الفصل التاسع

الإمام علي ( عليه السلام ) والأساليب الثقافية

 

تعددت الأساليب الثقافية وتنوّعت عناوينها بحسب الشؤون والأحداث الّتي عالجها الإمام ، وقد اقتضى كلّ موقف أُسلوباً وغايةً يختصان به ، هذه الأساليب هي كما يلي :

1 . الأسلوب الوعظي

استخدم الإمام هذا الأسلوب كثيراً والغاية منه هي الوصول إلى ثمرة التقوى .

في هذا الأسلوب نثر الإمام (عليه السلام) لآليء مواعظه ، والتي هي جامعة للعِظة والحكمة ، حسب رأى ابن أبي الحديد ( فإنّ الغاية أمامكم ، وإنّ وراءكم الساعة تحدوكم ، تخفّفوا تلحقوا ، فإنّما ينتظر بأَوّلكم آخركم ) .

قال الرضي رحمه الله : ( أقول إنّ هذا الكلام لو وُزن بعد كلام الله سبحانه


الصفحة 100

وبعد كلام رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بكلّ كلام ، لمال به راجحاً وبرّز عليه سابقاً ) (1) .

إنّ علة جامعية هذه الموعظة المليئة معنىً ، هي أنّ الإمام ذكر الغاية والمحرك والمسير والمصير في عبارة واحدة جامعة للعظة .

مرّة أخرى طُلب من أمير المؤمنين موعظة مختصرة ، فوعظ بذكر الدار ودقة الإقامة فيها ، وذكر السبق في العمل والإعراض عن التأسي بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) إلى الرّغبات ؛ قيل لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : عظنا وأوجز ، فقال :

( الدنيا في حلالها حساب وحرامها عقاب ، وأنّى لكم بالرَّوح ولمّا تأسَّوا بسنة نبيكم ، تطلبون ما يطغيكم ولا ترضون ما يكفيكم ) (2) .

هناك خطب كثيرة تضمنت الحكمة والموعظة الحسنة ، وقد آثرنا الاختصار وتجنّبنا الإكثار ؛ لأنّها فوق التعريف لشهرتها .

2 . الأسلوب التذكيري

الغاية من هذا الأسلوب هي النظر في العواقب واستلهام العبرة ، قد ورد في التنزيل الحكيم : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (3) و( أَوَلَمْ نُعَمّرْكُم مّا يَتَذَكّرُ فِيهِ مَن تَذَكّرَ ) (4) جاء في كلام له ( عليه السلام ) : ( وليكن نظركم عبراً ) (5) .

ــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : 1/301 .

(2) الأصول من الكافي : 2/459 .

(3) الروم : 9 .

(4) فاطر : 37 .

(5) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/75 .

الصفحة 101

لقد ذكّر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسيرة الماضين وكيف كانوا ، وكيف مضوا ، بعد أن نعموا في أعمارهم ، ولهوا في إمهالهم ، فصاروا إلى ما رحلوا إليه من المصير ( عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا ، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا ، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا ، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا ، أُمْهِلُوا طَوِيلاً ، وَ مُنِحُوا جَمِيلاً ، وَ حُذِّرُوا أَلِيماً ) (1) .

إنّ أهمية هذا الأسلوب تكمن في التأكيد على التذكير وقبوله ، حتى يتسنّى الاعتبار للناس من التذكير ( عبادَ الله إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين ، لا يعود ما قد ولّى منه ، ولا يبقى سرمداً ما فيه ... ) (2) .

3 . الأسلوب التحاوري

الغاية من هذا الأسلوب هو معرفة آداب الكلام ، لقد علّم الإمام الناس كيف يكون الكلام حيّاً وذي سداد ، من خلال إلقاء سهام الكلام في المحلّ المقرّر له .

يذكر أهل الحديث أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أثناء نزوله النهروان ، التقى جميل ـ كاتب أنوشيروان ـ  وسأله : كيف ينبغي للإنسان يا جميل أن يكون ؟

قال : يجب أن يكون قليل الصديق كثير العدّو ، قال : أبدعت يا جميل ! فقد أُجمع على أنّ كثرة الأصدقاء أولى ، فقال : ليس الأمر على ما ظنّوا ، وذكر ما حاصله أنّهم إذا كثروا كلّفوا السعي في حاجة ولا يمكن أن ينهض الإنسان بها كما يجب وينبغي ، وجاء في المثل المعروف : ( من كثرة الملاّحين غرقت السفينة ) .

قال أمير المؤمنين : فما منفعة كثرة الأعداء ؟

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 83 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 157 .


الصفحة 102

فقال : إنّ الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان أبداً متحرّزاً متحفظاً أن ينطق بما يؤخذ عليه ، أو تبدأ منه زلّة يؤخذ عليها ، فيكون أبداً على هذه الحالة سليماً من الخطايا والزلل .

فاستحسن ذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان جميل هذا حواسّه كلها سالمة إلاّ البصر وذهنه صافياً وقريحته تامة  (1) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الّذي حدّد اتّجاه الكلام من خلال الحوار المفيد المبني على السؤال .

4 . الأسلوب التأمّلي

الغاية من هذا الأسلوب معرفة عظمة الخالق سبحانه وتعالى .

حرّك أمير المؤمنين الأبصار والأسماع والقلوب لهذه الغاية من خلال التأمّل في مخلوقات الله تعالى ، وكيف رُكبّت وصُوّرت ، وكيف بسط لها رزقها وسبلها .

تحدّث أمير المؤمنين في واحدة من خطبه عن أعظمها خلقاً وتقويماً ، وهو الإنسان ، ( أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ ، وَشُغُفِ الأَسْتَارِ ، نُطْفَةً دِهَاقاً وَعَلَقَةً مِحَاقاً ، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً وَوَلِيداً وَيَافِعاً ، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً ، وَلِسَاناً لافِظاً وَبَصَراً لاحِظاً ) (2) .

دعا الإمام ( عليه السلام ) إلى التأمل في الشمس والقمر والنبات والشجر وما

ـــــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار : 1/717 .

(2) نهج البلاغة : 83/138 .


الصفحة 103

اختلف خَلقه ، وتفجّر أمره ... ( فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ ، وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، وَاخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلالِ ، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ )  .

دعا الإمام أيضاً إلى التأمل ( مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ ، الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا ، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا ، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ ، كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً ، وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ ، فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ ، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ  .

وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطاووسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ  ... ) (1) .

ثمّ فصّل الحديث في خلق الخفاش وعجيب أجزائه ، وفيما دبّ في الأرض ( انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَلا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ 

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 165 .


الصفحة 104

الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا ، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا ، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا ، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا .... وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا ، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا ، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ) (1) .

ثمّ دعا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى النّظر في خلق الجرادة ، وكيف جعل لها الله السمع الخفي والفم السويّ ، وغير ذلك ممّا جعله الله لها من بديع صنعه .

