الصفحة 151

 

 

الفصل الحادي عشر

 الإمام علي ( عليه السلام ) والحلول الثقافية

 

هناك بعض الأحداث الّتي وقعت في زمان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وارتضى لها حلاًّ أناخ فيها حكماً .

اختلفت الحلول الثقافية في عصر الإمام ( عليه السلام ) بحسب ما يقتضيه العلاج المناسب والسليم ، وربّما كانت هناك بعض الحلول الّتي ارتآها الآخرين في مقابل الحلّ الإسلامي الصّحيح .

والحلول الثقافية هي :

1 . الحل الاستئصالي

حينما تنفذ الحلول والحجج في إعادة الحقّ إلى نصابه وموضعه ، عند ذلك يختار الإمام ( عليه السلام ) الحلّ الاستئصالي  ؛ إزهاقاً للباطل ، واجتثاثاً لجذوره ( فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ وَنَاصِراً لِلْحَقِّ ) (1) .

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 22 .


الصفحة 152

طبّق الإمام هذا الحلّ بعد أن نفذت الخيارات السلمية بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين ، وطبّقه أيضاً مع الغلاة الّذين لم يرجعوا إلى التّوبة ، ومع النصارى الّذين أعلنوا الحرب ، ووقفوا بوجه الإسلام .

أتاه صلوات الله عليه قومٌ غَلوا فيه ، ممّن قدّمنا وصفهم واستزلال الشيطان إيّاهم ، فقالوا :

أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا ، ومنك مبدؤنا وإليك معادنا ، فتغيّر وجهه ( عليه السلام ) وارفضّ عرقاً ، وارتعد كالسّعفة ؛ تعظيماً لجلال الله ( عز جلاله ) وخوفاً منه ، وثار مغضباً ونادى بمَن حوله وأمرهم بحفير فحُفر وقال : لأشبعنّكم اليوم لحماً وشحماً ، فلمّا علموا أنّه قاتلهم ، قالوا :

لئن قتلتنا فأنت تحيينا ، فاستتابهم فأصّروا على ما هم عليه ، فأمر بضرب أعناقهم ، وأضرم ناراً في ذلك الحفير فأحرقهم فيه ، وقال ( عليه السلام ) :

لمّا رأيتُ الأمرَ أمراً منكرا      أَضرمتُ ناري ودعوتُ قنبرا (1)

قريب من هذه الرواية ما نقله ابن شهر آشوب في مناقبه في سبعين من الزط (2) الذين يدعونه إلهاً (3) .

الإمام ( عليه السلام ) تبرّأ من الغلاة ؛ لأنّهم فئة منحرفة ( اللّهمّ إنّي بريء من الغلاة

ــــــــــــــــــ

(1) دعائم الإسلام : 1/87 .

(2) الزط ـ جيل أسود من السند إليهم تنسب الثياب الزطية .

(3) مناقب آل أبي طالب : 1/325 .


الصفحة 153

كبراءة عيسى بن مريم من النّصارى ، اللّهمّ اخذلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً ) (1) .

كذا نفّذ الإمام الحلّ الاستئصالي في أحد النّصارى ممّن وقفوا بوجه الإسلام ، وأمر ـ علياً ـ بإحراق نصرانيّ ارتدّ فبذل أولياء النّصرانيّ في جثّته مِئة ألف درهم فأبى عليهم ، فأمر به فأُحرق بالنّار ، وقال : ( ما كنت لأكون عوناً للشيطان عليهم ولا ممّن يبيع جثّة كافرٍ ) (2) .

ممّا سبق نعرف أنّ الإمام لجأ إلى الحلّ الاستئصالي من أجل ؛ قلع جذور الانحراف أو الكفر .

2 . الحلّ الإبقائي

تجلّى هذا الحلّ بعد مجيء الإمام ( عليه السلام ) إلى الكوفة في 13 رجب سنة 36هـ ، حيث صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ووصّى النّاس بملازمة التقوى ، وطاعة الله ورسوله وأهل بيته ـ الذي هم أولى بالطاعة من المنتحلين المدّعين ـ ثمّ صوّب الإمام حديثه نحو القوم الذي قعدوا عن نصرته وتخلّفوا عن دعوته ، مستعتباً لهم وموضّحاً الحلّ معهم ( إنّه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زارٍ ، فاهجروهم وأَسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى ) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : 1/324 .

