أميرالمؤمنين (ع) بطل الحرب والسلام

السيد هاشم الهاشمي

 

البحث الذي قدمه السيد هاشم الهاشمي إلى المؤتمر الإسلامي العالمي السنوي الأول في محافظة البصرة الذي كان شعاره

( من الإمام علي (ع) نستلهم ثقافة التعايش والوئام)

والذي أقيم من الفترة ( 13- 15 تموز- يوليو 2008)الموافق 9 - 11 رجب 1429 هـ على قاعة المركز الثقافي النفطي .. والذي تزامن انعقاده مع الأيام المباركة لولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم من الأولين والآخرين.

من أخطر أنواع قراءة الدين أن نجعل تفسير الدين خاضعا لمؤثرات ظرفية مؤقتة فإذا ما تبدلت وجاءت ظروف أخرى استبدلنا الدين بدين آخر معاكس للسابق، وقد غدا كثير من الناس بسبب هذا الإخضاع يعيشون الحيرة في معرفة الدين.

وخطورة مثل هذه القراءة أنها تعطي نظرة أحادية للدين تخدم مشروعا سياسيا أو كيانا أو حزبا، فمن يريد تعميم القتال خدمة لأغراض أو تصورات خاصة به يسقط وجود قراءة للدين لا تلتزم بالقتال، وتجده يعبئ الشارع لاتخاذ قرار القتال مهما كانت نتائجه، ويرى كل من لا يتفق معه في رؤيته إما خائنا عميلا أو جاهلا مغررا به.

ولعل الأخطر في مثل هذه النظرة أنها تكون خاضعة لمصالح تخدم هذا الكيان أو هذا التكتل، وهي مصالح تراعي وجود ذلك الكيان والتكتل وبقاءه قويا ولو على حساب آهات الآخرين وآلامهم، لينعم بالراحة بينما يعيش الآخرون العناء والبلاء.

وحيث أنني لا أريد أن أقع في نفس المستنقع الذي وقع فيه أولئك ولا أتجه نحو منزلق خطير في قراءة الدين في موضوع بحثي الصغير المتعلق بموقف أشجع رجل عرفه التاريخ الإسلامي أي أمير المؤمنين (ع) فإنني أحب أن أؤكد بداية على أن هناك وللأسف من أراد للدين أن لا يعرف لغة القوة وأن يكرس فكرة أن ليس في الدين إلا السلام فقط، فهو يرفض فكرة ظهور الإمام المهدي المنتظر ليملأ الأرض قسطا وعدلا بالقوة والسلاح لأن قطار العولمة يقول أن أي استعمال للقوة مرفوض، وإن روايات الإمام المهدي عليه السلام تعطي انطباعا عن شخص يسفك الدماء، وكل سفك للدماء فهو مساو للإرهاب!! وهو يرفض أحكام الإعدام بحق القتلة والمجرمين لأنها تتنافى مع مفهوم الغرب لحقوق الإنسان!!

ولا أريد أن أتحدث عن عشرات المفارقات التي تحصل داخل هذا القطار حيث يقوم المروجون له بالقتل وسفك الدماء ويريدون لمن في داخله أن يقتنع بالإلتزام بأفكارهم المناهضة للقوة!!

إن الدين الإسلامي الذي فسره لنا أهل البيت (ع) له سعة تشمل حالات وأحكاما متنوعة كثيرة، وليس بينها أي تناقض وتناف لأنها جاءت لموضوعات متباينة ومتفاوتة في العناوين القائمة بها.

ولكننا نستطيع القول وبكل ثقة أن الأصل في تبليغ الدين ليس هو القتال ولا التخويف بالسلاح، وهذه سيرة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ماثلة بين أيدينا، وإذا ما استخدمت القوة والسلاح فلكي تكون في خدمة حفظ المجتمع من خطر الإفتتان في مسألة المعتقد والدين، قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" (البقرة/193)، ولكي يرفع الظلم عن المظلومين، قال تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" (الحج/39)، ولكي يعود الظالم الباغي إلى أمر الله عز وجل والحق، قال تعالى: "فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"(الحجرات/9).

فالغرض من الحرب والقتال – إذا ما توفرت شروطه – هو دفع الظلم وإسقاط الفتنة في أمر الدين والرجوع إلى الحق وليس الحرب وقتل الأشخاص والتشفي بإزهاق الأرواح والقتال من أجل القتل.

نعم هناك جانب مرتبط بشخصية صاحب الذكرى أمير المؤمنين (ع) أوجب الحيرة لكل العقلاء والباحثين والمحللين، وهذا الجانب لا يمكن إنكاره، وهو أنه صلوات الله عليه قد اجتمعت فيه الأضداد ورحم الله صفي الدين الحلي حين يقول:

جمعت في صفاتك الأضداد * فلهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع * ناسك فاتك فقير جواد

خلق يخجل النسيم من اللطف * وبأس يذوب منه الجماد

شيم ما جمعن في بشر * قط ولا حاز مثلهن العباد

ولكن هذا الجانب الخفي من شخصية أمير المؤمنين (ع) فوق مستوى إدراكنا ولسنا بقادرين على إدراك ظواهره فضلا عن أعماقه، فلنيمم شطرنا نحو ما تناقلته كتب الحديث والتاريخ عن موقفه من الحروب.