إنّ هذا الأسلوب التامّلي لا يترك شيئاً ممّا خلق الله تعالى إلاّ ودعا إلى التأمل فيه والوقوف عنده ، بدءً من الذرّة الصغيرة إلى ما علاها من عظيم الجثة ، فـ ( سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالْفِيَلَةِ ! ) (2) .

5 . الأسلوب التدريجي

إنّ الغاية منه معرفة تقدير النعم والابتلاء فيها ، كتب البحراني في شرحه أنّ الغرض من الاستدراج هو ( الحثّ على فضيلتي الشكر والصبر ) (3) .

الاستدراج الّذي يقوم به النّاس بعضهم لبعض هو ؛ لأجل غرض معيّن أو هدف خاص ، قد يكون دنيوياً وأخرى أخروياً .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 185 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 165 .

(3) شرح نهج البلاغة : 5 ، الحكمة : 339 .


الصفحة 105

أمّا الاستدراج الإلهي فهو ليس من قبيل استدراج إنسان لإنسان ، بل هو من النوع الذي على الإنسان أن يؤدي فيه حقّ الطّاعة لله ، بشكر نعمه أو معرفة النّعمة على الوجه الذي يرضي الله تعالى ، وإلاّ فالحذر من هذا الاستدراج ( يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ ) (1) .

إنّ الاستدراج الإلهي بالإحسان والنّعم هو المهم ، والذي خصّه أمير المؤمنين في أحاديث مختلفة المناسبة ؛ لأنّ الاستدراج الإلهي فيه تبعات تفوق استدراج الناس ( كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ ، وَمَا ابْتَلَى اللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلاءِ لَهُ ) (2) .

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عمل على تثقيف النّاس لهذا الأسلوب الإلهي ، وحثّهم على الشكر والحذر ممّا يمليه الله عليهم من نعمة .

وبلّغ النّاس على أن يكون خوفهم من النعمة النازلة ( أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ ، إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً ، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة 25 .

(2) نفس المصدر : الحكمة : 16 .

(3) نفس المصدر : الحكمة : 358 .


الصفحة 106

6 . الأسلوب الإيحائي

الغرض منه تلطيف الغرض في نفس السامع أو المقصود به .

كيف يكون الكلام موجباً ؟

عندما تكون هناك دلالات لفظية لها معنى ومفهوم آخر يدركه شخص معيّن أو مجموعة معيّنة ، أو يكون هناك سلوك له دلالات رمزية يفهمها شخص مقصود بعينه فضلاً عن صائغ ذلك السلوك ومبدعه .

لهذا ينقل أهل الحديث عن كميل بن زياد النخعي ، أنّه بعد الانتهاء من صلاة العشاء الآخرة أخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيده حتى خرجا من المسجد ، حتى خرج إلى ظهر الكوفة ولا يكلمه بكلمة ، فلمّا أصحر تنفّس ، ثمّ قال : ( يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ : إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا ، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ :

النَّاسُ ثَلاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ .

 يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ .

 يَا كُمَيْلُ مات خُزَّانُ المال وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ ، هَاه هاه ! إِنَّ هَاهُنَا ـ وأشار بيده إلى صدره ـ لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً ... ) (1) .

في هذا الحديث دلالات موحية وهي :

ــــــــــــــــــ

(1) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 2/94 ، أمالي المفيد : 247 ، أمالي الطوسي : 20 ، الغارات : 1/149 .


الصفحة 107

لماذا اختار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كميل النخعي دون غيره ؟

اختاره ؛ لأنّه من أصحابه الذّين يدركون ما يقوله ( عليه السلام ) .

ثمّ ماذا يعني ويوحي صمت أمير المؤمنين عندما خرج مع كميل بن زياد آخذاًَ بيده ؟

إنّ الأخذ بيد كميل له معنى نفسي عميق وهو الصّلة والرابطة المتينة بين كميل وأمير المؤمنين (عليه السلام) .

إنّ سكوت الإمام حتى خرجا إلى ظهر المسجد له معنى ، وهو أنّ هذا الحديث لا يقال لكلّ أحد أو في حضرة الناس ، بل لمَن هو أهل له .

ما الّذي يستفيده كميل من تصنيف أمير المؤمنين للناس ؟ .

الذي يستفيده أن يختار الصنف الأليق والأحسن من بين أصناف الناس .

ثمّ لماذا ذكر أمير المؤمنين الحديث عن أهمية العلم وعلوّه على المال ؟ .

ذكر ذلك لكميل ؛ لبيان المقياس الصّحيح في أنّ العلم مقدّم على أمور الحياة الأخرى ، ومنها المال .

ماذا تعني إشارة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى صدره وقوله :

إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أَصبت له حَمَلة ؟

إنّ فيها حثاً لكميل على طلب العلم من منبعه وهو الإمام ( عليه السلام ) ؛ ليكون حاملاً له .

هكذا نجد أنّ في هذا الحديث إيحاءً معنوياً مفيداً لأحد أصحاب أمير المؤمنين ، لقد كان بالإمكان أن يحدّث كميل في المسجد دون أن يمشي


الصفحة 108

معه آخذاً بيده ، إلاّ أنّ الدلالات الإيحائية في هذا السلوك لها معنى كبير من الناحية النفسية ؛ لدفع كميل بن زياد نحو العمل بفحوى هذا اللّقاء .

7 . الأسلوب الاستدلالي

الغاية منه معرفة وجه الحقيقة ، فالإمام ( عليه السلام ) توخّى ضوء الحقيقة ووضوحها ؛ لأنّ ما بعد الحقيقة ضلال وأوهام ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ ) (1) .

على هذا ذهب الإمام ( عليه السلام ) في حكومةٍ مع يهودي إلى شريح ؛ لأقامة الحق ، والدليل فيما تحاكما به .

مضى ( عليه السلام ) في حكومةٍ إلى شريح مع يهودي ، فقال : يا يهوديّ ، الدّرع درعي ولم أبعْ ولم أهبْ .

فقال اليهودي : الدّرع لي وفي يدي ، فسأله شريح البيّنة .

فقال : هذا قنبر والحسين يشهدان لي بذلك .

فقال شريح : شهادة الابن لأبيه وشهادة العبد لا تجوز لسيّده ، وإنّهما يجرّان إليك !

فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ويلك يا شريح ، أخطأت من وجوه ؛ أمّا واحدة فأنا إمامك فدين الله بطاعتي ، وتعلم أنّي لا أقول باطلاً ، فرددت قولي وأبطلت دعواي ، ثمّ سألتني البيّنة .

فشهد عبد وأحد سيدَي شباب أهل الجنّة فرددت شهادتهما ، ثمّ ادعيت عليهما أنّهما يجرّان إلى أنفسهما .

ــــــــــــــــــ

(1) يونس : 32 .


الصفحة 109

أَما إنّي لا أرى عقوبتك إلاّ أن تقضي بين اليهود ثلاثة أيّام ! ) أخرجوه إلى قبا فقضى بين اليهود ثلاثاً ، ثمّ انصرف ، فلمّا سمع اليهوديّ ذلك قال : هذا أمير المؤمنين جاء إلى الحاكم وحكم عليه ! فأسلم ثمّ قال : الدّرع سقطت يوم صفّين من جمل أورق فأخذتها (1) .

