الفصل الثامن

 الإمام علي ( عليه السلام ) والوظائف الثقافية

 

الخليفة الذي وُضع للناس معلّماً ومرشداً ، له وظائف ثقافية يُمليها عليه طبيعة تكليفه ومسؤوليته .

فالمرشد والزعيم يلاحظ ويراقب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية والسّياسية في دائرة مسؤوليته ، أو الحدود الّتي له صلاحية متابعتها وتقويمها للتي هي أحسن .

لذا كان الإمام ( عليه السلام ) قد مارس وظائف ثقافية ؛ لتجديد الحياة الثقافية في أوساط الكوفة ، ولتعديل المسار الثقافي باتجاه الهداية الإلهية ، سنبيّن تلك الوظائف بما يلي :

1 . التشخيص

اعتماد الأُسس الصّحيحة في التشخيص ، وإعمال النظر الدقيق فيه ، من الأمور التي علّم الإمام ( عليه السلام ) الناس عليها .


الصفحة 88

إنّ إدارة الفحص الحسن وتوطيد الصّحة والسلامة في أفعال الأشخاص وأقوالهم من المسائل المهمة ، التي حرّك الإمام عقول وأحاسيس الناس إليها .

فالتشخيص قطبه التقوى ودليله الرؤية القطعية ، وهدفه معرفة الحق واتخذ التشخيص طرقاً أربعة :

1 . التشخيص عن طريق الرؤية الحسية : هذه الطرّيقة في التشخيص سهلة الممارسة ؛ حيث يمارس الإنسان بصره ونظره في رؤية الأشياء ومن ثَمّ يقوم بإصدار الحكم عليها ، قد بيّن الإمام ( عليه السلام ) ، الميزان العدل والموازين القسط في التشخيص السليم وفق هذه الطريقة :

( مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَتُخْطِئُ السِّهَامُ ، وَيُحِيلُ الْكَلامُ وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ ، أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ ) ، ( فسئل ( عليه السلام ) عن معنى قوله هذا ) فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثمّ قال : ( الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ ) (1) .

2 . التشخيص عن طريق العلامات الظاهرة : هذه الطريقة تحتاج إلى نوع من المتابعة والوعي ، قد وضع الإمام بين يدي النّاس الطريقة العملية في تشخيص أصناف الناس وتحديد هويّاتهم بوضع العلامات المميزّة لهم ( ثلاث علامات للمرائي : ينشط إذا رأى الناس ، ويكسل إذا كان وحده ، ويحبّ أن يُحمد في جميع أموره ) (2) ( لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلاثُ عَلامَاتٍ : يَظْلِمُ مَنْ

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 141 .

(2) الأصول من الكافي : 2/236 .


الصفحة 89

فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ ) (1) .

3 . التشخيص عن طريق الرموز الظاهرية والتغييرات النفسية : هذه الطّريقة أصعب تحديداً من سابقاتها وتكون بمتابعة التغييرات النفسية ، وما يظهر منها على صفحات الوجوه ، حيث إنّ الرّموز الظّاهرة على صفحات الوجه وتغيّر نظرات الإنسان وإيحائها ، أو حركات اليد وتعبيراتها ، تعبّر عن نوع الانفعال النّفسي المنبسط داخل وجود الإنسان .

هذه الطريقة تحتاج إلى التركيز والدقة ، إضافة للفراسة الّتي يمتلكها الفرد عن طريق المعرفة أو الإيمان في تشخيص هذه الرموز ( مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ ) (2) ( الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ) (3) .

4 . التشخيص لِما في باطن الإنسان عن طريق التقوى العالية : هذه القدرة التشخيصية تحتاج إلى مرتبة معنوية رفيعة ، وهي لا تتيسّر لكلّ أحد ، إلا بالمراقبة القوية والعمل المستمرّ والجادّ في طاعة الله تعالى ، الأصبغ بن نباتة قال : أتى رجل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال : إنّي أحبّك في السّر كما أحبك في العلانية ، قال : فنَكَت أمير المؤمنين بعود كان في يده في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال : كذبت والله .

