في ذكرى زواج أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة (عليهما السلام)

نداء من أجل وعي إسلامي معاصر بمسألة الزواج

 

(المهندس غريبي مراد عبد الملك)

 

 

نستهلّ مقالنا بكلمة وردت عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام):((عليكم في طلب الحوائج بشراف النفوس ذوي الأصول الطيبة، فإنّها عندهم أقضى و هي لديهم أزكى)).

ليس غريباً كلّ ذلك الكمّ الهائل من المقالات و التقارير التي تعجّ بها صفحة المحليات في الصحف العربية، و المجلات الإسلامية، و المواقع الإلكترونية، من صفحات ثقافية، أو إخبارية، أو منتديات، ناهيك عن الدراسات السوسيولوجية التي تطالعنا بحيثيات المجتمع المهدد بالجامعات الحديثة، أو مراكز الدراسات المستحدثة في عالمنا العربي، و تقارير الأمم المتحدة حول التنمية، و حقوق الإنسان في العالم العربي ، هذه العبارة-المجتمع المهدد- التي كنّا نسمع عنها في كتابات الباحثين الاجتماعيين الغربيين، وصلتنا ذات يوم في حاويات كوكا كولا، و بابسي، في خضمّ حرب الخليج الثانية، وهاهي قد نمت و شبّت في عمقنا الإجتماعي...

قد يبدو للقارئ أنّ هناك شيء من المبالغة في توصيف حالنا الاجتماعي العربي و الإسلامي، لكن بنظرة بسيطة و صادقة تتجلى لنا كل عناوين الضمور الاجتماعي و التقهقر الأسري ، يكفينا أن نجول في أزقة مدن بلادنا العربية، و سنرى بأمّ أعيننا مدى الوضاعة والانشطار الاجتماعي الحاصل، بالكاد مرد هذه الحال هو التربية و السياسة، و الثقافة و الاقتصاد، و كلّ ما هنالك من مشاكل نتداو لها بفخر و اعتزاز، و بسجع أدبي و مقابلات فنية تقتل الفعالية في داخلنا بدلاً أن ترقى بالعقل الإيماني فينا لفعل الواجبات الثقافية، و السياسية و الاجتماعية، والاقتصادية و الحضارية أجمع التي تنتشل مجتمعاتنا العربية و الإسلامية من مجال الخطر المحدق بها...

و في طليعة هذه المشاكل يأتي الفجور والفحشاء و المنكر، وما هنالك مما تترفع عنه أبسط النظم الإنسانية دون الحديث عن التشريعات الدينية السماوية، وبخاصة التشريعات الإسلامية التي نتشدق بالانتماء إليها و التدين بها، ليس هناك متسع للحديث عن مواقع هذا كله لأننا نعرف بلداننا جيداً و ندرك تمام الإدراك مناشئ هذا الواقع الإسلامي كله...

و غالبا ما نتهم الأنظمة الحاكمة على رقابنا بحبل المودة السياسية، حيث أنّه بالفعل هناك نسبة لا بأس بها من ضلوع هذه الأنظمة في إنتشار هذه الأوبئة الاجتماعية، من زنا، و فجور، وتفكك أسري، و عنف أسري، و عصيان اجتماعي، و فحشاء و منكر، لكن هذا لا يعني أننا ملائكة ليس فينا نقص و كلنا أتقياء، بل الحقيقة أنّ هذا الواقع حصل و تأصل من جراء غرورنا الديني، وكبريائنا الاجتماعي، و التاريخي، و جبننا السياسي، الذي صنع هذه الأنظمة ومكّنها منّا، حيث أنكرنا الفضائل بتشبتنا بالتخلف الذي زينّاه بأهوائنا، و نصّعناه بكذبنا، و طغياننا فأنتجنا منه ثقافة تبريرية نتوسلها في كلّ أزمة من أزماتنا المتعددة التي من كثرة إجترارها نسينا بعضها، فكان واقعنا مصداقاً للتخلف المثقف الذي يدافع عن الذات الصغيرة، و يقتص من الذات الكبيرة ، إمّا بالكلام أو بالإرهاب الأسري، و الثقافي و السياسي، و الاقتصادي، و محصّلة هذا كلّه أن باتت الأسرة كخلية للمجتمع خربة لا تصلح ، معطلة و متناثرة الأعضاء في فضاء التخلف الإنساني الغالب على أفرادها...و أصبحت تعمل عكس الهدف الذي أسست لأجله وبدأت تضر الكيان الاجتماعي بدلا عن إحيائه...