(2) دعائم الإسلام : 2/405 .


الصفحة 154

فقام إليه مالك بن حبيب التميميّ اليربوعيّ ـ وكان صاحب شرطته ـ فقال : والله ! إنّي لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلاً ، والله لئن أمرتنا لنقتلنّهم ، فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( يا مالك ، جزت المدى وعدوت الحدّ ، وأغرقت في النّزع ) (1) .

لقد اختار الإمام الحلّ الإبقائي ، بهجرهم وإسماعهم ما يكرهون بهدف إصلاحهم وعودتهم إلى الطّاعة .

رغم أنّ رئيس شرطته اختار حلاًّ حاسماً باستئصالهم ، إلاّ أنّ الإمام قد حلّ الأمر حسب المدى الشّرعي المتاح تطبيقه .

مرّة أخرى في وقعة صفين أراد أمير المؤمنين تطبيق الحلّ الإبقائي ـ بدعوة معاوية إلى الطّاعة والجماعة ـ قبل اللّجوء إلى الحلّ الاستئصالي ، إلاّ أنّ معاوية رفض ذلك ، ثمّ إنّ علياً دعا بشير بن عمرو بن مخصن الأنصاريّ وسعيد بن قيس الهمدانيّ وشبث بن ربعيّ التميميّ ، فقال : ( ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة ، فقال له شبث بن ربعيّ : يا أمير المؤمنين ! أَلا تُطمعه في سلطان تولّيه إيّاه ، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك ؟ فقال عليّ : ائتوه فالقوه فاحتجّوا عليه وانظروا ما رأيه ) (2) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يختار هذا الحلّ عندما يكون في البين أملاً في الإصلاح ومنفعة تعود للإسلام .

ــــــــــــــــــ

(1) المعيار والموازنة : 97 ، الفتوح : 2/348 ، أمالي المفيد / 127 .

(2) تاريخ الطبري : 3/76 .


الصفحة 155

3 . الحلّ الانتقائي

اتخذ الّذين اتّبعوا أهوائهم حلاًّ انتقائياً في علاج ما ينزل بهم من مهمّات ومبهمات ، فمالوا بالحقّ إلى آرائهم ، وأخذوا من كلٍّ ضِغث .

( فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ) (1) .

قد عمل بهذا الحلّ الانتقائي فريق ممّن نصّبوا أنفسهم للقضاء بين النّاس .

( جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ ) (2) .

إنّ الحلّ الانتقائي يورد الإنسان موارد الشّبهات ؛ لأنّه يعني العمل بفنون الاستدراك ، ( يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ ) .

4 . الحلّ التبعي

في عصر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يوجد نوعان من الحلول التبعيّة : الأوّل : اتّباع الإمام ( عليه السلام ) وما صدع به من الحقّ .

عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال للبراء

ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 50 ، المعيار والموازنة : 291 .

(2) نفس المصدر : الخطبة 17 .


الصفحة 156

بن عازب : كيف وجدت هذا الدّين ؟ قال : كنّا بمنزلة اليهود قبل أن نتّبعك ، تخفّ علينا العبادة ، فلمّا اتبعناك ووقع حقايق الإيمان في قلوبنا ، وجدنا العبادة قد تثاقلت في أجسادنا (1) .

إنّ اتّباع الإمام ( عليه السلام ) يعني اتّباع الله ورسوله ، ويترتب عليه أن يقود الإنسان إلى الصّراط المستقيم .

الثاني : اتّباع الشيطان والآباء والأسلاف ، ( إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ ) (2) .

قد زجّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بكثير من المفاهيم في سبيل الحؤول دون اتّباع خطوات الشّيطان ، عندما تعرّض لذكر طائفة من النّاس في اتّباعهم الأعمى ، راجياً حجزهم عن ذلك .

( اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأَمْرِهِمْ مِلاكاً ، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً ، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ ، وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ ، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ ) (3) ( أَو َلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ وَإِخْوَانَهُمْ وَالأَقْرِبَاءَ ، تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطَؤونَ جَادَّتَهُمْ ؟ ) (4) .