 

مراحل حياة أميرالمؤمنين (ع)

لقد مر أمير المؤمنين (ع) منذ ولادته في بيت الله وقبلته الكعبة المشرفة وحتى شهادته في بيت الله في الكوفة بثلاثة مراحل أساسية، وهو تقسيم مبني على مسألة مشاركاته في الحروب والقتال.

 

المرحلة الأولى: منذ الولادة وحتى وفاة الرسول (ص)

وكان في هذه المرحلة أول من آمن وأسلم، والفدائي المضحي بنفسه، وسيد الميدان الذي تهتز لاسمه قلوب أعدائه، وهو الشخص الذي لم يستطع أحد من أعدائه وما أكثرهم أن يأتوا بشاهد واحد يغمز في شخصيته أو يذكروا مثلبة تطعن في واحدة من مناقبه وخاصة بطولاته وشجاعته، ولا أجد أفضل من أترك الكلام لأمير المؤمنين (ع) ليحدثنا عن نفسه في هذا الجانب.

يقول سلام الله عليه:

أ - «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (ص) أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجدة أكرمني الله بها». (نهج البلاغة الخطبة 197)

ب - «والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها». (نهج البلاغة الكتاب 45)

ج - «إني لم أفر من الزحف قط، ولم يبارزني أحد إلا سقيت الأرض من دمه». (الخصال ص580)

د - «أنا قاتل الأقران ومجدل الشجعان، أنا الذي فقأت عين الشرك وثللت عرشه، غير ممتن على الله بجهادي، ولا مدل إليه بطاعتي، ولكن أحدث بنعمة ربي». (شرح نهج البلاغة 20/296)

هـ - «إن أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله». (نهج البلاغة الخطبة 123)

و - «إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت، وإني من ضلالهم الذي هم فيه والحق الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي». (نهج البلاغة الكتاب62)

ز - ويروي السيد ابن طاووس بسنده عن أمير المؤمنين (ع) قال: «إن رسول الله لما فتح مكة أحب أن يعذر إليهم وأن يدعوهم إلى الله عز وجل أخيرا كما دعاهم إليه أولا، فكتب إليهم كتابا يحذرهم بأسا وينذرهم عذاب ربه، ويعدهم الصفح ويمنيهم مغفرة ربه، ونسخ لهم أول سورة براءة لتقرأ عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضي إليهم، فكلهم يرى فيهم التثاقل (وأمير المؤمنين يحكي عن غيره، وإلا لم يشهد التاريخ موردا واحدا تثاقل فيه عن التضحية) فلما رأى ذلك منهم ندب إليهم رجلا ليتوجه به، فهبط إليه جبرائيل (ع) فقال: يا محمد إنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، فأنبأني رسول الله (ص) ذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفت، ليس منهم من أحد إلا أن لو قدر أن يضع على كل جبل مني إربا (أي عضوا) لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله، فأبلغتهم رسالة النبي (ص) وقرأت كتابه عليهم، وكل يلقاني بالتهديد والوعيد ويبدي البغضاء ويظهر لي الشحناء من رجالهم ونسائهم، فلم يثنيني ذلك حتى نفذت لما وجهني رسول الله (ص).» (إقبال الأعمال ص626 طبعة دار الحجة للثقافة/ قم، الطبعة الأولى 1418هـ)

 

المرحلة الثانية: منذ وفاة الرسول (ص) وحتى بيعة الناس له

وهي مرحلة جحود حق أمير المؤمنين (ع) في الخلافة، ذلك الجحود الذي نبه إليه رسول الله (ص) فيما رواه الحاكم النيشابوري بسند صححه ووافقه الذهبي على تصحيحه عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «إن مما عهد إلي النبي (ص) أن الأمة ستغدر بي بعده». (المستدرك 3/140)

وهذه المرحلة تعد مرحلة عصيبة وحساسة يصفها أمير المؤمنين (ع) في مواضع متعددة بأوصاف متعددة ذات مضمون واحد، وهو أنه اختار السلام وعدم القتال من أجل الدين.

أ - يقول صلوات الله عليه حينما جاء إليه أبو سفيان يدعو إلى بيعته بعد أن تمت البيعة لأبي بكر:

«أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه.

فإن أقل يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب لآنس بالموت من الطفل بثدي أمه». (نهج البلاغة الخطبة 5)

ب - ويقول في خطبته الشقشقية:

«وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا». (نهج البلاغة الخطبة3)

ج - وقال في كتابه إلى أهل مصر:

«فلما مضى عليه السلام لسبيله تنازع المسلمون الأمر من بعده (ص) .....، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن دين الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه». (نهج البلاغة الكتاب62)

د - وروى السيد ابن طاووس عن رسائل الكليني، عن علي بن إبراهيم، بإسناده قال: كتب أمير المؤمنين (ع) كتابا بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس، وذكر الكتاب وهو طويل، وفيه:

«وقد كان رسول الله عهد إلي عهدا فقال: يا بن أبي طالب لك ولاء أمتي، فإن ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك مخرجا فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن الهلاك، ولو كان لي بعد رسول الله (ص) عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها». (كشف المحجة ص180)

