الفصل العاشر

 الإمام علي ( عليه السلام ) والصفات الثقافية

 

اتّصف المناخ الثقافي الّذي أودعه الإمام بين أهل الكوفة بنعوت تحلّى بها ، تحكي العمق المعنوي والبعد المعرفي في شخصيّة الإمام ( عليه السلام ) ، وتعكس مدى العمل والنشّاط الثّقافي الّذي قام به الإمام .

فيما يلي عرضاً للصّفات الثقافية التي جاء بها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

 

1 . الصّدق والوضوح

جاء في التنزيل الحكيم أنّ عليّاً هو عَلَم الصّدق والتّصديق ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) .

ففي الروايات أنّ هذه الآية نزلت في حق علي ( عليه السلام ) : عن مجاهد : نزلت في عليّ [ بن أبي طالب ] ( عليه السلام ) وعن الباقر ( عليه السلام ) : ( الّذي جاء بالصّدق محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، والّذي صدّق به عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ) (1) .

ـــــــــــــــــ

(1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : 400 .


الصفحة 140

قد يُسأل ليكن الإنسان صادقاً فماذا يكون ؟

إنّ الّذي يكون هو أن يصبح الإنسان على شرف منجاة وكرامة ، وهذا الشّرف الأعلى يحفظ للإنسان قيمته وكرامته ونجاته ( الصادق على شُرف منجاة ، والكاذب على شُرف مهواة ومهانة ) (1) .

 الصدق درع من النّار ووقاية من دخولها ( أيّها الناس ، إنّ الوفاء توأم الصّدق ولا أُعلم جُنّةً أوقى منه ) (2) .

إن الصّدق الّذي أراده الإمام لأهل الكوفة هو ما يخرج من سريرة الإنسان حاملاً معه صفة الوضوح والصّفاء ، منذ الحركة الأُولى للإرادة في داخل قلب الإنسان وتبلور النية ( وإنّ الله سبحانه يدخل بصدق النّية والسريرة الصّالحة مَن يشاء من عباده )  (3) .

فالصّدق عند عليّ ( عليه السلام ) يمتدّ إلى دخول الإنسان مقعد الصّدق والجنّة ، وقد عيّن الإمام مقياس ثقافي لكشف الإيمان بالاستناد على صفة الصّدق والالتزام بها ( علامة الإيمان أن تُوثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك ) (4) .

إنّ إيثار الصّدق على الكذب في المواطن كلّها من علائم الإيمان ، فعلى ما ذكرنا آنفاً ، ما هو السّبيل لإبقاء الصّدق ثابتاً ، بحيث يكون مَلَكة عند الإنسان ؟

ــــــــــــــــــ

(1) إرشاد القلوب : 1/259 ، نهج البلاغة : الخطبة 86 .

(2) نهج البلاغة : 41 .

(3) نفس المصدر : الحكمة : 42/632 .

(4) نفس المصدر : الحكمة 458 .

الصفحة 141

إن حصول مَلَكة الصّدق تتمّ عبر اتّباع التعاليم التالية :

1 . الاتّباع لأئمّة الصّدق والسنة : وهم النبي وأهل بيته ( عليه السلام ) هذا الاتّباع شامل لكلّ حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم ، لأنّهم ؛

( هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَصَامِتٌ نَاطِقٌ ) (1) .

فينبغي الاتّباع التّام للأئمة الّذين هم ورثة النبيّ لأنّهم ( إن نطقوا صدقوا وإن صمتوا لم يسبقوا ) (2) .

2 . معرفة القيمة المعنويّة للصدق : والنتائج الّتي تترتّب عليه ( ولسان الصّدق يجعله الله للمرء في الناس خيرٌ له من المال يرثه غيره ) (3) .

3 . أن يفعل الإنسان الخير فهو يؤدّي إلى الصّدق وترسيخه في نفسه : فكلّما كان فعله للخير كثيراً ، كان ذلك باعثاً للصّدق وتوطيده ( قدر الرّجل على قدر همّته ، وصدقه على قدر مروءته ) (4) .

4 . التقّرب والالتصاق بالصّالحين وأهل التقوى والصّدق ( وأَلصق بأهل الورع والصّدق ) (5) .

ـــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 147 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 154 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 23 .

(4) نفس المصدر : الحكمة 43 .

(5) نفس المصدر : الكتاب 53 .


