الفصل الخامس

الإمام علي ( عليه السلام ) وعناصر البناء الثقافي

 

لكل عمل ثقافي عناصر يشدّ بعضها بعضاً ويرتبط بعضها ببعض ، فالعمل الثقافي بدون أحد هذه العناصر يفقد تكامله ولا يصل إلى تمامه ، وهي ما يلي :

1 . الكلمة الطيبة

هي الكلمة الحسنة التي ثبتت في وجود الإنسان فأصبحت مِلكه وخرجت على لسانه بأغصانها وفروعها ، لتعانق قلوب الناس ، ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ ) (1) .

لقد كانت كلمات أمير المؤمنين تحمل الوداعة والطيب الإنساني إلى الناس ، فهي سامية بصفائها ومتفرعة بما تحمله من خير إلى الجميع .

ــــــــــــــــــــ

(1) إبراهيم : 24 ـ 25 .


الصفحة 56

لكن المعيار في معرفة الكلمة الطيبة هو صواب هذه الكلمات وسدادها ، بحيث إنّها لو صادفت القلوب الصافية استقرّت ، ولو التقت الألباب الحازمة لدلتها على مواطن المعرفة ، وتأخذ موضعها على جوارح الإنسان ، ( َيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً وَآرَاءً عَازِمَةً وَأَلْبَاباً حَازِمَةً ) (1) .

فالكلمة الطيبة تساهم في البناء الثقافي للإنسان ، وتقوده إلى مغانم المعرفة والأخلاق ، فهي ذات عطاء ثر على الصعيد الروحي بتأليف القلوب وتطييبها ، وعلى الصعيد الاجتماعي تربط الناس بأواصر من المحبة والتراحم والاحترام ، ويكون ما يعود منها إلى الإنسان توسيع علاقاته ، ( مَن لانت كلمته وجبت محبته ) (2) .

ممّا سبق نعرف أنّ الكلمة الطيبة لها دور في بناء الإنسان المسلم ؛ حيث إنّها تحمل الخير للآخرين وتشدّ الناس إلى بعضهم بروح من الودّ والمحبّة .

 

2 . الأسوة الحسنة

ورد ذكر الأُسوة في القرآن الكريم ، ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) (3) و ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 83 .

(2) العقد الفريد : 2/ 127 .

(3) سورة الأحزاب / 21 .


الصفحة 57

حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ ) (1) و ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ ) (2) .

بعد درج آيات من التنزيل الحكيم ، نسأل مَن هو الأُسوة الحسنة ؟ ما هي الفائدة المترتبة على وجوده ؟ .

أمّا بالنسبة للشق الأَوّل من السؤال فيمكن تعريف الأسوة الحسنة تعريفاً بالمثال ، ( إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِي‏ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا  ) (3) .

أمّا الفائدة المترتبة على وجود الأُسوة الحسنة ، فهي كما يصوّرها الإمام ( عليه السلام ) : ( إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ ، وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاعْتِسَافِ ، وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الأَعْنَاقِ ) (4) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يريد أن يأخذ بأيدي الناس إلى أقصر الطرق في الوصول إلى الله ؛ وذلك عبر الأبواب العلمية والعملية التي تقدّر بآلاف الأبواب التي فتحها الرسول في عقله وقلبه وعلى جوارحه ، ويريد من الناس أن يستفيدوا من هذا العلم النافع ، والعمل الصالح عبر التأسي والاقتداء به ، والذي هو في الحقيقة تأسي بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) صاحب الخلق العظيم و المقام الكريم ، ( فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطْيَبِ الأَطْهَرِ ( صلى الله عليه وآله ) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى

ــــــــــــــــــ

(1) سورة الممتحنة / 4 .

(2) سورة الممتحنة / 6 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 187 .

(4) نفس المصدر : الخطبة 166 .


الصفحة 58

وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى ، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي ِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً ، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا .... وَلَقَدْ كَانَ ( صلى الله عليه وآله ) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ... خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً ، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا ، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ ، فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ) (1) .

فالتأَسّي يكون بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وبمَن تبعه واقتفى أثره ، وهو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذا الاقتداء يتم عبر الاهتداء يهدي النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والاستنان بسنته .