هذه التّبعيّة أَلهت القوم عن رشدهم وأبعدتهم عن حظّهم .

ــــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار : 1/252 .

(2) الزخرف : 23 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 7 .

(4) نفس المصدر : الخطبة 83 .


الصفحة 157

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (1) ، قالوا ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ) (2) .

هذا الحلّ قد أنس به معاوية : مستفيداً من تجربة أسلافه في الادّعاء والتّضليل ؛ ولذا وعظه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أن ينتفع بالنّظر الفاحص في شواهد الأمور .

( أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الأُمُورِ ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلافِكَ بِادِّعَائِكَ الأَبَاطِيلَ وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالأَكَاذِيبِ ) (3) .

نصح الإمام المسلمين من وطئ جادة الآباء ، ولم يبخل بالوعظ ـ كما عرفنا آنفاً ـ لأعدائه عن امتطاء سبيل الأسلاف .

5 . الحل التّأصيلي

هذا الحلّ يكون بإقامة السنّة ، حيث إنّ إرجاع الأحكام ـ في مختلف القضايا ـ إلى القرآن والسنّة الّتي عمل بها النّبي وأهل بيته كفيلان بحلّ جميع القضايا المستحدثة .

من هنا كان الإمام يحكم ويعمل بالسنّة ، معيداً لها اعتبارها وتأصيلها ، لا تجد علياً ( عليه السلام ) يقضي بقضاء إلاّ وجدت له أصلاً في السُنّة . قال : كان

ـــــــــــــــــ

(1) البقرة : 170 .

(2) المائدة : 104 .

(3) نهج البلاغة : الكتاب : 65 .


الصفحة 158

عليّ ( عليه السلام ) يقول : ( لو اختصم إليّ رجلان فقضيت بينهما قضاءً واحداً ؛ لأنّ القضاء لا يحول ولا يزول ) (1) .

إنّ إعادة تأصيل السُنّة ـ من قبل الإمام ـ شملت حتى أبسط الأوضاع والحركات العادية الّتي قد يكرّرها الإنسان في ركوبه أو سيره من دون أن يستند إلى السُنّة ، لكن علي ( عليه السلام ) بأفعاله علّمنا بأنّ سنّة النّبي موجودة وقائمة في كلّ وضع يتّخذه الإنسان ، حتى في حال ركوبه الدّابة أو وسيلة معيّنة ، وهو ما يعني أنّ السّنّة النبويّة الّتي خلّفها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وورّثها أهل بيته ( عليهم السلام ) تشمل كلّ مفردات وتفاصيل الحياة اليومية .

عن عليّ بن ربيعة الأسدي ، قال : ركب عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فلمّا وضع رجله في الركاب قال : ( بسم الله ، فلمّا استوى على الدابّة قال : الحمد لله الّذي أكرمنا وحملنا في البرّ والبحر ، ورزقنا من الطيبات وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلاً ، ( سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) (2) ثمّ سبّح الله ثلاثاً ، وكبّر الله ثلاثاً ثمّ قال : ربّ اغفر لي ، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت . ثمّ قال : فعل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) هذا وأنا رديفه ) (3) .

إنّ الاستناد إلى السُنة يعتبر أفضل حلّ في التعامل مع الأحداث اليومية .

ــــــــــــــــــ

(1) أمالي الطوسي : 64 .

(2) الزمر : 13 .

(3) أمالي الطوسي : 515 .


الصفحة 159

 

 

الفصل الثاني عشر

 الإمام علي ( عليه السلام ) والنتائج الثقافية

 

أفلحت جهود الإمام العظيمة في إحراز عدة نتائج ، وعلى أعداد قليلة من النّاس ، مضوا من الدّنيا إلى الفوز الأكبر ، وانقلبوا إلى رضوان الله ونعيمه ، فيما يلي النتائج الثقافية الّتي خلّفها جهاد علي ( عليه السلام ) :

1 . تحديد الحقوق والواجبات

وضع أمير المؤمنين العلامات الفارقة في تحديد ومعرفة الحقوق ، ونصبها أمام أعين النّاس ، ممّا سهّل للنّاس معرفة ما لهم وما عليهم ، فوزّع الحقوق كالآتي :

أ . حق الله تعالى : هذا هو الحقّ الأوّل الّذي على النّاس أن يعرفوه والّذي بصلاحه ، تصلح غيره من الحقوق المترشّحة عنه ( جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ ) (1) .

