الفصل السادس

 الإمام علي ( عليه السلام ) في مواجهة الثقافات السلبية

 

كانت لدى أهل الكوفة ثقافات سلبية بمثابة الصّخرة الحائلة أمام مجرى الماء وانسيابه في مليء السواقي العطشى ، عمل الإمام ( عليه السلام ) على قلع هذه الصخرة ذات الأضلاع الأربعة ، والتي جاءت بها أمواج الجهل والأهواء العاتية .

 فإنّ الثقافات السلبية هي التالية :

1 . التمزّق

يعتبر التمزّق الذي نشب في جسم الأمّة آنذاك من الصفات التي كانت شائعةً ، وهو ناجم من ثقافة سلبية سنشير إليها لاحقاً ( إن شاء الله تعالى ) .

عندما تولّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخلافة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة ، دبّ التمزّق في أعضاء الأمّة وأجزائها ، وقد جهد أمير المؤمنين في لمّ الشمل ورأب الصّدع الحاصل ، إلاّ أنّ سعيه قوبل بالعنف والشدة و


الصفحة 66

المواجهات الحربيّة ، التي قضى فيها الإمام على خصومه أو شارفهم على الانتهاء .

التمزّق الّذي واجهه الإمام علي نحوين :

الأَوّل : التمزّق الخارجي ، قد حصل هذا خارج حدود الكوفة وهو أيضاً على مسارين :

أ . التمزّق الخارجي في ردّ عمّال الإمام ومحاربتهم ، وهو بدأ منذ الوهلة الأُولى لتولي الإمام الخلافة ، حيث تمّ ردّ العمّال المبعوثين من قبل أمير المؤمنين ومحاربتهم في بعض الأمصار الإسلامية ، ( وانتقضت البلاد على عليّ فجعل كلّما وجّه عاملاً من عمّاله إلى بلدة من البلدان ، حاربوه وتبّروه ، إلاّ أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مصر وقليل من أهل الحجاز ، فقال علي ( رضي الله عنه ) لأصحابه : ( اعلموا أنّه قد وقع الأمر الذي كنت أحذّركم إيّاه ، وأنّ الفتنة كالنّار كلّما أسعرت ازدادت ، وإنّما سأمسك هذا الأمر ما استمسك ، فإذا لم أجد بدّاً فآخر الّدواء الكيّ ) (1) .

ب . التمزّق الخارجي الذي مثّله الناكثون والقاسطون والمارقون ، وهؤلاء هم قومٌ من أصحابه ، وممّن كان قد بايعه وتولاّه ودان بإمامته ، مرقوا عنه ونكثوا عليه وقسطوا فيه ، فقاتلهم أجمعين ، فهزم الناكثين وقتل المارقين وجاهد القاسطين وقتلهم وتبرّؤوا منه وبرئ منهم ) (2) .

إنّ هؤلاء الانفصاليّون قد أعلنوا الحرب كلّ على حدة في وجه الإمام و

ــــــــــــــــــ

(1) الفتوح : 2/272 .

(2) دعائم الإسلام : 1/86 .


الصفحة 67

في ثلاث سنوات متوالية ، سنة 36هـ طلع قرن الناكثين بزعامة طلحة والزبير ، وسنة 37هـ برز الطّلقاء وأبناؤهم القاسطون يقودهم معاوية ، وسنة 38هـ ظهر الخوارج يترأسهم عبد الله بن وهب الراسبي .

لم تنتهي هذه الحروب الثلاثة عند هذا الحدّ ، بل تبعها تمزّق آخر قاده الخرّيت بن راشد وكان مصيره من الاندحار والهزيمة كمصير الناكثين والمارقين ، ( الخرّيت هذا كان مع علي حتى حكم الحكمين ، ففارقه إلى بلاد فارس مخالفاً ، فأرسل إليه معقل بن قيس وجهّز معه جيشاً ، فحشّد الخرّيت مَن قدر عليه من العرب والنّصارى ، فأمر العرب بمنع الصدقة ، والنصارى بمنع الجزية ، وارتدّ كثير ممّن كان أسلم من النّصارى ، فقاتلهم معقل ونصب رايةً ونادى : مَن لحق بها فهو آمن ، فأنصرف إليها كثير من أصحاب الخرّيت ، فانهزم الخرّيت فقتل ) (1) .