نحو هذه الحكومة إلى شريح أيضاً ، بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعبد الله بن قفل التميمي في درع طلحة الذي أخذه غُلُولاً يوم البصرة ، نقلها ابن شهر آشوب في مناقبه (2) .

إنّ أمير المؤمنين لا يقضي بشيء إلاّ وله وجه وبرهان ، وبيان نابع من صميم الحقيقة ، ويقيم على ذلك الاستدلال والبيّنة على أكمل صورة .

وينقل السيوطي رواية تؤيّد ما ندّعيه أعلاه :

جلس رجلان يتغدّيان ، مع أحدهما خمسة أرغفة ، ومع الآخر ثلاثة أرغفة ، فلمّا وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل ، فسلّم فقالا : اجلس وتغدَّ ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية ، فقام الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم ، وقال : خذاها عوضاً ممّا أكلت لكما ، ونلته من طعامكما ، فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة : لي خمسة دراهم ، ولك ثلاثة ، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة : لا أرضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين .

ـــــــــــــــــــ

(1) جواهر المطالب : 2/127 ، تاريخ الخلفاء : 217 ، بحار الأنوار : 41/56 .


الصفحة 110

فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ ، فقصّا عليه قصّتهما فقال لصاحب الثلاثة ، ( قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزُه أكثر من خبزك ، فارضَ بالثّلاثة ، فقال : والله لا رضيت عنه إلا بمرّ الحقّ ، فقال عليّ : ليس لك في مرّ الحق إلاّ درهم واحد ، وله سبعة دراهم .

فقال الرّجل : سبحان الله ! قال : هو ذلك ، قال : فعرّفني الوجه في مرّ الحق حتى أقبله ، فقال عليّ : أَليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً ؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ، ولا يُعلم الأكثر منكم أكلاً ولا الأقلّ .

فتُحملون في أكلكم على السّواء ، قال : فأَكلت أنت ثمانية أَثلاث ، وإنّما لك تسعة أثلاث ، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث ، وله خمسة عشر ثلثاً ، أكل منها ثمانية وبقي له سبعة أكلها صاحب الدّراهم ، وأكل لك واحداً من تسعة ، فلك واحد بواحدك ، وله سبعة ) فقال الرّجل : رضيت الآن (1) .

8 . الأسلوب الفلسفي

الغاية منه الوقوف على سرّ الشيء ، وحقيقته .

فرض الله تعالى على عباده مجموعة وظائف وتكاليف إلهية ؛ ليتقرّب بها إليه سبحانه .

 الإسلام دين العلم والبيان ، فلم يضع الله حكماً ، إلاّ وقد بيّنه

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء : 212 ، الإصابة في تمييز الصحابة : 3/41 .

الصفحة 111

لرسوله الكريم ( صلّى الله عليه وآله ) وبيّنه النّبي لعليّ خاصة وللأمّة على وجه العموم .

علي ( عليه السلام ) بدوره عمل على بيان سرّ هذه الوظائف والتكاليف وحقيقتها ، وعن ذلك ( مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ ؛ تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ وَتَخْشِيعاً لأَبْصَارِهِمْ ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاءِ عَنْهُمْ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً ، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأَرْضِ تَصَاغُراً ، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً ، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ ، انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ ) (1) .

إنّ بيان حقيقة التكاليف والوظائف الإلهية يعطي للمسلمين رصيداً ثقافيّاً عن خلفيات الأوامر والنواهي الإلهية وماهيّاتها ، وهذا الرصيد الثقافي والمعرفي يؤدي إلى ترسيخ الإيمان في نفوس المسلمين ، وتثبيت هذه الحقائق في أذهانهم ، بعد أن حدّد الإمام ( عليه السلام ) حيثيّاتها بشكل تفصيلي .

( أَلا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ( صلوات الله عليه ) إِلَى الآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ ، بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ ( الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً )  .

ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً ، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ، وَ 

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الخطبة 192 .


الصفحة 112

أَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً ، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لا حَافِرٌ وَ لا ظِلْفٌ ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ( عليه السلام ) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ ، مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً ، يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ ؛ ابْتِلاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً ، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً ، جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ ) (1) .

9 . الأسلوب النقضي

الغاية منه كشف الحيلة والمغالطة ، كان الإمام قد عمل على كشف أيّة مغالطة وخدعة ينسجها الأعداء ، من خلال توضيح الواقع الصحيح للناس وحجزهم عن الوقوع في شراك الخديعة والتضليل .

الإمام يقوم بفضح المغالطة وتعريتها ونقضها بعد أن ينتزع طريقة ردّها من نفس ذرائعها الواهية ، فيجعلها كهشيم تذروه الرّياح ببيان حق وصدق .

هذا الأسلوب موجود في أكثر أجوبة الإمام ( عليه السلام ) على أعدائه ومناوئيه ( و

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 192 .


الصفحة 113

أمّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ ، وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ  .

وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ ) (1) .

( ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ ، أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ ) (2) .

10 . الأسلوب التغايري

الغاية منه بيان التفاوت في موازين الأعمال ، هذا الأسلوب ينطوي على حثّ الناس نحو الاستزادة من الأعمال الصّالحة بعد توفير القناعة بأنّها هي الصحيحة والنافعة ، في حالة مجانبة الإنسان للأعمال الصّالحة فإنّ ذلك يعني أنّه يعمل بما لا ينفعه عاجلاً وآجلاً ( شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ ) (3) .

فالعمل الصّالح يرفع صاحبه والطّالح يضع راكبه ، وقد بيّن

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الكتاب : 17/496 .

(2) نفس المصدر : الكتاب : 28 .

(3) نفس المصدر : الحكمة : 121 .


الصفحة 114

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمعاوية الحدّ الفاصل بين العملين ، بعد شيوع صالح الأعمال في بني هاشم ، وذيوع طالح الأعمال في بني أمية :

( وأمّا قولك : إنّا بنو عبد منافٍ ، فكذلك نحن ، ولكن ليس أميّة كهاشم ، ولا حربٌ كعبد المطلّب ، ولا أبو سفيان كأبي طالبٍ ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كالّلصيق ، ولا المحقّ كالمبطل ، ولا المؤمن كالمُدغِل ) (1) ( ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب ، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ، ومنّا سيّدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ، ومنكم حمّالة الحطب ) (2) .

لو لم يكن هناك حدّ فاصل بين العملين وآثارهما ، لصدق قول معاوية نحن بنو عبدٍ مناف ، واستوى أميّة وهاشم ، وأبو سفيان وأبو طالب ، والمهاجر والطليق ، لكن وجود فارق بين العملين ، رجّح كفة الحقّ إلى جانب بني هاشم .

