الحجّ في نهج البلاغة

الشيخ فارس تبريزيان

 

الكلام كلما حسن نظمه، وانتظمت مفرداته بأحسن نظام وتحلّى بالفصاحة، وتزيّن بالبلاغة، يكون للقبول أقرب وبالنفوس أوقف خصوصاً إذا جمع بين البلاغة والفصاحة، وبين المعنى العميق الشامل لأنواع المعلومات ودقائق المفاهيم.

ومن هذا المنطلق جعل الله ـ سبحانه ـ معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن المجيد، ببلاغته وحسن عباراته، وبما فيه من الأحكام والإنذار والإبلاغ وشتّى العلوم، حتى تحدّى به العرب ـ الذين كانوا أهل البلاغة والفصاحة ـ أن يأتوا بآية من مثله.

وبعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، خلّف الثقلين: القرآن، والعترة، وتمثّل ثقل العترة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وانتقلت إليه مواريث الأنبياء والأوصياء، وورث الفصاحة والبلاغة المحمدية، شرع ـ سلام الله عليه ـ بهداية الأُمّة، بخطبه وحكمه ومواعظه ورسائله الفصيحة الشاملة لأدقّ المعاني وأمتنها، حتّى ضاهت بلاغته وفصاحته بلاغة وفصاحة العرب، وصار أمير الفصاحة والبلاغة، كما كان أمير الشجاعة والعلم والصبر والحزم والعبادة.

وبلغت خطبه(عليه السلام) إلى حدّ من البلاغة وحسن النظم حتى قيل: إنّ كلامه(عليه السلام)فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق.

وقيّض الله ـ سبحانه ـ الكثير من العلماء ممّن جمع كلامه وخطبه ورسائله ومواعظه (عليه السلام)، ودوّنها في كتب مستقلة، منهم: الشريف الرضي ـ رضوان الله عليه ـ ، حيث كتب كتابه نهج البلاغة، اختار فيه من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)وكلامه وحكمه ورسائله، حتى أصبح نهج البلاغة ولا يكاد يجهله أحد، اختار فيه من كلامه (عليه السلام) بما له ربط: بالتوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، ووصف القرآن والنبيّ وأهل البيت (عليهم السلام) والأحكام الشرعية، والمسائل الأخلاقية وصفات المتقين ووصف المنافقين والمنحرفين، وفنون الحرب وعجيب خلقة بعض الحيوانات.

وانتخبت من كلامه (عليه السلام) في نهج البلاغة ما له صلة بالحج وبيت الله الحرام، وضبطته بالاعتماد على أقدم نسختين لنهج البلاغة وسائر النسخ الأُخرى، وشرحت كلامه (عليه السلام) شرحاً شافياً، مستعيناً بالشروح المعتَمَدَة لنهج البلاغة.

 

نصّ الخطبة; منها:

وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَْنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَْنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ.

جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ.

وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمّاعاً أَجَابُوا إلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الاَْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ.

جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلاْسْلاَمِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً.

فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا * وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(1).

ذكر الشريف الرضي هذا المقطع في آخر الخطبة الأُولى من كتابه الشريف نهج البلاغة، واعتمدنا في نقل هذا المقطع من الخطبة على أقدم نسختين من كتاب نهج البلاغة كتبتا في القرن الخامس الهجري:

الأُولى: في المكتبة العامة لآية الله المرعشي (رحمه الله)، في قم، رقم 3827، كتبت سنة 499 هـ ، أو سنة 469 هـ ، ويقع هذا المقطع من الخطبة في هذه النسخة في الصفحة الثامنة والتاسعة.

الثانية: في مكتبة فخر الدين النصيري، في طهران، كتبت في القرن الخامس الهجري، ويقع هذا المقطع من الخطبة في هذه النسخة في الصفحة السادسة.

