنساني. فهو بهذه التركيبة، وبغض النظر عن اللطف والرعاية والعصمة الإلهية ليس بفوق أن يخطئ. ولذا قال: ( فإنني لست في نفسي بفوق ) فكلمة ( في نفسي) تشير إلى أنه يتحدث عن نفسه بغض النظر عن اللطف الإلهي والعصمة الربانية.

فهو عليه السلام بشر كالنبي (ص) وكيوسف، وإبراهيم ونوح وغيرهم، فلو أوكلهم الله إلى أنفسهم، وحجب عنهم رحمته وتسديده، وابتعدوا عن لطفه تعالى ورعايته وعصمته فإنهم ليسوا بفوق أن يخطئوا.

وهذا هو نفس ما أشار إليه النبي (ص) في كلمته التي نقلها عنه المعتزلي الشافعي فيما سبق.

وهي قوله (ص): لا، إلا أن يتداركني الله برحمة منه.

ثم ذكر ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته التي هي مورد البحث بقوله: ( إلا أن يكفي الله ).

وقد يكون مراد الخواجوئي ما يقرب من هذا حين قال (إن المعصوم لما كان في قالب بشري، وجلباب ناسوتي وكانت له قوى حيوانية متجاذبة، متداعية إلى الشر والضر شارفت أن تسول له المعصية والجرأة )(1).

لا أن ذلك قد وقع منه بالفعل بل اللطف الإلهي بالعصمة يكون مانعاً من ذلك.

3 ـ التعليم:

__________

(1) مفتاح الفلاح ص129.

 

وثمة إجابة ثالثة يمكن أن تراود أذهان البعض، وهي أنه عليه السلام يريد أن يعلَّم الناس كيف يتعاملون مع الحكام الذين سوف يلون رقابهم، ويتسلطون على الأمة بغير حق – يريد أن يعلمهم – بطريقة لا تثير حفيظة أحد، ولا شكوك هذا أو ذاك بأنه عليه السلام يريد بكلامه هذا التعريض بهذا الحاكم أو ذاك ممن سبقوه، وعرف الناس حالهم وطريقتهم.

إنه عليه السلام يريد أن يقول للناس: إن سلطان الحاكم لا يجوز أن يمنعهم من مواجهته بالحق، ومطالبته بالعدل والعمل به، والالتزام بخط الشريعة والدين. وإلا فإن عليهم أن يصنفوه في عداد الجبابرة ومن أهل البادرة.

فإذا كان علي عليه السلام الذي هو الإمام المنصوص على إمامته، وقد نص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم على أنه مع الحق، والحق معه، ونصّت آية التطهير ودلت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على عصمته عن الخطأ والزلل – إذا كان علي عليه السلام – يريد من رعيته أن ينفتحوا عليه إلى هذا الحد، فما بالك إذا كان راعيهم من أولئك الذين ليس لهم صفة الإمامة المنصوصة، ولا عصمة لهم بل هم لا يؤمنون على شئ ولا يتورعون عن ارتكاب العظائم من الجرائم والمآثم، فإن رصد حركة هؤلاء، ومراقبة تصرفاتهم أولى وأوجب، ومطالبتهم بالتزام العدل والاستقامة ألزم وأصوب.

وقد ألمح عليه السلام إلى طريقة أولئك المنحرفين، الذين هذه حالهم، وتلك صفاتهم، حين قال في نفس كلامه المتقدم (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة).

ثم قدم لهم معياراً وضابطة مهمة جداً ليتعرفوا من خلالها على طبيعة ومزايا هذا النوع من البشر، ليتخذوا منهم الموقف الحازم والحاسم إذا اقتضى الأمر ذلك، فقال: ( فإن من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه).

كما أنه عليه السلام بأسلوبه هذا يكون قد ابتعد عن الأسلوب الصدامي الحاد، وعن الظهور بمظهر من يريد أن يفرض أحكامه وتوجيهاته من موقع الآمر والزاجر، والمتسلط المهيمن القاهر.

ولكن المازندراني الخواجوئي قد اشار إلى أن لهذا التعليم منحى آخر، حيث قال: (أو يكون هذا من باب تعليمهم الأمة والرعية كيفية الطاعة، والعبادة والخضوع والخشوع)(1).

أي أنه عليه السلام يريد أن يجسد لهم من نفسه الأسوة والقدوة الصالحة، ليتعلموا ذلك منه.