وبالرغم من كلّ هذا الواقع المأساوي إلاّ أنّ في الغالب الأعمّ من أفرادنا قابلية للانسجام مع الفساد كله، و قلّة قليلة هي التي تجدها قابعة في أرصفة الوعي تنتظر بزوغ شمس التغيير، وفي ظلّ هذا الركام الأزماتي، لا خلاص لنا سوى محاولة العودة إلى الذات العاقلة في منظومتنا الثقافية الإسلامية، التي من شأنها بعث إشراقة إصلاحية لما فسد في كيان الأسرة (خط الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان، و آخر القلاع و الحصون لحماية ما تبقى للبشرية من قيم الفضيلة و الصلاح) . و عندما نقول الأسرة فهذا يعني قضية الزواج كروح لكيان الأسرة، و الذي لا يقوم على أساس مادي و مصلحي، بلّ على أسس إنسانية تأتي في مقدمتها دعامتين وردتا في القرآن الكريم المودة و الرحمة حيث قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )(الروم/ 21)، و هاتين الدعامتين لن تتحقق إلاّ في حال تفكر واستوعب الإنسان المسلم (ذكر و أنثى) آية الخلق وهدفية الزوجية في جنسه، و سعى لها في سبلها السليمة، دون أن نغفل عن توجّه الخطاب في الآية للقوم... ثم إنّ طبيعة الأسرة ، تتلخص في كونها مصنع معنوي أو فضاء معنوي بقدر ما اتّسم هذا الفضاء بإيجابية المعنويات كان الثراء المعنوي لأفراده وزيادة الحصاد القيمي، و استهداف الخير، و الصلاح، كما أنّ العكس يتمثل في سيطرة الماديات على هذا الفضاء و تحلل عراه المعنوية المقصودة للاستثمار و الإنماء، بالإضافة إلى انتفاء المقياس القيمي المعنوي في التواصل بين أفرادها في ظل الإندفاع المادي داخلها...

و البديهي بالنسبة لنا كمسلمين هو ضرورة الزواج كمفاعل اجتماعي، و كمغذي للصحة الإجتماعية، لكنّ هذا المعطى النظري يبقى حبيس الترف الثقافي كما سبق، و أن لمحنا لبعض حالنا في مدخل المقال، وعليه هناك ناقوس خطر يدق بالنسبة لشبابنا و شاباتنا في ظل هذا الانحراف الاجتماعي، مما يستدعي من ذوي الحكمة من رجال الدين و خطباء المساجد و الحسينيات ومدراء المؤسسات الخيرية، و أهل القدرة السياسية، والإقتصادية الوقوف بحزم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تقع الفؤوس الكارثية على الرؤوس...