ثمّ إنّ الأُسوة الحسنة يختلف عن باقي أفراد الأمّة ، بحيث إنّه يريد أن يشارك في أحزان الناس وجُشوبة وعسر العيش ( أأقنع مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ ! ) (2) .

هذه هي الحقيقة التي يعيش عليها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة ، قد بيّنها على ما تقدم من السطور ، بيان هذه الحقيقة على ألسن الناس فهي

ــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 160 .

(2) نفس المصدر : كتاب 45 .


الصفحة 59

كثيرة ، لكنّنا اقتصرنا على ما يقتضيه المقام ، عن سويد بن غفلة قال : ( دخلت على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) القصر ، فوجدته جالساً وبين يديه صَحفة فيها لبن حازر (1) أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يده رغيف يُرى قشار الشعير على وجهه ، وهو يكسره ويستعين أحياناً بركبته ، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه ، فقلت يا فضّة أمّا تتقون  الله في هذا الشيخ ؟ أَلا نخلتم دقيقه ؟ فقالت إنّا نكره أن تؤجر ونأثم نحن ، قد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقاً فأصلحناه قال : وعليّ ( عليه السلام ) لا يسمع ما تقول ، فالتفت إليها فقال : ما تقولين ؟ قالت سلَه ، فقال لي : ما قلت لها ؟ [ قال ] إنّي قلت لها : لو نخلتم دقيقه ، فبكى ثمّ قال : ( بأبي وأمّي مَن لم يشبع ثلاثاً متوالية من خبز بُرّ حتى فارق الدنيا ، ولم ينخل دقيقه ) ، قال : يعني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ) (2) .

لسائل أن يسأل من أين لعلي ( عليه السلام ) هذه القابلية والقدرة على تحمل هذه المشاقّ ؟ .

لقد كان الإمام ( عليه السلام ) يملك زمام نفسه فهو الذي أكبّ الدنيا على وجهها .

 روى معاوية بن عمّار عن جعفر بن محمد ( عليها السلام ) قال : ( ما اعتلج على عليّ ( عليه السلام ) أمران في ذات الله تعالى إلاّ أخذ بأشدّهما ، ولقد علمتم أنّه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة ، وأن كان ليأخذ السّويق فيجعله في جِراب ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره ، ومَن كان أزهد في الدّنيا من

ــــــــــــــــــــ

(1) لبن حامض .

(2) الغارات : 2/707 ، كشف الغمة في معرفة الأئمة : 1/218 ، بحار الأنوار : 41/138 ، سفينة ا لبحار : 3/541 .


الصفحة 60

عليّ ( عليه السلام ) ؟ ) (1) .

( اعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي ، وَلا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي ، وَايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، لأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً ، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً ) (2) .

القدرة العالية التي كانت عند علي ( عليه السلام ) هي حصيلة الترويض الجادّ المستمرّ في ذات الله تعالى .

للقدرة الحسنة صفات يتأسّى بها المؤمنون ويركن إليها المتقون ، ولقد جرت تلك الصفات على لسان ضرار بن عمرو عند معاوية الذي كان خصماً لدوداً وعنيداً لأمير المؤمنين ، قال معاوية ابن أبي سفيان لضرار بن عمرو : صف لي علياً قال : أَوَ تعفيني ؟ قال : لا أعفيك ، قال :

إمّا إذا لابدّ ، فإنّه والله كان بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلاً ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، وكان والله غزير العَبرة طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب !

وكان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدؤنا إذا أتيناه ويلبّينا إذا دعوناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلمّه هيبةً ولا نبتديه لعظمته ! فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم .

ــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : 41/136 .

(2) نهج البلاغة : الكتاب 45 .

الصفحة 61

[ كان ] يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله !

وأشهد بالله أنّي أتيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململَ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا إليّ تعرّضت أو ليّ تشوّقت ؟

هيهات غرّي غيري قد أبنتل (1) ثلاثاً لا رجعة لي فيك ! فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كثير !

آه من قلّة الزاد ووحشة (2) الطريق وبُعد السفر (3) .