هذه الأحداث الّتي حصلت خارج حدود الكوفة ، كان لها انعكاسات سلبية على الوضع الاجتماعي والثّقافي لأهل الكوفة ؛ حيث إنّ الحرب والتمزّق يترك قتلى من كلا الجانبين ، ويجعل موضوع التمزّق حديث ساعاتهم بلحاظ الهزيمة والنصر ، ومن حالة القيل والقال ، ومن حيث ترويج الإشاعات والكذب الرّخيص من قِبَل النّفوس الضّعيفة والمغرضة .

إذا أخذنا بنظر الاعتبار السّابقة التاريخية التي عليها الكوفة ، نجد أنّ هذه المدينة هي المموّن للأمصار من جهة الشرق في أثناء الفتوحات العسكرية .

قد كان للكوفة ثغور أربعة : حلوان وما سَبَذان وقرقيسيا والموصل ،

ــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في تمييز الصحابة : 2/235 .


الصفحة 68

وعلى هذه الثغور قادة عسكريون .

لقد كانت الكوفة بمثابة قاعدة عسكرية تقوم بإمداد القوّات العسكرية التي تزحف نحو الشرّق ، وكتب عمر آنذاك يشكر لأهل الكوفة دورهم ، ( جزى الله أهل الكوفة خيراً ! يكفون حوزتهم ويمدّون أهل الأمصار ) (1) .

استمّر إمداد أهل الكوفة حتى سنة 32هـ حيث تمّ القضاء على آخر الملوك السّاسانيين .

إنّ هذه الخصوصية للكوفة جعلت من المجتمع صاحب الثقافة المدنيّة يتحوّل إلى مجتمع صاحب ثقافة عسكرية .

إنّ السابقة التاريخية الأخرى للكوفة والتي يمكن التدقيق فيها نظراً لمخلفاتها السلبية ، هي أنّه منذ تأسيس الكوفة سنة 17هـ إلى سنة 36هـ حيث قدم الإمام إليها ، تولّى العمل على ولايتها (11) عامل من ضمنهم اثنين تمّ تجديد ولايتهم في سنين متفرقة ، هؤلاء العمّال هم على التوالي ( سعد بن أبي وقاص ، عبد الله بن عبد الله ، زياد بن حنظلة ، عمّار بن ياسر ، أبو موسى الأشعري ، عمر بن سراقة ، المغيرة بن شعبة ، الوليد بن عقبة ، سعيد بن العاص ) .

كذا تولّى بعد سعيد بن العاص ولاية الكوفة أبو موسى الأشعري حتى حرب الجمل .

إنّ هذا التّغيير للولاة والعمال وأيضاً القضاة لأسباب ؛ قد تعود للخلفاء ،

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري : 2/483 .


الصفحة 69

أو للولاة أنفسهم بطلب الاستعفاء ، أو لأهل الكوفة عند ما يطلبون من الخليفة تغيير عامله عليهم ، هذا التّغيير المتلاحق في مدة قصيرة يخلق نزوعاً عند النّاس نحو تغيير الولاة ، كما أنّه ينشئ إحساساً نفسياً بصغر شخصية العامل عليهم ؛ حيث إنّ أي اقتراح ضّده بالإمكان أن يزيحه من موقعه ويخرجه من مكانه .

لذا كان عند أهل الكوفة من جرّاء هذه السّوابق التاريخية ميلاً نحو التغيير ، حتى الحاكم الصالح أو عدم طاعته ، لمجرّد أنّه لا يروق لأهوائهم وهو ما واجهه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

الثاني : التمزّق الداخلي ، حصل هذا التمزّق داخل الحدود المحلية للكوفة ، ذلك ما يرويه ربيعة السعدي قال : ( أتيت المدينة فإذا حذيفة بن اليمان مستلقٍ في المسجد واضع إحدى رجليه على الأخرى ، فقال : مرحباً بشخص لم أرَه قبل اليوم ممّن أنت ؟ قلت من أهل الكوفة .

قال : سلْ عن حاجتك قال : [ قلت : ] تركت الناس بالكوفة على أربع طبقات : طبقة تقول أبو بكر الصدّيق خير الناس بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ؛ لأنّه صاحب الغار وثاني اثنين ، وفرقة تقول : عمر بن الخطاب ؛ لأنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال : اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب ، وفرقة يقولون : أبو ذر [ خير الناس ] ؛ لأنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال : ( ما أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ) ، ثمّ سكت .


