الصفحة 11

 

 

مقدمة المركز

 

لا شك أنّ القلم يُعتبر من النعم الإلهية الفريدة ، وتعدّ الكتابة من أهمّ وسائل توسعة المعرفة وتنمية الفضيلة ، كما يُعتبر التدوين من أفضل أساليب تعميق الثقافة الدينية الأصيلة .

لقد اهتمّت الحوزات العلمية منذ البدء بـ ( القلم ) ساعيةً لأن تخطّ أسطراً وضّاءةً في سجل المعرفة البشرية ؛ لتكون مصداقاً جلياً لقوله تعالى ( وَمَا يَسْطُرُونَ  ) .

في ضوء هذا الهدف المقدّس بادر العلماء المتعمّقون إلى التأليف والتصنيف ، وتسابقوا في ساحة التربية والتعليم ، وقادوا طلائع التحقيق ، فأينعت أروع الآثار وأهداها ، وتفجّرت ينابيع الحكمة والموعظة وأنهار ( الجدال بالتي هي أحسن ) من القمم العالية لتلك المعارف السامية ، وسالت لتروي قلوب المؤمنين العَطشى ، فأنبتت أزهار المعنويات العطرة ، وزيّنت تاريخ المعرفة البشرية .

في ظلّ التوفيقات الإلهية والألطاف الخاصّة لإمام العصر والزمان ( عج ) ، ومن أجل تحقيق الأهداف السّامية السابقة الذكر ولتنشيط عملية التأليف و


الصفحة 12

تعميق روح التحقيق ، ولغرض التعرّف على الباحثين والكتّاب المجدّين والموفّقين من طلبة وفضلاء الحوزة غير الإيرانيين ، فقد أسّس المركز العالمي للعلوم الإسلامية مهرجان الشيخ الطوسي ( ره ) للتحقيق .

نحن على أبواب الدورة الخامسة للمهرجان في هذه السنة ، قام المشرفون على المهرجان وبإشراف واهتمام معاونة التحقيق للمركز بطباعة آثار المتفوّقين في الدورة الرابعة ، بعد التقييم الذي أجرته لجان التحكيم في السنة الماضية ، ومن بعد تنقيحها وتهذيبها من الناحية الفنية والأدبية ، ومن ثَمّ تقديمها للراغبين .

أخيراً نقدّم أسمى التقدير والامتنان للمساعي الكريمة الّتي بذلتها لجان التقييم المحترمة والعاملون على إنتاج هذه المجموعة العلمية بمجلّداتها الستة .

 

معاونة التحقيق للمركز العالمي للعلوم الإسلامية

مهرجان الشيخ الطوسي ( ره )  


الصفحة 13

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله كما يرضى ، والصلاة والسلام على النّبيّ المصطفى ،

وأخيه المرتضى وآله المجتبين .

 

 

المقدمة

تميّزت السنوات الخمس المعدودة ، التي تولّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخلافة فيها ، بوفرة الإنتاج الثقافي ، سواء كان على شكل خطب وكتب ووصايا وعهود ، أو على شكل حوادث ووقائع , حيث غطّى هذا الإنتاج حقولاً عديدةً في الفكر والأخلاق والمعارف والحقوق والآداب إلى غير ذلك .

ورغم وفرة هذا الإنتاج الثقافي ، ندرت فيه الدراسات التي تبحث الوضع الثقافي الذي أرسى موازينه الإمام ( عليه السلام ) وأقام أعمدته .

لقد كانت إشارات بعض الأجلاّء إلى الوضع الثقافي بمثابة ومضات آنسنا فيها الحقيقة ، ووجدنا الهدى إلى ساحة ثقافية رحبة خطها جهاد علي ( عليه السلام ) وعمله الدائب على أرض الكوفة وما حولها .

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب ، حيث إنّه تعريف بشيء من التطوّرات الثقافية الذي أوجدها الإمام بين أوساط الكوفيين ، والتي لخّصها في هذه العبارة :


الصفحة 14

( فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ ) (1) .

