الفصل السابع

الإمام علي ( عليه السلام ) والتحصين الثقافي

 

المجتمع عندما يقع تحت ضغط وتسلّط الثقافات الأخرى ، فإنّ ذلك يعني استلاب هويّته الثقافية ، من أجل هذا ، عمل الإمام ( عليه السلام ) على تحصين أهل الكوفة وأصحابه عبر الوسائل التالية :

 

أ . المنع

كان الإمام ( عليه السلام ) بالمرصاد لأيّ ثقافة مخالفة للثّقافة الإسلامية ، ويمنع من العمل بها ، قال ( عليه السلام ) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار ، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه ( ما هذا الذي صنعتموه ؟ فقالوا خُلُق منّا نعظّم به أمراؤنا ، فقال : وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ ، وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الأَمَانُ مِنَ النَّارِ ) (1) .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة : 37 ، مناقب آل أبي طالب : 2/121، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 4/163 .


الصفحة 80

يذكر أنّ الإمام عند مسيره إلى الشام كان قد خرج معه من الكوفة ثمانين ألف نفر ، (1) وهذا يعني أنّ التحصين عبر المنع من قبل الإمام لدهاقين الأنبار قد شاهده أهل الكوفة أو فريق منهم .

إنّ أمير المؤمنين بهذا المنع ، أبعد المشقة عنهم ووضع المنفعة لهم ، وليس هو منع يفتقد المعنى أو ليس له بديل ، بل إنّ الإمام عندما يمنع أصحابه من ثقافة معينة ، يبيّن لهم البديل الأفضل ، بالإصغاء إلى نداء العقل والحكمة ، إنّه لمّا بلغه أنّ أصحابه أنّهم يكثرون شتم مخالفيهم باللّعن والسّب ، أرسل إليهم ( أن كفّوا عمّا بلغني [ عنكم ] من الشتم والأذى ) .

فلقوه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ألسنا محقّين ؟ فقال : بلى .

قالوا : ومَن خالفنا مبطلون ؟ قال : بلى ، قالوا : فلِمَ منعتنا شتمهم ؟

فقال : كرهت أن تكونوا سبّابين ، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر ، و[ لو ] قلتم مكان سبّكم إيّاهم : اللّهمّ احقن دمائنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق مَن جهله ، ويرعوي من الغيّ والعدوان مَن لهج به ، فهذا من الكلام أحبّ إليّ لكم .

فقالوا : قد أصبت (2) .

إنّ المنع لابّد من أن يستند إلى أساس وهو رضا الله تعالى وسخط

ـــــــــــــــــــ

(1) الأخبار الطوال : 245 ، دول الإسلام : 20 .

(2) المعيار والموازنة : 137 ، الأخبار الطوال : 242 ، نهج البلاغة : الخطبة 193 .

الصفحة 81

الشيطان ومعاقبة العدو ، عن جابر قال : سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) رجلاً يشتم قنبراً وقد رام قنبر أن يردّ عليه ، فناداه أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) : ( مهلاً يا قنبر ، دع شاتمك مُهاناً ترضي الرّحمن وتسخط الشيطان وتعاقب عدوّك ، فو الذّي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ! ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحِلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السّكوت عنه ) (1) .

فالمنع وطرح البديل اللائق ، كفيلان بتحصين وحفظ الثقافة الإسلامية من الأهواء والثقافات الأخرى ، وجدير بالذكر أنّ المنع يعتبر وسيلةً دفاعية محضة .

ب . التهذيب

تهذيب البلاغ الثقافي يبتدئ من تهذيب الإنسان لآلات التوصيل والارتباط الثقافي .

فاللسان يعبّر عن حقيقة الكلام وقوّته ، والكلام من دون تدبير وتفكير يُفقد المرء الاتزان والتعادل ، ويجنح بصاحبه نحو المزالق ؛ لأجله في عملية التحصين وممارسة التهذيب على المؤمن أن يتدبّر كلامه ؛ ( لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ ) (2) .