11 . الأسلوب النفسي

الغاية منه التأثير على الميدان النفسي للآخرين ، فهذا الأسلوب يعني استخدام إرادة ضّد إرادة أخرى .

قد عمل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبل نشوب الحرب مع معاوية في صفّين على توجيه ضربات نفسية إلى معاوية ، لتعظيم مقاومته ،

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الكتاب : 17 ، الأخبار الطوال : 278 .

(2) نفس المصدر : الكتاب : 28 .


الصفحة 115

( فَلَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ ، فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ ( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) ) (1) .

إنّ هذا الأسلوب النفسي شلّ معنويات معاوية وثبّط عزيمته من خلال إلقاء الرّعب في قلبه .

استخدم الإمام ( عليه السلام ) أسلوب نفسي آخر ، بإظهار الصّلابة والقّوة الشّجاعة في مواجهة معاوية ، حيث دعاه ( عليه السلام ) للبراز والقتال فيما بينهم على انفراد دون الناس ، واستعان بأسلوب الإثارة النفسية لتحريك معاوية في قبول البراز (

( وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ ؛ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ ، فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي ) (2) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الكتاب : 28/516 .

(2) نفس المصدر : الكتاب : 10 ؛ الأخبار الطوال : 262 .


الصفحة 116

12 . الأسلوب التربوي

الغاية منه هي التعلّي بالآداب الإسلامية ( أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ ، لا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ ) (1) .

التربية الحقة تأخذ طريقها بسهولة كلّما كان الإنسان قريباً من الصّغر ( وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ) (2) .

الإمام ( عليه السلام ) عندما يوصي أحد أبنائه أو أحد أصحابه ؛ لأنّه يأمل فيه أن يأخذ ذلك بقوة ، ويتبع أحسن الذي قيل له من أبواب الأدب ( ولا ميراث كالأدب ) (3) .

إنّ هذا الأسلوب التّربوي يستهدف عقل الإنسان ونفسه وتكاليفه ، يستهدف عقل الإنسان في دفع الجهل عنه وتحريكه نحو الخير ، ويستهدف نفس الإنسان في قلع أو علاج الأمراض النفسية كالعجب ، ويستهدف تكاليف الإنسان وتقديم الأهمّ فالأهمّ ممّا له تأثير في تأديب الإنسان وتربيته الروحية مثل عبادة التفكر .

أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) فقال فيما أوصى به إليه : ( يا بُني ، لا فقر أشد من الجهل ، احتمالاً ( ولا وحدة ) ...

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الكتاب : 31 .

(2) نفس المصدر : الكتاب : 31 .

(3) نفس المصدر : الحكمة : 113 .


الصفحة 117

( صنعة ) ولا عدم أعدم من العقل ، ولا حبّ أوحش من العجب ، ولا حسب كحسن الخلق ، ولا ورع كالكف عن محارم الله ، ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله عزّ وجل .

يا بني العقل خليل المرء ، والحلم وزيره ، والرفق ولده ، والصبر من خير جنوده ) (1) .

ربّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصحابه على مهمات الأخلاق ومكارمها ( وفرشتُكم المعروف من قولي وفعلي ، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي ) (2) .

ومَن أخذ من مكارم أخلاق علي ( عليه السلام ) فقد  أخذ بحظٍ وافر .

13 . الأسلوب العاطفي

الغاية منه إيصال الحق وتوثيق الارتباط به وتذكرّه .

يُستخدم هذا الأسلوب في أغلب الأحيان قبل الورود إلى مطلب معيّن ، فهو جسر وطريق إلى هدف أسمى منه ، وإن كان نفس الأسلوب العاطفي صحيح وصدق في اللجوء إليه (

( ووجدتُك يا بني بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به إن أنا بقيت

ـــــــــــــــــــ

(1) أمالي الطوسي : 146 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 87 .


الصفحة 118

لك أو فنيت ، فإنيّ أُوصيك بتقوى الله ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله ) (1) .

إنّ المقياس عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في البعد والقرب منه ليس النسب ، بل ما يجده ( عليه السلام ) في المؤمنين من التقوى والاستعداد والقدرة .

عبارة الإمام وجدتك تشير إلى هذا المعنى ؛ حيث إنّ أقرب النّاس معنوياً إلى أمير المؤمنين ولداه الحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، قد صرّح الإمام بنوع القرب الحقيقي ، وهو قرب المودّة ، لا قرب النسب ( القريب مَن قرّبته المودّة وإن بَعُد نسبه ، والبعيد مَن باعدته العداوة وإن قرب نسبه ) (2) .

المودة الحقيقية هي المودة والحب في الله ؛ حيث إنّ كلّ إنسان يولي الجميل محببٌ ، وتهوي إليه قلوب المؤمنين ( مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) (3) .

كذا أوصى أمير المؤمنين لابنه الحسن ( عليه السلام ) ( ووجدتك بعضي بل وجدتك كلّي ) ليس لأنّه ابنه فحسب ؛ بل لأنّه يسرع به العمل أن يكون بعض بل كلّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

ممّا يؤيّد وجود الموّدة والمحبّة الحقيقية بين أمير المؤمنين وأصحابه ، قوله ( عليه السلام ) في الشهداء من أصحابه :

( أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه ، وقرءوا القرآن

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الكتاب : 31 ؛ العقد الفريد : 3/114 .


الصفحة 119

فأحكموه ... على وجوههم غَبَرة الخاشعين ، أولئك إخواني الذّاهبون ، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم ، ونعضَّ الأيدي على فراقهم ) (1) .

كذا قول الإمام عند فقده عمّار بن ياسراً :

أَلا أيّها الموت الذي ليس تاركي      أَرحـني وقـد أفنيتَ كلَّ iiخليلِ
أَراك بـصيراً بـالّذين iiأُحـبهم      كـأنّك تسعى نحوهم بدليل
ِ(2)

كما ذكرنا فإنّ الأسلوب العاطفي يُستخدم في كثير من الأحيان قبل الدخول إلى مطلب معيّن ، ينقل المؤرّخون إنّ أمير المؤمنين لمّا نزل بالنخيلة وأَيَس من الخوارج ، جمع إليه رؤوس أهل الكوفة والقبائل ووجوه الناس وأمراء الأجناد ،

فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ( يا أهل الكوفة ، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق ، ومجيبيّ إلى جهاد المُعلين ، بكم أضرب المدبر ، وأرجو إتمام طاعة المقبل ) (3) .

14 . الأسلوب التوضيحي

الغاية منه بيان المطلب وإزالة الغموض ، في هذا الأسلوب تارةً يقوم الإمام ( عليه السلام ) بتوضيح معاني معيّنة يحتاج النّاس معرفتها من دون أن يطلبوا ذلك منه ، وأخرى يكون عن طريق استيضاح من قبل فرد عن حدث أو

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر: الخطبة 121 .

(2) الأمثال والحِكم المستخرجة من نهج البلاغة : 296 .

(3) الإمامة والسياسة : 1/165 ، تاريخ الطبري : 3/117 ، تاريخ ابن خلدون : 2:638 .