يتألف الكتاب من اثني عشر فصلاً ، وقد سبقت فصوله هذه المقدمة ، وتعريف الثقافة لغةً واصطلاحاً ، وقد اخترنا المعنى الذي نريد وبيّنا الأسباب ليكون اتجاه الكتاب واضحاً .

يعتمد سير التحقيق على المنهج التحليلي في عرض النصوص أو ربطها ، وربّما نفصّل الكلام في وسط التحليل متوخين بذلك إظهار المعنى بصورة منتظمة .

أمّا مصادر الكتاب التي نرجع إليها فهي في الأغلب من المصادر التاريخية والحديثية ، كما لم ننسَ نصيبنا من آيات الذكر الحكيم .

في الختام أقدم جزيل شكري وامتناني لكلّ من سماحة الشيخ جعفر پيشه والأستاذ نعمة الله صفري ، فقد أوفوا الكيل في الإرشاد والتوصية ، ودعاؤنا لهما بمضاعفة الأجر عند الله تعالى ، ومنه سبحانه نطلب التسديد والتوفيق .

ـــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 121 .


الصفحة 15

 

تعريف الثقافة

الثقافة لغةً

تعود كلمة الثقافة في اللغة إلى :

1 . ( ثَقِف : الثَّقِف الحِذْق في إدراك الشيء وفعله ) (1) و ( ورجلٌ ثَقِفٌ لقفٌ ، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء ) (2) و ( وثقِفت العلم أو الصناعة في أَوحَي مُدّةٍ : إذا أَسرعت أَخذه ) (3) .

2 . ( ثقف ) الثاء والقاف والفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع وهو إقامة درء الشيء ، يقال ثقّفت القناة إذا أقمت عِوَجها ) (4) و( ثقفّه تثقيفاً سوّاه ) (5) .

المعنى المختار لغةً هو الأَوّل أي : سرعة الأخذ والتعلّم .

ـــــــــــــــــــ

(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 90 .

(2) معجم مقاييس اللغة : 1/382 .

(3) أساس البلاغة : 46 .

(4) معجم مقاييس اللغة : 1/382 .

(5) القاموس المحيط : 3/178 .


الصفحة 16

الثقافة اصطلاحاً

ذكر أهل الفن والصناعة عدة تعاريف للثقافة نذكرها فيما يلي :

1 . الثقافة : هي كل ما يتصل بالمعنويات وهي المحيط الذي يعكس حضارةً معينةً (1) .

2 . الثقافة : أنواع المعرفة التي أنشأها المسلمون إنشاءً أو أدخلوها من الحضارات السابقة (2) .

3 . الثقافة : بمعنى الفكر الإسلامي ، العقيدة الإسلامية والمعارف الإسلامية (3) .

4 . الثقافة : تعني مجموعة العادات والمعلومات وأساليب المعيشة (4) .

5 . الثقافة : بمعنى التربية التي تنمو بها أساليب الفكر والعمل بما يلائم الزمان والمكان (5) .

والتعريف المختار هو الأَوّل ، الذي يتطابق معناه مع حقيقة الثقافة وروحها التي أشاعها الإمام ( عليه السلام ) .

إنّ الثقافة التي نشرها الإمام ليس بالمعنى المتعارف في هذا الوقت : إنّما

ـــــــــــــــــــــ

(1) مقوّمات الحضارة الإنسانية في الإسلام : 15 .

(2) تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى : 146 .

(3) گفت وگوى فرهنگ وتمدن ها : 44 .

(4) المدخل إلى تاريخ الحضارة : 17 .

(5) مجلة التوحيد : 137 ، العدد 105 سنة 1421 هـ ق .