الصفحة 142

5 . الابتعاد عن أهل الكذب : ينبغي للرّجل المسلم أن يتجنّب مؤاخاة الكذّاب ، لأنّه ( لا يزال يكذب حتى يجيء بالصّدق فلا يُصدّق ) (1) .

أمّا بالنسبة إلى الوضوح فإنّ السّبيل إليه يتسنّى من خلال استعمال العلم والعمل به ، حالة الغموض التي تطرأ أو تستولي على الأفراد ناتجة من تخلّف العمل عن العلم ، وقد أوضح ( عليه السلام ) إنّ عدم الوضوح لا يوصل إلى هدف وحاجة .

( فإنّ العامل بغير علمٍ كالسّائر ( السّابل ـ السّابك ) على غير طريق ، فلا يزيده بُعده عن الطّريق الواضح إلاّ بُعداً عن حاجته ، والعامل بالعلم كالسّائر على الطرّيق الواضح ) (2) .

2 . الشموليّة والاستيعاب

إنّ الشّموليّة التي أضفاها علي ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة هي نفس الشمولية التي نزل بها القرآن ؛ لأنّ علياً والقرآن صنوان متلازمان لا يفترقان ( وإنّ الكتاب لمعي ، ما فارقته مذ صحبته ) (3) .

لذا عندما نقول : إنّ من الصّفات الثّقافية الّتي نشرها علي ( عليه السلام ) الشّمولية والاستيعاب ، فإنّ ذلك يعني أنّ من صفات القرآن الشمولية والاستيعاب ؛ لأنّ علياً هو القرآن الناطق ، والكتاب الكريم هو القرآن الصادق .

ــــــــــــــــــ

(1) إرشاد القلوب : 1/338 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 154 .

(3) نفس المصدر : الخطبة 122 .


الصفحة 143

قد يُستدرك بالسؤال من أين لعلي أن يكون رفيع الغاية وشامل الحَلَبة ؟

لقد رضع علي التقوى ، وزُقّ العلم من لدن أن كان صبياً ( وضعني في حجره وأنا ولد ، يضمّني إلى صدره ... يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ) (1) .

نعم يُرفع له ( عليه السلام ) كل يومٍ من أخلاق النّبي علماً ، وأفصح عن نوع هذه العلوم وتمامها وشمولها بقوله : ( تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ ، وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ ، وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الأَمْرِ ) (2) .

تكميلاً لِما تقدّم يظهر رأس العلّة في قول الإمام ( عليه السلام ) :

( سَلوني قبل أن تفقدوني ، فو الله ما من أرض مخصبة ولا مجدبة ، ولا فئة تضلّ مِئة أو تهدي مِئة ، إلاّ وأنا أعلم قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة ) (3) .

هذه الصفة في التسلّط العلمي تفرّد بها الإمام دون غيره ، ما أحد قال على المنبر سَلوني غير عليّ (4) .

الإمام ( عليه السلام ) بقوله : سلوني خلق نوعاً من التحدّي في الإجابة على أي سؤال يخطر في أذهانهم ، وحرّضهم على السؤال قبل أن يفقدوه ، وقبل فوات الفرصة ومرورها ، وحرّك  فيهم دواعي الاطّلاع والمعرفة ( والله لو شئت أن

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر الخطبة 192 .

(2) نفس المصدر الخطبة 119 .

(3) أمالي الطوسي : 58 .

(4) مناقب آل أبي طالب : 2/48 .


الصفحة 144

أخبر كلّ رجلٍ منكم بمخرجه وموْلِجه وجميع شأنه لفعلت ، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، أَلا وإنّي مفضيه إلى الخاصّة ممّن يُؤمن ذلك منه ) (1) .

( ولو تعلمون ما أعلم ممّا طُوي عنكم غيبُه ... ) (2) .

بعد هذا العرض المقتضب لمصدر ومنبع الشّمولية والاستيعاب والتسلّط العلمي عند الإمام ، نريد أن نعرف مدى العمل بهذه الصفة .

إنّ الرّوحية الإسلامية الواسعة الّتي تسع حتى غير المسلم وتستوعبه ، قد عمل بها الإمام ( عليه السلام ) وأوصى بها ( وأحسن إلى جميع النّاس كما تحّبّ أن يُحسن إليك ، وارضَ لهم ما ترضاه لنفسك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وحسّن مع جميع النّاس خلقك ) (3) .