الصفحة 70

قال [ حذيفة : ] مَن الرابع قلت : ذاك [ الذي قال له النبيّ : ( هو مني وأنا منه ) ] (1) .

لماذا هذه الطّبقات الأربع في تعيين الأصلح بعد النبي ؟ ولماذا بعد مضي ما يقارب ثلاثة عقود ـ من وفاة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) ـ جرى هذا الحديث عن تعيين الأصلح ؟ .

إنّ هذه الطبقية في تحديد الأصلح تعني وجود مجاميع وطوائف ، وهو ما ينعكس سلباً على وحدة المجتمع وتركيبته ؛ لأنّ وجود الاختلاف آنذاك في موضوع معيّن كان يصاحبه فساد قضية الوّد بين الأطراف ، ويرافقه أيضاً فسخ الطاعة ، وقد ابتلي أمير المؤمنين طوال فترة خلافته بانفضاض أكثر الناس من حوله أو تردّدهم في نصرته .

لقد وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على لبّ الحقيقة حينما وضع أسباب الاختلاف ( فَيَا عَجَباً وَمَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خطأ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ، لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَلا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَلا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ ، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرىً ثِقَاتٍ وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ ) (2) .

إنّ هذا التمزّق الذّي بدأ من أهواء تتبع كان يمثل صفةً ثقافية سلبية خيّمت على أكثر أهل الكوفة .

ـــــــــــــــــ

(1) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 2/410 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 88 .

الصفحة 71

 

2 . التشرنق

التشرنق هو الانطواء والاعتزال عن نصرة الحقّ بذريعة الابتعاد عن الفتنة .

كان بداية هذا التشرنق في الأيّام الأُولى للاستعداد لحرب الجمل ، عندما بعث أمير المؤمنين كلاً من محمد بن أبي بكر ومحمد بن عوف إلى الكوفة ، يستحثان أهلها إلى نصرة الإمام ( عليه السلام ) ، ويستشيران أبا موسى الأشعري في الخروج ، إلاّ أنّ هذا الأخير ونتيجة ؛ لانعدام الرؤية الصحيحة سلك سبيلاً جديداً ، ولفّ على نفسه غلافاً من الأوهام ، ورأى أنّ ذلك فتنةً ، ولا ينبغي الخروج حتى تضع الحرب أوزارها أو تجتمع الأمّة بعد شتاتها !

فقال أبو موسى : أمّا سبيل الآخرة فأن تقيموا ، وأمّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا (1) ( وتهاوى الناس وأبو موسى يكفّهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة ويقول : أطيعوني وخلّوا قريشاً إذا أبوا إلاّ الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم ، حتى ينجلي الأمر ) (2) .

أوضح الإمام ( عليه السلام ) لأهل الكوفة دوافع هذا الاعتزال وصورته المصنوعة التي تزيّن بها ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدىً ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري : 3/23 ، تاريخ ابن خلدون : 2/613 .

(2) تاريخ ابن خلدون : 2/613 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 32 .


الصفحة 72

إنّ سلوك التّشرنق يطلع قرنه عندما تكون هناك محنة تُبتلى بها الأمّة ، فعندما أراد الإمام التّوجه لمحاربة معاوية وجنوده ، خطب في أهل الكوفة ثمّ عرض عليهم الرأي ، فكان من أصحاب الإمام أن أحسنوا القول والنصح ، ومنهم من لحقه داء أبي موسى في الاعتزال والقعود مثل حنظلة بن الربيع التميمي الذي قال لأمير المؤمنين :

إنّنا قد مشينا إليك بنصيحة فأقبلها منّا ولا تردها علينا ، فإنّنا قد نظرنا لك ولمَن معك من المسلمين ، الرأي عندنا أنّك تقيم ولا تعمل بالمسير إلى قتال أهل الشام ... وأمّا حنظلة فاعتزل الفريقين جميعاً (1) .