كما ويقع هذا المقطع من الخطبة في الصفحة الثانية عشرة من نهج البلاغة، طبعة مؤسسة نهج البلاغة في طهران سنة 1413 هـ ، وفي الصفحة السابعة والعشرين من نهج البلاغة بشرح الأُستاذ محمد عبده طبعة مؤسسة الأعلمي في بيروت، وفي الصفحة الثانية والعشرين من نهج البلاغة بشرح الدكتور صبحي الصالح طبعة دار الأُسوة في قم سنة 1415 هـ ، وفي الجزء الأول من الصفحة المائة والثالثة والعشرين من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي طبعة دار إحياء الكتب العربية سنة 1378 هـ ، وفي الجزء الأول من الصفحة الخامسة والثمانين من منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة لقطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي طبعة المكتبة العامة لآية الله المرعشي (رحمه الله) في قم سنة 1406 هـ ، وفي الجزء الأول من الصفحة المائتين والتاسعة والأربعين من كتاب مصادر نهج البلاغة وأسانيده للسيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب طبع مؤسسة الأعلمي في بيروت سنة 1395 هـ ، وفي الجزء الأول من الصفحة المائتين واثنتين وعشرين من شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم البحراني طبعة مطبعة خدمات چاپى في طهران سنة 1404 هـ ، وفي الصفحة الثانية والثمانين من اختيار مصباح السالكين لكمال الدين ميثم البحراني طبعة مجمع البحوث الإسلامية في مشهد سنة 1408هـ، وفي الجزء التاسع من الصفحة الثلاثمائة واثنتي عشرة من بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للشيخ محمد تقي التستري طبعة منشورات مكتبة الصدر في طهران سنة 1390 هـ ، وفي الجزء الحادي عشر من الصفحة الرابعة عشر من كتاب تفصيل وسائل الشيعة الحديث رقم 14127 طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)في قم سنة 1411 هـ .

 

اختلاف النسخ:

ذكرنا فيما سبق مِن نقل نصّ الخطبة اعتمادنا على أقدم نسختين خطّيتين من نهج البلاغة، وأشرنا إلى مواضع الخطبة في سائر الطبعات والشروح، وفي هذا الفصل نذكر الاختلافات الواردة بين نسخ نهج البلاغة وطبعاته المختلفة وشروحه، وإن كانت أكثر الاختلافات لا تمسّ بالمعنى ولا تغيّر مفاد الخطبة، نذكرها تتميماً للفائدة:

قوله: منها: في بعض النسخ: منها في ذكر الحج.

قوله (عليه السلام): وفرض عليكم، في بعض النسخ: وفرض عليهم، وفي بعض النسخ: وفرض الله عليكم حجّ بيته.

قوله (عليه السلام): حجّ بيته الحرام، في بعض النسخ لم يرد لفظ الحرام.

قوله (عليه السلام): جعله سبحانه علامة، في بعض النسخ: وجعله سبحانه علامة.

قوله (عليه السلام): يردونه، في بعض النسخ: الذي يردونه.

قوله (عليه السلام): ويتبادرون عنده موعد مغفرته، في بعض النسخ: ويتبادرون عند مغفرته، وفي بعض النسخ: ويتبادرون عند موعد مغفرته.

قوله (عليه السلام): جعله سبحانه، في بعض النسخ: جعله سبحانه وتعالى.

قوله (عليه السلام): وللعائذين، في بعض النسخ: والعائذين.

قوله (عليه السلام): فرض حجّه وأوجب حقّه، في بعض النسخ: فرض حقّه وأوجب حجّه.

 

رواية الخطبة:

روى هذه الخطبة الشريف الرضي في كتابه نهج البلاغة مرسلا، من دون ذكر سنده وهذه طريقته في كل كتابه نهج البلاغة.

وقال قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي في كتابه منهاج البراعة(2):

وأمّا رواية الخطبة: فعن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله الحارثي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، أخبرنا الحسن بن علي الزعفراني، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، أخبرنا أبو الوليد العباس بن بكار الضبي، حدّثنا أبو بكر الهذلي، عن الزهري وعيسى بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

ولو أردت ذكر ما حذفه الرضي من الخطبة لطال هذا الكتاب.

أقول: يفهم من آخر كلامه أنّ الشريف الرضي لم يورد الخطبة الأُولى التي في آخرها هذا المقطع بأكملها، بل حذف منها شيئاً، ويفهم أيضاً أنّ ما حذفه الشريف الرضي من الخطبة ليس بالشيء اليسير. ولعلّ الشريف الرضي روى الخطبة من غير الطريق الذي رواه القطب الراوندي، فحدث باختلاف الطريق الزيادة والنقصان.

 

شرح الخطبة:

* قوله (عليه السلام): وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ.

فرض اللهُ الأحكام فرضاً: أوجبها، فهو (عليه السلام) في كلامه هذا يشير إلى وجوب الحج على الخلق، وهو معلوم بالضرورة من الدين.

والحجّ: قصدُ بيت الله لزيارته مع مناسك خاصة.

وإضافة البيت إلى الله للتفضيل والتشريف والتخصيص، وإن كانت الدنيا وما فيها لله عزّ وجلّ.

والفريضة على قسمين: موقّتة بوقت معيّن، وغير موقّتة; فإذا كانت الفريضة موقتة دلّ اختصاصها بوقت لها على فضلها وشرفها ونباهة حالها، يُستدعى من الموظّف عليها فضل جهد في إقامتها، ويكون ثوابها أعظم، فإنّ أفضل الأعمال أحمزها.

