مقدمة

هل بإمكانك كتابة التاريخ الإسلاميّ، أو الفقه الإسلاميّ، أو أي شيء في الإسلام دون عليّ (عليه السلام) ؟ وهل باستطاعتك أن تسرد وقائع التاريخ دون المرور بعلي ؟ وهل غنى السيف إلا في يده، أو طرب القلم إلا من مداده ؟

وهل يُحاصَر علىّ في فتح مكة أو هوازن وحنين ؟ وهل هناك شاردة أو واردة في هذا الإسلام المديد المالئ الدنيا وشاغل الناس إلا كان علي أصل وجودها أو همزة وصلها ؟

فهو في المعارك ضيغمها، وللرايات قائدها، وفي الحملات فارسها المرتجى، وهو في الشجاعة أوحدها، وفي الكلمة مبدعها، وفي الليالي محييها وعابدها ; فهو راهب الصومعة المتصوف بل المستغرق في الصوفية، وهو في المعركة الضارب بالسيفين الطاعن بالرمحين .. جمعت في صفاتك الأضداد. وهو في الحلبة لاعبها وأولها، وفي الفصاحة سحبانها، وأمّا في البلاغة فهو ابن بجدتها وقطب رحاها ; ويكفيك منه نهج بلاغته، وسماء فصاحته، وبعد أن انقطع الوحيُ وحلّق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنة الخلد، هطلت عليه وحده ديمُ المعرفة، وأصبح مصدرها الوحيد ـ فقهاً علماً أدباً فضلا زهداً وورعاً ـ فهو الاستاذ في المسجد والامام في المحراب، والخطيب على المنبر يتكلم والحقّ في لسانه، ويحارب والحقّ في سنانه ـ كيفما مال كان الحقُّ معه وفيه ـ « عليٌّ مع الحقّ والحقُّ مع علي يدور معه كيفما دار ».

وهل يمكنني بعدُ أن أتحدث عن عليّ في غزوه أو حربه أو يختصر على قضية أو واقعة أو سانحة أو قصة تاريخية أو قصيدة مديح يضوع منها الأدب أو مآثره يفوح منها طيب ذاك النسب.

وإذا كان علي شامخاً شموخ الجبال، ومجنحاً تجنّح الصقور، وعالياً كالقمر ومشرقاً كالشمس وكريماً كالريح الهبوب، وعطوفاً كالأم ورؤوفاً كالأب وصلباً كالصخر وكبيراً كالجبل، وإذا كان علي محور هذه الأمة وميزانها وصمام أمانيها، ونجمها المضيء وشمسها المشعة، وإذا كان منهجه التواضع وملبسه الاقتصاد وطعامه الجشب، وطريقته الزهادة، يتفجر العلم بين يديه وتحنو شأبيب البلاغة حواليه.

إذاً ماذا تقول في علي ؟ وقد قال الكتّاب في المتنبي : إنه مالئ الدنيا وشاغل الناس، وهل المتنبي إلا نقطة من ذلك البحر الخضم أو حصاة من ذلك الجبل الأشم ؟

فيا سيدي عذراً عذراً إذا جفّ القلم، وحوصر الكلم وحَبا البيان وتلعثم اللسان، فعذرنا فيك أنك من لا يُنال كعب قداسته، ولا يلحق غبار سياسته، يكل فرسي عن الجري فيك، ولساني عن القول بقوافيك، غير أني لا أعدم القارئ ولا أحرمه لمحةً من بهاك ولفتةً من سناك.

هذه من علاه إحدى المعالي *** وعلى هذه فقس ما سواها

 

البداية

أحداث الفتوحات مرتبط بعضها بالآخر، كلما اكتشفتَ فتحاً كلما هان عليك كشف الفتوحات الأخرى، حيث لا يمكنك أن تتحدث عن جانب دون التحدث عن جوانب أخرى. ومن هنا لا يمكننا الحديث عن فتح مكة دون الالتفات الى الأسباب والأحداث التي تهيأت وهيأت موسم الفتح، والأحداث التي كانت قبل الفتح بسنة أو سنتين. وقوة قريش وأوضاعها الاقتصادية، ومكانتها بين العرب. ومكة وأثرها أو البيت وأثره في قوة قريش. والارستقراطية القرشية. وأهمية مكة ومستقبل الدعوة.

إنّ مكة لم تغب لحظة واحدة عن قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكم تمني لو أتيح له الظرف ليفتحها ويجعلها قاعدته الكبرى، ولكن أنى له ذلك وقريش آخذة بالعناد، ويزيدها شرّاً بل ولوغاً في الشرّ أن مكة بعيدة عن طرق المواصلات الدولية. والآخرون من الدول العظمى لا يهمهم ما يحدث ما دام لا تضر بمصالحهم.

ويرى الامتيازيون وبحسب التعبير القرآني المترفون في قريش : أن هذه البلدة واجتهم وتجارتهم ومزرعتهم، وليس من صالحهم أن يتنازلوا عنها لمحمد أو غيره من المصلحين. فمن مصالحهم الدفاع عنها وعن أمجادها ومحاربة أي دعوة تحاول أو تفكر في السيطرة عليها.

والنبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يريد لقريش أن تنكسر، ولا يريد لمكّة أن تندثر، وإنما يريد مكّةَ ليعيد لها اشراقتها، ويريد لقريش أن تدخل في الإسلام وتعبد ربها ; لتظهر عزتها بين العرب، ويريد للإنسانية أن تتجه اتجاهاً خالصاً نحو الله. من هنا كان يقتنص الفرص ليلعب هذا الدور. وصبر ما بوسعه من الصبر، وتجرع المرارة عقيب المرارة حتى تفتح مكة دون حرب، وانتظر اليوم المناسب يوم تقوى دولته، وتضعف شوكة قريش لتنهزم أمامه دون قتال، وتنتهي معركة الإسلام ضد أعدائه، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.

