الآراء الاجتماعّية في نهج البلاغة

عبد الوهاب حموده

أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول

 

لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب «نهج البلاغة» إلى الإمام على رضى الله عنه، أو إلى جامعه الشريف الرضي، فان لذلك مجالا غير هذا.

غير أنه مما لا شكفيه عند أحد من أدباء هذا العصر، و لا عند أحد ممن تقدمهم في أن أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه.

وعلى ضوة هذا الرأى نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه، و نمتع الذهن بأسرار معانيه، و نستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية، و الأفكار الخالدة الانسانية.

و ان الباحث ليتملكه الدهش حين يرى لأدب آل البيت جميعا سمات خاصة و خصائص متمايزة، لا فرق في ذلك بين رجالهم و نسائهم و خطبائهم و شعرائهم.

فان لأدب كل جماعة سمات تستمد من وجداناتهم، و صدق عواطفهم، ونبل مقاصدهم، و دقة مشاعرهم.

فمن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة. وجزالة الأسلوب، و سمو المقصد، و حرارة العبارة، و قوة الايمان، و رسوخ العقيدة، و توقد الوجدان .

و لا عجب في ذلك، فان الأدب ينهض في عصور المشادة لا عصور اللين و الأمن، و ان عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفز النفوس، و لا تستثير قواها الكامنة.

و على النقيض من ذلك عصور المشادة و الجهاد التي تحرك أعمق اعماق النفوس و تثير كل تياراتها، و تبتعث رواقدها، لما تتطلبه طبيعة العراك من استمداد كل قوة، و افراغ كل جهد.

ان الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً و شكوى، و لا بكاء ولا عويلا، وإنما ترك قوة صامدة، وتحقيراً لأمر الدنيا، وإعظاماً للجهاد، وإكباراً للتضحية.

و لم يكن لآل البيت أسلوب قوى فحسب، بل كانت معانيهم أيضاً قوية، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الأعلى للايمان و العقيدة، فاكتسبت رونقا و جلالا و عظمة و جمالا.

و لاغرو فقد قدموا في سبيل هذه العقيدة أغلى ما يمكن أن يقدمه انسان قربانا لعقيدة، و هي أنفسهم الزكية، وأرواحهم الطاهرة، أليس يقول الإمام رضى الله عنه: (لنا حق فان أعطيناه، و الا ركبنا أعجاز الابل و ان طال السرى).

و قد اجتمع له رضى الله عنه في كتاب «نهج البلاغة» ما يجتمع لكبار الحكماء و أفذاذ الفلاسفة، و نوابغ الربانيين من آيات الحكمة السامية، و قواعد السياسة المستقيمة، و من كل موعظة باهرة، و حجة بالغة، وآراء اجتماعية، و أسس حربية، مما يشهد للامام بالفضل و حسن الأثر.

فأنت و اجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقى العاطفة المشبوبة و الاحساس المتطلع إلى الرحمة و الاكبار، فقد كانت حياته و حياة أبنائه سلسلة من الجهاد و الصراع و الاضطهاد و الجلاد.

فكان رضى الله عنه شجاعا غير بغى، قوياً في غير قسوة، سليم الصدر من الضغن و الحقد، برىء النفس من حب الانتقام و الغرور، لا يتكلف ولا يحتال على أن يتكلف، بل كان يقول: (شرالاخوان من تكلف له).

و كان لايعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه، فهو في طلب الحق لاتلين قناته، و لا تأخذه فيه هوادة، و هو يربأ بنفسه أن يستهوى الأفئدة بالمداجاة والمقاربة و بذل العطاء كما كان يفعل سواه.

و من اليسير أن نعرف سياسة الإمام بينه و بين رعاياه من غير حاجة إلى الاطالة في التعريف و سرد الامثال. فانها سياسة الرجل الذي شاه القدر أن يجعله فدية للخلافة الدينية في نضالها الأخير مع الدولة الدنيوية، فهى سياسة أقرب إلى المساواة، و أدنى إلى رعاية الضعفاء،فالناس في الحقوق سواه، لا محاباة لقوى، و لا اجحاف بضعيف، فالروح الانسان هو قوام الحكومة الإمامية.