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة : 216 .


الصفحة 160

ب . حق الوالي : يعتبر هذا الحقّ من أعظم ما افترض الله سبحانه لبعض النّاس على بعض ( وأمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطّاعة حين آمركم ) (1) .

ج . حق الرّعية : أوضح الإمام حق الرّعية عليه ( فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيما تجهلوا ، وتأديبكم كيما تعلموا ) (2) .

إنّ أداء حقّ الرّعية وأداء حقّ الوالي ـ لكلّ على كلٍّ ـ هو في حقيقته يعود بالنفع على النّاس .

( فجعلها نظاماً لألفتهم وعزّاً لدينهم ، فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة ، فإذا أدّت الرّعية إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها ، عزّ الحقّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء ) (3) .

 إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أدّى حتى أبسط وأدقّ الحقوق إلى النّاس ، خرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على أصحابه وهو راكب ، فمشوا خلفه ، فالتفت إليهم ، فقال : ( لكم حاجة ؟ فقالوا : لا يا أمير المؤمنين ولكنّا نحبّ أن نمشي معك . فقال لهم : انصرفوا : فإنّ مشي الماشي مع الرّاكب مفسدة للرّاكب ومذلّة للماشي ) (4) .

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة : 34 ، سفينة البحار : 1/132 .

(2) نفس المصدر : الخطبة : 34 .

(3) نفس المصدر : الخطبة : 216 .

(4) مناقب آل أبي طالب : 2/120 .

الصفحة 161

إنّ تعريف النّاس بحقوقهم من قِبل مَن هو قائم على تولّي أمورهم ، يؤثّر إيجاباً في أن يلتفت النّاس إلى حقوقهم وحقوق الآخرين ، ويصبحون على بيّنة في علاقاتهم وارتباطاتهم على اختلافها .

( وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً ، وَلا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَلا تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ، ثُمَّ تَقُولَ عِبَادَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ ؛ لآخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لا فَلا تُرَاجِعْهُ ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ  أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ ) ، (1) هذا الرّفق واللّين واحترام حقوق النّاس هو طبيعة متأصّلة في ذات أمير المؤمنين ؛ لذا فهو يوصي عمّاله على الصّدقات بمراعاة ذلك .

د . حق الحيوان : أوصى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مَن استعمله على الصّدقات في رعاية حقوق الحيوانات ، في طريقة أَخذها وقَودها وإطعامها وإمهالها ، فطلب من أُمناء العمّال :

( أَلاّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا ، وَلا يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ [ فَيُضِرَّ ] ذَلِكَ بِوَلَدِهَا ، وَلا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً ، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وَبَيْنَهَا ، وَلْيُرَفِّهْ عَلَى اللاّغِبِ ، وَ لْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ  

ــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الكتاب : 25 .


الصفحة 162

مِنَ الْغُدُرِ ، وَلا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالأَعْشَابِ ) (1) .

إنّ توسيع الحقوق إلى غير النّاس يحمل معنىً أخلاقي كبير ، وهو أن يكون الإنسان بمنتهى الألفة والرّحمة مع كلّ الأشياء الّتي من حوله .

2 . تنضيج الإيمان والتقوى

عمل الإمام على إدخال النّاس في الطّريق العملي الّذي يحدث في النّفس ثورةً معنويةً .

 ( واستشعروا التّقوى شعاراً باطناً ، واذكروا الله ذكراً خالصاً ، تحيوا به أفضل الحياة ، وتسلكوا به طريق النّجاة ، انظروا في الدّنيا نظر الزّاهد المفارق لها ، فإنّها تزيل الثاوي (2) السّاكن ، وتفجع المترف الآمن ) (3) .

يسلك الإمام ( عليه السلام ) طريق آخر لإحداث التّنضيج المعنوي للإنسان .

( فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ ، شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ ، وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ ، وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لأَمَانِهِ وَ

ـــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) أي المقيم .

(3) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 1/53 .