وظلّ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستمراً في دعوته، جاداً بمتابعة قضيته، عاملا غير عاطل، والإسلام يزداد رسوخاً والدين انتشاراً، وتشتد قوة المسلمين، ويبدأ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعث الرسائل الى ملك الفرس (كسرى) وملك الروم (قيصر) يدعوهما فيها الى الإسلام ـ أسلم تسلم ـ وتواصلت الغزوات المباركة والسرايا التي يقودها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه حتى خضعت لسلطانه واحاتُ الحجاز وصحاريه، والقبائل العربية التي أخذت تترى اليه لتعلن إسلامها بين يديه إلا قريش التي لم ترجع عن عنادها وجبروتها، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يأمل أن يأتي اليوم الذي تنضم فيه قريش الى صفوف المسلمين وأن الزمن كفيل بمساعدته.

وبدأت رحى الأيام تدور دورتها، وبدأ محمد يملك العقول والقلوب وإذا بالعرب الأعداء قد تركوا عداءهم له وتحولوا الى صفوف المسلمين، وإذا بهم من أكثر المدافعين عن سلطان الإسلام. وتسقط خيبر ويقوى ركن الإسلام ويخاف القرشيون ولكنهم ظلوا على عنادهم.

 

فتح مكّــة

إن الدخول الجماعي في الإسلام الذي شهدته قبائل العرب المتاخمة لبلاد الشام بعد غزوة مؤتة لم يهز قريشاً وحلفاءها، ولم تفكر قريش بما قد تصير إليه الأحوال في قاصِ الجزيرة وأدناها، فظلت على وهمها بأن المسلمين قد هزموا في موقعة مؤتة هزيمةً نكراء، وأنهم باتوا في حالة يرثى لها، أقلها الضعف والهوان وهذا ما أعادها الى مراجعة حساباتها وردّها إلى التفكير بحرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونبذ مواقفها السابقة معه، وهي المواقف التي أجبرت فيها بعد الحديبية على التخلي عن السيطرة التي كانت لها. وقد أفقدتها تلك المواقف الهيبة التي كانت تتصف بها، وخسرت مكانتها الأولى بعد عمرة القضاء فما عليها إذن والحالة تلك إلا العمل لاستعادة تلك السيطرة كاملة، واسترداد الهيبة والمكانة اللتين كانتا لها غير منقوصتين، وهذا لن يكون إلا بمقاومة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاومةً ضاريةً، والشروع في قتال من دخلوا معه بحكم عهد الحديبية(1).

 

صلح الحديبيّة

كان صلح الحديبية بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقريش قد قضى أنّه مَن أحبَّ أن يدخلَ في عهد محمد وعقده فليدخل فيه، ومَن أَحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم فليدخل فيه. وكانت خزاعة قد دخلت في عهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكانت بين خزاعة وبني بكر ثاراتٌ قديمةٌ سكنت بعد صلح الحديبية، وانحاز كلٌّ من القبيلتين الى فريق المتصالحين، فلما كانت مؤتة ـ وصل لقريش أن المسلمين قُضي عليهم ـ خُيّل الى بني الدِّيل من بني بكر بن عبد مناة أن الفرصة سنحت لهم، ليصيبوا من خزاعة بثاراتهم القديمة، وحرّضهم على ذلك جماعة من سادات قريش منهم عكرمة بن أبي جهل، وأمدوهم بالسلاح.

 

وقوع الحرب

وبينما خزاعة ذات ليلة على ماء لهم يدعى الوتير إذ فاجأتهم بنو بكر فقتلوا منهم جماعة، ففرت خزاعة الى مكّة ولجأوا الى دار بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي، وشكوا له نقض قريش، ونقض بني بكر عهدهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسارع عمرو بن سالم الخزاعي فغدا متوجهاً إلى المدينة حتى وقف بين يدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو جالس في المسجد فقال :

حلفَ أبينا وأبيك الاتلدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

هم بيتونا بالعراء هجّدا

لا هُمَّ إنّي ناشدٌ محمدا *** إن قريشاً أخلفوك الموعدا

فقتلونا ركعاً وسُجّدا

فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : نُصرت يا عمرو بن سالم !

ثم خرج بُديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة فأخبروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أصابهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، عند ذلك رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ما قامت به قريش من نقض عهده لا مقابل له إلا فتح مكّة.

وعاد وفد خزاعة فرحاً بما حظي من التأييد، وظهرت مخاوف قريش، واجتمع حكماؤها وقرروا بعث أبي سفيان لتجديد العهد، وتمديده الى عشر سنوات.

 

أبو سفيان في المدينة

تأهب أبو سفيان، وسار من وقته وساعته حتى وصل المدينة على وجل خصوصاً بعدما رأى بُديلا ورفاقه على بعض المياه، وجعل وجهته ابنته أمَّ حبيبة زوجة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تزوجها النبيُّ بعدما تركها زوجُها وتنصر في أرض الحبشة فخطبها إلى النجاشي. وعادت بعد فتح خيبر مع جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وجماعته الذين كانوا مهاجرين إلى الحبشة.

وأمُّ حبيبة كانت قد عرفت ما حدث، وعرفت ما نوى عليه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم تهتم بأبيها المشرك. ولما أراد أن يجلس على فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) طوته عنه فسألها أبوها : أطوته رغبةً بأبيها عن الفراش أم رغبةً بالفراش عن أبيها ؟

فكان جوابها : هذا فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبّ أن تجلس عليه. وفوجئ أبو سفيان بما لم يكن يتوقعه من ابنته التي وجهت إليه صفعةً جعلته ذليلا مهيناً فقال لها : لقد أصابك بعدي شرٌّ، قالت : بل هداني الله تعالى للإسلام، وأنت تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر، وا عجباً منك وأنت سيد قريش وكبيرها ! قال : أأترك ما يعبد آبائي وأتبع دين محمد ؟

وخرج أبو سفيان بعد هذه الصفعة مكلوم الفؤاد مضعضع الفكر، مهزوز الجانب مهيض الجناح، لا يدري ماذا يفعل، أيرجع قبل أن يحقق شيئاً، أو يستمر في محاولة يائسة. فذهب إلى المسجد لعلّه يرى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل على الفور يكلمه في توثيق المعاهدة وزيادة المدة، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرد عليه بشيء، وألح أبو سفيان والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجيب، وأصابته الحمى من هذه الصفعة الثانية فخرج على بعض مَن كان يعرف من الصحابة، فلم ير من يساعده على مهمته، أو يتكلم مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حوله.