( فإنّهم صنفان : إمّا أخٌ لك في الدّين ، أو نظير لك في الخلق ) (4) .

في هذه الفقرات يوصي الإمام بأن يكون التعامل حسناً وطيباً وشاملاً لجميع الناس ، ويأمر بتحسين الأخلاق مع كلّ النّاس ، وأن يكون هناك في المحبّة لهم واللّطف بهم ، وهذه الأخلاق الّتي يوصي بها الإمام تشمل حتى مَن كان لديه انتماء ديني آخر ، عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( ما هذا ؟

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 175 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 116 .

(3) نفس المصدر : الكتاب : 31 ، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/312 .

(4) نفس المصدر : الكتاب : 53 .


الصفحة 145

فقالوا : يا أمير المؤمنين نصراني قال : فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه ! أنفقوا عليه من بيت المال ) (1) .

يكرّر الإمام ( عليه السلام ) التذكير لمَن يتصدى المسؤولية ، أن يتجاوز الحدود والأُطر الضيّقة في المحبّة والكره من حدود نفسه وأسرته إلى عامّة الرعية ( وأحبّ لعامّة رعيتك ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك ، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك ، فإنّ ذلك أوجب للحجّة وأصلح للرعيّة ) (2) .

3 . القدرة والنفوذ

القدرة على ماذا والنفوذ في أي شيء ؟

إنّ القدرة على التّأثير في الآخرين من الصّفات التي تحلّت بها شخصية أمير المؤمنين ، الخطبة المسّماة الغرّاء شاهد على القدرة في التّأثير على النفوس ، فبعد أن تناول الإمام فيها صفات الله تعالى ، ووصّى الناس بالتّقوى ووصف لهم الدّنيا ، الموت والقيامة ، وطريق الاتّعاظ وعجائب صنع الله ، أنصت النّاس إلى خطبة الإمام بكلّ وجودهم ، وهو ما يكشف عن قدرته وتأثيره فيهم ، وفي الخبر أنّه لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود وبكت العيون ورجفت القلوب (3) .

قوة كلمات الإمام جعلت من النّاس يتفاعلون معها وينغمسون في بطونها ، ممّا جعلهم من شدّة الاستغراق فيها ، أن تفيض عيونهم وترجف

ــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام : 6/292 .

(2) أمالي الطوسي : 30 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 83 .


الصفحة 146

قلوبهم ، وهو ما يدلّ على مدى نفوذ كلماته ( عليه السلام ) في مسامع ضمائرهم ( ربّ قولٍ أنفذ من صَولٍ ) (1) .

إنّ النّفوذ في الخير وفي نفوس المؤمنين هو النفوذ الحقيقي ( أَلا وإنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه ) (2) .

قد نفذ أمير المؤمنين إلى معدن الخير والسّعادة ، حيث اليقين المبين ( لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً ) (3) .

ترتّب عليه أنّ تنفذ كلمات الإمام إلى أعماق الصّدور لإحيائها .

4 . الاعتدال والوسطية

ورد ذكر مفهوم الوسطيّة في القرآن في بعض الآيات الشريفة .

( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) (4) .

شبيه هذا المفاد القرآني في مراعاة الاعتدال قول علي ( عليه السلام ) :

( وإن جَهَده الجوع قعد به الضّعف ، وإن أَفَرط به الشّبع كظّته البِطنة ، فكلّ تقصيرٍ به مضرٌّ وكلّ إفراطٍ له مفسد ) (5) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الحكمة : 394 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 105 .

(3) كشف الغمة في معرفة الأئمة : 1/227 .

(4) الإسراء : 29 .

(5) نهج البلاغة : الحكمة 108 .


الصفحة 147

ذكر أيضاً مفهوم الاعتدال والالتزام به في القرآن زمن القرون الأُولى الّتي سبقت الإسلام .

( قُل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ وَلاَ تَتّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ ) (1) .

جاء ذكر الوسطية كذلك في الآية الكريمة .

( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (2) .

فالآيات الكريمة تأمر بالاعتدال والوسطية والاتزان ؛ خروجاً من فكّي الإفراط والتفريط اللّذين يعود سببهما إلى الجهل ( لا ترى الجاهل إلاّ مُفرطاً أو مفرّطاً ) (3) .

أفشى الإمام صفة الاعتدال والوسطية في غير واحد من أقواله .

( الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ ) (4) .