الصفحة 163

تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ ) (1) .

( إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ ) (2) .

أثّرت هذه الطّرق العملّية وغيرها من التّعليمات العلوية في بعض الأصحاب مثل أُويس القرنيّ ـ الذي يعد من زهّاد الكوفة ـ (3) ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وهمّام بن شريح ، وعدد آخر ممّن آمن به ( عليه السلام ) .

همّام بن شريح كان عابداً وأراد الاستزادة وحظاً أوفر ممّا حظي به من التقوى ، فتوجه إلى مولى الموحّدين وسيّد المتقين ؛ ليصف له المتقين وليعرف ما قصر عنه شوقه ، فتثاقل ( عليه السلام ) عن جوابه ثمّ قال : يا همّام ، اتقِ الله وأَحسن فـ ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) فلم يقنع همّام بهذا القول حتى عزم عليه (4) .

شرع أمير المؤمنين بوصف المتقين وصفاً دقيقاً ضاق شوق همّام به ، وانحسر وعاؤه عنه ، وتقطّعت أنفاسه فيه ، فصُعق ميتاً .

خطبة المتقين حافلة بالأوصاف العذبة ، الّتي ينهل من معينها المؤمنين إلى يوم الناس هذا ، فضلاً عن يومها المشهود .

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة : 83 .

(2) نفس المصدر : الخطبة : 222 .

(3) البيان والتبيين : 3/193 .

(4) نهج البلاغة : الخطبة : 193 .


الصفحة 164

3 . تفعيل الرّقابة والنقد

الرقابة لها دور في رصد العيوب الّتي تقع من قِبل شخص معيّن أو مجموعة من النّاس .

إنّ رصد الأخطاء ونقدها يساعدان على عدم تكرارها أو التقليل من حصولها .

تنقسم الرّقابة إلى نوعين :

أ . رقابة ذاتية : هذه الرقابة مركزها الضمير الإنساني ، والذي يقوم بوعظ الإنسان نحو الأفعال الحسنة أو يزجره عن الأفعال السيئة ( وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظٌ ) (1) .

( مَن نظر في عيبِ نفسه ، اشتغل عن عيبِ غيرهِ ) (2) هذه الرقابة أهم من أختها الرقابة الأخرى .

ب . رقابة خارجية : هذه الرقابة قِوامها أفراد المجتمع ، حيث يقومون بدور الرّقيب والمتابع للأخطاء الّتي تصدر من قِبل الولاة أو العمّال أو العناصر الّتي لها دور في المجتمع .

ذكر الإمام هذه الرّقابة آملاً تفعيلها وتشجيع النّاس عليها ( ثمّ ليكن آثرهم عندكَ أقولَهم بمُرّ الحقّ لك ) (3) .

ـــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : 90/154 .

(2) نفس المصدر : الحكمة : 349 .

(3) نفس المصدر : الكتاب : 53 .


الصفحة 165

كما حثّ ( عليه السلام ) الناس على تفعيل الرقابة والنقد ؛ لأنّ بها قِوام حياة المجتمع وحيويته ( ولا تتحفّظوا بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيل لي والتماس إعظامٍ لنفسي ، فإنّه مَن استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يُعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه ، فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقٍ ) (1) .

مارس أمير المؤمنين ( عليه السلام ) النقد لبعض الناس ممّن .

( تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاّلٍ ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَقَوْلِ زُورٍ ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ ، يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ ، وَيَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ ) (2) .

في هذا النقد يُلاحظ بعد الاطّلاع على حقيقة أولئك المتشبّهين بأهل العلم ، وهو ما يشير إلى دور الرّقابة في رصد ومتابعة التصّرفات المختلفة .

يُلاحظ أيضاً تصعيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من شدّة النّقد لهم ( فالصّورة صورة إنسانٍ والقلب قلب حيوانٍ ) ؛ لأنّهم يُعتبرون عناصر هدم في المجتمع .

تقييماً لِما تقدّم نعرف أنّ الإمام( عليه السلام ) قام بتفعيل الرقّابة والنقد وإحياء دورهما بين النّاس ؛ لأنّ في ذلك إنعاشاً للحق والعدل .

ــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة : 216 .

(2) نفس المصدر : الخطبة : 87 .