 

دور عليّ (عليه السلام)

الدور الأول

وكان لابدّ لأبي سفيان ـ الذي يعرف مواقع القوة ـ من أن يلجأ الى بيت عليّ حيث دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)فوجده مع زوجته وعندهما ولداهما الحسن والحسين (عليهم السلام).

فقال : يا علي ! أنت أمسُّ القوم بي رحماً، قد جئتُ في حاجة ; فلا أرجعنّ كما جئتُ خائباً، اشفع لنا عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال علي (عليه السلام) : ويحك يا أبا سفيان ! والله، لقد عزم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر فلا نستطيع أن نكلّمه فيه.

وأدرك أبو سفيان حراجة الموقف فالتفت الى فاطمة (عليها السلام) قائلا : وأنت يا بنت محمد ! هل لكِ أن تأمري ابنك هذا ـ يعني الحسن ـ فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر ؟

قالت فاطمة (عليها السلام) : والله، ما بلغ ابني هذا أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال : يا أبا الحسن ! إني أرى الأمور قد اشتدّت عليّ فانصحني.

فقال : والله، ما أعلم شيئاً يُغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك.

قال : أو ترى مغنياً عني شيئاً ؟!

قال أبو الحسن : لا والله، ما أظنّ ; لكني لا أرى غير ذلك.

وقام أبو سفيان فأتى المسجد، قائلا : أيها الناس ! إني قد أجرتُ بين الناس، ولم يلبث أن خرج بركب بعيره، وينطلق عائداً الى مكة، خالي الوفاض، يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة، إذ لم يستطع أن يحقق شيئاً مما جاء اليه.

وقدم أبو سفيان على قومه، فسألوه ما وراءك يا أبا سفيان ؟

قال : جئت محمداً فكلمته، فو الله، ما ردَّ علي شيئاً، ثم جئت بعض أصحابه فوجدتهم أعدى الناس إليّ، ثم جئت عليّ بن أبي طالب فوجتُه ألينَ القوم، وقد أشار عليّ بشيء صنعته، فو الله، ما أدري هل يغنيني شيئاً أم لا ؟

قالوا : وبما أمرك ؟

قال : أمرني أن أُجير بين الناس ففعلت.

قالوا : فهل أجاز محمدٌ ذلك ؟

قال : لا.

قالوا : ما زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنا ما قلت(2).

أرأيت إلى علي الشاب النابغة الذي يزن الرجال بميزان، ويعرف كيف يضرب ضربته الذكية ؟ فهو كمن يطعن خصمه في المعركة فيرديه بكلامه وموقفه ودرايته، ويجعل الخصم المجرب قائد القوم وكبيرهم ولداً وطفلا لا يدري ماذا يفعل. أرأيت علياً كيف طعن خصمه السياسي دون أن يخرج السيف من غمده ؟ أرأيت إلى العقل الموجه، كيف يفعل فعلته فيشوش على خصومه ما يجعلهم حيرى لا يدرون ما يفعلون ؟

هكذا تعامل علي العبقري الشاب مع شيخ قريش وسيد كنانة، وأرجعه طفلا. وهكذا فهم أبو سفيان، وفهم معه قومه أن علياً لعب بأبي سفيان، وضربه ضربةً موجعة بعد الضربتين اللتين تلقاهما من ابنته أمّ حبيبة ومن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا هو الدور الأول الذي لعبه علي لتسفيه أبي سفيان واذلاله وجعله كالطفل الصغير.

 

الدور الثاني

بدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطط لغزو مكة وفتحها، فأمر بشحذ السلاح وجمعه، وبعث إلى القبائل المحيطة بالمدينة أن يتأهبوا ويأتوا إلى المدينة، فكانت الوفود تأتي ولكنها لا تعرف وجهة المسير، ووضع الحرس والعيون على المدينة يراقبون كل خارج منها وداخل إليها، ويفتشون من يمرّ ليلا ونهاراً. وبينما هو يتهيأ للمسير نحو مكة تسرّب الخبر الى أحد أصحابه وهو حاطب بن بلتعة الذي رأى أن رسول الله إذا ذهب بهذا الجيش الجرّار الى مكة ربما تكون نهاية قريش وعزّ عليه ذلك، وكان له فيها أرحام وأقارب، وقد تكون العاقبة لقريش فيكون له عندها يد. هكذا أصحاب النفوس الضعيفة يفكرون في علاقات ذاتية حتى في أحرج الأوقات، ويتخذ لنفسه حصناً يأوي إليه عند تقلبات الأحوال، وهكذا يقوم حاطب بن بلتعة بعملية خيانية لا عهد للمسلمين بها، وهي ايصال أخبار عسكرية سرية الى الأعداء.

وفكّر حاطب في ايصال الخبر كثيراً ; لأنّه خاف من تفشي الأسرار، وافتضاح أمره، فعمد الى امرأة قينة مغنية أغراها بالمال، وكان هواها في قريش، ولم تكن أسلمت بعدُ، واتفقا على كيفية وضع الكتاب في ضفائرها لقاء أجر باهض ونسي حاطب أن الله مطلعٌ على كلّ شيء، وأن الوحي يوصل الأخبار السرية بأقل من لمح البصر. وكان الكتاب يحتوي على أسرار عسكريّة بالغة الخطورة عن أهمية الجيش، وعدد الفرسان والرجالة، وكثرة السلاح والخيل والبغال والجمال. وخوفاً من التفتيش العسكري وضعت الكتاب مطوياً في ضفائرها، بحيث لا يمكن لأحد حتى ـ لو فتشها ـ أن يهتدي إلى الكتاب، ثم خرجت تسلك طريقاً بعيداً عن عيون الحراس، توهمهم بالحشمة والحياء، وتتستر بهذه المظاهر، لتخفي جاسوسيتها على الدين وعلى الرسول.