الصفحة 17

أقام الإمام حقيقة الثقافة وجوهرها ، وقد رجّحنا المعنى الأَوّل ؛ لأنّ كل ما له علاقة بالروحيات قد أعطاه الإمام أهميةً كبرى مثل الصلاة والدعاء والعمل الصالح والجهاد والتقوى والإيمان ... ، كما أنّ المحيط الخاص بالكوفة في زمن أمير المؤمنين يعكس في طابعه العام الحضارة الإسلامية ، ببركة وجود الإمام وأصحابه الذين صدقوا العهد معه ( عليه السلام ) .

على الرغم من أنّ أهل الكوفة قد أخفقوا في تحقيق أهداف الإمام ( عليه السلام ) بشكل عام ، إلاّ أنّه بالجملة هناك شخصيات مثل كميل بن زياد ورشيد الهجري وعمّار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعدد قليل آخر من أصحابه ( عليه السلام ) قد جسّدوا خطبه وأقواله : ( أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ وَالإِخْوَانُ فِي الدِّينِ وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ  ) (1) ممّا جعل الكوفة تعكس الصورة الإسلامية .

ـــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 118 .


الصفحة 18 


الصفحة 19

 

 

الفصل الأَوّل :

 التكوين الثقافي للكوفة

 

على الرغم من أنّ عمر مدينة الكوفة ـ من حين تأسيسها سنة 17 هـ إلى حين تولّي الخلافة من قِبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سنة 35هـ ـ يُعتبر عمراً فتياً ـ إلاّ أنّ مجيء زخم كبير من الكتل البشرية المهاجرة على شكل قبائل ، ومرور القوات العسكرية إلى الشرق من خلال البصرة والكوفة ، ساهم بشكل كبير في أن تكون الكوفة موطناً لثقافات متعددة .

فيما يلي نذكر عرضاً للثقافات التي تكوّنت منها ثقافة مدينة الكوفة .

1 . ثقافة قبلية

تمتدّ جذور هذه الثقافة إلى ما قبل البعثة النبوية ، لكن ما علاقة الكوفة بهذه الثقافة إذا كان بين تأسيس هذه المدينة وبين الزمن الذي سبق الإسلام هو ثلاثة عقود زمنية ؟ .

يأتي الجواب واضحاً أنّ الجيل الذي نشأ في الكوفة هو في الواقع حصيلة


الصفحة 20

الجيل السابق عليه الذي تربّى في حجر الجاهلية وتقاليدها ؛ لذا نجد أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُشير إلى أنّ الفاصلة بين الجيل الذي عاصره في الكوفة و بين آبائهم قريبة ، ( وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ ، وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ وَالْقُرُونُ ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ ) (1) .

لتأكيد هذا الخطاب العلوي نورد حادثتين تفحصان عن الرواسب والثقافة الجاهلية التي كانت حاضرةً في أوساط الناس حتى في زمن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

الحادثة الأُولى : أتت الموالي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقالوا : نشكوا إليك هؤلاء العرب ، إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يعطينا معهم العطايا بالسّوية وزوّج سلمان وبلالاً وصهيباً ، وأبوا علينا هؤلاء وقالوا : لا نفعل ! فذهب إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فكلّمهم فيهم ، فصاح الأعاريب : أَبينا ذلك يا أبا الحسن ، أَبينا ذلك !

فخرج وهو مغضِب يجرّ رداءه وهو يقول : ( يا معشر الموالي ، إنّ هؤلاء قد صيرّوكم بمنزلة اليهود والنصارى ، يتزوّجون إليكم ولا يزوّجونكم ، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون ، فاتجروا بارك الله لكم ، فإنّي قد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : الرزق عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها ) (2) .

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 89 .

(2) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 4/162 .

الصفحة 21

الحادثة الثانية : التي تدل على رواج الثقافة الجاهلية ، أنّ امرأتين أتتا علياً ( عليه السلام ) إحداهما من العرب والأخرى من الموالي فسأَلَتاه ، فدفع إليهما دراهم وطعاماً بالسّواء . فقالت إحداهما : إنّي امرأة من العرب وهذه من العجم ! فقال : ( إنّي والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق ) (1) .