والحجّ من الفرائض الموقّتة بوقت معيّن، ومعيّنة بمكان مشخص، ممّا يستدعي من الموظّف عليها إقامتها في وقتها ومكانها، وذلك يتطلب مزيد جهد للاستعداد لها، وتحمّل المشاق في إقامتها، فصارت فريضة الحج من الفرائض المهمّة في الإسلام، ويثيب الله مقيمها ما لا يثيبه في غيرها من الفرائض.

والحرام، إمّا بمعنى المحرّم، كقوله تعالى: (عند بيتك المحرّم)(3)، فإنّ العرب كانت تحرّم فيه ما تستحلّ في غيره من القتل والقتال; وإمّا بمعنى الحرم ـ كزمان وزمن ـ لكونه أمْناً لمن دخله ومانعاً له; وإمّا لأنه ذا حرمة واحترام يحرم على الخلق أن يفعلوا فيه ما لا ينبغي من مناهي الشرع.

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: آ«ألا إنّ مكّة محرّمة بتحريم الله، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ من ساعة من نهار إلى أن تقوم الساعة، لا يختلي خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفد صيدها ...آ»(4).

* قوله (عليه السلام): الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَْنَامِ.

جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ بيته الحرام الذي فرض حجّه قِبلةً للأنام، فقال عزّ من قال: (فلنولينّك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره)(5)، وهذا ممّا يزيد في شرف هذا البيت العظيم: بتوجّه المسلمين كافة أينما كانوا نحوه في صلواتهم وذبحهم وتوجيه أمواتهم، إلى غير ذلك ممّا يجب أو يستحب فيه استقبال القبلة، والقصد إليه لأداء مراسم الحج.

والقبلة: اسم للمكان المتوجّه إليه للصلاة وغيرها.

وإنّما عبّر عن البيت الحرام بالقبلة; لأنّ المصلي يقابلها وتقابله، أو لأنّ الله ـ تعالى ـ يقبل صلاة مَن توجّه إليها.

وجعل الله ـ سبحانه ـ اختلاف القبلة سمات أهل الأديان، وأعلاماً يوقف بها على انتحال المصلّي إلى نحلة لزمها من النحل، فقال عزّ من قائل: (ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها)(6).

والأنام: الجنّ والإنس، وقيل: ما على وجه الأرض من جميع الخلق.

وبناءً على التفسير الأول، يكون بيت الله الحرام قبلةً للإنس والجنّ، أمّا الإنس فواضح، وأمّا الجنّ، فيدل كلامه (عليه السلام): جعله قبلةً للأنام ـ بناءً على تفسير الأنام بالجنّ والإنس ـ على أنّ بيت الله الحرام قبلةً للجنّ أيضاً، يتوجّهون إليه حين عبادتهم، وإن كانت ماهية عبادتهم لنا مجهولة.

وبناءً على التفسير الثاني، يكون بيت الله الحرام قبلةً لجميع ما على وجه الأرض من الخلق، ومعلوم أنّ المخلوقات كلّها تعبد خالقها، وإن كانت كيفية عبادتها مجهولة لنا، إلاّ أنّ المفهوم من قوله (عليه السلام): جعله قبلةً للأنام ـ بناءً على تفسير الأنام: ما على وجه الأرض من جميع الخلق ـ أنّ بيت الله الحرام قبلةً لجميع المخلوقات تتوجّه إليه في عبادتها لربّها وخالقها.

* قوله (عليه السلام): يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَْنْعَامِ.

الورود: الموافاة، يقال: وردَ البعير الماء يرده ورداً بلغه ووافاه من غير دخول، وقد يحصل دخول فيه، وأكثر ما يستعمل ورود الأنعام على الماء، فهذا تشبيهٌ لطيف منه (عليه السلام) لورود الأنام بيت الله الحرام، فكما ترد الأنعام بتلهّف وظمإ واشتياق وازدحام لشرب الماء ومدافعة بعضهم بعضاً، يردُ الأنام بيت الله الحرام وهم على أشدّ الشوق والتلهّف لزيارة بيت ربّهم، يزدحمون ويهرولون للوصول إلى بيت الله الحرام; ليعترفوا بذنوبهم لربهم فيغفرها لهم، ويتزوّدوا من العرفان لربّهم، ويصوغوا أنفسهم صياغة ربّانية، ويتذكّروا إنسانيتهم التي نسوها من أمد بعيد!

والأنعام جمع نَعم، أكثر ما يقع على الإبل، وقيل: النعم: الإبل خاصة، والأنعام: ذوات الخفّ والظلف، وهي الإبل والبقر والغنم، وقيل غير ذلك.