وما إن غادرت المدينة حتى نزل الوحي المبارك يخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالكتاب، وأين موضعه، وما فعل حاطب، فدهش النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذه المفاجأة، وهذه الخيانة من أحد أصحاب بدر، فدعا علياً على الفور، قائلا له : إن أحدَ أصحابي كتب إلى أهل مكّة يطلعهم على أخبارنا، وقد كنت سألتُ الله عزّ وجلّ أن يعمي أخبارنا عنهم، وقد حملت الكتاب امرأة سوداء فهيا أدركها وانتزع منها الكتاب. ثم استدعى الزبير وقال له : اذهب مع ابن عمتك وأعنه على تخفيف مأربه، وخرج علي ومعه الزبير فأدركاها في (الخُليقة)، وتقدم منها الزبير فسألها عن الكتاب فأنكرت عليه التعرض لها من جانب، والسؤال عما لا يعنيه من جانب آخر، كما أنكرت عليه هذه التهمة الشنيعة، مما جعل الزبير يتردّد أولا، ثم يعود الى عليّ يُقنعه بأنه ليس عندها شيء، بعدما بكت المرأة لهذا التعرض والإهانة، وبدأت دموع التماسيح على خديها، وأوشك قلب الزبير أن يرقّ لها فارتد نحو عليّ يقول : لَم أرَ معها كتاباً يا أبا الحسن، ولم يلتفت الزبير الى لازم قوله هذا، الذي يعني تكذيب الوحي، وتكذيب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما كاد عليّ يسمع هذا القول من الزبير حتى غضب وصاح : ويحك يا زبير ! يخبرني رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنها تحمل كتاباً، ويأمرني بأخذه منها، ونأتي لذلك ثم تقول أنت : إنه لا يوجد معها كتاب !

وتظهر قدرة علي (عليه السلام) وفراسته، وتصديقه المطلق الذي لا شك فيه، ويظهر ضعف الزبير وأنه غير صالح للقيام بهذا الدور إلا برفقة علي (عليه السلام). ولم يلبث عليّ (عليه السلام) أن اخترط السيف، وتقدم من المرأة قائلا وعيناه تقدحان شرراً قائلا لها

أَما والله، لتخرجن الكتاب، أو لنكشفنك، ثم لاضربن عنقك بسيفي هذا، وحاولت المرأة أن تراوغ كما راوغت مع الزبير، ولكنها رأت عناداً واصراراً، مما جعلها تتأكد بأن الرجل متأكد من وجود الكتاب الذي تحمله، وأنها إن لم ترضخ للطلب سوف تنال عقابها المناسب، وقد يكون هو الموت، وإزاء هذا التخوف على حياتها قالت له : أعرض بوجهك عني، وأشاح علي بوجهه عن المرأة الماكرة فاذا بها تحل ضفائرها، وتخرج منها الكتاب، ثم تدفعه الى عليّ، فيأخذه عليٌّ (عليه السلام)دون أن يقول لها شيئاً، ثم يأتي الزبير معه الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسلمانه الكتاب(3).

أرأيت معي ـ أيها القارئ ـ موقف الزبير الذي يعني أنه لو اقتنع بكلام المرأة لكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا ينطق عن الهوى، ولكان يعني أن تفشى الأسرار العسكرية الى الأعداء فيعرفون خطط الهجوم فيفشل.

ولكن اليقين الثابت في صدر علي بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي جعله يقف موقفاً مميزاً وحاداً، وأنه غير مستعد لسماع كلامها، وقبول أي موقف آخر منها ; لأنه على يقين بأن الكتاب معها. أخبره بذلك من لا ينطق إلا عن وحي يوحي به إلـه السماء والأرض، والمطلع على خفايا الأمور وظواهرها.

وعليّ هو الحريص كلّ الحرص أن يبقى للجيش الفاتح هيبته حينما يباغت الآخرين، ويغزوهم في عقر دارهم لتنهى معركة الفتح دون إراقة دماء. وهيهات هيهات أنى لنا بمثل عليّ وهو النسخة الفريدة والشخصية الوحيدة في عالم اليقين والصدق والاخلاص.

 

الدور الثالث

بعدما عثر الإمام علي (عليه السلام) على الكتاب مع المرأة التي لا تعرف من مضمونه شيئاً، أعمى الأمر على قريش، فلم تعرف شيئاً عن استعداد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفتح مكة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دعا ربّه أن يعمي أخبار جيشه عن قريش حتى يباغتها كي لا تقع معركة طاحنة في مكة. فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد الحفاظ على شرف الحرم، وإن كان أهله يستحقون الذبح، لمعاداتهم الشديدة لرسول الهداية، ولكنه محمدٌ رسولُ الإنسانية، المحافظ على القيم. فقد هيأ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ مقدمات المعركة، وأمر الجيوش بالزحف الهادئ، واستمر حتى وصل الى مر الظهران ـ وقيل إنه بالجحفة ـ وهناك أمر الجيش بالنزول، وكان الوقت عشياً فطلب من الناس أن يوقدوا النار، كلّ واحد يشعل ناراً، وكان الغرض من هذا اظهار عظمة الجيش، وقوة العسكر بهذه النار التي ترى من بعيد، حتى تأخذهم الدهشة ولا يفكرون إلا بحماية أنفسهم إما بالإسلام أو بالهروب من المواجهة، ويكون بهذا قد حقّق الفتح الهادئ الذي يحافظ فيه على شرف الكعبة.

وهناك التحق به عمّه العباس، الذي كان بقاؤه بمكة بأمر النبيّ حيث كان يقدم المعلومات عن قريش، ومظاهرها العسكرية وقوتها الاقتصادية، وما كانت تكيد وتدبر لحرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولما رأى العباس عظمة هذا الجيش الفاتح وقوته تأكّد لديه أن الجيش إذا دخل بهذه القوة والعنجهية ستذهب قريش والى الأبد. فكان يحاول أن يساعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الفتح الهادئ حتى لا تراق في هذا الفتح محجمة دم.