و لأنّ الإسلام أكّد في العديد من نصوصه سواءً القرآنية أو الحديثية، ونوّه على التكفل بهذا المطلب الاجتماعي، ثقافياً و سياسياً و اقتصادياً نظراً لمدى حساسيته و خطورته في حال الغفلة عن مضاعفاته...و بالرغم من وجود بعض النقاشات حول مسألة استحباب الزواج ، إلاّ أننا بالنظر للواقع الاجتماعي الإسلامي، نجد أنفسنا مطالبين بفتح المجال الثقافي واسعاً بخصوص مسألة الزواج في إطارها الإستحبابي الذي يستوحى منه الوجوب لأنّ هناك قاعدة أصولية تقول : حيثما وجدت المصلحة فثمّة شرع الله، أي المصلحة العامة والمباحة، وفي نظركم أحبتي أي مصلحة أعظم من مصلحة الاستقرار الاجتماعي، و الصحة الإجتماعية للمسلمين، و دون التكلف في الاستدلال حول وجوب تسهيل الزواج على شبابنا المسلم، ألم نقرأ أو نسمع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ما بني في الإسلام بناء أحبّ إلى الله عزّوجلّ وأعزّ من التزويج))، فتقصير معظم شبابنا المسلم اليوم في الزواج، مردّه ليس ذاتياً كما نتصور، و لكنّه سوسيو ثقافي-سياسي- إقتصادي، و قد عدد الإمام المجدد رضوان الله عليه في كتابه (كيف نزوج العازبات جلّ المثبطات التي حالت دون بلوغ مسألة الزواج مستوى الآلية الإجتماعية لدى المسلمين المعاصرين، أي سعي المجتمع لتزويج الشباب بمجرد بلوغ مرحلة النضوج الفكري، و النفسي، تفادياً لمضاعفات سيكولوجية، و إجتماعية تورث المجتمع وهنا على وهن نذكرها بإختصار و لمن شاء التفصيل الرجوع للكتاب :

1-إلغاء إباحة الأرض

2-إلغاء الأمّة الواحدة

3-إلغاء الأخوة الإسلامية

4- القيود القانونية المفتعلة

5- البطالة...

و هناك أسباب أخرى جعلت من مسألة الزواج أمراً صعباً ضمن مخططات العمل الصالح في مجتمعاتنا الإسلامية، أو كملف الشرق الأوسط، على حد قول الخطيب العلامة الشيخ عبد الحميد المهاجر، فنلاحظ بعض الأشخاص يزورون الأماكن المقدسة سواءً بيت الله الحرام للحجّ والعمرة كلّ عام أو زيارة مراقد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و السفريات الإستجمامية لبلاد أروبا، و جنوب شرق آسيا، و الولايات المتحدة الأمريكية، أحياناً ثلاث مرات في السنة، لكّنهم أبداً لم يفكروا في السعي لتزويج شاب، أو تأسيس جمعية خاصة لتزويج الشباب ، بالإضافة إلى عدم حصول مبادرة لتأسيس صندوق عالمي إسلامي لتزويج الشباب، كمدخل لمواجهة مخاطر اضمحلال هذه السنة المؤكدة، ثمّ الطامة الكبرى في تشدد الآباء و الأمهات، في التضييق على الشاب الذي يتقدم لخطبة بنتهم، دون التركيز على مقاييس القبول و الرفض، فدائماً إمّا المال أو الجاه، يأتي في صدارة استمارة التزويج لدى الوالدين، أمّا الدين فأمر ثانوي، إلاّ من رحم ربي من المؤمنين الملتزمين و مرتكزين في حياتهم على شرع الله و سنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و الله تبارك وتعالى يقول: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )(النور/32) و بخصوص هذه الآية يقول العلامة سماحة الشيخ حسن الصفار في كتابه القيم (الزواج أغراضه و أحكامه): (وأنكحوا)أي زوجوا، و هو خطاب للمجتمع بأن يزوجوا العزاب، حيث لم يخاطب العزاب هنا بأن يتزوجوا ، و إنمّا خاطب الناس أن يزوجوهم...ذلك أنّ الزواج –غالبا- ليس قضية فردية، يقوم بها الطرفان المعنيان فقط، بمعزل عن الإرتباطات و التأثيرات الإجتماعية، كسائر الأمور من بيع، و شراء و إجارة...بل هو مسألة لها أبعادها و ارتباطاتها المؤثرة، و المتأثرة بأكثر من جانب إجتماعي. كما أنّ من يريد تأسيس حياته العائلية، وخاصّة لأول مرة، قد يحتاج إلى دعم وعون مادي و معنوي، لمساعدته على إنجاز هذه المهمة و إنجاحها...و الأيامى جمع أيم على وزن قيم وتعني الإنسان الذي لا زوج له ، رجلاً كان و إمرأة ، و إن كان قد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته، و في المرأة إذا مات زوجها، لكنّها كما نصّ عليها اللغويون: تشمل كلّ ذكر لا أنثى معه، و كلّ أنثى لا ذكر معها بكراً أو ثيباً...)