فمن آرائه الاجتماعية أنه رضى الله عند قد دعا إلى التعاون دعوة صريحة في عبارة نبيلة حيث قال يودع جنوداً ذاهبين إلى القتال:

(و أى امرى ء منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، و رأى من أحد اخوانه فشلا. فليذب ّ عن أخيه بفضلنجدته كما يذب عن نفسه، فلو شاء الله الجعله مثله).

و هو لا يزال يلح في دعوته إلى التعاون، و انه ليسوقها في منطق واضح و حجة لازمة: (أيها الناس انه لايستغنى الرجل و ان كان اذا مال عن عشيرته و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم).

فالانسان مدنى بالطبع أو هو كما وصفه فيلسوف اليونان أرسطو «حيوان اجتماعي» ولهذا دعا الإمام دعوته.

و ما مر بنا من دعوة الإمام إلى التعاون، ليس الا بعض دعوته إلى (الحب العام) فان قلبه النبيل قد غمر بهذه العاطفة الشريفة، و ثبتها ايمانه القوى المنقطع النظير. و ليس هذا بغريب ممن صادق النبي صلوات الله وسلامه عليه و شاطره آلامه و جهاده، فشعر بحلاوة الصداقة، و ذاق جمال الأخوة.

و ان النزعة الديمقراطية في كتاب «نهج البلاغة» أبين من أن تحتاج إلى بيان. فهو فضل العامة على الخاصة، وان سخط الخاصة، و هذا عرفان منه لخطر العامة و مبلغ تأثير هم في صلاح الأمة و فسادها، فقال:

(ان سخط العامة يجحف برضىالخاصة، و ان سخط الخاصة يغتفرمع رضا العامة، و ليس أحد من الرعية أثقل على الوالى مؤونة في الرخاء و أقل معونة له في البلاء، و أكره للانصاف، و أسأل بالالحاف، و أقل شكراًأعند الاعطاء و ابطاً عذراً عند المنع، و أضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. و انما عماد الدين و جماع المسلمين، و العدة للأعداء: العامة، فليكن صفوك لهم، و ميلك معهم) فهذا كلام صريح في تفضيلهم، و الاعتماد عليهم.

غير أنا نقف برهة عند هذا الاندفاع، نقف لنسمع الاعتدال في الرأي و الأصالة في الحزم، و الدقة في الفكرة، يقول رضى الله عنه في وصية له:

(ثم الصق بذوى الأحساب و أهل البيوتات الصالحة، و السوابق الحسنة، ثم أهل النجدة و الشجاعة، و السخاء و السماحة).

نعم ان هذا النغمة قد تبدو شاذة، و لكن ينبغى ألا نرتاع لها و لنكمل استمتاعنا بأنشودة الإمام الحبيبة، فان وصيته بالالتصاق بذوى الأحساب لاتنافي الديمقراطية فهو لم يدع إلى تمييزهم، و انما دعا إلى الانتفاع بما عند هم، و كثيراً ما يتسق نبل الأخلاق مع نبل الدماء، ثم ان الإمام أتبع ذلك بقوله (والسوابق الحسنه ثم أهل النجدة و الشجاعة و السماحة) وهؤلاء يكونون من هذه الطبقة كما يكونون من تلك دون تمييز، على أن الإمام قد تأثر فيما يبدو بما كان عند العرب من احترام للأنساب و تفاخر بها.

و اذا كان الإمام قد أخذ بالديمقراطية كما وضح فمن الطبيعي أن نراه نصيرا للحرية، يهيب بابنه (ولا تكن عبد غيرك و قد خلقك الله حرا).

و لكن الإمام لم ينس أن للجمهور سيئاته، كما أن له حسناتة، فلنسمع كلمة الإمام في الغوغاء، قال :

(الناس ثلاثة: فعالم ربانى، و متعلم على سبيل نجاة، و همج رعاع اتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجئوا إلى ركن وثيق».

ووصف الغوغاء في موضع آخر بأنهم من اذا اجتمعوا غلبوا، و اذا تفرقوا لم يعرفوا، ووصفهم مرة أخرى بأنهم من اذا اجتمعوا ضروا، و اذا تفرقوا نفعوا، لأن كل صانع ينصرف إلى عمله فيحصل النفع.