وقيل: إنّ وجه الشبه بين الأنام والأنعام: عدم اطّلاع الخلق على أسرار الحجّ وعلى ما تشتمل عليه المناسك من الحكمة الإلهية، ولمّا كان العقل الذي به يتميّز الإنسان عن الأنعام وسائر الحيوان معزولا عن إدراك هذه الأسرار كاد أن

لا يكون بين الإنسان وبين مركوبه فرق في الورود إلى البيت!

وفي بعض الوجوه من هذا القيل بُعدٌ.

وروي: أنّ الكعبة شكت إلى الله ـ تعالى ـ في الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله)، فقالت: يا ربّ، ما لي قلّ زوّاري؟ فأوحى الله إليها: آ«إنّي منزلٌ نوراً جديداً على قوم يحنّون إليك كما تحنّ الأنعام إلى أولادها، ويُزَفّون إليك كما تزفّ النسوان إلى أزواجهاآ»، يعني: أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله)(7).

* قوله (عليه السلام): وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ.

قال الراوندي: أله يأله ألهاً: أي تحيّر، والأصل وله يوله ولهاً، وقال أبو الهيثم: أصل الله إلاه، وأصله ولاه، فقلبت الواو همزةً، فالخلق يولهون إليه في حوائجهم، ويفزعون إليه في كلّ ما ينوبهم(8).

وقال ابن أبي الحديد: الوله: شدّ الوجد، حتى يكاد العقل يذهب، وله الرجل يوله ولهاً. ومَن روى: آ«يألهون إليه ولوه الحمامآ» فسّره بشيء آخر، وهو يعكفون عليه عكوف الحمام، وأصله أله: عبد، ومنه الإله، أي: المعبود، ولمّا كان العكوف على الشيء كالعبادة له لملازمته والانقطاع إليه، قيل: أله فلان إلى كذا، أي: عكف عليه كأنه يعبده. ولا يجوز أن يقال: آ«يألهون إليهآ» في هذا الموضع بمعنى يولهون، وأنّ أصل الهمزة واو، كما فسّره الراوندي; لأنّ فعولا لا يجوز أن يكون مصدراً من فعلت بالكسر، ولو كان يألهون هو يولهون، كان أصله ألِه بالكسر، فلم يجز أن يقول: آ«ولوه الحمامآ»، وأمّا على ما فسّرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدراً; لأنّ أله مفتوح، فصار كقولك: دَخل دخولا(9).

وقال التستري: قلت: أمّا ما قاله من أنّ معنى آ«يألهون إليهآ» أي: يعكفون عليه، فخلط لفظاً ومعنى. أمّا لفظاً; فلأنه لم يقل أحد أن معنى أله عكف، بل عبد،

فإن قال: قلته كناية، يمنعه إليه ]في قوله: يألهون إليه[، فلو كان عليه كان له وجه. وأمّا معنىً، فلأنّ الناس لا يعكفون في مكة، وإنّما يشتاقون إلى زيارتها اشتياق الحمام إلى وكرها. وأمّا ما قاله: من أنّ فعولا لا يكون مصدر فعل بالكسر، ووله بالكسر، فليس ذلك كليّاً، بل إذا كان مضارعه يفعل بالفتح، وأمّا إذا كان يفعل بالكسر فيجوز، كما في قولك: وثق وثوقاً، وقد قال في القاموس: وله مثل ورث ووجل ووعد. وأمّا ما قاله من أنه إذا كان يألهون مهموز الأصل، فيجوز أن يكون مصدره ولوهاً; لأنّ أله مفتوح، فيكون مثال: دخل دخولا. ففيه: أنّ مصادر المجرّد ليست بقياسية، ولم ينقل في اللغة كون مصدر أله: ألوهاً، بل الاهه والوهه(10).

والحمام عند العرب: كلّ ذي طوق من الفواخت والقماري والقطا والدواجن وأشباه ذلك، الواحدة حمامة، والعامة تخصّ الحمام بالدواجن، وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري واليمام هو الذي يألف البيوت، وقال الأصمعي: اليمام حمام الوحش، وهو ضرب من طير الصحراء.

وفي تشبيهه (عليه السلام) ولوه الأنام بولوه الحمام عدّة وجوه:

منها: إشارة إلى شوق الخلق في كلّ عام إلى ورود البيت كما يشتاق إليه الحمام الذي يسكنه عند خروجه.

ومنها: إشارة إلى أنّ الحمام كما يفزع إلى محله عند الخوف، فكذلك الأنام، فإنّ الحمام يظهر عليه أثر اللوذ بكثرة.

قالوا: ومن طبع الحمام أنه يطلب وكره ولو أرسل من ألف فرسخ، وربّما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج فأكثر، ثمّ هو على ثبات عقله حتى يجد فرصة فيطير إلى وطنه.