الإمام علي كان يشاهد هذه الظواهر الجاهلية وتأثيرها السلبي على الإسلام وأحكامه ، حيث إنّها تجعل المتقلّد بها نافضاً يد الطاعة ، ( أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ) (2) .

قد يخطر السؤال التالي ، كيف لهؤلاء الذين أعلنوا الإسلام أن يكونوا غير مطيعين لأحكامه ؟ ألم يكن إسلامهم كافياً في أن يُصبحوا ضمن المسلمين ؟ .

إنّ هؤلاء أسلموا بعد إذ لم يكن بدّ من التلوّن والميل إلى الإسلام ، وقد كانوا مكرهين مقهورين ـ حيث انعدمت الوسائل وتقطّعت بهم الأسباب ـ إمّا الموت أو الإسلام ، فأُرغموا على القبول ، ( فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ ) (3) .

نعم ، إنّهم عادوا إلى أيامهم الأُولى في الزمن المندثر قبل الإسلام ، والإمام

ـــــــــــــــــــــ

(1) الغارات : 1/70 ، بحار الأنوار : 41/137 ، كنز العمال : 6/610 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 192 .

(3) نفس المصدر .


الصفحة 22

ذكّرهم بنعمة الإسلام ، وبإنذار الرسول لهم وأمانته وصدقه ، كما عرّفهم بالمقام الذي كانوا فيه ، ( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلّى الله عليه وآله ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ ) (1) .

كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس ، وممّا ذكر في الكتاب قوله ( عليه السلام ) : ( بعث الله محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنتم معاشر العرب على شرّ حالٍ ، يغدو أحدكم كلبه ويقتل وُلده ، ويُغير على غيره فيرجع وقد أُغير عليه ، تأكلون العلهز والهَبيد والميتة ) (2) .

إنّ الوضع الثقافي الجاهلي الذي كان سائداً قبل الإسلام لا يمكن تجاوز آثاره بسهولة ؛ ولهذا نلاحظ أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يذكر في غير موضع الوضع الجاهلي ذاماً له ولتقاليده ، وحاثاً الناس إلى التزام تعاليم الإسلام .

 

2 . ثقافة دخيلة

يمكن تقسيم هذه الثقافة إلى نوعين :

أ . ثقافة دخيلة للديانات المختلفة ، ترجع إلى زمن ما قبل الإسلام حيث ( كان في العرب مَن يميل إلى اليهودية ، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن ، ومنهم نصارى كبني تغلب والعِبادييّن رهط عديّ بن زيد ونصارى نجران ،

ـــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 26 .

(2) سفينة البحار : 1/717 . 


الصفحة 23

ومنهم مَن كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والأنواء ) (1) .

إنّ هذه الثقافة الدخيلة ليست بغريبة عن ثقافة العرب ، بل هي ثقافة دخيلة على الثقافة الإسلامية ، لكن ما هي علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة ؟ أليس هذه الثقافة قد ولّت واندحرت بعد مجيء الإسلام ؟ .

أمّا علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة ، فالتاريخ ينقل أنّ قسماً من اليهود قد تم إجلائهم سنة 20 هـ إلى الكوفة من قِبَل الخليفة عمر ، ( فيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة ـ فيما زعم الواقدي ـ ) (2) وهذا يعني انتقال هذه الثقافة عن مركز المدينة التي يوجد فيها كثير من المهاجرين والأنصار ، وانتقالهم يسمح لهم بممارسة أنشطتهم ، لا سيما وأنّ المسلمون في سنة 20 هـ وحتى سنة 32 هـ قد انشغلوا بالفتوحات العسكرية والغنائم ، وأنّ عدداً آخر كان قد سكن الكوفة : ( فهاجر هؤلاء التغلبيّون ومَن أطاعهم من النمر وإياد إلى سعد بالمدائن ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة ) (3) .