هـ - وروى الطبرسي عن الإمام الكاظم (ع)، عن أبيه الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، أن أمير المؤمنين (ع) قال في خطبة له:

«ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين (عليهم السلام) ثم رددت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط: سلمان وعمار والمقداد وأبو ذر، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله، .......، والذي بعث محمدا (ص) بالحق لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهطا لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري». (الاحتجاج 1/450 ح104)

و - وروى الشيخ الصدوق بسند صحيح عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (ع) قال:

«إن عليا لم يمنعه من أن يدعو الناس إلى نفسه إلا أنهم أن يكونوا ضلالا لا يرجعون عن الإسلام أحب إليه من أن يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفارا كلهم». (علل الشرائع ص150 ح10)

ز - وروى عبد الله بن أحمد بسند رجاله ثقات – باعتراف الهيثمي – عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:

«قال رسول الله (ص) إنه سيكون بعدي اختلاف وأمر فإن استطعت أن تكون السلم فافعل». (مجمع الزوائد 7/234، ورواه البزار برقم 3270).

 

المرحلة الثالثة: منذ تصديه لخلافته بعد بيعته وحتى شهادته

وتميزت هذه المرحلة بإشغاله من قبل خصومه وحاسديه والطامعين في الملك والجاهلين بموقعه من الدين بخلافات وحروب، وقد عرف المحاربون له باسم البغاة، إذ ينطبق عليهم هذا الوصف بناء على ما يراه الشيعة والسنة معا، أما عند الشيعة فلأن الإمامة تثبت بالنص، وأمير المؤمنين (ع) منصوص عليه من قبل النبي (ص) بالإمامة، وهؤلاء محاربون للإمام المنصوص عليه والمفترض طاعته على العباد، فهم بغاة، وعند أهل السنة المثبتين للخلافة بالشورى والبيعة فإن البيعة قد تمت له عليه السلام، فيكون محاربوه من الباغين.

وقد انقسم البغاة عليه إلى ثلاثة أصناف، وهم الناكثون والقاسطون والمارقون، وتسميتهم مأخوذة من قول رسول الله (ص) وكما دلت عليه كتب الحديث عند أهل السنة والشيعة.

فقد روى البزار بسندين وأحدهما رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد، وقد وثقه ابن حبان، عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «عهد إلي رسول الله (ص) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين». (مجمع الزوائد 7/238)

وروى الشيخ الصدوق بسند صحيح عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال لأم سلمة:

«يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وهو عيبة علمي، وبابي الذي أؤتى منه، وهو الوصي بعدي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أمتي، وأخي في الدنيا والآخرة، وهو معي في السنام الأعلى.

اشهدي يا أم سلمة واحفظي: إنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين». (علل الشرائع ص64 ح3)

وقد اتخذ أمير المؤمنين (ع) في محاربيه موقفا كان قد تلقاه من رسول الله (ص)، وأسس في هذا المجال فقها تشهد كتب أهل السنة قبل الشيعة بأن الفضل في معرفة أحكام البغاة تعود إليه صلوات الله عليه.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الصادق (ع) فيما رواه عنه الشيخ الطوسي بسند صحيح عند جمع من علمائنا كالمجلسي والمامقاني:

«كان في قتال علي (ع) على أهل القبلة بركة، ولو لم يقاتلهم علي (ع) لم يدر أحد بعده كيف يسير فيهم». (تهذيب الأحكام 6/145 ح250/5، وطريق الشيخ في الرواية إلى الصفار، وسند الصفار إلى الإمام الصادق (ع) صحيح عند جمع من علمائنا كالمجلسي والمامقاني (في الحسن بن الحسين اللؤلؤي)، فقد روى عن الحجال، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد الله (ع)، وراجع ملاذ الأخيار 9/386، ورجال المجلسي ص186 رقم468، ونتائج تنقيح المقال ص35 رقم2518).

 

حروب أمير المؤمنين (ع) ومبدأ التعايش

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تهافتا بين التحدث عن مبدأ التعايش في فكر أمير المؤمنين (ع)، وبين الحروب التي قام بها ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، فإن القتال يقع في الطرف الآخر من التعايش، إذ القتال يعني استحقاق الآخر للموت والتعايش يعني استحقاقه للحياة، ولكن هذا التهافت الصوري سيزول فيما لو كانت حروبه صلوات الله عليه من أجل أن يستقر الخير والسلام والأمن، ولكي يعود البغاة إلى جادة الصواب والحق، قال تعالى: "فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" (الحجرات/9)، وفيما لو كانت الخيار الأخير الذي وضعه فيه خصومه فيه، وهو لن يتوانى عن خوضها وهو سيد الحروب وفارسها إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، وفيما لو علمنا أن أمير المؤمنين (ع) كان ساعيا – وكما تدل عليه الأدلة والشواهد - إلى تقليل القتل إلى أقل حد ممكن وإعطاء حق العيش للآخرين خلال الحرب.