4 ـ التكليف الصواب، والواقع الخطأ:

وثمة إجابة رابعة قد لا يستسيغها البعض، لا سيما إذا لم يتابعوا حديثنا هذا إلى نهايته، لتتضح لهم بعض اللمحات والخصوصيات، التي تفيد في تركيز الفكرة، وجلاء الصورة، ونلخص هذه الإجابة على النحو التالي:

إن المعصوم – النبي أو الإمام – قد يطلع على الواقع من طريق عادي، كمعرفته بسرقة السارق، بواسطة الشهود، وبطهارة الجبن مثلاً، وبحلية اللحم، لكونه مأخوذاً من يد المسلم، أو من سوق المسلمين، وكمعرفته بحياة زيد من الناس بواسطة إخبار الناس له بحياته.

وقد يطلع المعصوم على الواقع من طريق غير عادي، كالوحي للنبي (ص) وكإخبار النبي (ص) للأئمة ببعض الأمور والوقائع الغيبية.

وما يكون التعامل مع الناس على أساسه ومن خلاله هو النوع الأول. فيقطع المعصوم يد السارق استناداً إلى شهادة عدلين، ويجلد شارب الخمر، ويجلد الزاني أو يرجمه، … استناداً إلى الشهود أو إلى الإقرار من الفاعل. ويحكم بملكية زيد لشيء بعينه استناداً إلى قاعدة اليد، ويلتزم ويُلزم غيره بالطهارة، وبذكاة اللحم استناداً إلى سوق المسلمين، أو إلى حمل فعل المسلم على الصحة. أو أصالة الطهارة وما إلى ذلك.

__________

(1) مفتاح الفلاح ص129 وراجع ص226.

 

فإن كان ثمة خطأ، فإنما جاء من الشاهدين، أو من الإقرار غير المطابق للواقع، وليس الخطأ من الحاكم والحكم، وعلى هذا الأساس نجد الرواية المعتبرة تحدثنا: أن النبي(ص) قال:

(إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان. وبعضكم الحن بحجته من بعض، فأيما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنما قطعت قطعة من النار) أو ما هو قريب من هذا المضمون (1).

وقال عبد الله بن أبي رافع وهو يحكي لنا قصة التحكيم في صفين:

(حضرت أمير المؤمنين عليه السلام، وقد وجه أبا موسى الأشعري، وقال له: أحكم بكتاب الله، ولا تجاوزه.

فلما أدبر قال: كأني به وقد خدع.

قلت: يا أمير المؤمنين، فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع ؟!

فقال: يا بني، لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل)(2).

فالعمل إذن … لا بد أن يكون وفق الشواهد والدلائل الظاهرية كما ذكرنا.

شواهد من الواقع:

ولأجل أن المعصوم إنما يتصرف ويتعامل مع الناس على أساس هذا العلم الواصل إليه بالطرق المألوفة التي هي حجة ودليل، نجد النبي (ص) يرسل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فيرتكب خالد جريمته النكراء في حقهم، ويقتل بعضهم، ويضطر النبي (ص) إلى أن يَدِيَهُم ويعوَّضهم عما أخذ منهم، وكان علي عليه السلام هو الذي تولى إيصال ذلك إليهم. في قصة معروفة.

ولكنه عليه السلام لا يعاقب خالداً ومن معه، ربما لأنهم كانوا يثيرون ما يوجب الشبهة في كون ارتكابهم للجريمة قد جاء عن سابق علم وإصرار. ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات.

__________

(1) وسائل الشيعة ج 27 ص232 وفي هامشه عن الكافي ج7 ص414، وتهذيب الأحكام ص229 و252 ومعاني الأخبار ص279. وراجع: التفسير المنسوب للإمام العسكري (ع) ص 284والسنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص143 و149 وصحيح البخاري وصحيح مسلم.

(2) مناقب أل أبي طالب ج2 ص261.

 

ومن هذا القبيل أيضاً إرسال النبي (ص) الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق. وما كان منه في حقهم، حيث تسبب في تعرضهم للكارثة، فنزلت في حقه الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1).

وقد جعل النبي (ص) في حرب أحد أناساً على فتحة في الجبل ليحفظوها من تسلُّل المشركين منها، فتركوا مراكزهم، وسنحت الفرصة للأعداء فتسللوا منها، وأوقعوا بالمسلمين.

وقد استكتب النبي (ص) عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ثم ارتد وذهب إلى مكة، وجعل يزعم أنه كان يغير في ألفاظ القرآن حين يلقيها إليه النبي ليكتبها، فبدل أن يكتب: غفور رحيم، كان يكتب عزيز حكيم مثلاً.

ثم إنه (ص)قد أمر عمرو بن العاص على بعض السرايا، واستعمل أبا سفيان على بعض الصدقات، رغم معرفته بهما.