و هناك رائعة من روائع السيرة النبوية العظيمة، لعلّها من القصص المألوفة التي وردت في سياقات الحديث عن عظمة خلق النبي الأكرم(صلى الله عليه و آله) و سياساته الاجتماعية العظيمة،إنّها قصّة الصحابي الجليل جويبر: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة منه له ورقّة عليه، فقال له:(( يا جويبر لو تزوّجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك)).

فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي من يرغب فيّ؟ فوالله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال! فأيّة امرأة ترغب فيَّ؟

فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): ((يا جويبر-لنسبح قليلاً في رحاب بحر هدي النبي (صلى الله عليه و آله) قليلا لعلّنا نستذكر بعض جواهر الإسلام الثمينة، التي نفتقدها في وسط أمواج الدنيا المتلاطمة- إنّ الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً، وأعزّ بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً، وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها، فالناس اليوم كلّهم أبيضهم وأسودهم وقرشيّهم وعربيّهم وأعجميّهم من آدم، وإنّ آدم خلقه الله من طين، وإنّ أحبّ الناس إلى الله عزوجل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم، وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلاً إلاّ لمن كان أتقى لله منك وأطوع.

ثمّ قال له: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد، فإنّه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم، فقل له: إنّي رسول رسول الله إليك وهو يقول لك: زوّج جويبر ابنتك الذلفاء.

قال: فانطلق جويبر برسالة رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى زياد بن لبيد وهو في منزله وجماعة من قومه عنده، فاستأذن، فأُعلم، فأذن له وسلّم عليه، ثمّ قال: يا زياد بن لبيد: إنّي رسول رسول الله (صلى الله عليه و آله) إليك في حاجة فأبوح بها أم أسرّها إليك؟

فقال له زياد: بل بح بها فإنّ ذلك شرف لي وفخر.

فقال له جويبر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول لك: زوّج جويبراً ابنتك الذلفاء.

فقال له زياد: أرسول الله أرسلك إليّ بهذا؟

فقال له: نعم ما كنت لأكذب على رسول الله(صلى الله عليه و آله) .

فقال له زياد: إنّا لا نزوّج فتياتنا إلاّ أكفاءنا من الأنصار، فانصرف يا جويبر حتّى ألقى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره بعذري.

فانصرف جويبر وهو يقول: والله ما بهذا نزل القرآن ولا بهذا ظهرت نبوّة محمّد(صلى الله عليه و آله) .

فسمعت مقالته الذلفاء بنت زياد وهي في خدرها، فأرسلت إلى أبيها، ادخل إليّ.

فدخل إليها.

فقالت له: ما هذا الكلام الذي سمعته منك تحاور به جويبراً؟

فقال لها: ذكر لي إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) أرسله، وقال: يقول لك رسول الله(صلى الله عليه و آله) : زوّج جويبراً ابنتك الذلفاء.

فقالت له: والله ما كان جويبر ليكذب على رسول الله(صلى الله عليه و آله) بحضرته فابعث الآن رسولاً يرد عليك جويبراً.

فبعث زياد رسولاً فلحق جويبراً، فقال له زياد: يا جويبر مرحباً بك، اطمئن حتّى أعود إليك.