الصفحة 166

4 . إيجاد الجرأة والشجاعة

غرس الإمام بذور الحقّ في صدور قومٍ مؤمنين ، فأنبتت الجرأة والشجاعة ، فهو القائل : ( والله ، لو تظاهرت العرب على قتالي لَما ولّيت عنها ) (1) هذا الكلام يكشف مدى الثّبات والشّجاعة التي يمتلكها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

إنّ هذه القوّة نواتها الإيمان الرّاسخ ؛ لأنّ الشجاعة يغلبها الجمع إذا فقدت الأساس الذّي يستند عليه وهو الإيمان .

من أجل ذلك أصدر الإمام توصيته لابنه محمد بن الحنفية أن يولي عنصر الإيمان بالله وبنصره كامل اعتماده ( أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ ، تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ ، وَغُضَّ بَصَرَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ) (2) .

هذه المفاهيم العلوية في إيجاد الشجاعة أينعت ثمراتها على مواقف النّاس عند صدورها ، أو بعد خلافته ( عليه السلام ) ، فيروى أنّ سودة بنت عمارة الهمدانيّة دخلت على معاوية بعد موت علي ( عليه السلام ) ، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيّام صفّين وآل أمره إلى أن قال : ما حاجتك ؟

قالت : إنّ الله سائلك عن أمرنا وما أفترض عليك من حقّنا ، ولا يزال يقدم علينا من قبلك مَن يسمو بمكانك ويبطش بقوّة

ـــــــــــــــــــ

(1) المصدر : الكتاب : 45 .

(2) نفس المصدر : الخطبة : 11 .


الصفحة 167

سلطانك ، فيحصدنا حصيد السُنبل ، ويدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف ، هذا بسر بن أرطأة قَدِم علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعةٌ ، فإن عزلته شكرناك ، وإلاّ كفّرناك .

فقال معاوية : إياي تهدّدين بقومك يا سودة ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب (1) أشوش (2) فأردّك إليه فينفذ فيك حكمه ، فأطرقت سودة ساعة ثمّ قالت :

صلّى الإله على روحٍ تضمّنها     قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفوناً

 قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلاً    فصار بالحقّ والإيمان مقروناً

 فقال معاوية : مَن هذا يا سودة ؟ قالت : والله هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) (3) .

أيضاً حديث الزرقاء بنت عدي الهمدانية يشهد بالشجاعة لها وبموالاتها لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بعد أن أتى بها معاوية من الكوفة إلى الشّام ، قام بعملية استجواب لها .

أتدرين فيماذا بعثت إليك ؟

قالت زرقاء : وأنّى لي بعلم الغيب ! فقال معاوية : أَلستِ الراكبة الجمل الأحمر ، الواقفة بين الصفين في يوم كذا وكذا تحرضّين على

ـــــــــــــــــ

(1) رحل صغير يُشد على البعير .

(2) كثير الحركة .

(3) الفتوح : 3/89 ، كشف الغمة في معرفة الأئمة : 1/174 ، جواهر المطالب : 2/251 .


الصفحة 168

الحرب وتقولين كيت وكيت ؟ قالت بلى ، قد كان ذاك .

قال معاوية : فما الذي حملك على ذلك ؟ قالت حسبك يا أمير المؤمنين ! فقد مات الرأس وبقي الذَنَب ولن يعود ما ذهب ، والدهور عجب ولا يعتب مَن عتب ، ومَن تفكّر أبصر والزمان ذو غِير ، والأمر يحدث بعده الأمر .

فقال معاوية : لله أنتِ يا زرقاء ، فهل تحفظين كلامك بصفين ؟ فقالت : لا والله ما أحفظه ، وإنّما كان ذلك تحريضاً نطق به اللسان ، فقال معاوية : لكنّي والله أحفظه عليك حتى ما يشذّ عليّ منه شيء ، والله يا زرقاء ! لقد شاركت علياً في كلّ دم سفكه بصفين ، فقالت الزرقاء : أحسن الله بشارتك ، وأدام سلامتك فمثلك بشّر بخير .