وقد ولى علي عليه السلام مصقلة بن هبيرة، ففر إلى معاوية في قضية أموال طالبه بها ليعيدها إلى بيت المال.

وولى الأشعت بن قيس آذربايجان، ولم يكن ليخفى عليه أمر الأشعت ولا حقيقة نواياه..

وولى الإمام الحسن عليه السلام عبيد الله بن عباس، وغيره، فانحاز إلى معاوية في مقابل حفنة من المال.

وقد كان علي بن أبي حمزة البطائني من وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام، فلما توفي عليه السلام وكان بيده شئ منها، ادعى الوقف عليه طمعاً بما في يده، وكان هو المنشأ للفرقة التي تسمى بالواقفة.إلى غير ذلك مما هو كثير وكثير جداً لا حاجة إلى تتبعه واستقصائه.

فكل ما تقدم يدل على أن النبي (ص) أو الإمام عليه السلام حين ولى هذا أو ذاك، أو جعله وكيلاً له، أو أرسله في مهمة، أو ما إلى ذلك، فإنما كان يعمل بوظيفته، وتكليفه وفق ما انتهى إليه علمه بواسطة ما توافر لديه من أدلة وشهادات أمره الله بالعمل على وفقها.أو استند إلى حسن الظاهر، الذي لا بد من العمل على وفقه، حيث لا يوجد ما ينقضه ويخالفه.

__________

(1) الحجرات، الآية 6.

 

فهو عليه السلام لم يخطئ في عمله، لا عمداً ولا سهواً. بل الذي أخطأ هو ذلك الدليل، وتلك الشهادة.وليس هو عليه السلام مسؤولاً عن ذلك.

نعم، لو جاء الناس إليه أو بعضهم، ونقضوا له ما أدت إليه تلك الشهادة، أو الدلالة، وبطل تأثيرها، ولم تعد دليلاً معتبراً، وارتفع التكليف بالعمل بموجبها، فإن هذا النقض يكون في محله، وهو محبوب ومطلوب لله جل وعلا.

فلو أن الناس جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يرسل الوليد بن عقبة، أو خالد بن الوليد مثلاً، وأطلعوه على واقع هذين الرجلين، وحقيقة نواياهما، لم يجز له صلى الله عليه وآله وسلم – والحالة هذه – أن يرسلهما في المهمة التي حصل فيها ما حصل، وذلك لأن حسن الظاهر لهما قد بطل أثره، وتبدل التكليف، وصار من الواجب ترتيب آثار الفسق الذي ثبت بإخبار الناس لرسول الله به من باب النصيحة للأمة وللأئمة، والنصيحة واجبة على الناس كلهم كما هو معلوم.

وهكذا الحال بالنسبة لسائر الموارد، كل مورد بحسبه.

فالنصيحة من الناس للإمام، وللنبي إنما هي بإعلامه بالأمر الذي لم يكن مكلفاً بالتحري عنه، ولا كان ملزماً بالعمل على وفقه، رغم أن المعصوم قد يكون عارفاً بالحقيقة، ولكن من طريق غير عادي، كالوحي أو غيره.

ولكن العلم عن هذا الطريق غير العادي لا يلزم النبي (ص)، أو الإمام عليه السلام بالعمل على وفق المعلوم، فلو حلف المدعي كاذباً، أو شهدت البينة بخلاف الواقع، وعلم (ص)بهذا الخلاف من طريق الوحي، فلا يحكم بعلمه، بل يحكم وفق البينة، أو اليمين.

ولعل ذلك يرجع إلى أن في ذلك صوناً لمستقبل الأمة، وحفظاً لها من أن يتخذ الظالمون والطواغيت، وأصحاب الأهواء ذلك ذريعة إلى توجيه ضرباتهم القاتلة إلى قوى الإيمان والخير، والتنكيل بهم، وذلك بحجة أنهم قد عرفوا بطرقهم الخاصة غير العادية بما لم يعرف به الآخرون.

وبذلك نعرف السبب في أن الرؤيا في المنام غير قابلة للاعتماد، وكذلك دعوى ملاقاة الإمام الحجة المنتظر عليه السلام، والأخذ منه مباشرة. فضلاً عن العلوم المزعومة التي قد تنسب إلى الجن، أو السحر، أو ما إلى ذلك.

هذا، وقد أشارت الروايات إلى أن عمر بن الخطاب، قد حاول أن ينتزع اعترافاً من الصحابة أو من بعضهم بأن له أن يعمل بعلمه، فواجهه علي عليه السلام وابن عوف أو أحدهما برفض ذلك منه.