ثمّ أتاه رجل آخر فقال : إنّي أحبّك ، فنَكَت بعود في الأرض طويلاً ثمّ رفع رأسه فقال :

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الحكمة : 3 .

(2) نفس المصدر : الحكمة : 26 .

(3) نفس المصدر : الحكمة : 148 .


الصفحة 90

( صدقت ، إنّ طينتا طينة مرحومة ، أخذ الله ميثاقها يوم أخذ الميثاق ، فلا يشذّ منها شاذّ ، ولا يدخل فيها داخل إلى يوم القيامة ) (1) .

نعيد القول والإشارة إلى أنّ هدف الوظيفة التشخيصية هي معرفة الحق وتمييزه عن الباطل ، وقد تجلّت هذه الوظيفة التشخيصية في قول أمير المؤمنين للخوارج لمّا سمع قولهم ( لا حكم إلاّ لله ) قال ( عليه السلام ) : ( كلمة حقٍّ يُراد بها باطل ) (2) .

2 . الاستشارة

شاور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصحابه في أكثر من موطن ومناسبة ؛ تأسّياً بالنّبي في سيرته وتجسيداً لقوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى‏ اللّهِ ) (3) الآية الكريمة كانت تأمر النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) في مشاورة أصحابه ، والقرار والعزم النهائي يبقى بيد النبي الكريم ، ويتوكل على الله في تنزيل الأمر والموضوع إلى الواقع .

هذه الاستشارة تعني إشراك الأمّة في القضايا الّتي تتعلّق بها ، وتحريك فعالية المسلمين نحو الأمور المختلفة ( فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ ، خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ ) (4) .

ـــــــــــــــــ

(1) مناقب آل أبي طالب : 2 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 40 .

(3) آل عمران : 159 .

(4) نهج البلاغة : الخطبة 118 .

الصفحة 91

وهي لا تعني قصور القيادة العليا للمسلمين عن نيل الرأي السديد ؛ بل هي من أجل وضع المسلمين في دائرة المسؤولية المتبادلة ، وتفعيل دورهم باتجاه القضايا المختلفة .

يبقى الاختيار والقرار بعد المشورة بيد مَن يتولّى أمور المسلمين .

( إنّي لأَولى النّاس بالنّاس ، أضمم أراء الرّجال بعضها إلى بعضٍ ، ثمّ اختر أقربها إلى الصّواب وأبعدها من الارتياب )  (1) .

للاستشارة بُعدين أو ظهيرين يمكن استشفافهما من الحكمة العلوية ( وَلا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ ) (2) وهما :

1 . الظّهير أو البعد العلمي : أي البعد العلمي بضمّ الآراء إلى بعضها ، حيث يعطي ضفر الآراء القوّة والمتانة للرأي المستخلص منها .

2 . الظهير أو البعد الاجتماعي : يتمثل في اجتماع المسلمين بمكان واحد لمداولة أمورهم أو البحث عن رأي سليم ، ففي ذلك الاجتماع قوة اجتماعية للمسلمين ؛ حيث تشدّ النّفوس بعضها إلى بعض .

مارس أمير المؤمنين الاستشارة عملياً ، فالمؤرّخون يذكرون أنّه بعد قتل أشرس بن حسّان البكري وأصحابه في الأنبار ، عندما كانوا على مسلحتها على يد كتائب بقيادة سفيان بن عوف ، وصل الخبر إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعندما دعا ( عليه السلام ) الناس وانتدبهم إلى لقاء الأعداء ، إلاّ أنّهم لم يحسنوا السمع والإجابة وأكثروا الكلام ، ولم يجب دعوته ( عليه السلام ) إلاّ ثلاثمِئة نفر .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/248 .

(2) نهج البلاغة : الحكمة : 54 .


الصفحة 92

حزن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعلت وجهه الكآبة ، وجاءه بعض الأصحاب يواسونه بالموالاة والنصرة ، ( فقام حجر بن عديّ الكندي وسعيد بن قيس الهمداني ، فقالا : لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين ، مرنا بأمرك نتبعه ، فو الله ! ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدت ، ولا على عشائرنا إن قُتلت في طاعتك .