أمّا مسألة اندحار هذه الثقافة وإدبارها بعد مجيء الإسلام ، فالملاحظ على ما يرويه المؤرّخون أنّ اليهود والنصارى كانوا يمارسون أنشطةً مختلفةً تتنافى مع التعاليم الإسلامية في مدينة الكوفة زمن الخليفة عثمان ، حيث كان قد أرسل إلى ولاية الكوفة الوليد بن عقبة ، والوليد هذا كان ملازماً ورفيقاً

ـــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد : 1/120 .

(2) تاريخ الطبري : 2/516 .

(3) الكامل في التاريخ : 2/149 .


الصفحة 24

لأحد النصارى من بني تغلب ، وقد تعرّف عليه أثناء وجوده بالجزيرة ، ويدعى هذا النصراني أبو زبيد الشاعر وهو من المدمنين على احتساء الخمر ، حتى أنّ أهل الكوفة كانوا ينهونه عن مرافقة أبو زبيد له ، إلاّ أنّه لا يعتني بذلك ، ( كان الوليد يُدخل أبا زبيد المسجد وهو نصراني ، ويجري عليه وظيفةً مَن خمرٍ وخنازيرٍ تقام له كل شهر ، فقيل له قد عظم إنكار الناس لِما تُجري على أبي زبيد ، فقوّم ما كان وظّف له دراهم وضمّها إلى رزق كان يجريه عليه ) (1) .

 

أكثر من ذلك قد فعله ( الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة ، وذلك أنّه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة ممّا يلي جسر بابل يقال له زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر ، يُعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضرباً من التخييل ، وهو أن أظهر له في الليل فيلاً عظيماً على فرس يركض في صحن المسجد ، ثمّ صار اليهودي ناقةً يمشي على حبل ، ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه خرج من دبره ، ثمّ ضرب عنق رجل ففرّق بين جسده و رأسه ، ثمّ أمرّ السيف عليه فقام الرجل وكان جماعة من أهل الكوفة حضوراً ) (2) .

إنّ إدخال رجل يهودي إلى مسجد الكوفة ، والسماح له بعمل أنواع من الشعبذة والسحر ، يُعتبر ترويجاً للثقافات الغريبة عن الثقافة الإسلامية ، و هذا دليل آخر على عدم سكون الثقافات الدخيلة داخل إطار الثقافة الإسلامية .

ـــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ أبي مِخنَف : 1/73 .

(2) مروج الذهب : 2/338 .


الصفحة 25

قد أصبح ـ فيما بعد ـ لدى المنتسبين إلى الثقافات الدخيلة من الديانات الأخرى ، نوع انفلات من أحكام الإسلام ، وعدم الالتزام بالعهود المفروضة عليهم ؛ وذلك بعد توجّه المسلمين إلى أحداث أهم ؛ لذا كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يرتقب الفرصة لعلاج هذه القضية ، ( فكان علي ( عليه السلام ) يقول : ( لئن تفرّغتُ لبني تغلب ليكونَنّ لي فيهم رأي ، لأَقتلنّ مقاتلهم ولأَسبينّ ذرّيتهم ، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم ) (1) .

 

ثمّ إنّ بعض أفراد هذه الثقافة الدخيلة أخذ يدخل في مناظرات دينية وذلك عند حضور الناس ، إلاّ أنّ أمير المؤمنين قطع عليهم الطريق في التأثير على المسلمين عندما ابتدرهم بأسئلة مفحمة عجزوا عن تحديد إجابة واضحة وصحيحة فيها ، ( قال سليم بن قيس : إنّي لجالس أنا وعليّ ( عليه السلام ) والناس حوله ، إذا أتاه رأس اليهود ورأس النصارى ، فأقبل على رأس اليهود فقال : ( علي كم تفرّقت اليهود ؟ فقال : هو عندي مكتوب في كتاب ، فقال عليّ ( عليه السلام ) : قاتل الله زعيم قوم يسأل عن مثل هذا عن أمر دينه فيقول : هو عندي في كتاب ، قال : ثمّ قال لرأس النصارى : كمَن تفرّقت النصارى ؟ قال : على كذا وكذا ، فأخطأ ، فقال عليّ ( عليه السلام ) : لو قلت كما قال صاحبك كان خيراً من أن تقول وتخطئ ) .