ويفصل البعض هذه القضية فيقول: روي أن عمر كان يعسُّ ذات ليلة بالمدينة فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟!.قالوا:إنما أنت إمام. فقال علي بن أبي طالب: ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود (1).

ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم. ثم سألهم، فقال القوم مثل مقالتهم الأولى، وقال علي مثل مقالته الأولى(2).

نتيجة ما تقدم:

إذن، فليس ثمة ما يمنع من أن يطلب أمير المؤمنين عليه السلام من أصحابه أن يخبروه بالواقع الذي يعرفونه، وأن يبطلوا الشهادات أو الأدلة التي لو لم يظهر خلافها لكان عليه أن يبادر إلى العمل بمضمونها.

فتكون تلك المبادرات منهم سبباً في إسقاطها عن الاعتبار وعن الحجية، لأنه عليه السلام مكلف بالعمل وفق تلك الأدلة، إلى أن يظهر خلافها.

فهو عليه السلام يدعو أصحابه ويريد منهم أن يرصدوا الواقع من أجل أن يحفظوه.وحفظ الواقع بهذه الطريقة، لا يوجب خللاً في عصمته عليه الصلاة والسلام، كما أنه لا يوجب خللاً في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

5 ـ ضعف سند الرواية:

وبعد ما تقدم نقول:

__________

(1) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص144 والمصنف لعبد الرزاق ج8 ص340.

(2) الفتوحات الإسلامية (للسيد زيني دحلان) ج2 ص466 وراجع: الاستغاثة ص92 و93 فأنه قد ذكر ذلك في قضية أخرى وراجع: كنز العمال ج5 ص457.

 

إن الإجابات المتقدمة كانت مبينة على أساس أن يكون سند هذه الرواية صحيحاً، أو معتبراً، مع أن الأمر ليس كذلك. فقد قال المجلسي عن هذا الحديث:

(ضعيف بعبد الله بن الحارث:وأحمد بن محمد معطوف على علي بن الحسن، وهو العاصمي. والتيمي هو ابن فضال. وقل من تفطن لذلك)(1).

6 - الثوابت هي المرجع:

ولنفترض جدلاً: أن جميع ما تقدم لم يستطع أن يقنعنا، ولم يحل مشكلة الشرح اللفظي لكلامه(ع)، فإننا نقول:

إن ما ذكرناه فيما تقدم، وفيه ما هو القوي في ظهوره ودلالته، يمنع من الركون إلى مقولة: أن علياً يخطئ بالفعل، استناداً إلى تلك العبارة المنقولة عنه: ما أنا – في نفسي – بفوق أن أخطئ، وذلك لأنه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فكيف إذا كان هذا الإحتمال هو الظاهر والمعقول والمرضي والمقبول؟!

__________

(1) مرآة العقول ج26 ص517.

 

ومع صرف النظر عن ذلك كله.. فإن عصمة النبي والإمام عن السهو والخطأ والنسيان، والذنب لهي من الثوابت الإيمانية، والعقيدية التي قامت عليها الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة من العقل والشرع(1) خصوصاً آية التطهير، وقوله (ص): علي مع الحق والحق مع علي(2)، فلا بد – مع وجود الشبهة – من الرجوع إلى هذه الثوابت، والاحتكام إليها، ثم الرد والقبول على أساسها.

فإذا كانت كلمة أمير المؤمنين عليه السلام ضعيفة السند، متشابهة الدلالة فما علينا، إذا توقفنا عن قبولها، ثم نرد علمها إلى أهلها، ملامة أو جناح، فإن الحق أحق أن يتبع. مع أننا قد ذكرنا ما يرفع كل شبهة، ويزيل كل ريب في دلالتها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

__________

(1) راجع كتاب: التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان.وراجع عبقات الأنوار ج2 ص319.

(2) راجع: دلائل الصدق ج3 ص303 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص72 وعبقات الأنوار ج2 ص324 وعن السندي في: دراسات اللبيب ص233 وكشف الغمة ج2 ص35 وج1 ص141 – 146 والجمل ص36 وتاريخ بغداد ج14 ص321 ومستدرك الحاكم ج3 ص119 و124 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) وربيع الأبرار ج1 ص828 و829 ومجمع الزوائد ج7 ص234 ونزل الأبرار ص56 وفي هامشه عنه وعن كنوز الحقائق ص65 وعن كنز العمال ج6 ص157 وملحقات إحقاق الحق ج5 ص77 و28 و43 و623 – 638 وج16 ص384 – 397 وج4 ص 27 عن مصادر كثيرة.

 

 

المصادر والمراجع

1 ـ القرآن الكريم

2 ـ إحقاق الحق (الملحقات) للسيد شهاب الدين المرعشي النجفي – ط قم إيران.