فالأسوة الحسنة يترك أثراً كبيراً في البناء الروحي والثقافي للأفراد وللمجتمع ، وهذا ما جعل صفات الإمام أن تكون في معرض التداول والتلقي من قبل الناس ، وشاء الله ان يطلع على خصوصيات وصفات علي خصمُه ويبكي من شدة التأثر بها .

هذه بعض الصفات التي وقف عليها علم ضرار ، وصفات أخرى كان أهل الكوفة قد اطّلعوا عليها وشاهدوها عياناً ، كانت موضع ترديد وتكرار في الإعجاب بها .

ـــــــــــــــــــ

(1) خ ل طلقتك .

(2) في نهج البلاغة ( وطول الطريق ) .

(3) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 2/51 ، نهج البلاغة / الحكمة : 77 .


الصفحة 62

3 . الأمّة الصّالحة

البناء الثقافي لم يكن كاملاً ؛ لعدم وجود الأمّة الصّالحة في زمان أمير المؤمنين ، إلاّ أنّه كان هناك أفراد معدودين صالحين وسط ذلك الكم الهائل من الأعداد التي لا تقبل النّصح والطّاعة ، ولا ترتضي إلاّ أن تكون ضائعةً في التّيه المضاعف .

أولئك الأفراد الصّالحين هم بقايا صالحة زُحزحت عن تلك الأصناف الضائعة والضّالّة من أهل الكوفة .

قد مجّد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأفعالهم وحالاتهم ، وشاركوا بنصيب من وعظ الأمّة ، وولجوا مصير الجهاد في سبيل الله ، ( وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ وَخَائِفٍ مَقْمُوعٍ ، وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ ، وَثَكْلانَ مُوجَعٍ ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ ، وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا ، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا ، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا ) (1) .

أما الثّقل الأكبر من أهل الكوفة ، فقد آثروا العصيان والتمرد ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ورث جيلاً لا يصلح لشيء ولا يصلحه شيء ، إلاّ الطّريق الذي يُخرج الإمام عن طبعه وأخلاقه ، ( يا أهل الكوفة ، أَتروني لا أعلم ما يصلحكم ؟ بلى ولكنّي أكره أن أصلحكم بفساد نفسي ) (2) .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 32 .

(2) أمالي المفيد : 207 ، بحار الأنوار : 41/110 .


الصفحة 63

لهذا يرى الإمام أنّ هذا الفوز بهذا الكّم الفارغ من الصّلاح ، هو فوز بالسهم الأخيب ، يقول عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لأهل الكوفة :

( مَن فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب ) (1) .

كان أهل الكوفة في زمان الإمام ( عليه السلام ) يرون الحقّ ثقيلاً وبيئاً ؛ لهذا أبغضهم الإمام يقول الحق ودفعهم إلى سبيله ، وأبغضوا الإمام في ردّ الحق ودفع الطّاعة عنه ، وقد ملّ من فرارهم من دعوته ومقتهم له ولمَن معه من صحبه ، وملّوا الإمام من كبر النصح والتذكير لهم .

 عن أبي صالح الحنفيّ قال : ( رأيت علياً ( عليه السلام ) يخطب وقد وضع المصحف على رأسه حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه قال : ( فقال اللّهمّ قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه ، اللّهمّ قد أبغضتهم وأبغضوني ، وملّلتهم وملّوني ، وحملوني على غير خُلقي وطبيعتي ( عليه السلام ) ) (2) .

عن سعد بن إبراهيم قال : (سمعت أبي رافع قال : رأيت عليّاً (عليه السلام) قد ازدحموا عليه حتى أدموا رجله فقال : ( اللّهمّ قد كرهتهم وكرهوني ، فأرحني منهم وأرحهم منّي ) (3) .

إنّ الخطب الكثيرة في ذم أهل الكوفة ، تكشف عن أنّ النّاس فيها كانوا متخلّفين عن ركب الإمام ( عليه السلام ) أو اللحاق به ، إلاّ القليل منهم .

ـــــــــــــــــــ

(1) العقد الفريد : 1/109 ، نهج البلاغة : الخطبة 29 .

(2) الغارات : 2/458 .

(3) نفس المصدر : 2/459 .


الصفحة 64 


الصفحة 65