وقيل: حمام الحرم يلتجئ إليه إلهاماً من الله لها أنه المأمن، ويقال: إنها من نسل طير أبابيل.

* قوله (عليه السلام): جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَواضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ.

علامة لتواضعهم: أي دليلا لتواضعهم، فإنّ المواقف والأعمال تدلّ على التواضع والخشوع.

ومَن لابس عملا لا يلائم صورة التكبر وينافي أعمال الجبابرة: من الإقبال على حجر أصم بالتقبيل، وعلى مواطن خالية من حوادث الاطماع بالإجلال، صار ذلك الفعل أتمّ رياضة على طرح الأنَفَة; فإنّ من أطاعته نفسه لوجه الله ـ تعالى ـ في توقير شيء، ظاهره لا ينفع ولا يؤذي ولا يعلم ولا يشكر، فهو إلى توقير مَن هو أعلى منه درجة من الأنبياء والملائكة أسرع.

* قوله (عليه السلام): وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ.

أذعن إذعاناً: انقاد ولم يستعص، وناقة مِذعان: منقادة.

والعزّة: الغلبة، والعزيز من أسمائه سبحانه: الغالب الذي لا يُغلب.

وإنّما جعله ـ سبحانه ـ علامةً لإذعانهم لعزّته; لأنّ العقل لمّا لم يكن ليهتدي إلى أسرار أعمال الحج، لم يكن الباعث عليها في أكثر الخلق إلاّ الأمر المجرّد وقصد امتثاله من حيث هو واجب الاتباع فقء وفيه كمال الرقّ وخلوص الانقياد لله، فمن فعل ما أمر به من إتيان بيت الله وأداء مناسك الحج، فهو المنقاد لعزّة الله، المخلص الذي ظهرت عليه علامات المخلص المتواضع المذعن لجلال الله ربّ العالمين.

وروي: أنّ ابن أبي العوجاء تلميذ الحسن البصري انحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة، فقال: إنّ

صاحبي كان مخلطاً، كان يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه، فقدِم مكة متمرّداً وإنكاراً على من يحج، وكان يكره العلماءُ مجالسَتَهُ، لخبث لسانه وفساد ضميره، فأتى أبا عبد الله (عليه السلام)، فجلس إليه في جماعة من نظرائه، فقال: يا أبا عبد الله، إنّ المجالس بالأمانات، ولابدّ لكلّ مَن به سعال مِن أن يسعل، أفتأذن لي بالكلام؟ فقال: تكلّم.

فقال: إلى كم تدوسون بهذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، إنّ مَن فكّر في هذا وقدّر علم أنّ هذا أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل، فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه، وأبوك أُسّه وتمامه.

فقال (عليه السلام): آ«إنّ من أضلّه الله وأعمى قلبه، واستوثم الحقّ ولم يستعذ به، فصار الشيطان وليّه وربّه، يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره، وهذا البيت استعبد الله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محلّ أنبيائه وقبلةً للمصلّين إليه، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام، ...آ»(11).

* قوله (عليه السلام): وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ.

السّماع جمع سامع ـ كسامر وسمّار ـ وهم الحاج في قوله تعالى: (وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجٍّ عميق)(12).

والضمير في قوله (عليه السلام): آ«أجابوا إليهآ» للبيت، وفي آ«دعوتهآ» لله تعالى، أي أجابوا ـ قاصدين إلى البيت ـ دعوتَه تعالى.

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): آ«لمّا أُمر إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ببناء البيت، وتمّ بناؤه، قعد إبراهيم على ركن ثمّ نادى: هلمّ الحجّ، فلو نادى: هلمّوا إلى الحج، لم يحجّ إلاّ من كان يومئذ إنسياً مخلوقاً، ولكنّه نادى: هلمّ الحج، فلبّى الناس في أصلاب الرجال: لبّيك داعي الله، لبّيك داعي الله عزّ وجلّ، فمن لبّى عشراً يحجّ عشراً، ومَن لبّى خمساً يحجّ خمساً، ومن لبّى أكثر من ذلك، فبعدد ذلك، ومَن لبّى واحداً حجّ واحداً، ومَن لم يلبّ لم يحجّآ»(13).

* قوله (عليه السلام): وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ.

إشارة إلى مطابقة أفعالهم، لما جاءت به الأنبياء من كلام الله سبحانه، وعدم مخالفتهم وتكذيبهم لهم.

* قوله (عليه السلام): وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ.

في كلامه هذا (عليه السلام) استدراج حسن للطباع اللطيفة المتشوقة إلى لقاء الله، وجذب لها إلى هذه العبادة، بذكر التشبيه بالأنبياء.