ـــــــــــــــــ

(1) أمالي المفيد : 118 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 176 .


الصفحة 82

فالمحلّ الأوّل للكلام في داخل النفس ، والمؤمن يتفحص الكلام ويقلّب وجوهه ، فإن أصاب الخير أظهره ، وان كان فيه الشرّ أنكره ؛ لأنّ هذا التهذيب الداخلي هو التأني والتدبّر لنتائج الكلام .

إنّ أمير المؤمنين يعمّق الوعي ويحدّ الرؤية في عملية التهذيب ، بحيث إنّها تشمل قنوات وأعضاء أخرى في وجود الإنسان ، مثل الخطأ الطفيف لحاسّة البصر الّتي ربّما جلبت مضرّةً ، والتي عبّر عنها الإمام بـ ( رمزات الألحاظ ) حيث قد تعني تلك الألحاظ معاني سيئة ، ومثل الألفاظ التي ينقلب المعنى فيها إلى غير القصد الصحيح والنافع ، والتي ربّما بعثت على سخط الله تعالى أو تحبط الأعمال منها ، أو شهوات القلب المترادفة والتي تضع أهداف الإنسان في أسر الأهواء .

قد ورد في الدعاء عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( اللّهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ ، وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان ، وهفوات اللسان ) (1) .

وكما أنّ في جسم الإنسان هذه الأعضاء يطلب تهذيبها ، كذلك في المجتمع ؛ حيث إنّ مشاهدة العين وتدقيقها على ما يخرج أو ما يرد ، ينبغي أن يكون عن معرفة وتقوى في قبول الأشياء الداخلة إلى المجتمع والخارجة منه .

أيضاً سقطات الألفاظ فإنّ بعض الألفاظ التي تصدر من بعض الأفراد قد تكون غير مسؤولة وبعيدة عن التروّي والتفكير . هذه الألفاظ قد تجرّ

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 78 .


الصفحة 83

إلى نتائج غير محمودة ؛ لذا نجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يدعوا إلى إجالة النظر ومعرفة هويّة الزّمان وأهله ( يا بني ، إنّه لابدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه وليعرف زمانه ) (1) .

عندما تكون دائرة المسؤولية كبيرة ، ينبغي على الإنسان أن يتصرف بحكمة ( يا بنيّ ، لا تقل مالا تعلم ، بل لا تقل كلّ ما تعلم ) (2) .

وليس معنى ذلك أن يبخل المرء في أن يقول ما يعلم ، وإنّما على المرء أن يعرف في أيّ وعاء يضع علمه ، وفي أيّ محلّ ينفقه ، ففيه إشارة إلى مراعاة الحكمة في المواضع التي يرتادها الشخص وينشر علمه .

قد تحصل أنّ التحصين الثقافي ، الّذي يتم من خلال التهذيب في تمييز ما يرد عليه من أشياء أو ما يصدر منه ، لا بد من أن يكون منسجماً مع ثقافة الإسلام ، وهو وسيلة دفاعية أكثر منه هجومية .

ج . التحفيز

هو وسيلة لترغيب الإنسان في أن يكون خلاّقاً ومنتجاً ومفيداً ، وهو يعتبر وسيلة هجومية في التحصين الثقافي ، وهو بعكس المنع الذي يعتبر وسيلة دفاعية محضة .

حثّ الإمام ( عليه السلام ) على العمل ومعرفة الهدف الذي ينتهي إليه ، فكلّما كان العمل ذا هدف سامي ، وذا طريقة سليمة من حيث الإحكام والإتقان و

ــــــــــــــــــ

(1) أمالي الطوسي : 146 .

(2) نهج البلاغة : الحكمة : 283/722 ، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/240 .


الصفحة 84

النّهج المتبع ، فإنّ ذلك ينعكس إيجاباً في التأثير والتأثر به ولابدّ منه ، بحيث إنّه يصبح نموذجاً يُحتذى به ومثالاً يُقتدى به ( الْعَمَلَ الْعَمَلَ ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ ، وَالاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ ، إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ ، وَإِنَّ لِلإِسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ ) (1) .