الصفحة 120

معنى كلام ، فيجيب الإمام عن تلك الاستفسارات الّتي يريدها الناس .

أمّا توضيح المعاني التي يحتاج الناس معرفتها ، مثل معنى كلمة ( شُبهة ) وسبب تسميتها بذلك ، فيوضّح ( عليه السلام ) ذلك :

( إنّما سمّيت الشبهةُ شبهةً ؛ لأنّها تشبه الحقّ ، فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ، ودليلهم سمت الهدى ، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ) (1) .

أمّا توضيح المعاني عن طريق الاستيضاح والسؤال ، فيُروى أنّ أمير المؤمنين قال في إحدى خطبه :

( أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء ، فقام إليه ابن الكوّاء الشِكري (2) فقال : يا أمير المؤمنين أَوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء ؟ فقال : نعم ويلك قطيعة الرّحم ، إنّ أهل البيت لَيجتمعون ويتواسون وهم فَجَرة فيرزقهم الله ، وإنّ أهل البيت ليتفرّقون ويقطع بعضهم بعضاً فيحرمهم الله وهم أتقياء ) (3) .

إنّ هذا الأسلوب يزيل الغموض ويؤسّس الوضوح في ثقافة النّاس للمعاني المختلفة .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 38 .

(2) كان من رؤوس الخوارج .

(3) الأصول من الكافي : 2/347 .

الصفحة 121

15 . الأسلوب التبصيري

الغاية منه هداية الناس إلى الحق ، فالمعروف أنّ الإمام كان همّه إقامة دعائم الإسلام وأركانه .

في سبيل تحقيق هذا الهدف عمل الإمام جاهداً في كلّ فرصة خير تُقبل ؛ لهداية وإصلاح أيّ شخص ضلّ عن قارعة الطّريق .

فقي خلافة أمير المؤمنين أوفد أهل البصرة مبعوثاً منهم ؛ لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ ، فَبَيَّنَ لَهُ ( عليه السلام ) مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ ، ثُمَّ قَالَ : لَهُ بَايِعْ ، فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَ لا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ( عليه السلام ) : ( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلإِ وَ الْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً ، قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلإِ وَ الْمَاءِ ، فَقَالَ ( عليه السلام ) فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ ( عليه السلام ) .

( وَالرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ ) (1) .

إنّ هذا الأسلوب مارسه الإمام أمام الملأ الحاضرين من أهل الكوفة في سبيل هداية الرجل القادم وتبصيره .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : من كلام له ( عليه السلام ) : 322 .


الصفحة 122

16 . الأسلوب التمويهي

الغاية منه تضليل الخصوم وإيهامهم ، استُخدم هذا الأسلوب أيضاً من قبل النّبي سليمان ( عليه السلام ) في تنكير وتمويه حقيقة عرش بلقيس ، ( قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) (1) .

قد لجأ أمير المؤمنين إلى استخدام هذا الأسلوب ؛ لتشبيه الخصوم عن الاهتداء إلى موضع قبره ، حيث روي أنّه (عليه السلام )  ( أمر ابنه الحسن ( عليه السلام ) أن يحفر له أربع قبور في أربع مواضع :

في المسجد ، وفي الرحبة ، وفي الغريّ ، وفي دار جعدة بن هبيرة ؛ إنّما أراد ( عليه السلام ) بهذا أن لا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره ) (2) .

17 . الأسلوب التنبيهي

الغاية منه توجيه الأنظار وإلفاتها لأهمية قدر الخطاب ، هذا الأسلوب رغم أنّه يصدر منه ( عليه السلام ) بشكل تلقائي ودون تكلّف ، إلاّ أنّ صورة التّنبيه واضحة للتّوجّه إلى قدر الخطاب .

صعد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالكوفة المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ( أيّها الناس ، إنّ الذنوب ثلاثة ، ثمّ أمسك فقال : له حبة العرني يا أمير المؤمنين ! قلت الذنوب ثلاثة ثمّ أمسكت . فقال : ما ذكرتها إلاّ و

ـــــــــــــــــــ

(1) النمل : 41 .

(2) سفينة البحار : 1/591 .


الصفحة 123

أنا أريد أن أفسّرها ، ولكن عرض لي بُهر (1) حال بيني وبين الكلام ، نعم الذّنوب ثلاثة :

فذنبٌ مغفور ، وذنبٌ غير مغفور ، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه ) (2) .

فالإمام ( عليه السلام ) بعد أن قال : الذنوب ثلاثة أمسك عن المضي في خطبته ، وقد بيّن الإمام أن إمساكه حصل لعروض البُهر الذي حجزه عن الكلام .

على الرغم من أنّ الإمام لم يقصد التنبيه ، إلاّ أنّ اختياره كان من اختيار الله تعالى ، ( عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) ؛ لذا تعلّقت إرادة الله في أن يكون هذا التنبيه لقدر الخطاب العلوي عن طريق عروض حالة البُهر .

هنا رواية أخرى لها دلالة على أسلوب التنبيه .

عن الحسين بن علي ( عليه السلام ) قال : ( كنا جلوساً في المسجد إذ صعد المؤذّن المنارة فقال : الله أكبر الله أكبر ، فبكى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وبكينا ببكائه ، فلمّا فرغ المؤذّن قال : أتدرون ما يقول المؤذّن ؟ قلنا الله ورسوله ووصيّه أعلم ، فقال لو تعملون ما يقول ، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، فلقوله ( الله أكبر ) معانٍ كثيرة ، ثمّ ذكر عليه السلام معنى الأذان ) (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) البُهر انقطاع النفس من الإعياء ، وما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعّدو من التهييج وتتابع النفس .

(2) الأصول من الكافي : 2/443 .

(3) سفينة البحار : 1/67 .


الصفحة 124

18 . الأسلوب الإسكاتي

الغاية منه إجابة شخص ما وإسكاته ، ففي زمان أمير المؤمنين طُرحت بعض الأسئلة التي يستعصي البرهان عليها واستيعابها ، وأجاب عنها الإمام ( عليه السلام ) إجابةً حقّةً وحكيمةًَ .

من هذه الأسئلة ما يلي : قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : كم بين المشرق والمغرب ؟ فقال : مسيرة يوم الشمس ، قيل له : فكم بين السماء والأرض ؟ قال : مسيرة ساعة لدعوة مستجابة (1) .

الإمام أجاب بجواب إسكاتي يتضمن الحق والصدق ، وهو مسيرة يوم الشمس أي حركة الأرض ودورانها حول الشمس تستوعب الفاصلة بين المشرق والمغرب ، هذا الحساب أيسر فهماً وقبولاً فيما لو حسب المسافة بين المشرق والمغرب بوحدة قياسية معيّنة ، أو برقم رياضي كبير .

الشق الثاني من السؤال عن مقدار المسافة بين السماء والأرض ،

أجاب عنه ( عليه السلام ) بمسيرة ساعة لدعوة مستجابة ، هذا الجواب الإسكاتي أيضاً صحيح وصدق ؛ حيث حسب الإمام الفاصلة بينهما بالحسابات المعنوية ، مسير ساعة حسب المسافة المعنويّة .