وإنّما شبّه مواقفهم بمواقف الأنبياء; لأنّ الأنبياء قد حجّوا بالبيت الحرام أيضاً، ووقفوا في تلك المواقف، فهي مواقف إبراهيم وإسماعيل وآدم والأنبياء ومحمد ـ صلوات الله عليهم ـ .

فروي عن أبي جعفر (عليه السلام): آ«كان طول سفينة نوح ... وطافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة سبعة أشواء ثمّ استوت على الجوديآ»(14).

وروي: أنّ إبراهيم لمّا أذّن في الناس بالحج، حجّ هو وأهله وولده(15).

وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): آ«لمّا أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة، فقالت: يا آدم، برّ حجّك، أما إنّا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عامآ»(16).

وروي: سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن البيت: أكان يحجّ قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه وآله)؟ قال: آ«نعم، وتصديقه في القرآن قول شعيب (عليه السلام) حين قال لموسى (عليه السلام) حيث تزوّج: (على أن تأجرني ثماني حجج)(17)، ولم يقل: ثماني سنين، وأنّ آدم ونوح (عليهما السلام)حجّا، وسليمان بن داود قد حجّ البيت بالجنّ والإنس والطير والريح، وحجّ موسى على جمل أحمر، يقول: لبيك لبيك، وأنّه كما قال الله: (إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين)(18)آ»(19).

وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): آ«مرّ موسى النبي (عليه السلام) بصفاح الروحاء على جمل ... وهو يقول: لبيك يا كريم لبيك. قال: ومرّ يونس بن متّى بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك. قال: ومرّ عيسى بن مريم بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك عبدك ابن أمتك. ومرّ محمّد (صلى الله عليه وآله) بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك ذا المعارج لبيكآ»(20).

وروي عن أبي جعفر (عليه السلام): مرّ موسى بن عمران (عليه السلام) في سبعين نبياً على فجاج الروحاء ... يقول: لبيك عبدك ابن عبديكآ»(21).

* قوله (عليه السلام): وَتَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ.

آ«الملائكة المطيفين بالعرشآ»: هم الكروبيّون، وهم أشراف الملائكة وعظماؤهم.

والمطيف هاهنا: بمعنى الطائف، والمطيف أيضاً: الملمّ النازل بقوم، وطاف بالبيت طوفاً: أي دار حوله، وحقيقة أطاف: أنّ المطيف، هو الذي يطيف نفسه كأنه فزعها لذلك، فهو بكلّيته مشتغل به من أفعال القلوب وأفعال الجوارح.

والتشبّه بالملائكة من طريق الأفعال التي هي عبادة الله تعالى، والتنزّه عن الرفث والفسوق والجدال وقضاء الشهوات في الإحرام، فمن أعرض عن قضاء الشهوات وهو مقبل على عبادة الله تشبّه بالملائكة، فإنّ الملائكة يسبّحون الليل والنهار لا يفترون ولا يقضون شهوة.

ويحتمل أن يكون التشبّه بالملائكة من حيث قال تعالى: (وترى الملائكة حافّين من حول العرش)(22)، وكذلك الحجاج حول الكعبة.

ويحتمل أن يكون التشبّه بالملائكة إشارة إلى أنّ البيت المعمور بإزاء الكعبة في السماء، وأنّ طواف الخلق بهذا البيت يشبه طواف الملائكة وإحداقهم بالبيت المعمور والعرش، فهم متشبّهون بالملائكة في الطواف من طريق التعبّد، والغاية أن يترقّى مَن أخذ العناية بيده من هذا الطواف إلى أن يصير من الطائفين بالعرش والبيت المعمور.

واعلم، أنّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبية، وأنّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التي هي عالم الغيب، كما أنّ الإنسان الظاهر في هذا العالم مثال للإنسان الباطن الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب، وأنّ عالم الشهادة مرقاة ومدرج إلى عالم الغيب لمن فتح له باب الرحمة، وأنّ أولياء الله المقرّبين لمّا يطوفون حول بيت الله الحرام ناظرون في طوافهم الطواف حول البيت المعمور الذي هو بإزاء الكعبة، متشبّهون بطواف الملائكة حول البيت المعمور والعرش بحسب الإمكان، وعدّوا بأنّ مَن تشبّه بقوم فهو منهم، وكثيراً ما يزداد ذلك التشبّه إلى أن يصير المتشبّه في قوّة المتشبّه به.

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام): آ«علّة الطواف بالبيت: أنّ الله قال للملائكة: (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ...)(23)، فردّوا على الله، فندموا، فلاذوا بالعرش واستغفروا، فأحبّ الله أن يتعبّد بمثل ذلك العبادُ، فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش يسمّى الضراح، ثمّ وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمّى البيت المعمور بحذاء الضراح، ثمّ وضع البيت بحذاء البيت المعمور، ثمّ أمر آدم (عليه السلام) فطاف به فتاب عليه، وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامةآ»(24).