فالعمل مهما كان يحتاج إلى الجدّ أو المثابرة ؛ لأنّه مع التهاون والغفلة لا يؤتي التحفيز أُكله ، ( الجدّ الجدّ أيّها الغافل ! ) (2) .

كيف يمكن مواجهة ومعالجة الغفلة والجمود ؟ إنّ ذلك يكون بالعزم والتفكير والتشمير عن ساعد الجدّ والتزوّد من الاستقامة ( فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ ، وَالتَّأَهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ ) (3) .

لقائل أن يقول : لا يمكن تحفيز الطاقة وتشغيلها عند الإنسان بالاعتماد على دوافعه الذاتية الخاصّة فقط !

نعم ، نحن لا نقول إنّ تنشيط دوافع الإنسان يكون بالاعتماد والاتكاء على الذّات فقط ، بل نقول إنّ نفس حث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو تحفيز من الخارج إلى الناس .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يقتصر في هذا التحفيز على الوعظ والتنبيه والحثّ على العمل فقط ، بل مضافاً إلى ذلك فرض محفّزات مالية لزيادة

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 176 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 153 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 230 .


الصفحة 85

النشاط والإنتاج والاستفادة ، ( عن سالم بن أبي الجعد : فرض عليّ ( عليه السلام ) لمَن قرأ القرآن ألفين ألفين ، قال وكان أبي ممّن قرأ القرآن ) (1) .

كما أنّ الدوافع الذاتية منشأ التحريك فيها هو ما أعده الله تعالى للذين يعملون الصالحات أو الذين أحسنوا .

فممّا تقدم نلاحظ أنّ التحفيز وسيلة للإبداع وتشغيل القدرات الكامنة في داخل الإنسان ، ممّا يجعله وسيلةً تحصينية للثقافة .

د . التبادل الإيجابي

المقصود من التبادل الإيجابي هو ما عناه الحديث الشريف ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا عليك أن تصحب ذا العقل وإن لم تحمد كرمه ، ولكن انتفع بعقله واحترس من سيء أخلاقه ، ولا تدعنّ صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله ، ولكن انتفع بكرمه بعقلك ، وافرر كل الفرار من اللئيم الأحمق ) (2) .

فالتبادل الإيجابي هو مبادرة يقوم بها الإنسان المسلم لإثراء ثقافته من صاحب العقل أو من صاحب الأخلاق ؛ لكي يصل إلى مقصوده ومنشوده .

يعتبر التبادل الإيجابي وسيلةً تحصينية متزنة ومعتدلة ؛ لأنّها تدعو إلى صحبة ذي العقل وإن لم يحمد كرمه ؛ للانتفاع بعقله أو صحبة ذي الكرم ؛ للاستفادة من كرمه وإن لم يحمد عقله ، أمّا مَن فقد الكرم المحمود والعقل

ــــــــــــــــــ

(1) كنز العمال : 2/339 .

(2) الأصول من الكافي : 2/638 .


الصفحة 86

النافع ، فيجب الاحتراز والفرار منه وهو اللئيم الأحمق كما في الرواية الشريفة .

هذا التبادل الإيجابي كما أنّه من الممكن للفرد المسلم ممارسته ، كذلك للولايات والأمصار أو الدول تطبيقه في علاقاتها وارتباطاتها ، وأخذها ما هو نافع ، ولفضها ما هو ضار .

فالملاك في هذا التبادل الثقافي الإيجابي هو أخذ النفع أنّى وجد ، وتجنّب الضرر حيث وجد .

على صعيد العلاقات بين المؤمنين ، أمر الإمام ( عليه السلام ) بالتفاعل والتواصل وتبادل المحبة والنصح ، وتجنّب القطيعة والتدابر :

( عليكم يا بنيّ بالتواصل والتباذِل والتَّبار ، وإيّاكم والنفاق والتدابر والتقاطع والتفرّق ، وتعاونوا على البّر والتقوى ) (1) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/75 .


الصفحة 87