هنا سؤال آخر رمى به أحدهم ، يحمل روح الاستخفاف والجهل بالحقائق التي يلقيها الإمام على رؤوس الأشهاد ،

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة : 294 : الغارات : 1/180 : العقد الفريد : 2/118 : مناقب آل أبي طالب : 2/426 .


الصفحة 125

إنّه ( عليه السلام ) خطب فقال في خطبته : ( سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله ما تسألوني عن فئة تضلّ مِئة أو تهدي مِئة ، إلاّ أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة ) .

فقام إليه رجل فقال : أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( لقد حدّثني خليلي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بما سألت عنه ، وإنّ على كل طاقة شعر في رأسك مَلَكاً يلعنك ، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطاناً يستفزّك ، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) وآية ذلك مصداق ما خبّرتك به ، ولو لا أنّ الّذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به ) (1) .

الإمام أجاب السائل جواباً إسكاتياً في أنّ على كل طاقة شعر ملكاً يلعنه وشيطاناً يستفزه ، وبيّن الإمام أنّ بإمكانه أن يحصي ما في رأسه من طاقة شعر ، إلاّ أنّ الدليل يتعذر ويعسر من الناحية الواقعية .

19 . الأسلوب التنبّئي

الغاية منه زيادة اليقين والإطلاع على حقائق المستقبل ، فقد أوتي الإمام قدرة روحية وعلمية جعلت منه يخبر عن حقائق من الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، من مثل وضع الناس الأخلاقي ، أو صورة الزمان وصفاته وآثاره ، أو حال المؤمنين في عصر معين :

( أَلا بأبي وأمّي ، هم من عدّةٍ ، أسماؤهم في السّماء معروفةٌ وفي

ـــــــــــــــــــ

(1) مناقب آل أبي طالب : 2/304 ، بحار الأنوار : 41/328 .


الصفحة 126

الأرض مجهولةٌ ، أَلا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم واستعمال صِغاركم ، ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه ، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجراً من المعطي ) (1) .

إنّ بعض الأخبار المستقبلية التي تعرّض الإمام لذكرها ، موضوع الإمامة ومحاولة حذفها ، وإكراه الناس على التنصل منها ، والطلب من الناس سبّ الإمام ، وتوجيه الافتراءات وإلصاقها به .

عن مالك بن ضمرة قال : سمعت عليّاً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : ( أَلا إنّكم معرضون على لعني ودعايّ كذّاباً ، فمَن لعنني كارهاً مكرَهاً ، يعلم الله أنّه كان مكرَهاً ، وردت أنا وهو على محمد ( صلّى الله عليه وآله ) ، ومَن أمسك لسانه فلم يلعنّي سبقني كرمية سهم أو لمعة بالبصر ، ومَن لعنني منشرحاً صدره بلغني فلا حجاب بينه وبين الله ، ولا حجّة له عند محمد ( صلّى الله عليه وآله ) ) (2) .

بعض آخر من الأخبار المستقبلية أفضاها الإمام لأصحابها ، كتلك التي تخص شهادة ميثم التمّار أو رشيد الهجري أو عمرو بن الحمق الخزاعي (3) .

إنّ الأخبار التي أنبأ بها الناس أو أصحابها ، قد وقعت بالفعل وازداد الذين آمنوا إيماناً وصبراً وثباتاً .

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 187 .

(2) أمالي المفيد : 120 .

(3) الاختصاص : 77 .


الصفحة 127

20 . الأسلوب التعريفي

الغاية منه بيان حدود الأشياء ورسومها ، في هذا الأسلوب أعطى الإمام تعريفات عديدة ، منها :

1 . تعريف الإسلام : ( الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء ، والأداء هو العمل ) (1) .

2 . تعريف القرآن الكريم : ( هو الناصح الذي لا يغشّ ، والهادي الّذي لا يضلّ ، والمحدِّث الّذي لا يكذب ) (2) .

3 . تعريف النبّي ( صلّى الله عليه وآله ) : ( بعث الله محمداًَ ( صلّى الله عليه وآله ) ، شهيداً وبشيراً ونذيراً ، خير البريّة طفلاً وأنجبها كهلاً ، وأطهر المتطهّرين شيمةً ، وأجود المستمطَرينَ دِيمةً ) (3) .

4 . تعريف الإمام (عليه السلام) نفسه : ( أنا حجة الله وأنا خليفة الله ، وأنا صراط الله وأنا باب الله ، وأنا خازن علم الله وأنا المؤتمن على سرّ الله ، وأنا إمام البريّة بعد خير الخليقة محمّد نبي الرّحمة ( صلّى الله عليه وآله ) ) (4) .

5 . تعريف أهل البيت ( عليها السلام ) : ( نحن أهل بيت الرّحمة ، وقولنا الحق وفعلنا القسط ، ومنّا خاتم النبيين ، وفينا قادة الإسلام وأُمناء الكتاب ، (5) ونحن

ــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة 125 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 176 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 105 .

(4) أمالي الصدوق : 35 .

(5) أمالي الطوسي : 11 .


الصفحة 128

شجرة النبوّة ومحطّ الرّسالة ، ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحِكم ) (1) .

6 . تعريف الأصحاب : قيل لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : حدّثنا عن أصحاب محمّد ؟ قال : عن أَيّهم ؟ عن عبد الله بن مسعود ، قال : قرأ القرآن وعلم السّنة ثمّ انتهى وكفى بذلك .

قالوا : فحدّثنا عن حذيفة ؟ قال : أَعلم أصحاب محمد ( صلّى الله عليه وآله ) بالمنافقينَ .

قالوا : فأبو ذر ؟ قال : كُنَيف مليء علماً عجز فيه .

قالوا : فعمّار بن ياسر ؟ قال : مؤمن ينسى ، إذا ذُكّر ذكر ، اختلط الإيمان بلحمه ودمه ليس للنّار فيه نصيب .

قالوا : فسلمان ؟ قال : علم [ العلم ] الأوّل والآخر [ وهو ] بحر لا يُنزح [ وهو ] منّا أهل البيت (2) .

7 . تعريف القبائل : ( أمّا بنو مخزوم فريحانة قريش ، تحبّ حديث رجالهم والنّكاح في نسائهم ، وأمّا بنو عبد شمس فأبعدها رأياً ، وأمنعها لِما وراء ظهورها ، وأمّا نحن فأَبذل لِما في أيدينا ، وأَسمع عند الموت بنفوسنا ، وهم أكثر وأمكر وأفكر ، ونحن أفصح وأنصح وأصبح ) (3) .

هناك تعريفات كثيرة أخرى ذكرها أمير المؤمنين مثل تعريف الإيمان ، الفقيه ، الإحسان ، العدل ، الجود ، العاقل ...

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 109 .

(2) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : 2/46 .

(3) نهج البلاغة : الحكمة 120 .