فقال معاوية : أَوَ يسرّك ذلك يا زرقاء ؟

فقالت : نعم والله سرّني وأنّى لي بتصديق ذلك ! ثمّ قال : والله يا زرقاء ! إنّ وفاءكم لعليّ بعد موته لأعجب من محبّتكم له في حياته (1) .

فهذا عدي بن حاتم الطائي يرد على استجواب معاوية بمنتهى الجُرأة والشجاعة ، فيسأله معاوية .

أبا طريف ! ما الّذي أبقى لك الدّهر من ذكر علي بن أبي طالب ؟ فقال عدي : وهل يتركني الدّهر أن لا أذكره ! قال : فما الذي بقي في قلبك من حبّه ؟ قال عدي : كلّه وإذا ذكر ازداد ، فقال معاوية : ما أريد

ـــــــــــــــــــ

(1) الفتوح : 3/144 ، العقد الفريد : 1/337 .


الصفحة 169

بذلك إلاّ إخلاق (1) ذِكره ، فقال عدي : قلوبنا ليست بيدك يا معاوية :

فضحك معاوية ثمّ قال يا معشر طي ! إنّكم مازلتم تشرفّون الحاجّ ولا تعظّمون الحرم ، فقال عدي : إنّا كنا نفعل ذلك ونحن لا نعرف حلالاً ولا ننكر حراماً ، فلمّا جاء الله عزّ وجل بالإسلام ، غلبناك وأباك على الحلال والحرام ، وكنّا للبيت أشدّ تعظيماً له (2) .

ممّا تقدم يتّضح أنّ الإمام خلّف في نفوس الناس المحبّة له والشجاعة في مواجهة أعدائه .

5 . تنمية روح التّضحية والشّهادة

لا ينكر أحد من الناس شجاعة الإمام ( عليه السلام ) وحبّه للقتال في سبيل الله ، والحصول على وسام الشهادة وكرامتها ، وهو القائل ( والله لابن أبي طالبٍ آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه ) (3) .

فما هذا الشوق الذي يدفع بعلي ( عليه السلام ) إلى أن يأنس بالموت ؟ وأي تأثير عميق تتركه هذه الكلمات على النّاس عندما يرون قائدهم يتقدم ويهتف بهذا الشوق نحو الشهادة ؟

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أثبت حقيقة صدقه بهذا الأنس والشوق إلى الشهادة ، فعندما ضربه ابن ملجم المرادي ، صدعت كلمات شوقه وانفجرت ينابيع

ـــــــــــــــــ

(1) إنهاء وإفساد .

(2) نفس المصدر : 3/134 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة : 5 .


الصفحة 170

شغفه ( فزتُ وربّ الكعبة ) (1) .

كان الإمام ( عليه السلام ) قد عمل على تنمية روح التضحية ، ومحاربة روح الخذلان والخمود ، وخطبة الجهاد مفعمة بالحماس والإقدام نحو التضحية .

(  فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ ، وَشَمِلَهُ الْبَلاءُ وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْهَابِ ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ .... ) (2) .

بعد أن أنهى الإمام خطبته ، بدا واضحاً تأثيرها في إيقاد روح التضحية ؛ حيث قام إليه رجلٌ من الأزد يقال له : حبيب بن عفيف آخذاً بيد ابن أخٍ له يقال له : عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف ، فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بباب السّدّة ثمّ جثا على ركبتيه وقال : يا أمير المؤمنين ! ها أنا ذا لا أملك إلاّ نفسي وأخي ، فمرنا بأمرك ، فو الله لننفّذَنّ له ، ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا حتى ننفّذ أمرك أو نموت دونه ، فدعا لهما بخير وقال لهما : أين تبلغان ممّا نريد ؟ (3) .

ـــــــــــــــــ

(1) أنساب الأشراف : 3/250 .

(2) نهج البلاغة : الخطبة : 27 .

(3) الغارات : 2/477 .

الصفحة 171

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يريد أن يحيي النّفوس من خلال تنمية حبّ الجهاد والشهادة ؛ لأنّ ذلك يترك أثراً إيجابياً  ، وهو خدمة الإسلام والدّفاع عن الحقّ ووجوده بين النّاس .

فسلامٌ على عليّ ( عليه السلام ) يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً .

 

والحمد لله ربّ العالمين


الصفحة 172 


الصفحة 173