ولو تأملنا في مواقف أمير المؤمنين (ع) وكلماته لوجدنا أنها تعزز ما أشرنا إليه وتبين وبكل وضوح مقاصد الخير في حروبه، ويتجلى الأمر أكثر لو لاحظنا مواقفه قبل الحرب وأثنائها وبعدها، سواء فيما دعا إليه صلوات الله عليه من شروط وأحكام ملزمة أو من آداب ندب إليها، فإن الدين الإسلامي لم يقم على ملاحظة الإلزامات فقط، فالآداب والأخلاق لها حكم المكمل للواجبات والمحرمات بحيث لولاها لأضحت تعاليم الدين فاقدة للروح المحركة لها.

 

توجيهات وتعاليم ما قبل حالة الحرب

وأهم ما يمكن ملاحظته من مواقف أمير المؤمنين (ع) وتوجيهاته قبل الحرب فيما يعزز مبدأ التعايش يتمثل في النقاط التالية:

1 – إنه يرفض مبدأ سفك الدم بغير وجه حق ويؤصل لحرمة دم المسلميقول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر:

«إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدنى لنقمة وأعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله». (نهج البلاغة الكتاب53)

وأضاف ابن شعبة الحراني بعده مقطعا آخر وهو:

«فإياك والتعرض لسخط الله، فإن الله قد جعل لولي من قتل مظلوما سلطانا، قال الله تعالى: "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا" (الإسراء/33). »(تحف العقول ص146)

وهذا يعني أن أمير المؤمنين (ع) في قتاله لأهل القبلة لم يسفك دما حراما، بل كان ملتزما بعهد رسول الله (ص) له بقتال البغاة عليه، وهم مستحقون للقتال بذلك.

2 – إن أمير المؤمنين (ع) كان من الدعاة إلى الصلح إن كان في ذلك رضا الله عز وجل.

فهو يقول في عهده إلى مالك الأشتر:

«لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا، فإن الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب لتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن». (نهج البلاغة الكتاب53)

وهو دليل آخر على أنه صلوات الله عليه تابع لرضا الله عز وجل في الحرب والسلم، وأنه ما كان يقدم على الحرب إذا كان هناك للصلح مجال ويكون لله سبحانه وتعالى رضا.

3 – فتح الباب مشرعة لإعطاء الأمان لأي واحد من المسلمين.

وهو ما يساهم في التخفيف من حدة القتال وشدته، فقد روى الكليني بسند صحيح عند جمع من علمائنا كالسيد الخوئي والعلامة المامقاني (في مسعدة بن صدقة) عن الإمام الصادق (ع) قال:

«إن عليا أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون، وقال: هو من المؤمنين». (الكافي 5/31)

ويقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

«إذا أومأ أحد من المسلمين أو أشار بالأمان إلى أحد من المشركين فنزل على ذلك فهو في أمان». (دعائم الإسلام 1/378، عنه مستدرك الوسائل 11/45 ح12391)

ويقول (ع):

«إذا أومأ أحد من المسلمين إلى أحد من أهل الحرب فهو في أمان». (النوادر للراوندي ص32، والجعفريات ص81 عنه مستدرك الوسائل 11/46 ح12394)

وأشار بعض فقهاء الإمامية إلى أن هذا الحق يكون ثابتا لآحاد الكفار والأعداء، أما حق إعطاء الأمان للعموم فهو من مختصات وصلاحيات الإمام المعصوم (ع).

قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"ويجوز للإمام ونائبه الذمام لأهل الحرب عموما وخصوصا، ولآحاد المسلمين العقلاء البالغين ذمام آحاد المشركين لا عموما، وكل من دخل بشبهة الأمان رد إلى مأمنه". (إرشاد الأذهان 1/344)

4 – تحريمه الغدر ونكث عهود الأمان المعطاة للخصوم

وهذا يقوي بطبيعة الحال حالة الاستقرار والأمن المتفشي بسبب عهد الأمان والصلح، كما أنه لا يسمح بأي خروقات - وتحت غطاء القضاء على الخصم - قد تعيد حالة الحرب والقتال، فإن الوفاء بالعهد أهم من أي انتصار ظاهري يتم من خلال الحرب.

يقول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر:

«وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله سبحانه شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفريق أهوائهم وتشتيت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود.

وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر (أي وجدوها وبيلة أي وخيمة مهلكة)، فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن (تنقضن) بعهدك ولا تختلن (تخدعن) عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي.

وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال (إفساد) ولا مدالسة (خيانة) ولا خداع فيه، ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن القول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله فيه طلبته لا تستقبل فيها دنياك ولا آخرتك». (نهج البلاغة الكتاب 53، مستدرك الوسائل 11/43 ح12378، ورواه القاضي النعمان بألفاظ مقاربة في دعائم الإسلام 1/368).

 

شروط القتال والتضييق من فرصها

وإذا ما جئنا إلى كلمات أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم، ومن بعدهم أعلام الشيعة الإمامية ومواقفهم فيما يرتبط بالأوضاع التي تكون أثناء الحرب فإن المتابع يلاحظ التشدد الكبير في الشروط المطلوبة لجهاد الكفار والبغاة، وهي شروط تصعب من فرص القتال والحروب، وتصب في خانة السير نحو السلام وتكون في نهاية المطاف مسخرة في خدمته.