و قد وضع الإمام اصبعه على آفة من آفات الجماهير و طبيعة من أخص طبائعهم، و هى سرعة التقلب، و قد وضحها «شكسبير» أبلغ توضيح في رواية «يوليوس قيصر».

و قد أمر رضى الله عنه باحترام التقاليد الشعبية، و العادات الاجتماعية، فكان حكيما بعيد النظر في سياسة الجماعات، و ما زلنا نرى ساسة الأمم يفشلون حين يتجاهلون للشعوب تقاليدها، و للجاعات عرفها، قال الإمام :

«و لاتنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، و اجتمعت بها الألفة و صلحت بها الرعية».

و اذا أردت وصفاً دقيقا يصدّق الحكمة القائلة «التاريخ يعيد نفسه» فاستمع اليه و هو يصف مجتمعه بأوصاف كأنهم يعيشون بيننا و يتنقلون بين أظهر نا، فيقول: «و اعلمواـ رحمكم الله ـ أنكمفي زمان القبائل فيه بالحق قليل، و اللسان عن الصدق كليل، و اللازم للحق ذليل، أهله معتكفون على العصيان، مصطلحون على الادهان، فتاهم عارم ـ شرس ـ و شائبهم آثم، و عالمهم منافق، و قارئهم مماذق ـ غاش مخادع ـ لايعظم صغير هم كبير هم، و لايعول غنيهم فقير هم». و كان دستوره رضى الله عنه في تحصيل الضرائب، الرفق بالأهلين، و عدم بيع شى ء ضرورى، وهذا ما تفعله قوانينا الحديثة، من منع الحجز على الملابس، و مرتبات الموظفين، و كل ما يقوم به الأود، فيقول:«و لا تبيعُن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتمدون عليها، فان شكوا ثقلا ـ أى ثقل المضروب عليهم من مال الخراج ـ أو علة أو انقطاع شرب ـ أى ماء في بلاد تسقى بالانهار ـ أو بالّة ـ أى ما يبل الأرض من ندى و مطر ـ أو احالة أرض اغتمرها غرق ـ أي تحويلها البذر إلى فساد بالتعفن لما اغتمرها و عمها من الغرق ـ أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم»، و هذا بعد نظر، و سياسة مالية حكيمة، تزيد وضوحا في قوله:

«تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فان في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم، و لا صلاح لمن سواهم الابهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله.

وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لايدرك الا بالعمارة، و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد، و لم يستقم أمره الا قليلا، و انما يؤتى خراب الأرض من اعواز أهلها، و انما يعوز أهلها لإسراف الولاة على الجمع و سوء ظنهم بالبقاء و قلة انتفاعهم بالعبر».

و قد أدى بُعد نظر الإمام به إلى أن يدعو إلى تقسيم الأعمال و توزيعها و هو المبدأ الذي لم تعرفه المدنية الا حديثاً فقال :

«و اجعل لكن انسان من خدمك عملا تأخذه به فانه أحرى ألايتوا كلوا في خدمتك» و قال من رسالة إلى الأشتر النخعي أيضاً:

«و اعلم أن الرعية طبقات لايصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، و منها كتاب العامة و الخاصة، و منها قضاة العدل، و منها عمال الانصاف و الرفق، ومنها أهل الجزية و الخراج، ومنها التجار و أهل الصناعات، و منها طبقة السفلى من ذوى الحاجة و المسكنة».

ثم فصل بعد ذلك وظيفة كل فرقة تفصيلا يذكرنا بتقسيم افلاطون لطبقات المجتمع حين شبهه بجسم الانسان، فيه القوة العقلية يقوم بها الكتاب و المفكرون، و القوة الغضبية يمثلها الجيش، و القوة الشهوية يقوم بها الصناع و الزراع.

أما نصائحه و سننه التي و ضعها لأفراد المجتمع في معاملة بعضهم بعضا فكثيرة يعسر حصرها، منها:

لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادى صديقك.

ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك و بينه فانه ليس لك بأخ من أضعت حقه.

ولا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاثة: في نكبته وغيبته ووفاته.

صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام.

و بعد: فهذا بحر لا ساحل له، و كنز لا تنفد ذخائره، و منار لا يطفأ إشعاعه فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.

***