وروي أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام): آ«لمّا أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة، فقالت: يا آدم برّ حجّك، أما إنّاقد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عامآ»(25).

* قوله (عليه السلام): يُحْرِزُونَ الاَْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ.

الحرز: المكان الذي يحفظ فيه، واحرزت المتاع: جعلته في الحرز، واحرزت الشيء إحرازاً، ضممته، أحرز قصب السبق: إذا سبق إليها فضمّها دون غيره.

والأرباح: جمع ربح، والمراد به هاهنا: الثواب.

والمتجر: محلّ التجارة، ومواقف الحج في مكة وحواليها متجر يحصل الإنسان فيها على الثواب; لأنها متجر العبادة والطاعة، لا المال والمادة.

فقد استعار (عليه السلام) لفظ المتجر للحركات في العبادة، ولفظ الأرباح لثمرتها في الآخرة من كرامة الله.

وقد ذكر (عليه السلام) هاهنا الربح استدراجاً لطباع الخلق بما يفهمونه ويميلون إليه من حبّ الأرباح في الحركات، ليشتاقوا فيعبدوا، وإلاّ فهو (عليه السلام) قسّم العبادة إلى ثلاثة أقسام، وعدّ هذه العبادة عبادة التجّار، وأحسن للعبد إذا نظر في عبادته إلى أنّ الله هو أهل للعبادة، فيحذف جميع الأغراض والخواطر عن درجة الاعتبار، ويجعلها خالصة لوجهه تعالى; لأنّه هو.

* قوله (عليه السلام): وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ.

المبادرة: المسارعة والمسابقة، أي: يسابق بعض الحجاج بعضاً.

وقوله (عليه السلام): آ«عند موعد مغفرتهآ»، أي: عند المحلّ الذي وعد الله الغفران فيه.

والتبادر إنّما هو بالأعمال الصالحة، كما قال الله سبحانه: (وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم)(26)، كأنّ مَن يعمل أكثر يكون أكثر مسارعةً لتحصيل المغفرة والمثوبة.

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام): آ«إنّما أُمروا بالحجّ لعلّة الوفادة إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من إخراج الأموال، وتعب الأبدان، والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات، شاخصاً في الحرّ والبرد، ثابتاً على ذلك دائماً، مع الخضوع والاستكانة والتذلّل ...آ»(27).

* قوله (عليه السلام): جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلاِْسْلاَمِ عَلَماً.

ولمّا كان الإسلام وأحكامه هو الطريق إلى الله سبحانه، استعار لفظ العلم للحج بالنسبة إليه; لأنّ به يكون سلوك طريق الله والصراط المستقيم، كالأعلام التي تخفق للعسكر فيأوي إليها الجيش والمارة على مقاصدهم.

ويحتمل أن يكون المراد بالعلم: الجبل، فهو كالجبل الأشم الذي يلوذ بكنفه الناس من الحرّ والبرد وسائر المخاوف.

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): آ«لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبةآ»(28).

* قوله (عليه السلام): وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً.

آ«العائذينآ» جمع عائذ: وهو المستجير.

وقوله (عليه السلام): حرماً أي محلّ أمن وسلامة، حتى إنّ الولي للدم لا يتمكن من أن ينال المجرم بسوء وهو عائذ بالحرم، فمن دخل من الناس الحرم مستجيراً به فهو آمن، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم.

* قوله (عليه السلام): فَرَضَ حَجَّهُ.

فرض: أي أوجب.

والحج مستجمع لعبادة النفس، وعبادة المال، وعبادة البدن، وهو الطهور الأكبر، والنسك الأعظم، وبه يفارق المسلم أهل الملل، ولذلك قال (عليه السلام): آ«مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فليمت على أيّ حال: إن شاء يهودياً، أو نصرانياًآ».

وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: آ«بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولايةآ» الحديث(29).

* قوله (عليه السلام): وَأَوْجَبَ حَقَّهُ.

أي: حق البيت بالحجّ والاحترام.

روي عن الإمام السجاد (عليه السلام): آ«وحقّ الحجّ: أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، وفرار إليه من ذنوبك، وفيه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله تعالى عليكآ».

* قوله (عليه السلام): وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ.

كتب: فرض وألزم.

والوفادة: الزيادة، والقدوم للاسترفاد والانتفاف ولفظه مستعار للحج; لأنّه قدوم إلى بيت الله طلباً لفضله وثوابه.

* قوله (عليه السلام): فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (... وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا * وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(30).