 

ثمّ أقبل عليهما عليّ ( عليه السلام ) وعلى الناس فقال : ( أنا والله أعلم بالتوراة من أهل التوراة ، وأعلم بالإنجيل من أهل الإنجيل ، وأعلم بالقرآن من أهل القرآن ، أنا أخبركم .... ) (2) .

ـــــــــــــــــــ

(1) البلدان وفتوحها وأحكامها : 215 .

(2) كتاب سليم بن قيس الهلالي : 2/913 .


الصفحة 26

تشير بعض الأحداث الداخلية التي حصلت في داخل حدود الخلافة الإسلامية إلى وجود انعكاسات خطيرة بعد الفتن المتلاحقة ـ حيث كانت معركة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين ـ فقد ارتدّ عدد من الناس عن الإسلام إلى النصرانية ، ( ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمِئة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية ، وهم من وُلد سامة بن لؤي بن غالب ) (1) .

 

وهكذا نلاحظ وجود ثقافة دخيلة لأديان من غير الدين الإسلامي .

ب . ثقافة دخيلة لقوميات مختلفة ، هذه الثقافة تعود إلى السنين الأُولى من تأسيس الكوفة ، ( كان مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف يُسمّون جند شاهنشاه ، فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا ، ويحالفوا مَن أحبوا ، ويُفرض لهم في العطاء ، فأعطوا الذي سألوه ، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم وأنزلهم سعد بحيث اختاروا ) (2) وكان هؤلاء قد ( شهدوا فتح المدائن مع سعد ، وشهدوا فتح جلولاء ، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين ) (3) .

 

إنّ اندماج أربعة آلاف نفر من البلاط الملكي في داخل الكوفة آنذاك يمثل وجود ثقافة أخرى إلى جانب الثقافة الإسلامية .

 

ــــــــــــــــــــ

(1) مروج الذهب : 2/407 .

(2) البلدان وفتوحها وأحكامها : 324 .

(3) نفس المصدر .


الصفحة 27

يرى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّ الخير في عدم التأثر من الثقافات الأخرى ؛ لأنّ ذلك دليل على الانسياق والتبعية الثقافية التي تبدأ من أشياء بسيطة إلى أن تنتقل إلى أطوار أكبر في نفوذ الثقافات الأخرى ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : لا تزال هذه الأمّة بخير ما لم يلبسوا لباس العجم ، ويطعموا أطعمة العجم ، فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله بالذّلّ ) (1) .

 

3 . ثقافة إسلامية

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين جامع فهو ( حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى ) (2) .

وقد أخذ المسلمون من هذا الدين كلٌ بقدره و وسعه ؛ لأنّ الإسلام ( رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ ) (3) .

يروي لنا التاريخ كثيراً من الظواهر والأحداث التي تنم عن وجود الثقافة الإسلامية ، وتركيز مفاهيمها بين المسلمين ، ففي واقعة الجمل التي حدثت في جمادي الثاني سنة 36هـ ، كان المسلمون ينشدون أشعاراً يذكرون

ـــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : 66/323 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 18 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 106 .