الصفحة 129

21 . الأسلوب التمثيلي

عُرّف المَثَل بأنّه : ( عبارةٌ عن قولٍ في شيء يشبه قولاً في شيء آخر ، بينهما مشابهةٌ ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره ) (1) .

الغاية من الأسلوب التمثيلي بيان المطلوب وأخذ الفائدة منه بعد تشبيهه .

إنّ التمثيل كثير في كلام وكتب وخطب أمير المؤمنين ، ونذكر شطراً من بعض ما رسمه تمثيل علي ( عليه السلام ) ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :

( إنّ في كتاب عليّ ( صلوات الله عليه ) : إنّما مَثَل الدنيا كمثل الحيّة ما أَلين مسّها وفي وفها السم الناقع ، يحذرها الرجل العاقل ، ويهوى إليها الصبيّ الجاهل ) (2) .

( أَلا إنّ مَثَل آل محمد ( صلّى الله عليه وآله ) كمثل نجوم السّماء : إذا خَوى نجمٌ طلع نجم ) (3) .

( والله ما فَجَأَني من الموت ورادٌ كرهته ، ولا طالعٌ أنكرته ، وما كنت إلا كقاربٍ وَرَد ، وطالبٍ وَجَد ) (4) .

22 . الأسلوب الوصفي

الغاية منه بيان المعاني وتقريبها ، فمَن يطالع كلام الإمام يجد امتزاج المعنى باللفظ ، واختلاط وصف الأشياء بدرر علي ( عليه السلام ) حتى كأنّ مَن يقرأ

ـــــــــــــــــ

(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 516 .

(2) الأصول الكافي : 2/136 ، نهج البلاغة : الحكمة : 119 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 100 .

(4) نفس المصدر : الكتاب 23 .


الصفحة 130

وصف شيء يرسمه بيان علي ( عليه السلام ) ، أنّه يرى ذلك الشيء بحقيقته بأروع ما يكون الوصف والبيان .

إليك طرفاً قصيراً اقتطعناه من خطبة له ( عليه السلام ) وهو يصف جمال الطبيعة :

( فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا ، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا ، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأَرْضِ النَّبَاتَ ، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الأَعْشَابَ ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا ، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا ، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأَنَامِ وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ ) (1) .

إنّ المرء ليتحيّر إذا ما أراد الحكم في أيّهما أجمل كلمات علي ( عليه السلام ) في وصف الطبيعة أم الطبيعة نفسها ، أم أنّهما تخالطا وامتزاجا فأصبحت الطبيعة الجميلة تنشد كلام علي ( عليه السلام ) ، وأصبح كلام علي يعزف تقاسيمها التي رسمها بارئها ؟

إليك الثانية الأخرى في وصف أصحاب النّبي ( صلّى الله عليه وآله ) :

( لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً ، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ ، كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ ، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ ! ) (2) .

ـــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 91 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 97 .

الصفحة 131

23 . الأسلوب التصنيفي

الغاية منه تمييز الأشياء وفرزها عن بعضها ، في هذا الأسلوب تارةً يصنّف الإمام ( عليه السلام ) القرآن إلى أربعة أرباع ، وأخرى يصنّف الناس إلى ثلاثة أصناف ، وتارة يصنّف الملائكة إلى عدة أصناف ، ومرّة يصنّف الإيمان إلى دعائم وشُعب ، أو يصنّف الفسق إلى أربعة دعائم تحت ظلّ كلّ واحدة منها أربع شُعب ، ومرّة يصنّف الظلّم إلى ثلاثة ، وهكذا يكثر التصنيف في كلام الإمام .

إنّ هذا التصنيف كفيل بتعويد الذّهن على تمييز الأفراد عن بعضها البعض .

فلنأخذ قسطاً من بعض هذه التصنيفات المتعددة ، ففي تصنيفه للقرآن ، قال ( عليه السلام ) : ( نزل القرآن أرباعاً ، ربع فينا ، وربع في عدوّنا ، وربع سُنن وأمثال ، وربع فرائض وأحكام ، ولنا كرائم القرآن ) (1) .

في تصنيفه ( عليه السلام ) للملائكة أخذنا شطراً ممّا ذكره ( وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ ، وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ ، وَفِي قَتْرَةِ الظَّلامِ الأَيْهَمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأَرْضِ السُّفْلَى ) (2) .

عند تصنيفه للكفر يكشف دعائمه ، ويظهر شعبه :

( بُني الكفر على أربع دعائم : الفسق والغلّو والشك والشبهة .

والفسق على أربع شُعب : على الجفاء والعمى والغفلة والعتو ...

ــــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار : 1/129 .

(2) نهج البلاغة الخطبة 91 .


الصفحة 132

والغلو على أربع شُعب : على التعمّق بالرّأي والتنازع فيه والزّيغ والشِّقاق ...

والشك على أربع شُعب : على المرية والهوى والتردّد والاستسلام ... والشبهة على أربع شُعب : إعجاب بالزّينة وتسويل النفس وتأويل العوج ولبس الحق بالباطل ... ) (1) .

هكذا التصنيفات الأخرى والمتعددة تساهم إلى حدٌ كبير في خلق حيوية ثقافية ، تعمل على هندسة الأشياء وإدخالها ضمن النوّع الّذي تنتمي إليه .

24 . الأسلوب الترتّبي

الغاية منه تقدير ما تنتهي إليه الأمور من نتائج ، خبر أمير المؤمنين الأمور ظاهرها وباطنها ومنقلبها الذي تصير إليه ، فهو يرى الشيء ويرى عواقبه في آنٍ واحد .

الأسلوب الترتّبي يعمّق الفكر ؛ لأنّه يسير بالفكر عمودياً ،

( ومَن أكثر مِن شيءٍ عُرف بهِ ، وَمَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ ) (2) .

( مَن تفكّر اعتبر ، ومَن اعتبر اعتزل ، ومَن اعتزل سلم ) (3) .

ـــــــــــــــــ

(1) الأصول من الكافي : 2/391 .

(2) نهج البلاغة : الحكمة 349 : نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/475 .

(3) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/476 .


الصفحة 133

25 . الأسلوب التوبيخي

الغاية منه تأنيب النفوس رجاء العودة إلى الطريق ، لقد لامَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أفعال أهل الكوفة كثيراً ؛ راجياً لهم التوقّف والعود إلى ما بدأوا به من الموالاة حين قدومه عليهم .

 ( أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً ، وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً ، إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ ) (1) .

( أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ ، هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ )  (2) .

26 . الأسلوب التقريعي

الغاية منه ردع الناس عن الباطل ، أضطرّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على استخدام هذا الأسلوب بعد أن بسط الباطل كفيه ، فقرع أنفه وفرّق مكره . ففي إحدى خطبه ( عليه السلام ) اعترضه الأشعث بن قيس قائلاً : يا أمير المؤمنين ! هذه عليك لا لك ، فخفض ( عليه السلام ) إليه بصره ، ثمّ قال :

( ما يدريك ما عليّ ممّا لي ، عليك لعنة الله ولعنة اللاّعنين ، حائك ابن حائك منافقٌ ابن كافر ، والله لقد أَسَرك الكفر مرّة والإسلام أخرى ،

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 33 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 131 .