3 ـ الأربعون حديثاً –للشيخ بهاء الدين العاملي (البهائي)ط دار المحجة البيضاء سنة 1413 هـ ق. – بيروت – لبنان.

4 ـ الإستغاثة.لأبي القاسم الكوفي.

5 ـ الأصول العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم، ط دار الأندلس –بيروت –لبنان.

6 ـ أنوار الولاية –لزين العابدين الكلبايكاني- ط سنة 1409 هـ ق.

7 ـ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ط مؤسسة الوفاء سنة 1403 هـ ق. بيروت –لبنان.

8 ـ تاريخ بغداد – للخطيب البغدادي –نشر دار الكتاب العربي – بيروت –لبنان.

9 ـ التفسير المنسوب للإمام العسكري.

10 ـ التفسير الكبير، للفخر الرازي، دار الفكر، بيروت ط سنة1401 هـ ق.

11 ـ تلخيص مستدرك الحاكم – للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك ) سنة1342 هـ. الهند.

12 ـ التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان.

13 ـ تهذيب الأحكام –للشيخ الطوسي ط سنة 1401هـ ق. دار صعب، ودار التعارف – بيروت – لبنان.

14 ـ جامع الأصول – لابن الأثير.

15 ـ الجمل للشيخ المفيد – ط سنة 1413 هـ ق. مكتب الإعلام الإسلامي – قم – إيران.

16 ـ دلائل الصدق – للشيخ محمد حسن المظفر – ط سنة 1395 هـ ق. مكتبة بصيرتي- قم – إيران.

17 ـ ربيع الأبرار – للزمخشري – ط سنة 1410 – إنتشارات الشريف الرضي- قم.

18 ـ سنن ابن ماجة (بشرح السندي) ط سنة 1373 هـ ق. دار الجيل –بيروت.

19 ـ سنن الدارمي – ط دار الكتاب العربي، سنة 1407هـ. ق.

20 ـ السنن الكبرى – للبيهقي – ط سنة 1344 هـ ق.- الهند.

21 ـ شرح نهج البلاغة – لابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي –ط سنة 1385 هـ ق.

22 ـ شرح نهج البلاغة – لابن ميثم البحراني-ط سنة 1401 هـ ق. دار العالم الإسلامي.

23 ـ صحيح البخاري –ط المكتبة الثقافية –بيروت – و ط سنة 1309 هـ ق.

24 ـ صحيح مسلم –ط دار إحياء التراث العربي – بيروت –لبنان.

25 ـ عبقات الأنوار ط سنة 1405 – مؤسسة البعثة – طهران – إيران.

26 ـ الفتوحات الإسلامية للسيد زيني دحلان – ط مصطفى محمد – مصر.

27 ـ الكافي للكليني – ط سنة 1405 – دار الأضواء بيروت.

28 ـ كشف الغمة – للأربلي –ط سنة 1381 هـ ق. المطبعة العلمية – قم – إيران.

29 ـ كنز العمال – للمتقي الهندي – ط سنة 1409 هـ ق. مؤسسة الرسالة –بيروت – لبنان.

30 ـ كنوز الحقائق –للمناوي –مطبوع بهامش الجامع الصغير –مصر.

31 ـ مجمع البيان – للطبرسي –ط دار إحياء التراث العربي – سنة 1379- بيروت و ط سنة 1412 هـ دار إحياء التراث العربي أيضاً – بيروت – لبنان

32 ـ مرآة العقول –للمجلسي – دار الكتب الإسلامية – طهران –إيران.

33 ـ المستدرك على الصحيحين –للحاكم النيسابوري – ط سنة 1342 هـ ق. –الهند.

34 ـ المسند لأحمد بن حنبل –ط سنة 1313 هـ ق.-مصر. و ط دار إحياء التراث العربي –سنة 1414 هـ ق.

35 ـ المصنف للحافظ عبد الرزاق –ط سنة 1390 هـ ق.

36 ـ معاني الأخبار – للصدوق – ط سنة 1379هـ ق.قم إيران.

37 ـ مفتاح الفلاح – للخواجوئي – ط إيران.

38 ـ مناقب آل أبي طالب –لابن شهر آشوب –ط دار الأضواء سنة 1405هـ.

39 ـ نزل الأبرار – للبدخشاني الحارثي ط سنة 1403 ط نقش جهان –طهران –إيران

40 ـ نهج البلاغة –جمع الشريف الرضي –ط دار التعارف –بيروت –لبنان.

41 ـ وسائل الشيعة – للحر العاملي – ط مؤسسة آل البيت سنة 1411 هـ.