وأود التنبيه هنا أن بعضا مما سأنقله من روايات قد وقعت موضعا للبحث والاجتهاد من قبل العلماء، كما أن بعضا مما سأنقله من كلمات الفقهاء الأعلام قد وقع فيها النقاش والرد ولكن ليس الغرض من هذه المقالة المختصر تسجيل نقاط الاختلاف ولا التوسع فيها فإن هذا خارج عن طاقتي ولا تسمح به الحال أيضا، بل الغرض هو الاستشراف على شيء من مواقف أمير المؤمنين (ع) – باعتبار أن المؤتمر المبجل قائم على اسمه الشريف وإلا فنور أهل البيت (ع) واحد - معززة بكلمات أعلام الطائفة بما ينفع للإشارة إلى وجود أدلة وشواهد استند إليها في مقام إثبات التضييق على فرص القتال.

ومن أهم تلك الشروط:

1 – عدم الجهاد الابتدائي تحت أية راية بل خصوص راية الإمام العادل أو نائبه.

روى الشيخ الصدوق بسند صحيح عند جمع من علمائنا كالسيد الخوئي (في القاسم بن يحيى) عن الإمام الصادق (ع) قال: حدثني، عن جدي، عن آبائه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع):

«لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء ما أمر الله عز وجل، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معينا لعدونا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية». (الخصال ص625 ضمن حديث الأربعمائة، علل الشرائع ص464)

وروى عماد الدين الطبري بسنده عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين (ع) قال:

«يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، ونفل إلا مع إمام فاضل، يا كميل لو رأيت لو أن الله لم يظهر نبيا وكان في الأرض مؤمن تقي أكان في دعائه إلى الله مخطئا أو مصيبا، بلى والله مخطئا حتى ينصبه الله عز وجل لذلك ويؤهله». (بشارة المصطفى ص29، عنه مستدرك الوسائل 11/33 ح12362).

وهذه المسألة من الأمور المسلمة لمن يلاحظ كلمات الفقهاء، وقد تناولوا حجية الجهاد الابتدائي من قبل النائب عن المعصوم (ع) في عهد الغيبة، ورأي المشهور هو عدم المشروعية.

أما الجهاد الدفاعي للعدو الغاشم فهذا مما لا خلاف في صحته ووجوبه عند التمكن من غير توقف على الإذن.

قال سلار الديلمي المتوفى سنة 463 هـ:

"فأما الجهاد فإلى السلطان أو من يأمره إلا أن يغشى المؤمنين العدو فليدفعوا عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وهم في ذلك مثابون: قاتلهم ومقتولهم، جارحهم ومجروحهم". (المراسم ص261)

2 – حرمة الشروع في القتال حتى تلقى الحجة على الخصم

إذ المطلوب الأساسي هو رفع الشبهة الموجبة لاعتقاد الخصم بوجوب القتال، ومحاولة ثنيه عن خوض القتال تجنبا لسفك الدماء وآثارها على المجتمع.

ويمكن أن يستند للقول بحرمة الشروع في القتال من دون إلقاء الحجة والدليل على الخصم نصوص عديدة، منها:

أ - روى الكليني بسند صحيح عند جمع من علمائنا (في النوفلي) عن الإمام الصادق (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع):

«بعثني رسول الله إلى اليمن وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي». (الكافي 5/28 ح4)

ب - روى الحميري بسند معتبر عند بعض فقهائنا (كالمامقاني في محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار) عن حنان بن سدير، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

«إن عليا (ع) يوم البصرة لما صف الخيول قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله عز وجل وبينهم، فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون علي جورا في حكم؟ قالوا: لا، قال: فحيفا في قِسم؟ قالوا: لا، قال: فرغبة في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم بيعتي؟ قالوا: لا، قال: فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم؟ قالوا: لا، قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث! إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلا الكفر أو السيف.

ثم ثنى إلى صاحبه فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون"(التوبة/12).

فقال أمير المؤمنين (ع): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة واصطفى محمدا بالنبوة إنهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت». (قرب الإسناد ص96 ح327، ورواه العياشي في تفسيره 2/219 ح1790/23 طبعة مؤسسة البعثة قم)

ج - وروى القاضي النعمان عن أمير المؤمنين (ع) قال:

«لا يغز قوم حتى يدعوا، يعني إذا لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن بلغتهم الدعوة وأكدت الحجة عليهم بالدعاء فحسن، وإن قوتلوا قبل أن يدعوا وكانت الدعوة قد بلغتهم فلا حرج، وقد أغار رسول الله (ص) بني المصطلق وهم غارون فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم ولم يدعهم في الوقت، وقال أمير المؤمنين (ع): قد علم الناس ما يدعون إليه». (دعائم الإسلام 1/369، عنه مستدرك الوسائل 11/30ح12358)

د - وعنه (ص): «أن النبي بعثه وجها، ثم قال لرجل: إلحقه ولا تدعه من خلفه، فقل إن النبي (ص) يأمرك أن تنتظره، وقل له: لا تقاتل قوما حتى تدعوهم». (كنز العمال 4/479 ح11428)

هـ - روى الكليني عن أمير المؤمنين (ع) أنه خطب يوم الجمل، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«أيها الناس إني أتيت هؤلاء القوم ودعوتهم واحتججت عليهم فدعوني إلى أن أصبر للجلاد وأبرز للطعان، فلأمهم الهبل، وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب، أنصف القارة من راماها، فلغيري فليبرقوا وليرعدوا فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم، وبذلك القلب ألقى عدوي وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر، وإني لعلى يقين من ربي وغير شبهة من أمري.

أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص، ومن لم يمت يقتل، وإن أفضل الموت القتل، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراش». (الكافي 5/53 ح4)

و - وروى البيهقي بإسناده أن أمير المؤمنين (ع) حين صف جنده يوم الجمل نادى في الناس: لا «يرمين رجل بسهم ولا يطعن برمح ولا يضرب بسيف، ولا تبدؤوا القوم بالقتال، وكلموهم بألطف الكلام».

فلما تعالى النهار نادى القوم بأجمعهم: يا ثارت عثمان، فسأل ابنه محمد بن الحنفية عما يقولون فلما أخبره بما قالوا، رفع يديه بالدعاء وقال: «اللهم كب اليوم قتلة عثمان لوجوههم». (سنن البيهقي 8/180)

ويؤكد مضمون النصوص السابقة ضمنا كلمات جمع من أعلام الطائفة المحقة، قال الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ:

"فكل موضع حكم بأنهم بغاة لم يحل قتالهم حتى يبعث الإمام من يناظرهم ويذكر لهم ما ينقمون منه، فإن كان حقا بذله لهم، وإن كان لهم شبهة حلها، فإذا عرفهم ذلك فإن رجعوا فذلك، وإن لم يرجعوا إليه قاتلهم لأن الله تعالى أمر بالصلح قبل الأمر بالقتال، فقال: فأصلحوا بينهم فإن بغت فقاتلوا، ثبت أنهم لا يقاتلون قبل ذلك.

وروي عن علي عليه السلام أنه لما أراد قتال الخوارج بعث إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم، فلبس حلة حسنة ومضى إليهم، فقال: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته فاطمة، وقد عرفتم فضله، فما تنقمون منه؟ قالوا: قلنا حكم في دين الله، وقتل ولم يسب، فإما أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي، إذا حرمت أموالهم حرمت دماؤهم، والثالث محا اسمه من الخلافة.

فقال ابن عباس: إن خرج عنها رجعتم إليه؟ قالوا: نعم، قال ابن عباس: أما قولكم: حكم في دين الله، تعنون الحكمين بينه وبين معاوية، وقد حكم الله في الدين، قال: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها"، وقال: "يحكم به ذوا عدل منكم" فحكم في أرنب قيمته درهم، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى، فرجعوا عن هذا.

قال: وأما قولكم: كيف قتل ولم يسب، فأيكم لو كان معه فوقع في سهمه عائشة زوج النبي (ص)، كيف يصنع؟ وقد قال الله عز وجل: "ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا"، قالوا: رجعنا عن هذا.

قال: وقولكم: محا اسمه من الخلافة، تعنون أنه لما وقعت الموافقة بينه وبين معاوية كتب بينهم : "هذا ما واقف أمير المؤمنين على معاوية" قالوا له: لو كنت أمير المؤمنين ما نازعناك، فمحا اسمه، فقال ابن عباس: إن كان محا اسمه من الخلافة فقد محا رسول الله (ص) اسمه من النبوة لما قاضى (ص) سهيل بن عمرو بالحديبية، كتب الكتاب علي: "هذا ما قاضى عليه رسول الله سهيل بن عمرو" فقال: إنه لو كنت رسول الله ما خالفناك، فقال النبي (ص) لعلي: امحه فلم يفعل، فقال لعلي: أرنيه فأراه فمحاه النبي عليه وآله السلام باصبعه؟ فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة ألف لم يرجعوا فقاتلهم علي (ع) فقتلهم.

فثبت أنهم لا يبدءون بالقتال حتى يعرض عليهم الإجابة، كمن لم يبلغه الدعوة". (المبسوط 7/265)

وقال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"و(يحرم) القتال دون الدعاء إلى شعائر الإسلام من الإمام ونائبه لمن لا يعرفه". (تلخيص المرام ص80)

وقال أيضا:

"مسألة 248: قد بينا أنه ينبغي للإمام وعظ أهل البغي وأمرهم بالطاعة لتكون كلمة أهل الدين واحدة، فإن امتنعوا آذنهم بالقتال، فإن طلبوا الإنظار بحث الإمام عن حالهم واجتهد، فإن عرف عزمهم على الطاعة وطلب الإنظار لحل الشبهة أنظرهم، وإن ظهر له أنهم يقصدون استلحاق مدد لم ينظرهم". (تذكرة الفقهاء 9/425).

3 – عدم البدء بالقتال:

وهو من الآداب حتى بعد إلقاء الحجة، فإنه سيظهر وبشكل أوضح الراغب في العدوان والتجاوز على الحقيقة والأنفس المحرمة.

ويشهد لهذا المعنى عدة نصوص:

أ - روى الكليني ونصر بن مزاحم (والنص للثاني) عن جندب قال: إن عليا كان يأمرنا في كل موطن لقينا مع عدوه، يقول:

«لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجته، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم». (الكافي 5/38 ح3، وكتاب صفين ص204، عنه مستدرك الوسائل 11/86 ح12481).