استدلّ (عليه السلام) بهذه الآية على وجوب الحج، حيث قال (عليه السلام): آ«فرض حجّه وأوجب حقّه وكتب عليكم وفادتهآ».

وقوله تعالى: (ولله على الناس حجّ البيت)، أي: حقّ لله على الناس أن يحجّوا بيته.

وقوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا)، أي: تمكّن من المسير إليه بالزاد والراحلة والنفقة وما أشبه ذلك.

وقوله تعالى: (ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين)، فجعل من لم يحجّ وهو مستطيع كافراً، وأنه لا يضرّ الله، وإنّما يضرّ نفسه، لأنّ الله ـ سبحانه ـ غنيٌّ عن العالمين، والمراد بالكفر هنا إمّا مطلق الكفر، فتجري على مَن عرف وجوب الحجّ وهو مستطيع ولم يحجّ طغياناً أحكام الكفار; أو الكفر العملي لا مطلق الكفر.

فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: آ«من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياًآ»(31).

وروي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حين سئل عن هذه الآية، وأن من لم يحجّ فقد كفر، فقال (عليه السلام): آ«لا، ولكن مَن قال: ليس هذا هكذا فقد كفرآ»(32).

وقبل هذه الآية: (إنّ أول بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً).

* * *

 

مصادر البحث:

1 ـ القرآن الكريم.

2 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، شرح الدكتور صبحي الصالح، دار الأسوة، قم، 1415 هـ .

3 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، نسخة مخطوطة، رقم 3827، في المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم.

4 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، شرح الأستاذ محمد عبده، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

5 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، نسخة مخطوطة، في مكتبة فخر الدين النصيري، طهران.

6 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، تحقيق الشيخ عزيز الله العطاردي، مؤسسة نهج البلاغة، طهران، 1413 هـ .

7 ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، دار إحياء الكتب العربية، 1378 هـ .

8 ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي، المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم، 1406 هـ .

9 ـ مصادر نهج البلاغة وأسانيده، السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1395 هـ .

10 ـ معارج نهج البلاغة، ظهير الدين علي بن زيد البيهقي فريد خراسان، المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم، 1409 هـ .

11 ـ المصباح المنير، أحمد بن محمد الفيّومي، دار الهجرة، قم، 1414 هـ .

12 ـ شرح نهج البلاغة، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، مطبعة خدمات چاپى، 1404 هـ .

13 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، محمد تقي التستري، مكتبة الصدر، طهران، 1390 هـ .

14 ـ نهج البلاغة (نسخة المعجم المفهرس)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، 1408 هـ .

15 ـ المعجم الموضوعي لنهج البلاغة، إدريس كريم محمد، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1408 هـ .

16 ـ المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، كاظم محمدي ومحمد دشتي، دار الأضواء، بيروت.

17 ـ اختيار مصباح السالكين (شرح نهج البلاغة الوسيط)، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1408 هـ .

18 ـ توضيح نهج البلاغة، السيد محمد الحسيني، دار تراث الشيعة، طهران.

19 ـ تفصيل وسائل الشيعة، الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي، مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث، قم، 1411 هـ .

20 ـ مستدرك الوسائل، الحاج ميرزا حسين النوري، مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث، قم، 1407 هـ .

 

الهوامش:

(1) آل عمران : 97.

(2) منهاج البراعة 1 : 107-109.

(3) إبراهيم : 37.

(4) الوسائل 12 : 406 ح16634.

(5) البقرة : 144.

(6) البقرة : 148.

(7) الوسائل 11 : 22 ح14143.

(8) منهاج البراعة 1 : 106.

(9) شرح نهج البلاغة 1 : 123.

(10) بهج الصباغة 9 : 314-315.

(11) الكافي 4 : 198 ح1.

(12) الحج : 27.

(13) الوسائل 11 : 10 ح14115.

(14) الوسائل 11 : 8 ح14110.

(15) الوسائل 11 : 8 ح14110.

(16) الوسائل 11 : 9 ح14112.

(17) القصص : 27.

(18) آل عمران : 96.

(19) مستدرك الوسائل 8 : 9 ح8922.

(20) الوسائل 12 : 385 ح16573.

(21) الوسائل 12 : 385 ح16574.

(22) الزمر : 75.

(23) البقرة : 30.

(24) الوسائل 13 : 296 ح17788.

(25) الوسائل 11 : 9 ح14112.

(26) آل عمران : 133.

(27) الوسائل 11 : 13 ح14121.

(28) الوسائل 11 : 21 ح14142.

(29) الوسائل 1 : 13 ح1.

(30) آل عمران : 97.

(31) الوسائل 11 : 29 ح14162.

(32) الوسائل 11 : 16 ح4128.