فقال : تجهّزوا للمسير إلى عدوّنا ، فلمّا دخل منزله ودخل عليه وجوه أصحابه ، قال لهم : أَشيروا عليّ برجلٍ صليب ناصح ، يحشر النّاس من السواد .

فقال له : سعيد بن قيس : يا أمير المؤمنين ! أشير عليك بالناصح الأَريب الشجاع الصليب ، معقل بن قيس التميمي .

قال : نعم ، ثمّ دعاه فوجّهه ، فسار فلم يقدم حتى أصيب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ) (1) .

ذكر ابن أعثم الكوفي أحداث تاريخية شاور فيها الإمام أصحابه ، صرفنا القلم عنها خشية الإطالة (2) .

3 . التصحيح

هو عبارة عن حذف وإقصاء الثّقافة الخاطئة عن مجتمع المسلمين ، وإعادة الثقافة الصحيحة إلى مكانها .

الغاية من هذه الوظيفة التصحيحية هي تسريع الحركة الثقافية و

ــــــــــــــــــــ

(1) الغارات : 2/482 ، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 2/90 .

(2) الغارات : 2/352 ـ 373 ـ 442 .


الصفحة 93

تنشيطها داخل المجتمع ، قد اتخذ التصحيح من جانب الإمام ( عليه السلام ) أشكالاً مختلفة بحسب نوع الخطأ الذي تمّ تحديده ، الأشكال التصحيحية كما يلي :

1 . تصحيح الدافع الثقافي : إنّ أيّ حركة ثقافية يُراد تصحيحها لابّد من تصحيح جذورها ؛ لأنّها النقطة الأُولى التي خرجت منها الحركة ، عنه ( عليه السلام ) لسائل سأله عن معضلة : ( سَلْ تَفَقُّهاً وَلا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً ) (1) .

التصحيح سلّطه الإمام على دافع السؤال والمنطلق الأَوّل الذي خرج منه السؤال ، فإذا كان دافع ونية السؤال خاطئةً ، فحينئذٍ يكون صبّ العلم وإفراغه على محلّ ونية خاطئةً ( وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ ) (2) .

2 . تصحيح الضابط الثقافي : الإمام بيّن المعيار الصحيح لمعرفة الحق لأحد أصحابه ، نهض الحارث بن حَوط الليثي إلى عليّ بن أبي طالب وهو على المنبر ، فقال أتظنّ أنّا نظنّ أنّ طلحة والزبير كانا على ضلال ؟ قال : ( يا حارث ، إنّه ملبوس عليك ، إنّ الحق لا يُعرف بالرّجال ، فاعرف الحق تعرف أهله ) (3) .

إنّ الإمام ( عليه السلام ) أعطى ضابطاً مهّماً لمعرفة الحق وهو : اعرف الحق تعرف أهله ، وشطب على المعيار الخاطئ الذي كان ينظر بن الحارث بن حوط .

3 . تصحيح المفهوم الثقافي : على الإنسان المسلم أن لا يقف عند قالب اللفظ ، بل عليه أن يعبر إلى المفهوم الواسع للكلمة ؛ للإشراف على حقيقتها ، قال ( عليه السلام ) ، لقائل بحضرته ( أَستغفرُ الله ) : ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ ؟

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الحكمة : 320 / 706 ؛ الغارات : 1/179 .

(2) نفس المصدر .

(3) نفس المصدر / الحكمة : 262 .


الصفحة 94

الاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ ، أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى ، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً ، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا ، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ الْمَعْصِيَةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) (1) .

4 . تصحيح الاستعمال الثقافي : بعض الاستعمالات الثقافية ليس صحيحة ، وقد لاحظ الإمام ( عليه السلام ) رجلاً يهنّئ آخر ـ بمولود وُلد له ـ باستعمال ثقافي خاطئ ، فقال له : ليهنئك الفارس ، فقال ( عليه السلام ) : ( لا تَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ قُلْ ، شَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَبُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ وَرُزِقْتَ بِرَّهُ ) (2) .

هنّأ الإمام ( عليه السلام ) بعد أن نحّى الاستعمال الخاطئ طرح الاستعمال الصحيح .