الصفحة 28

فيها مقام الإمام علي ( عليه السلام ) وأنّه الخليفة والوصي ، وقال رجل من الأزد يوم الجمل :

 

هذا عليّ وهو الوصيّ        آخاه يوم النَّجوَةِ النبيّ

وقال هذا بعدى الوليّ      وَعاه واعٍ ونسي الشقيّ

 

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل وكان في عسكر علي ( عليه السلام ) :

 

أَيّةُ حربٍ أُضرِمت نيرانُها      وكُسرت يوم الوغى مُرّانُها

قل للوصيّ أقبلت قحطانُها     فادعُ بها تكفيكَها همدانُها

هم بنوها وهُمُ إخوانها

 

وقال زياد بن لبيد الأنصاريّ يوم الجمل ، وكان من أصحاب علي ( عليه السلام ) :

 

كيف ترى الأنصار في يوم الكلَب      إنّـا أنـاس لا نـبالي مَن عَطب
ولا  نبالي في الوصيّ مَن غضب      وإنّـمـا الأنـصار جـدّ iiكـعب
هـذا عـليّ وابـن عبد iiالمطّلب      نـنصره  اليوم على مَن قد iiكذب

مَن يكسب البغي فبئسما اكتسب (1)

 

إنّ معركة الجمل كانت قبل مجيء الإمام إلى الكوفة ، فكان المسلمون لديهم صورة ، وثقافة عن موقع الإمام في جسم الأمّة ، وأنّ محله هو القطب منها .

 

والمسلمون إلى حفظهم لكثير من الآيات القرآنية ، فإنّ لديهم معرفةً بالسنّة وبالأحاديث التي كان النبيّ يلقيها على مسامع الناس ؛ ليهديهم إلى

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : 1/144 .


الصفحة 29

التمسّك بالحق ومعرفته ( عن شهر بن حوشب قال : سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول : والله لا يمنعني مكان معاوية أن أقول الحقّ في عليّ ( عليه السلام ) ، سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( عليّ أفضلكم ، وفي الدّين أفقهكم ، وبسنّتي أبصركم ، ولكتاب الله أقرؤكم ، الّلهمّ إنّي أُحبّ عليّاً فأحبّه ، الّلهمّ إنّي أُحِبُ عليّاً فأحبّه ) (1) .

 

وبعد الانتهاء من قتال الناكثين ، وقدوم أمير المؤمنين الكوفة في 13 رجب سنة 36 هـ ، عمد الإمام إلى إعطاء تعريف لكلّ الأمور التي يلاحظها ، أو يسأل عنها ، أو تلك التي حصلت على شكل فتن داخلية ، وسارع الإمام في كل المواقع في أن يُظهر الإسلام بشكله الصحيح حقيقته للناس .

 

وسعى الإمام جاهداً في تسريع حركة المسلمين ، وتصحيح مقاصدهم ، فقديماً عند ما أُسست الكوفة سنة 17هـ كانت الأسباب ماديةً ، وربّما تتعلق بالحرب ( ولمّا نزلها سعد كتب إلى عمر : ( إنّي نزلت بالكوفة منزلاً فيما بين الحيرة والفرات برّياً وبحريّاً ينبت الحلفاء والنَّصيّ ) (2) ، ( وكتب إلى سعد في بعثه روّاداً يرتادون منزلاً بريّاً بحريّاً ، فإنّ العرب لا يصلحها من البلدان إلاّ ما أصلح البعير والشاة ) (3) .

 

أمّا بعد قدوم الإمام فقد اختلفت النظرة إلى مدينة الكوفة حيث إنّها أصبحت مركزاً معنوياً ، وكان عليٌّ ( عليه السلام ) يقول : ( الكوفة كنز الإيمان ،

ـــــــــــــــــــ

(1) الأمالي ، الشيخ المفيد : 90 .

(2) الكامل في التاريخ : 2/150 .

(3) تاريخ الطبري : 2/478 .


الصفحة 30

 

وحجة الإسلام ، وسيف الله ورمحه ، يضعه حيث يشاء ) (1) .

 

ومن هنا نلاحظ أنّ الإمام ( عليه السلام ) قام بتعزيز الثقافة الإسلامية ، وإعادة نصابها إلى واقع المسلمين .

ـــــــــــــــــــ

(1) معجم البلدان : 4/559 .