حالة الانطواء والاعتزال هذه لا تختصّ بفئة من أهل الكوفة فقط ، بل شملت فريقاً من أهل مكة ، هذا يجعل التأثير السلبي متبادل بين المِصرينِ ، ويعطي سنداً نفسياً في تعزيز سلوك الانطواء ، ( خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلةً من مكة ، فقال سعيد للمغيرة : ما الرّأي ؟ قال الرّأي والله الاعتزال ، فإنّهم ما يفلح أمرهم ، فإن أظفره الله أتيناه ، فقلنا : كان هوانا وصَغْونا معك ، فاعتزلا فجلسا ، فجاء سعيدٌ مكة فأقام بها ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد ) (2) .

هذه الثقافة قد اعتنقها طائفة من الصّحابة أيضاً : ( وكان من الصحابة

ــــــــــــــــــ

(1) الفتوح : 2/443 .

(2) تاريخ الطبري : 3/8 .


الصفحة 73

فريق لم يدخلوا في شيء من القتال ، وظهر بقتل عمّار أنّ الصّواب كان مع علي ) (1) .

هكذا نلاحظ أنّ الإمام قد عاصر هذه الثقافة السلبية الثانية .

3 . التملّق

المعنى اللغوي للتملّق هو ( الذي لم يصدق ودّه ) (2) وقد جاء في إحدى حكم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعريفاً له : الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق (3) .

حاول بعض المتملّقينَ التقرّب من الإمام عبر إظهار المحبة وإخفاء خلافها ، إلاّ أنّ الإمام ( عليه السلام ) فضح ذلك السلوك الكاذب ، عن الأصبغ بن نباتة قال : كنت مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأتاه رجل فسلّم عليه ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ! إنّي والله لأحبّك في الله وأحبّك في السرّ كما أحبّك في العلانية ، وأدين الله بولايتك في السرّ كما أدين بها في العلانية ، وبيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عود فطأطأ رأسه ثمّ نكت بالعود ساعة في الأرض ثمّ رفع رأسه إليه فقال : ( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حدّثني بألف حديث لكلّ حديث ألف باب ، وإنّ أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشمّ وتتعارف ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وبحقّ الله لقد كذبت ، فما أَعرف في الوجوه وجهك ولا اسمك في الأسماء ) (4) .

ــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في تمييز الصحابة : 4/466 .

(2) المعجم الوسيط : 2/885 .

(3) نهج البلاغة / الحكمة : 347 .

(4) سفينة البحار : 1/612 .


الصفحة 74

الإمام فضحه ؛ لكذبه ، ولأنّ الذي يحب أحداً حقيقةً لا يتملّقه ، قال ( عليه السلام ) لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له متهماً : ( أنا دون ما تقول ، وفوق ما في نفسك ) (1) .

نصح الإمام عمّاله في رفض هذا السلوك ، (  ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاّ يُطْرُوكَ وَلا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ  ( الغرّة ) ) (2) .

إنّ رفض التملّق ومحاربته ـ من قبل الإمام ـ استمّر حتى في الوقت الذي قلّ فيه الناصر ورحل عنه القريب ، حيث يروى أنّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين طلبوا منه أن يعطي من الأموال لبعض أشراف العرب وقريش ، وبعض الّذين مالت بهم الدنيا إلى ما عند معاوية من مغانم دنيوية كثيرة ؛ لاستمالتهم ، إلاّ أنّه رفض بشدة أن يطلب النّصر بالجور .

بعد ذلك سكت الإمام طويلاً ثمّ قال لهم ناصحاً ومدلاًّ إلى سبيل الحق ، مَن كان له مال ومأواه فساد ( إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ ، فَإِنْ زَلَّتْ 

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الحكمة : 83 .

(2) نفس المصدر / الكتاب : 53 .


الصفحة 75

بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلأَمُ خَدِينٍ ) (1) .

الإمام يريد أن تكون رابطة النّاس به طبيعيةً نابعة من أصول طيّبة وطبيعية ، وهو يرفض التملّق ؛ لأنّه يعبّر عن تكلّف وتزلّف كاذب .

 

4 . التعلّق

التعلّق بالدّنيا يحصل من الشّغف بها والنظر إليها بعين الانبهار ( مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً ، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً ) (2) .

يعود التعلّق إلى سببين ذكرهما أمير المؤمنين : ( إنّما أخاف عليكم اثنين ، اتّباع الهوى وطول الأمل ، أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة ) (3) .