وبينما هو غارق في التفكير لاح بخاطره أن يجول على أطراف المعسكر، لعلّه يرى آتياً أو ذاهباً، يمكنه أن يوصل خبراً لقيادة قريش حتى تأتي وتستأمن لدمها وأموالها، فتحفظ قريش ويحفظ الحرم.

وبينا هو كذلك إذا بأبي سفيان ومعه نفر جاءوا يستمعون الأخبار، وقد أذهلهم ما رأوا من نيران حتى أن بعضهم قال : هذه نار خزاعة، قال أبو سفيان : خزاعة أقل وأذل. وينادي العباس أبا حنظلة ! فيجيبه أبو سفيان فداك أبي وأمي بعدما عرفه، وهو مندهش من هول ما رأى عدةً وعدداً، ثم خاطبه ما ترى في أمرنا ؟ قال : الإسلام ـ التحق بي حتى لا يقتلك الناس، وأردفه خلفه مؤمناً له مانعاً قتله حتى وصل إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرض عليه الاسلام، ولكنه كان صلب الشكيمة، شديد السخيمة يعزّ عليه فقدان اللاّت والعزى والهبل الأعلى، وقد حاول عمر بن الخطاب قتله عن طريق إثارة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن الله قد أمكن منه بلا عهد ولا عقد، ولكن العباس الحريص على الإسلام رأى الحكمة في بقائه، ليرى عزّة الإسلام، وشرف النبي المطرود، وذلة قريش وصغار أبي سفيان، وطلب من أبي سفيان أن يسلم فتمهل، ولكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمّه العباس : أبقه عندك الليلةَ، وآتني به صباحاً.

وفي الصباح أسلم بعد محاورة قصيرة، وقال العباس للنبي : إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في معرض توصياته لرؤساء الجند وقادة الكتائب : مَن ألقى سلاحه فهو آمن، ومَن دخل بيتَه وأغلق بابه فهو آمن، ومَن دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وكان الغرض من ذلك أن يذهب أبو سفيان، ويخذل الناس عن الحرب ويجلس في بيته، لأنه رجل له قوة تحريضية هائلة على اثارة البلابل، فاسكته النبيّ بهذه المكانة المتساوية مع رجل أغلق بابه، ولا شيء غير ذلك.

وفرح أبو سفيان بهذه الرتبة الجديدة والشرف، وذهب مسرعاً إلى مكة يطلب إلى الناس أن يدخلوا داره، وهو لا يعنيه من الشعارات إلا أمان داره، وهو قادر على تجير الجو لصالحه، فصار يدعو الى داره فقط ليوهم الناس أنه وحده قد حظي بهذا الشرف، وهذا ما جعل الآخرين إما يلتزمون بيوتهم، أو يهربون إلى الجبال المحيطة بمكة.

ويزحف الجيش الإسلامي المقدام، ويدخل مكّة من طرق أربعة يطوقها من كلّ مكان حتى لا يفكر أحد في إراقة دم في بيت الله الحرام، وفي البلد الحرام.

وذكروا أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان داخلا وقلبه خاشع لله على هذا التوفيق، ولسانه يردّد { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان تواباً }.

ومضت فرق الجيش تدخل مكة دون أدنى مقاومة، وقد أخذت الحميةُ سعد بن عبادة الأنصاري وهو يمرّ أمام أبي سفيان بن حرب فقال له : اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى أو تستحل الحرمة. وتردّد قولُه بين المسلمين فنقلوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقالوا : يا رسولَ الله ! ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة. وقيل : إن العباس سمع ذلك فقال للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا رسول الله ! أما تسمع ما يقول سعد ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) : يا علي ! أدرك سعداً، فخذ الراية منه، وكن أنت الذي تدخل بها مكة. فأدركه أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخذها منه، ولم يمتنع عليه سعد بل دفعها إليه.

ولم ير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحداً من المهاجرين والأنصار يصلح لأخذ الراية من سيد الأنصار سوى أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

قال الشيخ المفيد (رضي الله عنه) : واعلم أنه لو رام ذلك غيره، لامتنع عليه سعد، وكان في امتناعه فسادُ التدبير، واختلاف الكلمة بين الأنصار والمهاجرين، ولم يكن وجه الرأي تولي رسول الله أخذ الراية بنفسه، وولى ذلك من يقوم مقامه، ولا يتميز عنه، ولا يُعظم أحدٌ من المقرين بالملة عن الطاعة له، ولا يراه دونه في الرتبة، وفي هذا من المفضل الذي تخصص به أمير المؤمنين (عليه السلام)ما لم يشاركه فيه أحد، ولا ساواه في نظير له مساو، وكان علم الله تعالى ورسوله في تمام المصلحة بانفاذ أمير المؤمنين (عليه السلام) دون غيره ما كشف به عن اصطفائه لجسيم الأمور كما كان علم الله تعالى فيمن اختاره للنبوة وكمال المصلحة ببعثه كاشفاً عن كونهم أفضل الخلق أجمعين(4).

وهذا الدور لا يحتاج الى تعليق، لأن وضوح أخذ الراية من سعد لا يتم الاّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث لا يتنازل سعد زعيم الأنصار إلاّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولما كان سعد يعرف أن علياً هو الرجل الثاني في الإسلام، وأنه سيصبح الرجل الأول سلم الأمر إليه بلا تنازع.

 

الدور الرابع

التفاف الجيش الإسلامي على أطراف مكة المكرمة، مكّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من السيطرة العامة على المدينة، حيث لم تحدث أية مشكلة تذكر، وطبقت أوامر النبيّ بعدم سفك الدماء في البلد الحرام.

وأسلم على أثر الفتح سادةُ مكة، منهم حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، وجبير بن مطعم، وأقبل أبو سفيان يركض فاستقبلته قريش، وقالوا : ما وراءك وما هذا الغبار ؟ قال : محمد في خلق عظيم، ثم صاح وهو مذعور : يا آل غالب ! البيوت البيوت ! مَن دخل داري فهو آمن، فعرفت هند زوجته فجعلت تطردهم، ثم قالت : اقتلوا الشيخ الخبيث لعنه الله من وافد قوم، وطليعة قوم. قال لها : ويلك إني رأيتُ ذات القرون، ورأيت فارس أبناء الكرام، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمن آخر النهار، ويلك اسكتي، فقد والله جاء الحقّ ودنت البلية.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم مقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وعبد الله بن خطل، وقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. فأدرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً فقتله وقتل مقيس بن صبابة في السوق، وقتل علي (عليه السلام) إحدى القينتين وأفلتت الأخرى، وقتل أيضاً الحويرت بن نفيل بن كعب.