4 . الترشيد

الترشيد في اللغة من ( رشد : والرّشد والرّشد خلاف الغيّ ، يُستعمل استعمال الهداية ) (3) و( أَرشدَهُ : هداه ودَلَّه ) (4) .

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الحكمة : 417 .

(2) نفس المصدر : الحكمة : 354 .

(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 221 .

(4) المعجم الوسيط : 2/ 346 .


الصفحة 95

ورد معنى الرشد في كلمات أمير المؤمنين بمعنى أنّ أداء الطاعة يترشّح منها الأمن والهداية ( مَن يُطع الله يأمن ويرشد ، ومَن يعصه يخب ويندم ) (1) .

كما أنّ الرّشد والهداية الّتي يعرفها النّاس عن أمير المؤمنين ، هي هداية النّاس والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ، عن حذيفة بن اليمان أنّه قال : ( إن يولّوها علياً ـ في كلام وقد مرّ ـ تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم ) (2) .

في رواية الزبير بن بكار التي ينقلها عن قبيصة بن جابر الأسدي ، أنّ رجلاً سأل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن الإيمان ، فخطب في النّاس وبيّن صفة الإيمان ودعائمه والشُعب التي يقوم عليها ، حتى أنّ الرّجل السائل قام شاكراً لأمير المؤمنين ترشيده وهدايته وبيانه .

قام رجل إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فسأله عن الإيمان ، فقام ( عليه السلام ) خطيباً فقال : ( الحمد الله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمَن وردهُ ...

فبالإيمان يُستدل على الصالحات ، وبالصالحات يعمر الفقه ، وبالفقه يرهب الموت ، وبالموت تُختم الدّنيا ، وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين .

والإيمان على أربع دعائم : الصبر واليقين والعدل والجهاد .

ــــــــــــــــــ

(1) أمالي المفيد : 212 .

(2) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 2/588 .


الصفحة 96

فالصبر على أربع شُعب : الشوق والشفق والزهادة والترقّب ، أَلا مَن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات ، ومَن أشفق من النّار رجع عن المحرّمات ، ومَن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومَن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات ، واليقين على أربع شعب ... فهذه صفة الإيمان ودعائمه .

فقال له السائل : لقد هديت يا أمير المؤمنين وأرشدت ، فجزاك الله عن الدين خيراً (1) .

في بيان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للإيمان تجلى الطريق العلمي والعملي للترشيد ، قد وصل البلاغ العذر ـ من قبل الإمام ـ إلى الناس وأدخلهم إلى الطريق الواضح المستقيم ، ( لقد حملتكم على الطرّيق الواضح ، الّتي لا يهلك عليها إلاّ هالكٌ ، مَن استقام فإلى الجنّة ، ومَن زلّ فإلى النار ) (2) .

في طريق آخر لمعرفة الرّشد ، أوضح الإمام أنّ تلك المعرفة تنبثق من معرفة الذي ترك الرّشد ( واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتى تعرفوا الّذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذّي نقضه ) (3) .

إنّ طريق الهداية إذا لم يتضّمن معرفة عدوّ هذا الطريق ، فسوف لن يكون هناك وصول إلى الرّشد ؛ إذ من الممكن أن يُقطع الطريق على سالك طريق الرشد ، ولن يكون هناك بلوغ إلى أقصاه إذا لم يطّلع على عدو هذا

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة : 31 ، الأصول الكافي : 2/50 ، أمالي الطوسي : 37 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 119 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 147 .


الصفحة 97

الطريق ، ونقاط الضعف التي يستغلها للتسلّل والقعود على الصراط .

فالمسلّم عليه أن لا يكتفي وظيفياً بالاطلاع على الثقافة الإيجابية الّتي هي ثقافة الهداية والترشيد ، بل عليه أيضاً أن يطّلع على الثقافة الأخرى التاركة للثقافة الإسلامية حتى يتكامل الترشيد .

قد أمر ( عليه السلام ) بالأخذ بنهج الخير ومعرفته والإعراض عن نهج الشر بمعرفته ( فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدفوا عن سمت الشّرِّ تقصدوا ) (1) .

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 167 .


الصفحة 98 


الصفحة 99