إنّ الإمام ( عليه السلام ) عمّم ثقافة الاعتدال وكرّرها كثيراً .

ليجعل النّاس على بصيرة في اختيار الطرّيق الوسط ، وقد حدّد الإمام

ـــــــــــــــــــ

(1) المائدة : 77 .

(2) البقرة : 143 .

(3) نهج البلاغة : الحكمة : 70/638 .

(4) نفس المصدر : الخطبة 16 .


الصفحة 148

لشيعته بعض الصّفات ؛ تجنيباً لهم من حالتي الإفراط والتّفريط .

( شيعتنا المتباذلون في ولايتنا ، المتحابّون في مودّتنا ، المتزاورون في إحياء أمرنا ، الّذين إن غضبوا لم يظلموا ، وإن رضوا لم يسرفوا ، بركةٌ على مَن جاوروا ، سِلمٌ لمَن خالطوا ) (1) .

بيّن الإمام صفة الوسيطة لأحد أصحابه ، دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) في نفرٍ من الشيعة وكنت فيهم ، فجعل الحارث يتأوّد (2) في مشيته ويخبط (3) الأرض بمِحجَنه ، (4) وكان مريضاً ، فأقبل عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ وكان له منه منزلة ـ فقال : ( كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال الدّهر يا أمير المؤمنين منّي ، وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك ، قال : وفيمَ خصومتهم ؟ قال : فيك وفي الثلاثة من قبلك ، فمن مفرطٍ منهم غالٍ ، ومقتصدٍ تال ومن متردّدٍ مرتاب ، لا يدري أَيقدم أَم يحجم ؟ فقال : حسبك يا أخا همدان ، أَلا إنّ خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي ) (5) .

كذا حذّر ( عليه السلام ) الناس من المبالغة في حدّي الإفراط والتفريط والوقوع في

ــــــــــــــــــ

(1) الأصول من الكافي : 2/236 .

(2) يتعوّج ويتثنّى .

(3) يضرب .

(4) عصا معقفة .

(5) أمالي الطوسي : 625 ، كشف الغمة في معرفة الأئمة : 1/544 ، مناقب الإمام علي بن أبي طالب : 2/271 ـ 283 .


الصفحة 149

الهلاك والضلال .

( سيهلك فيّ صنفان محبٌّ مفرطٌ يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ ، وخير النّاس فيّ حالاً النّمط الأوسط فالزموه ) (1) .

وقد يخامر العقل السؤال عن سبب التعبير بالنّمط الأوسط ؟

لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار ، والأوساط محميّة محوّطة .

منه قول الطائي :

كانت هي الوسطى المحمّي فاكتنفت       بها الحوادثُ حتى أصبحت طرفاً (2)

5 . الواقعيّة والمثاليّة

المقصود من الواقعيّة هي أن يكون تفكير الإنسان وأعماله التي ينشدها متناسبةً مع إمكاناته وطاقته وعمره القصير .

إنّ الواقعية قد أوضحها الإمام ببيان بليغ ( وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ ، فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ ، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ ، وَلا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ  ... وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ 

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 127 .

(2) الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة : 247 .


الصفحة 150

عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ... ) (1) ( ليس كلّ طالبٍ يُصيب ... ليس كلّ مَن رمى أصاب ... ) (2) .

فالطلّب الواقعي يراعى فيه جانب العقل والموضوعية حتى يكون سبيل إلى الحياة الطبيعيّة ، والطلب غير الواقعي لا يراعى فيه ذلك ، وعندها يجرّ الإنسان إلى دروب الحيرة والاضطراب ( ربّ طلبٍ قد جرّ إلى حرب ) .

أمّا المثالية فهي إحياء الحقّ عبر العمل به ، وإماتة الباطل من خلال رفضه .

ففي الوقت الّذي يعيش الإنسان بحياةٍ طيبة ، يكون همّه أيضاً إقامة دعائم الحقّ وأركانه ، وهدم قواعد الباطل وبنيانه ( فَلا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ ، بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ ، وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ ) (3) .

إنّ الواقعية والمثالية التي جاء بها علي ( عليه السلام ) تتماشى مع المتطّلبات الصّحيحة والفطرة الإنسانية ، وتحدو بالمسلم إلى مسالك الخير والصّلاح .

ــــــــــــــــــ

(1) الحمقى .

(2) نهج البلاغة : الكتاب 31 .

(3) نفس المصدر : الكتاب 66 .