وبلغ علياً (عليه السلام) أن أُخته اُمَّ هاني بنت أبي طالب قد أوت ناساً من بني مخزوم، منهم الحارث بن هاشم، وقيس بن السائب، فقصد نحو دارها مقنعاً بالحديد فنادى : أخرجوا من آويتم، فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى خوفاً منه، فخرجت إليه أمُّ هاني وهي لا تعرفه فقالت : يا عبد الله أنا أمُّ هاني بنت عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخت عليّ بن أبي طالب، انصرف عن داري، فقال : أخرجوهم. فقالت : الله ! لأشكونّك الى رسول الله. فنزع المغفر عن رأسه فعرفته فجاءت تشتد حتى التزمته فقالت : فديتك، حلفت لاشكونك الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لها : اذهبي فبرى قسمك فإنه بأعلى الوادي. قالت أمّ هاني : فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في قبة يغتسل وفاطمة (عليها السلام) تستره، فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامي، قال : مرحباً بك يا أمّ هاني، قلت : بأبي وأمي ما لقيت من علي اليوم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد فهم ما تريد : قد أجرتُ من أجرتِ، فقالت فاطمة (عليها السلام) تشكين علياً (عليه السلام)، لأنه أخاف أعداء الله، واعداء رسوله، فقلت : احتمليني فديتك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : قد شكر الله سعيه وأجرتُ من أجارت أم هاني لمكانتها من علي بن أبي طالب(5).

هل قرأت معي كيف نفذ الأوامر، وقتل الأعداء، ولاحقهم ولم يتراجع، ولم يراعِ بذلك بيوت أهله وأقاربه، ولا بيت أخته الوحيدة، التي لم يرها منذ زمن ؟ ولكنه عليّ المعروف بفنائه بالحقّ، ومعاداته لأهل الباطل، وهو القائل : ما ترك لي الحقّ صاحباً. فبينا ترى بعض الصحابة يخاف على أهله لتصور شيطاني، أو يخاف على مستقبل وضعه لظنه أو احتماله غلبة قريش، فإذا به يفشى الأسرار العسكرية، أو يتراجع حين البأس ويفرّ من المعركة، أما علي هو هو في المسجد والمحراب وفي المعركة والمواقف مع الأهل والأخت والبنت والأولاد على حدّ سواء، لا يقدم على الحقّ أحداً.

 

الدور الخامس

بعدما لوت مكة جيدها، وأذعنت لبيرق النبوة، وتحولت الى سلطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودخل الناس في دين الله أفواجاً حيث خرجت الرجال من مخابئها، وأسلمت وخرجت النساء من خدورهن واسلمن، وانضوى الناس في ظل الرسالة الإسلامية، وعادت مكة الى دورتها الأولى يوم خلق الله السماوات والأرض، وعاد البلد الحرام حيث يحرم فيها سفك الدماء، وأصبحت واحة الأمان والراحة والاطمئنان، دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتحاً لا كما يدخل الفاتحون عنوةً بل كما يدخل الرسل المتواضعون ذاكراً ربّه، ناظراً الى قربوس فرسه، لم يدخل مستعلياً ولا مستكبراً وإنما دخل ذاكراً شاكراً مسبحاً مستغفراً.

وبما أن مكةَ المكرمة كانت مجمع عبادة العرب، ومركز التجمع الصنمي أيضاً، وكان الغرض الأساس من الحرب الفكرية والنفسية والمادية إزالة دولة الصنمية، وتأسيس دولة الإله الواحد الحقّ مكانها، كان لابد من تركيز الألوهية في أذهان الناس، وتحطيم المظاهر الصنمية وقلعها من الأذهان، وتحطيم كل المظاهر الصنمية الموجودة في الكعبة وفي جوارها. قال الإمام الرضا(عليه السلام)ـ كما في البحار ـ وكانت ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة عندما فتح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة فمر بها وجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول : جاء الحقُّ وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، فجعلت تكب لوجهها(6).

وفي رواية ابن شهر آشوب : إن الإمام علياً (عليه السلام) صعد على أكتاف النبي وكسر الأصنام الموجودة على ظهر الكعبة.

واذكر بعض الأبيات التي أرويها من حافظتي، وكنت قد حفظتها قبل أكثر من ثلاثين عاماً، والمصدر الآن غير موجود في مكتبتي التي أحرقها الظالمون.

وهذه هي الأبيات :

قيل لي قل لعلي مدحاً *** ذكره يخمد ناراً موصده

قلت لا أقدم في مدح امرء *** حار ذو اللب إلى أن عبده

والنبي المصطفى قال لنا *** ليلة المعراج لما صعده

وضع الله على ظهري يداً *** فأحسّ القلب إن قد برده

وعلي واضع أقدامه *** في محلّ وضع الله يده

كان هدف الإسلام محو الصنمية من الوجود الخارجي، بل الوجود الذهني أيضاً، والعقيدة الصنمية حالة مستعصية، مركوزة في الذهن والوجدان، وبعضهم رضع عقيدة الصنم وعبادة الصنم مع الحليب فأنّى له أن يترك هذه العبادة ولو كانت خرافة فوقها خرافة ؟ والذي عشق الخرافة ورضع الخرافة، لا يراها خرافةً وإنما يراها صحيحة، وهذا هو الجهل المركب. ومشكلة الرسالة كانت مع هذا الجهل المركب، مع التعقيد النفسي والذهني. فهل كان الرسول بإمكانه غرس العقيدة الإلهية دون إزالة العقيدة الصنمية من الأذهان ؟ وهل يمكن محوها من الذهن قبل محوها من الواقع ؟ ومَن الذي يساعده على هذه المهمة الصعبة إلاّ رجل الصعاب، رجل المواقف، إلا عليّ الذي صعد على كتف النبيّ، وحمل فأس النبوة بيده القوية وزنده المتين، حتى كسرها تكسيراً ؟ وبذلك تمّ الانتصار الحقيقي للإسلام بازالة كل آثار الصنمية ومحوها من الوجود.