ثمّ انطلق زياد إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال له: بأبي أنت واُمّي إنّ جويبراً أتاني برسالتك، وقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول لك: زوّج جويبراً ابنتك الذلفاء، فلم ألن له في القول، ورأيت لقاءك، ونحن لا نزوّج إلاّ أكفاءنا من الأنصار.

فقال له رسول الله(صلى الله عليه و آله) : -إليكم المعيار أيها الآباء و أيتها الأمهات -((يا زياد جويبر مؤمن، والمؤمن كفؤ للمؤمنة، والمسلم كفؤ للمسلمة، فزوّجه يا زياد ولا ترغب عنه)).

قال: فرجع زياد إلى منزله ودخل على ابنته، فقال لها ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه و آله).

فقالت له: إنّك إن عصيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) كفرت، فزوّج جويبراً.-فماذا بعد؟-

فخرج زياد فأخذ بيد جويبر، ثمّ أخرجه إلى قومه، فزوّجه على سنّة الله وسنّة رسوله وضمن صداقها.

قال: فجهّزها زياد وهيئوها ثمّ أرسلوا إلى جويبر فقالوا له: ألك منزل فنسوقها إليك؟

فقال: والله ما لي من منزل.

قال: فهيئوها وهيئوا لها منزلاً وهيئوا فيه فراشاً ومتاعاً، وكسوا جويبراً ثوبين، واُدخلت الذلفاء في بيتها واُدخل جويبر عليها معتمّاً، فلمّا رآها نظر إلى بيت، ومتاع، وريح طيّبة قام إلى زاوية البيت فلم يزل تالياً للقرآن راكعاً وساجداً حتّى طلع الفجر، فلمّا سمع النداء خرج وخرجت زوجته إلى الصلاة فتوضّأت وصلّت الصبح.

فسُئلت: هل مسّك؟

فقالت: ما زال تالياً للقرآن وراكعاً وساجداً حتّى سمع النداء فخرج.

فلمّا كانت الليلة الثانية فعل مثل ذلك.

وأخفوا ذلك من زياد.

فلمّا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك.

فاُخبر بذلك أبوها، فانطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله(صلى الله عليه و آله) أمرتني، بتزويج جويبر، ولا والله ما كان من مناكحنا، ولكن طاعتك أوجبت عليّ تزويجه.

فقال له النبي (صلى الله عليه و آله):((فما الذي أنكرتم منه؟

قال: إنّا هيّأنا له بيتاً ومتاعاً، وأدخلت ابنتي البيت وأدخل معها معتّماً، فما كلّمها ولا نظر إليها ولا دنا منها، بل قام إلى زاوية البيت فلم يزل تالياً للقرآن راكعاً وساجداً حتّى سمع النداء فخرج، ثمّ فعل مثل ذلك في الليلة الثانية، ومثل ذلك في الليلة الثالثة ولم يدن منها ولم يكلّمها إلى أن جئتك، وما نراه يريد النساء، فانظر في أمرنا؟

فانصرف زياد وبعث رسول الله(صلى الله عليه و آله) إلى جويبر فقال له: أما تقرب النساء؟

فقال له جويبر: أو ما أنا بفحل؟ بلى يا رسول الله إنّي لشبق نهم إلى النساء.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): قد خبّرت بخلاف ما وصفت به نفسك، قد ذكروا لي أنّهم هيّئوا لك بيتاً وفراشاً ومتاعاً وأدخلت عليك فتاة حسناء عطرة، وأتيت معتمّاً فلم تنظر إليها ولم تكلّمها ولم تدن منها، فما دهاك إذن؟

فقال له جويبر: يا رسول الله دخلت بيتاً واسعاً، ورأيت فراشاً ومتاعاً وفتاة حسناء عطرة، وذكرت حالي التي كنت عليها، وغربتي وحاجتي وضيعتي، وكينونتي مع الغرباء والمساكين، فأحببت إذ أولاني الله ذلك أن أشكره على ما أعطاني، وأتقرّب إليه بحقيقة الشكر، فنهضت إلى جانب البيت فلم أزل في صلاتي تالياً للقرآن راكعاً وساجداً أشكر الله حتّى سمعت النداء فخرجت، فلمّا أصبحت رأيت أن أصوم ذلك اليوم ففعلت ذلك ثلاثة أيّام ولياليها، ورأيت ذلك في جنب ما أعطاني الله يسيراً ولكنّي سأرضيها وأرضيهم الليلة إن شاء الله.

فأرسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى زياد فأتاه فأعلمه ما قال جويبر فطابت أنفسهم قال: ووفى لها جوبير بما قال.

ثمّ إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج في غزوة له ومعه جويبر فاستشهد (رض)، فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها بعد جويبر). نعم هكذا زوّج رسول الله (صلى الله عليه و آله) العازبات والعزاب، حسب قانون الأخوة الإسلامية - الكلام للإمام المجدد(ض) - .

وعلى صعيد الزمن الإسلامي الذي نستوحي منه إشراقات الرسالة لنضيء بها ظلام واقعنا، هناك ذكرى جليلة ومهمة جداً، قد لا ينتبه إليها برحابة و تفكّر الكثير من المسلمين المعاصرين، و بخاصة إخواننا السنّة، رغم أنّها آية من آيات الله اللطيفة، التي تغني الحراك الإسلامي العام في تقريب أسس التشريع، و مناهجه ومقاصده، وهي زواج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) و فاطمة الزهراء(عليها السلام) الذي يزاحمنا كذكرى منيرة تركز فينا الإسلام منهج وثقافة حياة، و الحري بنا في مثل هذه المناسبات ليس إطلاق الكلمات والمدائح، بل التذكر و الإبداع، و التعاون بروح ولائية صادقة في تجلياتها لإصلاح واقعنا وفق الأنوار البهية الساطعة، من هذه المناسبة الإسلامية العظيمة و قادمة لنا من التاريخ المجيد. ونقرأ تاريخ زواج الصديقين العظيمين (عليهما السلام) لا لنستغرق، بل لنبعث الحياة الطيبة من حولنا كما وعينا معنى الحياة الكريمة عند أهل البيت (عليهم السلام)، زواج بركته كانت باهتمامه و إنشغاله بحمل الرسالة، و تحقيق أحكام الإسلام، بحيث كانت الأسرة العظيمة عبر الزمن الإسلامي كله، لأنّ أفرادها كانوا عظماء ليس بالجاه، و المال ولا النسب –كما جاء في أحاديث الأئمة (عليهم السلام) لمّا سئلوا عن كثرة عبادتهم وهم ذرية النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله)- لكن بقيم الإسلام السمحة، والتقوى الرسالية و الثقافة القرآنية، و العصمة المهداة.

وبعد هذا يستطيع المجتمع الإسلامي، ولا سيما أفراده الذين يريدون أن يجعلوا الحياة في خدمة الدعوة الإسلامية وفي خدمة التبليغ، الإقتداء بسيرة هذا البيت الطاهر، بيت فاطمة و علي الذي أنجب للأمة الإسلامية سبطي الرحمة و أئمة الهدى (عليهم السلام) . وإنني أرجو لكلّ المؤمنين والمؤمنات، ولكلّ العاملين في سبيل الإسلام والمسلمين، أن يسهموا في إيجاد بيوت طاهرة تنجب للأمة الإسلامية قادة متقين صادقين؛ وعلى كلّ الشباب أن يتذكّر زواج أمير المؤمنين و فاطمة الزهراء (عليهما السلام) و يتدارسوه بعمق و إيمان و ولاية مفعمة، بالمعرفة الدقيقة بأهله، لينجح في مسؤوليته الرسالية النابعة من عمق وعيه بالنهج الإسلامي الحضاري...