ب - وروى الكليني عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:

«وإذا لقيتم هؤلاء القوم غدا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فإذا بدؤوا بكم فانهدوا إليهم وعليكم السكينة والوقار، ....... ومن ألقى إليكم السلم فاقبلوا منه». (الكافي 5/41 ح4).

ج - وروى البيهقي أيضا عن أبي بشير الشيباني في قصة حرب الجمل، قال: فاجتمعوا بالبصرة، فقال أمير المؤمنين (ع): «من يأخذ المصحف ثم يقول لهم: ما تنقمون تريقون دماءنا ودماءكم؟ فقال رجل: أنا يا أمير المؤمنين (ع)، فقال: إنك مقتول، فقال: لا أبالي، قال: خذ المصحف، فذهب إليهم فقتلوه، ثم قال من الغد مثل ما قال بالأمس، فقال رجل: أنا، قال (ع): إنك مقتول كما قتل صاحبك، قال: لا أبالي، فذهب فقتل، ثم قتل آخر، كل يوم واحد، فقال أمير المؤمنين (ع): قد حل لكم قتالهم الآن». (سنن البيهقي 8/181).

4 – عدم الشروع في القتال حتى تزول الشمس:

وهو من الآداب التي دعا إليها أمير المؤمنين (ع)، قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"وتستحب المرابطة وإن غاب الإمام، ..... والقتال بعد الزوال". (تلخيص المرام ص80)

وقال أيضا:

"ويكره الإغارة ليلا، والقتال قبل الزوال اختيارا". (إرشاد الأذهان 1/344)

وقال الشهيد الثاني المتوفى سنة965هـ:

"ويكره التبييت والقتال قبل الزوال لغير حاجة". (فوائد القواعد ص461)

ومستند هذا الاستحباب وما يقابله من الكراهية ما رواه الشيخ الصدوق بسند صحيح عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (ع) قال:

«كان علي (ع) لا يقاتل حتى تزول الشمس، ويقول: تفتح أبواب السماء، وتقبل التوبة، وينزل النصر، ويقول: هو أقرب إلى الليل، وأجدر أن يقل القتل، ويرجع الطالب، ويفلت المهزوم». (علل الشرائع ص603 ح70، ورواه الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ثم باقي السند وبنص مقارب، فراجع الكافي 5/28 ح5)

وإن نفس العلة المذكورة في كلامه صلوات الله عليه كافية في بيان مدى حرصه على تجنب القتل قدر الإمكان.

5 – وضع شروط خاصة للبغاة:

وتلك الشروط المستفادة من سيرة أمير المؤمنين (ع) تؤكد تضييق دائرة القتال أكثر، قال الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ:

"ولا يجب قتال أهل البغي ولا تتعلق به أحكامهم إلا بثلاثة شروط:

أحدها: أن يكونوا في منعة لا يمكن كفهم وتفريق جمعهم إلا بإنفاق وتجهيز جيوش وقتال، فأما إن كانوا طائفة قليلة وكيدها كيد ضعيف فليسوا بأهل البغي، فأما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين عليه السلام عندنا كفر وتأويله غير نافع له، وعندهم: هو وإن تأول فقد أخطأ ووجب قتله قودا.

والثاني: أن يخرجوا عن قبضة الإمام منفردين عنه في بلد أو بادية، فأما إن كانوا معه وفي قبضته فليسوا أهل البغي، «وروي أن عليا عليه السلام كان يخطب، فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا لله، تعريضا بعلي أنه حكم في دين الله، فقال علي عليه السلام: كلمة حق يراد بها باطل، ولكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال، فقال: ما دامت أيديكم معنا» يعني: لستم منفردين.

والثالث: أن يكونوا على المباينة بتأويل سائغ عندهم، وأما من باين وانفرد بدون تأويل فهؤلاء قطاع الطريق حكمهم حكم المحاربين، وليس من شروط قتلهم ن ينصبوا لأنفسهم إماما لأن الله تعالى لم يذكر ذلك حين أوجب قتالهم، وقال بعضهم: نصب الإمام شرط، وهو ضعيف عندهم". (المبسوط 7/264)

هذا مضافا إلى الشروط والأحكام العامة للجهاد والمذكورة في القرآن وبقية أحاديث أهل البيت (ع) كحرمة القتال في أشهر الحرم، فإن هذه الحرمة تضيق فترة القتال بنسبة الثلث، مما يساهم في تعزيز فرص السلام فيما لو قبل الخصم بمنطق الدليل والحجة بدلا من منطق السلاح والقوة.

قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"يحرم في أشهر الحرم إلا أن يبدأ العدو فيها أو يكون ممن لا يرى لها حرمة". (إرشاد الأذهان 1/343، وراجع أيضا تلخيص المرام له (رض) ص80)

قال المولى محمد باقر السبزواري المتوفى سنة 1090هـ:

"ويحرم القتال في أشهر الحرم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب إلا أن يبدأ العدو بالقتال أو لا يرى لها حرمة". (كفاية الفقه 1/369 طبعة مؤسسة النشر الإسلامي بتحقيق: مرتضى الواعظي الأراكي)

وكذلك ما ورد من حرمة قتل من لا شأن لهم بالحرب والقتال من النساء والصبيان، قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"ولا يجوز قتل المجانين والصبيان والنساء وإن عاون إلا مع الضرورة". (إرشاد الأذهان 1/344)

وقال الشهيد الثاني المتوفى سنة965هـ:

"مسألة: لا يجوز قتل المجانين ولا الصبيان ولا النساء منهم وإن أعن إلا مع الحاجة، ولا الشيخ الفاني ولا الخنثى المشكل، ويقتل الراهب والكبير إن كان ذا رأي أو قتال". (فوائد القواعد ص460).

 

تعاليم ما بعد الحرب

ومواقف أمير المؤمنين (ع) وتوصياته كلها فيما بعد هزيمة العدو تدل على أنه لم يكن يهدف من الحرب سوى القضاء على الفتنة، وليس التشفي بالقتل ولا قتل البغاة المحاربين له سواء قاتلوا أو اختاروا ترك القتال ولو فرارا بأرواحهم.

ومن النصوص الدالة على ذلك:

أ - روى الكليني بسند صحيح عند جمع من علمائنا (في المعلى بن محمد البصري) عن أبي حمزة الثمالي قال: «قلت لعلي بن الحسين صلوات الله عليهما: إن عليا (ع) سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله (ص) في أهل الشرك، قال: فغضب ثم جلس، ثم قال: سار والله فيهم بسيرة رسول الله (ص) يوم الفتح، إن عليا (ع) كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل ولا يقتل مدبرا، ولا يجيز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن». (الكافي 5/33 ح3)

ب - وروى الكليني ونصر بن مزاحم (والنص للثاني) عن جندب قال: إن عليا كان يأمرنا في كل موطن لقينا مع عدوه، يقول:

«فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عوراتكم، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا الستر، ولا تدخلوا دارا إلا بإذني، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة إلا بإذني، وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول، لقد كنا وإنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة والحديد فيعير بها عقبه بعده». (الكافي 5/38 ح3، وكتاب صفين ص204، عنه مستدرك الوسائل 11/86 ح12481)

ج - وضمن باب "ما كان يوصي به أمير المؤمنين (ع) عند القتال" في كتاب الجهاد من الكافي روى الكليني عن مالك بن أعين، قال: حرض أمير المؤمنين (ع) الناس في صفين، وكان من جملة ما نقله:

«ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول، وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعير بها وعقبه من بعده». (الكافي 5/39 ح4)

ومن الواضح أن مثل هذه التوصيات العظيمة تنزع الأحقاد الكامنة في قلب العدو، وتجعل المؤمن المنتصر يتسامى عن الجانب الشخصي في القتال ليكون ميزان الحق والإنصاف هو الحاكم على تصرفاته.

ويشهد لتلك التوصيات كلمات كبار فقهاء الإمامية.

أ - قال الشهيد الثاني المتوفى سنة965هـ:

"ويحرم الغدر بالكفار والغلول منهم والتمثيل بهم". (فوائد القواعد ص461)

وقال أيضا:

"ويكره نقل رؤوس الكفار إلا مع نكاية الكفار به". (فوائد القواعد ص461)

ب - وقال المحقق الحلي المتوفى سنة 676هـ:

"النظر الثاني فيمن يجب جهادهم، وهم ثلاثة:

الأول: البغاة: يجب قتال من خرج على إمام عادل إذا دعا إليه هو أو من نصبه، والتأخر عنه كبيرة، ويسقط بقيام من فيه غنى ما لم يستنهضهم الإمام على التعيين، والفرار منه في حربهم كالفرار في حرب المشركين.

ويجب مصابرتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا، ومن كان له فئة أجهز على جريحهم وتبع مدبرهم وقتل أسيرهم، ومن لا فئة له يقتصر على تفريقهم، فلا يذفف على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يسترق ذريتهم ولا نساؤهم ولا تؤخذ أموالهم التي ليست في العسكر". (المختصر النافع ص110)

ج - وقال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ:

"مسألة 249: أهل البغي قسمان:

أحدهما أن لا تكون لهم فئة يرجعون إليها ولا رئيس يلجئون إليه، كأهل البصرة وأصحاب الجمل.

والثاني: أن يكون لهم فئة يرجعون إليها ورئيس يعتضدون به ويجيش لهم الجيوش، كأهل الشام وأصحاب معاوية بصفين.

فالأول لا يجاز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم.

والثاني يجاز على جريحهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم، سواء كانت الفئة حاضرة أو غائبة قريبة أو بعيدة، ذهب إلى هذا التفصيل علماؤنا أجمع، وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة وأبو إسحاق من الشافعية لأنا إن لم نقتلهم لم نأمن عودهم وقتالهم". (تذكرة الفقهاء 9/421)

فالتفصيل الذي أورده الحليان المحقق والعلامة بالتفريق ما بين أهل الجمل وصفين وتبناه بعض أعلام أهل السنة يشهد بأن المسألة لا تتعلق بأي رغبة في سفك الدم بل بوأد الفتنة والمحرضين عليها.

هذه نبذة مختصرة من سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وهي سيرة تشهد بصدق أنه بطل في الحرب وبطل في السلام.

***