 

الدور السادس

سدانة البيت العتيق في الجاهلية والإسلام مكانة مرموقة، وكان أولاد أبي طلحة قد ثبتوا هذا الشرف، ولا ينافسهم فيه غيرهم من قريش وظلوا على ذلك زماناً، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال لعثمان بن أبي طلحة ـ يوماً من الأيام ـ : ربما يأتي زمان يكون هذا المفتاح في يدي أضعه حيث أشاء، فهزع عثمان بهذا الكلام.

ومن الطبيعي بعد سقوط مكّة وفتحها بهذا الجيش الجرّار، أن يركز فيها المواقع الأساسية كالسدانة والسقاية والولاية وما إليها، وأحسّ عثمان بأن أيامهم انتهت فأغلق الباب، وصعد بالمفتاح على السطح، وكأنه أراد أن يختبئ وينجو بهذا العلو فوق سطح الكعبة قائلا : لو أعلم أنه رسولُ الله لم أمنعه ـ يعني بقي على عناده بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجاً ـ وعندها أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)أن يصعد السطح، ويأخذ المفتاح منه، ولما وصل عليّ (عليه السلام) الى عثمان حاول التمنع، ولكن علياً أمسكه فحاول الانفلات، ولكن هيهات فقد أمسكه ذو قوة لو اجتمع جيش عرمرم على ازالته منه لما أمكنه ذلك، ثم لوى يده وأخذ المفتاح منه، وفتح باب الكعبة ودخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الكعبة فصلى ركعتين، فلما خرج سأله عمّه العباس أن يعطيه المفتاح فنزل قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها } فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً أن يرد المفتاح الى عثمان، فقال : يا علي ! أكرهت وأديت ثم جئت برفق. قال لقد أنزل الله عزّ وجلّ بشأنك قرآناً، وقرأ الآية عليه، فأسلم عثمان فأقرّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يده(7).

كل دعوة تحتاج ـ مهما كانت محقة ـ الى قوة تساندها، قوة المال، وقوة الزند والسيف، وقد كان رسول الهداية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)يحتاج الى الاثنين معاً كغيره من أصحاب الدعوات الصالحة، وقد وفق الله بمال خديجة فانفقته حتى لم يبق منه شيءٌ، وبقي زند علي (عليه السلام) الذي رافق الدعوة حتى ثبّت أركانه.

وفروسية علي وقوته وشجاعته كانت لا تخفى على أحد، وكانوا يهابونه صغيراً وكبيراً، وإذا تصدى علي (عليه السلام)لموقف كانوا يعرفونه لا يرجع حتى يفتح الله على يده.

من هنا لم يكن بإمكان عثمان بن طلحة ولا غيره أن يختبئ، أو يصعد على سطح الكعبة هروباً في وجود هذا الجيش، خصوصاً وجود الذراع التي تطوي الحديد. فهل بإمكانه مقاومة هذا الساعد الذي يحمل الفرس والفارس أو يضرب الفارس المقنع بالحديد فيقده نصفين ؟

ظنَّ عثمان أنه بإمكانه أن يمتنع وهو بعد لم يعرف قدرة علي، وشدّة ساعده، كان يسمع في عليّ وقوته، والآن تحقق له عندما أمسك علي بيده ماذا حلّ به. كيف استلم دون مقاومة كأنه كان أمام أمرين إما أن يقع بدون حركة، أو يقدم المفتاح بدون ضجيج، فكان التسليم للصاعقة الإلهية ليسف علي وساعده ; ليدخل النبي الكعبة وليعلن موقفه واضحاً دون قتال في هذا البيت العتيق.

 

الدور السابع

لا يكفي أن يفتح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة المكرمة ويترك ما حولها من جيوب، يترك المحيط بعيداً عنها عقائدياً وأخلاقياً، بل لابد من الدعوة الشاملة والخير العميم حتى تعود مكة بجوارها وقراها، لتعود أمّ القرى بأولادها وأحفادها كما أراد لها ربّ العزة، تمشي في الطريق السوي ليدخل الناس في دين الله أفواجاً.

ومن هنا عندما هدأت العاصفة، واستتبَّ الأمن في البلد الحرام، وأمن من آمن، وقتل من قتل، وتحقق النصر الإلهي، ونصر الله عبده وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. بث السرايا إلى القرى المجاورة تدعو الناس للإسلام، وكانت القرى ـ التي سمعت بنصر الله، وخذلان قريش ـ على شيء من الاستعداد تنتظر هذه السرايا ; لتعلن كلمة التوحيد وتنضوي تحت لواء الدين الجديد.

وكان ممن بعث خالد بن الوليد على رأس سرية الى بني جذيمة، وكانت بنو جذيمة قد أصابت في زمن الجاهلية عوف بن عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة، وكان من أقارب خالد، فلما وصل خالد إلى القبيلة حملوا السلاح في وجهه، فطلب اليهم القاء السلاح فلم يقبلوا لخوف من أخذ الثأر منهم، قال رجل منهم يقال له جحدم : ويلكم يا بني جذيمة ! إنه خالد والله، ما بعد القاء السلاح إلا الأسر، وما بعد الأسر إلا القتل، فأخذه رجال من قومه، وقالوا يا جحدم تريد أن تسفك دماءنا ; إن القوم قد أسلموا، ووضعت الحرب وأمن الناس وما زالوا به حتى نزعوا منه سلاحه، ووضع القوم السلاح امتثالا لطلب خالد، فلما وضعوا السلاح أمر بهم فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رفع يديه إلى السماء، ثم قال : اللهم اني أبرأ إليك مما صنع خالد(8).

