الصفحة 49

 

 

الفصل الرابع

الإمام علي ( عليه السلام ) والأهداف الثقافية

 

الوصول إلى الأهداف يكون حسب الهمة التي يمتلكها الإنسان ( قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ ) (1) وتجلّت الهمة العظيمة في أهداف علي ( عليه السلام ) حيث إنّه يريد من الإنسان أن يكون كاملاً في الحظوظ الدنيوية والأخروية ، ويريد منه أن يرتقي في الأسباب وأمام كل لحظة تشرف عليها أنفاسه .

إنّ الأهداف الثقافية التي توخّاها الإمام ( عليه السلام ) هي ما يلي :

1 . الاتقاء

الاتقاء كما هو في اللغة : ( اتقى الشيء : حَذره وتجنّبه ) (2) .

التجنّب والاتقاء ليس بالمعنى المطلق ، أي عن كل شيء ، إنّما عن الأشياء التي تردي الإنسان وتورده موارد الذمّ والسّوء . أعطى الإمام

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الحكمة : 47 .

(2) المعجم الوسيط : 2/1052 .


الصفحة 50

قاعدةً كليةً في كيفية التجنّب والابتعاد ( مَن حصّن شهوته صانَ قدره ) (1) الاتقاء يحصل على صعيدين :

1 . الصعيد الداخلي للإنسان : ذلك عبر تحصين الشهوة عن الاقتراب من لذائذها ومراتعها ، عن جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه ( عليه السلام ) : ( إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أتي بخبيص (2) فأبى أن يأكله فقالوا له : أتحّرمه ؟ قال :  لا ، ولكنّي أخشى أن تتوق إليه نفسي فأطلبه ) (3) .

2 . الصعيد الاجتماعي للإنسان : وذلك يحصل عبر تجنّب كل علاقة تعود عليه بالضرر وأن يحسن انتخاب علاقاته بالأشياء ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا صعد المنبر قال : ينبغي للمسلم أن يتجنّب مؤاخاة ثلاثة : الماجن والأحمق والكذّاب ) (4) .

وأيضاً عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا ينبغي للمرء المسلم أن يؤاخي الفاجر ، فإنّه يزيّن له فعله ويحب أن يكون مثله ، ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده ، ومدخله إليه ومخرجه من عنده شَين عليه ) (5) .

إنّ الاتقاء من هؤلاء الأفراد ، يعطي زخماً ثقافياً وأخلاقياً للمسلم ؛ لأنّ هؤلاء الأفراد عبارة عن عوائق ثقافية تقف حائلاً أمام مسير الإنسان وتكامله .

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/394 .

(2) طعام معمول من التمر والزبيب والسمن ، الحلواء .

(3) أمالي المفيد : 134 .

(4) الأصول من الكافي : 2/376 .

(5) نفس المصدر : 2/640 .

الصفحة 51

2 . الإرساء

أرسى وثبّت الإمام العقائد الحقة بين الناس ، مثل التوحيد والصورة الحقيقية لصفات الله تعالى وعدله ( الأَوَّلُ لا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَالآخِرُ لا غَايَةَ لَهُ ، لا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ وَلا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ ، وَلا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ وَلا تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ ) (1) .

إنّ هذا الإرساء للصفات الإلهية تُعلم أهميته حينما يلاحظ العقائد الحسية والتجّسيمية التي جعلت لله أعضاء وجوارح ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

تطرق الإمام إلى القضايا التي قد يقع فيها الاختلاف ـ قد وقع التية والاختلاف بالفعل ـ مثل إيمان آباء الأنبياء والأولياء ، فأرسى الرؤية العقائدية الصحيحة والسليمة في كل شك ، والتي استقى عذب معينها من كلمات الله تعالى الباقية : ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (2) ( فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ ) (3) .

أعاد الإمام ( عليه السلام ) إلى الأذهان أنفاس القرآن في الخلافة والإمامة بعد النبوة ، ( وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا ، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ وَلا عَلَمٍ قَائِمٍ ) (4) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 85 .

(2) سورة الشعراء : 219 ، انظر تفسير مجمع البيان : 7/323 ، وتفسير القمي : 2/125 .

(3) نهج البلاغة : 94/176 .

(4) نفس المصدر : الخطبة 1.


الصفحة 52

إنّ بيان الإمام للمسائل العقائدية التي يحتاجها الناس في حياتهم الدنيا يدل على مدى أهمية هذا الهدف الثقافي ، الذي بفقدانه تنعدم الرؤية الواضحة للأصول الإسلامية .

يدل كما على ضرورة تعليم الناس وسوقهم نحو الأهداف الأهم ، والتي ترتكز عليها باقي المسائل والفروع الإسلامية ، فعليه نعرف أنّ الإرساء يعتبر هدف ثقافي يعمل لتحقيقه مَن يطلب الاستقامة والمعرفة .

3 . الارتقاء

هو السّمو إلى درجات أعلى ، ( أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ ) (1) هنا سؤال : هذا الهدف العزيز كيف يتم تحقيقه ؟ نجد الجواب واضحاً في وصيته لابنه محمد بن الحنيفة حيث إنّ الإمام يريد أن يوصل ابنه محض الحق ، ( وألجئ نفسك في الأمور كلّها إلى الله الواحد القهّار ، فإنّك تلجئها إلى كهفٍ حصينٍ ، وحرز حريزٍ ، ومانعٍ عزيز ، وأخلص المسألة لربّك فإنّ بيده الخير والشرّ والإعطاء والمنع ) (2) .

من الشواهد المؤيّدة للارتقاء ـ الذي حصل لأفراد يسهل عدّهم وإحصائهم ـ أنّه قال علي ( عليه السلام ) لأبي أيّوب الأنصاري : ( يا أبا أيّوب ، ما بلغ من كرم أخلاقك ؟ قال : لا أؤذي جاراً فمَن دونه ، ولا أمنعه معروفاً أقدر عليه ... ) .

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 162 .

(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/248 .


الصفحة 53

وعن ابن عبد البرّ قال : ( كان أبو أيوب الأنصاري مع عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) في حروبه كلها ) (1) .

يعمّم الإمام ( عليه السلام ) هذا الهدف عند سؤال أبي أيوب ، ليستفيد من ذلك مَن كان حاضراً ، وهذا الصحابي له سابقة حسنى في الجهاد بحيث إنّ إيمانه كان يدفعه أن يلازم الإمام في حروبه كلها .

إنّ الهدف الأعلى لعلي ( عليه السلام ) هو تقريب الناس من الله تعالى ، ( وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) (2) .

ــــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار : 1/196 .

(2) نهج البلاغة : الحكمة 383 .


الصفحة 54 


الصفحة 55