احتلّ الحديث عن الدنيا وأوصافها والحذر منها والاعتبار بها وأصناف الناس فيها وحقيقتها ، مساحات واسعة من خطب الإمام وكتبه وأقواله ؛ نظراً إلى أنّ الإنسان عليه أن يعرف موقعه فيها ، وحقيقة الدنيا وتبعاتها وخطورة الحال فيها إن كانت مذمومةً ، وأهمية المنزل فيها أن كانت ممدوحةً .

فالذي ذمّه الإمام ( عليه السلام ) من الدنيا شهواتها عندما تتحوّل إلى هدف ، و

ـــــــــــــــــــ

(1) أمالي المفيد : 198 ، نهج البلاغة : الخطبة 126 ، بحار الأنوار : 41/108 .

(2) نهج البلاغة : الحكمة : 367 .

(3) الأصول من الكافي : 2/335 ، نهج البلاغة : الخطبة 42 .


الصفحة 76

آمالها التي لا تنقطع عند حد ولا تنقضي عند طموح .

إنّ أمير المؤمنين كان قد حذّر أهل الكوفة ـ مراراً وتكراراً ـ من الافتتان والتعلّق بالدنيا ( وَلا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا ( أغلاقها ) ، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ ) (1) .

مع كثرة التذكير والتحذير في الحديث عن الدنيا في خطب الإمام ، إلاّ أنّ هناك مَن لم يوقظه وعظ ولا يجديه اعتبار : بل بقي نظره متوجهاً صوب الدنيا وما قدّره من ريح زائل ( إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ ! )  (2) .

يروى أنّ قوماً ممّن ساروا بغير دليل وجاروا عن قصد السبيل ، أَتَوه لدنياهم ( فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (3) عرف في وجوههم سيماء الدنيا ، وأنكروا فيه تفرّسه لهم ، فردّ ادعائهم وانتسابهم له ؛ بأنّهم من شيعته وأقام لهم أوصاف الشيعة .

 روي أنّ قوماً أتوا علياً ( عليه السلام ) في أمرٍ من أمور الدنيا يسألونه ، فتوسلوا إليه فيه بأن قالوا : نحن من شيعتك يا أمير المؤمنين ، فنظر إليهم ( عليه السلام ) طويلاً ثمّ قال :

( ما أعرفكم ولا أرى عليكم أثراً ممّا تقولون ، إنّما شيعتنا مَن آمن بالله ورسوله ، وعمل بطاعته واجتنب معاصيه ، وأطاعنا فيما أمرنا به ودعونا إليه ،

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 191 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 103 .

(3) يوسف : 58 .


الصفحة 77

شيعتنا رُعاة الشمس والقمر والنجوم ، ـ يعني ( عليه السلام ) للوقوف على مواقيت الصلوات ـ شيعتنا ذبلٌ شفاههم ، خمصٌ (1) بطونهم ، تعرف الرّهبانيّة في وجوههم ، ليس من شيعتنا مَن أخذ غير حقه ، ولا مَن ظلم النّاس ، ولا مَن تناول ما ليس له ) (2) .

فلو عرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وجوهم آثار التشيع لأراهم خفض جناحه ولين طبعه وطيب وده ، مثلما يفعل مع المؤمنين الّذين يعملون الصالحات ( كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ ، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ ) (3) .

إنّ الشيعة الذين يريدهم علي ( عليه السلام ) أولئك الذين : ( أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا ، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا )  (4) .

إنّ غشاوة الدّنيا والتعلّق بها ، تحجب الإنسان عن المعرفة ، وتصدّه عن أن يثقف ما يُلقى إليه من فكر وعبر ، ويصبح الإنسان محصوراً ضمن إطار مغلق ( وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ ، هَمٍّ لا يُغِبُّهُ وَحِرْصٍ لا يَتْرُكُهُ وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ ) (5) .

ـــــــــــــــــــ

(1) أي ضامر البطن ذو مجاعة .

(2) دعائم الإسلام : 1/95 .

(3) نهج البلاغة : الحكمة : 289 : سفينة البحار : 1/55 .

(4) نفس المصدر : الخطبة : 193 .

(5) نفس المصدر : الحكمة : 228 .


الصفحة 78 


الصفحة 79