ثم دعا علياً (عليه السلام) فقال : يا علي أخرج الى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم، ومعه مال قد بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فودَى لهم الدماء، وما أصيب من الأموال حتى إنه لَيدِي مِيلغَةَ الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي (عليه السلام) حين فرغ منهم : هل بقي لكم دمٌ أو مالٌ لم يود إليكم ؟ قالوا : لا، قال : فإني أعطيكم هذا المال الباقي احتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل ووافقوا شاكرين، ثم رجع الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره الخبر. فقال : أصبت وأحسنت، ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه حتى إنه ليُرى بياض ما تحت منكبيه وهو يقول : اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات(9).

إنَّ تثبيت الدولة يكون بإرخاء رواسي العدل والمساواة بين الناس، والإسلام جاء ليمحو أوضاع الجاهلية وما عليها من شنآن ويمشي في الناس بالحق والعدل ولا تزر وازرة وزر أخرى. وما قام به خالد لا علاقة له بالإسلام، بل هو الراسب الجاهلي المتحكم في عقل هذا الرجل الذي أسلم متأخراً ولا تزال رواسب الجاهلية في كيانه، فهو لم يستطع أن يترفع عنها مع أن النبي قال في خطبته البليغة أمام أهالي مكة : كل دم في الجاهلية فهو تحت قدميَّ هاتين. وكأن خالد لم يسمع أو لم يعِ ما قاله المصلح الكبير، ولهذا تبرأ منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أفعاله، وتأثر لهذه الحادثة النكراء، وبعث علياً الذي هو نفسه ليمثله في رأب الصدع واستنكار الجريمة ودفع الديات وتعويض الخسائر المادية، حتى ميلغة الكلب ـ أي الجرن الذي يشرب منه الكلب، وهو وعاء من حجر أو خشب لا قيمة له ـ حتى يثبت الحق ويرسي دعائم العدل، ومن أولى من علي الأعلم الأقضى بفك الخصومات، وحلّ المشاكل وإرضاء الناس، وإعادة الأمور إلى نصابها. علي الحكيم في القضاء، والحكيم في المواقف ومداراة عواطف الناس حتى رجع والقوم مطمئنون كأنه لم يصبهم شيء، فبورك علي وبورك هذا اللطف الرسالي الذي يحمله بين حناياه، عالماً وقاضياً ومدافعاً عن الإسلام الحقّ.

 

وقفة عتاب خفيفة مع محمد حسين هيكل

بلغ كتاب هيكل مجده، حيث وزع على أكثر الدول العالمية المهتمة بالتراث، خصوصاً أن هيكل كتب كتابه وفق الأنظمة الحديثة للكتابة، حتى يجعله مرجعاً سهلا للباحثين الغربيين والشرقيين على السواء، ولكل من أراد أن يدرس حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). والحق أن الكتاب اختصر التاريخ وأجاد كاتبه في كثير من المناسبات، بل حلق في بعض المواقف. والكتاب موفق كماً ونوعاً ومنهجاً واسلوباً.

غير أننا ونحن نعتز بأحد أهم كتاب العصر الحديث، نأسف لكاتب من هذا النوع ـ وهو يسبر أغوار التاريخ ويشهد الحقائق بكل نصاعتها ـ أن يبقى في ذهنه شيء من رواسب الماضي العفن حيث الحزبية والطائفية المقيتة ونربأ به أن يكون في ذهنه شيء على عليّ إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، خصوصاً أن له موقفاً مميزاً في كتابة الطبعة الأولى من كتابه المطبوع في مصر عندما يتحدث عن يوم الدار، ويثبت فيه الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام) ويثور عليه المتعصبون أتباع بني أمية، ويقولون له : هذا عين ما تقوله الشيعة، فيقول لهم : هذا عين ما يقوله التاريخ، ثم يمحو ويحذف هذا الكلام من الكتاب عندما يتفق معه على شراء 500 خمسمائة نسخة في الطبعة الثانية، فيهدم بهذا هيكل كل ما بناه من تحقيق علمي نزيه وبحث موضوعي مجرد.

وهنا في هذا الموضوع عندما يتعرض لموضوع فتح مكة المكرمة يجرد علياً عن أي مكرمة بحذف مقصود واهمال مقصود، وإذا اضطرته حقائق التاريخ التي يكتبها الطبري وابن الأثير واليعقوبي وابن هشام وغيرهم ممن تعرضوا لأكثر تفاصيل الفتوحات المباركة، يختصرها اختصاراً يكاد معه يمحو ذكر الحادثة. فهو مثلا في مسألة الراية لا يذكر العباس ولا يذكر علياً (عليه السلام)، وفي مسألة أم هاني لا يذكر علياً وفي مسألة هدور دم الأعداء الألداء في العداوة الذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً بقتلهم لا يذكر علياً، وفي مسألة تكسير الأصنام يتجاهل علياً تماماً، وهكذا يبدو هيكل وكأنه في حرب مع علي (عليه السلام)غير معلنة بل معلنة.

من هنا نوصي القراء الكرام أن يعودوا الى قراءة علي وفق ما أرسله الآخرون على الأقل إرسال المسلمات رغم الظروف الصعبة التي مرّت على المؤرخين وملاحقتهم وتفتيش دفاترهم، وعرض مؤلفاتهم على أجهزة المخابرات، حتى لا يذكر فيها علي بخير. ورغم مراقبة الشاردة والواردة، ورغم المتعصبين الكثيرين ورغم هذا كله كانوا أكثر إنصافاً لعلي (عليه السلام) الذي وردت فيه الآيات والروايات الكثيرة. «عنوان صحيفة المرء حبّ علي بن أبي طالب»(10).

***

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان الحديث، 2 : 611.

(2) خاتم النبيين، 2 : 620 ـ الطبري، 2 : 163.

(3) خاتم النبيين، 2 : 627 ـ البحار، 21 : 94 وكل من ذكرها من المؤرخين.

(4) الارشاد للشيخ المفيد : 71.

(5) البحار، 21 : 132 طبعة بيروت.

(6) البحار، 21 : 116.

(7) البحار، 21 : 116.

(8) الطبري، 2 : 164.

(9) نفس المصدر.

(10) كنز العمال