الصفحة 134

فما فداك من واحدة منهما مالُك ولا حسبُك ، وإنّ امرأً دلّ على قومه السّيفَ ، وساق إليهم الحتفَ ، لحريٌ أن يمقته الأقرب ، ولا يأَمَنه الأبعد ) (1) .

ومرة أخرى اعتصم أهل الأهواء بحبل العصيان ، فقام الإمام فيهم خطيباً مقرعاً :

( أحمدُ اللهَ على ما قضى من أمرٍ ، وقدّر من فعلٍ ، وعلى ابتلائي بكم أيّتها الفرقة الّتي إذا أَمرتُ لم تُطع ، وإذا دعوتُ لم تُجب ، إن أُمهلتم خُضتم ، وإن حُورِبتم خُرتم ، وإن اجتمع النّاس على إمامٍ طعنتم ، وإن أُجئتم إلى مشاقّةٍ نكصتم ) (2) .

إنّ هؤلاء الّذين ركبهم الباطل ، لا يظهرون إلاّ عندما ينبري الباطل محاولين بذلك طمس معالم الحقّ ؛ ولهذا وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كالجبل الرّاسخ بوجههم في سبيل صدّهم عن هذا الطريق ، ففي كلام له ( عليه السلام ) قاله للبرج بن مسهر الطّاليّ ، وقد قال له بحيث يسمعه : ( لا حكم إلاّ لله) وكان من الخوارج .

( اسْكُتْ قَبّحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ ، خَفِيّاً صَوْتُكَ ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ ) (3) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 19 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 180 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 184 .


الصفحة 135

27 . الأسلوب التحذيري

الغاية منه هي الاحتراز عن الوقوع في التهلكة ، حذّر أمير المؤمنين النّاس ناصحاً لهم ، من أن تستولي عليهم الفترة والغفلة ، وكذا حذّر أمير المؤمنين من النفس وإدغالها وغلّها ( إيّاكم والمراء والخصومة ؛ فإنّهما تمرضان القلوب على الأخوان ، وينبت عليهما النفاق ) (1) .

كما حذّر أيضاً من العداوة والبغضاء ( إيّاكم ومعاداة الرّجال ، فإنّهم لا يخلون من ضربين من عاقلٍ يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم ) (2) .

المفهوم من هذا التحذير هو إشاعة المودّة وتكوين روابط طيبة مع الناس .

وأكّد ( عليه السلام ) على التحذير الذي طالما ذكّر به القرآن الكريم ، وهو الشيطان ودائه وندائه وخيله ورجله ( فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ ) (3) .

هذه التحذيرات المتكررة من قِبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعكس مدى شفقة الإمام وعطفه على الناس ، وخوفه من أن يكونوا ضحيةً للشرور المختلفة .

28 . الأسلوب الترهيبي

الغاية منه زجر النّفس وصدها عن المعاصي .

سلّط الإمام ( عليه السلام ) الخطاب على تخويف النّاس من المصير الذي سوف

ـــــــــــــــــــــ

(1) الأصول من الكافي : 1/ 300 .

(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/ 86 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 192 .


الصفحة 136

ينتهون إليه ، بعد انقضاء مدد الأعمار ، ورهّبهم من الموت ونزعاته وغصته ، والقبر وحسراته وضغطته ، والبرزخ الذي يطول فيه المقام واللّبث ، ومن العرض للحساب ، ومن النار وضجيجها وأطباقها وخزّانها .

( أفرأيتم جزعَ أحدكم من الشّوكة تُصيبه ، والعثرة تُدميه والرّمضاء تُحرقه ؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نارٍ ضجيع حجرٍ وقرين شيطانٍ .

أَعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النّار ، حطّم بعضها بعضاً لغضبه ، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته ) (1) .

( حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ ، وَأَزِفَ النُّشُورُ ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ ، رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً ، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ وَ ضَرَعُ الاسْتِسْلامِ وَالذِّلَّةِ ) (2) .

إنّ هذه الصّور الترهيبية الّتي عرضها الإمام على مسامع النّاس ، كفيلة بمساعدتهم في العودة من المعصية إلى الطّاعة ، وتدارك ما فات من أعمارهم العزيزة .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : 183 / 354 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 83 .


الصفحة 137

29 . الأسلوب الترغيبي

الغاية منه الحثّ على العمل وإيقاظ الشوق نحو الآخرة .

عمل أمير المؤمنين على تحريك وإيقاظ النظر نحو الآخرة ، وبالترغيب فيها ووصفها وصفاً دقيقاً .

( فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا ، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا ، مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا ، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا ، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ ، غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا ، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا ، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا ، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا ، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ ) (1) .

كذا رغّب أمير المؤمنين أصحابه بالآخرة ، وما أعدّه الله لهم من النّعيم المقيم ، عن الأصبغ بن نباتة قال : أتيت أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ؛ لأُسلّم عليه ، فجلست أنتظره ، فخرج إليّ فقمت إليه فسلّمت عليه فضرب على كفّي ثمّ شبّك أصابعه في أصابعي ، ثمّ قال :

 ( يا أصبغ بن نباتة ، قلت : لبيك وسعديك أمير المؤمنين ! فقال : إنّ وليّنا وليّ الله ، فإذا مات وليّ الله كان من الله بالرّفيق الأعلى ، وسقاه من النّهر أبرد من الثلج وأحلى من الشهد وألين من الزّبد ) (2) .

ـــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 166 .

(2) الاختصاص : 66 .


الصفحة 138

30 . الأسلوب التعذيري

الغاية منه نشر روح التسامح والصفح .

الإمام ( عليه السلام ) يرى أنّ الّذي يقدر ويستطيع أولى من غيره بالعفو والصفح ( أولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة )  (1) .

فقد تصدر عثرة من أحد النّاس ويمكن سدّها بالإقالة والتجاوز عنها ، ومن هنا أمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بتجاوز سقطات أهل الخير وعثراتهم ( أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ (2) عَثَرَاتِهِمْ ، فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاّ وَيَدُ اللَّهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُهُ ) (3) .

كذا وسّع أمير المؤمنين في كتابه لابنه الحسن ( عليه السلام ) مفهوم الصّفح والإعذار إلى أوسع معانيه ؛ بقبول عذر كلّ مَن اعتذر ، وأخذ العفو والميل إليه ، وعدم تجاوز الحدود إلى ما هو مكروه ( واقبل عذر مَن اعتذر إليك ، وخذ العفو من الناس ، ولا تبلغ إلى أحدٍ مكروهه ) (4) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الحكمة 53/ 634 .

(2) المروءة صفة للنفس تحملها على فعل الخير ؛ لأنّه خير .

(3) نفس المصدر : الحكمة 20 .

(4) تحف العقول عن آل الرسول : 86 .


الصفحة 139