البعد المعنوي للحجّ في رؤى الإمام عليّ(عليه السلام)

محمد علي المقدادي

 

حينما نقف عند كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) حول الحجّ ، ونلاحظ أحاديثه العطرة ، نجد أبعاداً فكرية ومعنوية للشخص وللمجتمع ، والحقّ أنّ تلك الأبعاد هي الأسوة التي لابدّ لنا منها طيلة حياتنا ، فهي صالحة لكلّ إنسان ، ولكلّ العصور .

في هذه المقالة الموجزة بعد أن نتعرّف على مواضع تحصيل المعنوية ، ننتخب من آثاره(عليه السلام) ما له صلة بالبحث :

 

ما هي المعنوية؟

إنّ استفتاح رحمة الله الواسعة ، واستنزال بركاته الثمينة ، يحتاج إلى مقدّمات ومبادئ ، كلّما حصل منها شيء ، حصل القرب إليه سبحانه وتعالى بمقدار ذلك ، فالتقرّب إلى الحقّ المبين يساوق المعنوية ، فلا معنوية إلاّ بالتقرّب .

يقول بعض العلماء المهذّبين :

«اعلم أيّها الطالب للوصول إلى بيت الله الحرام; أنّ للحضرة الأحديّة ـ جلّ شأنه العظيم ـ بيوتات مختلفة :

منها : الكعبة الظاهرية .

ومنها : البيت المقدّس .

ومنها : البيت المعمور .

ومنها : العرش .

ومنها : القلب .

ومنها : الكعبة الحقيقية .

ولا شكّ ولا ريب في أنّه لكلّ بيت من البيوت لطالبه رسوم وآداب . . . ثمّ اعلم أنّه لعلّ الغرض من تشريع الحجّ أنّ المقصود الأصلي من خلق الإنسان هو معرفة الله ، والوصول إلى درجة حبّه والأنس به ، ولا يمكن حصول هذين الأمرين إلاّ بتصفية القلب ، ولا يمكن ذلك إلاّ بكفّ النفس عن الشهوات ، والانقطاع من الدنيا الدنيّة ، وإيقاعها على المشاق من العبادات ، ظاهرية وباطنية»

إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) كتب إلى الحارث الهمداني كتاباً يكون بمثابة فصل الخطاب حول تحصيل مواضع العبودية ، والوصول إلى المراتب المعنوية ، والآن نذكر فقرات من ذلك الكتاب تتميماً للفائدة :

«وتمسّك بحبل القرآن واستنصحه، وأحلّ حلاله ، وحرِّم حرامه ، . . . واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلّة الأعوان على طاعة الله ، . . . وأطع الله في جُمَلِ أمورك ، فإنّ طاعة الله فاضلةٌ على ما سواها ، وخادع نفسك في العبادة ، وارفق بها ولا تقهرها ، . . . وإيّاك أن ينزل بك الموت وأنت آبِقٌ من ربّك في طلب الدنيا ، وإيّاك ومصاحبة الفُسّاق ، فإنّ الشرّ بالشرّ ملحقٌ ، ووقّر الله وأحبب أحبّاءه ، واحذر الغضب ، فإنّه جُندٌ عظيم من جنود إبليس ، والسّلام».

فتبيّن من هذا أنّ تحصيل الكمالات يحتاج إلى العمل الصالح ، والزجر والابتعاد من حرمات الله ، وبهذا وبغيره يصير الإنسان وعاءً صالحاً للمعنويات ، ويصير أيضاً حقيقاً لاستفتاح الرحمة واستنزال البركة ، وجديراً لأن يكون عالَماً ربّانياً . وفّقنا الله لإدراك هذه المراتب والدرجات .

 

البُعد المعنوي للحجّ

جرت السيرة العقلائية على الرجوع إلى الخبراء الأخصّائيين، للتحقيق والبحث حول أمر ما ، أو لرفع مشكل عند بروزه ، وهذا أمر بديهي لا ينكره أحد ، مثلا ، المريض إذا أراد أن يبرأ من المرض; لا يراجع غير المستشفى، ليفحص الطبيب مرضه ثمّ يداويه حتّى يبرأ.

وإذا ما أردنا نحن البحث عن البعد المعنوي للحج فعلينا المراجعة إلى أخصائي خبير في هذا الموضوع ، ألا وهو الإمام علي(عليه السلام) ، فهو الإنسان الكامل الذي بذل كلّ جهوده لصالح الأمّة المسلمة ، وهو الخبير الذي يكون كالبحر الواسع ، ولا تزال تجري من وجوده العلوم بكلّ فروعها ، ويترشّح من زلال معنوياته كلّ الخير .

والعجيب أنّه لم يحدّث حتى برواية واحدة طيلة حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) ، ولم ينقل منه(عليه السلام) خبر قطّ خلال تلك الفترة ، إنّ هذا يحكي عن توقيره وشدّة احترامه لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل الإمام(عليه السلام)قد بادر بأخذ العلم والحكمة من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ، وأخذ ما أخذ ، حتّى صار أفضل صحابته علماً وعملا . . .

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» . ولأجل هذا قرّرنا أن نستفيد من كلماته الحكيمة (سلام الله وصلواته عليه) في هذه الوجيزة .

 

المناسك

إنّ المناسك التي أوجبها الله تعالى للحاج والمعتمر; مملوءة من الدروس والعبر ، بعد أن كانت أحكاماً تبدأ من الميقات وتنتهي إلى الحلق أو التقصير ، وإلى طواف النساء وصلاته ، وتتجلّى أهمّية هذه المناسك عندما نرى أحكامها المتعدّدة التي نحتاج لأدائها إلى ساعات بل أيّام كالإحرام وتروكه ، والطواف وصلاته ، والسعي ، والحلق أو التقصير ، والوقوف بعرفات ، والوقوف بالمشعر الحرام ، والنفر إلى منى ، والرمي ، والذبح ، والبيتوتة في منى أيّام التشريق ، وغيرها .

ولا يخفى أنّ ما يتحمّله الحاجّ من المعاناة والتعب والمشاق ، يتيح له الفرصة لأن يفكّر لماذا أمر الله سبحانه وتعالى عباده الأغنياء ـ ولا الفقراء ـ أن يأتوا من كلّ فجٍّ عميق إلى أداء المناسك؟ وقال عزّ من قائل : [وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]» . وإثر هذه الأهمية فقد كتب الإمام(عليه السلام) رسالة إلى قثم بن العبّاس ، وهو عامله على مكّة :

«أمّا بعد ، فأقم للناس الحجّ ، وذكِّرهم بأيّام الله ، واجلس لهم

العصرين» ، فأفتِ المُستفتي ، وعلِّم الجاهل ، وذاكر العالِم ، ولا يكن لك إلى الناس سفيرٌ إلاّ لسانك ، ولا حاجبٌ إلاّ وجهك . ولا تحجبنَّ ذا حاجة عن لقائك بها ، فإنّها إن ذيدت» عن أبوابك في أوّل وِردها» ، لم تحمد فيما بعد على قضائها . . .» .

أفاد الإمام(عليه السلام) خلال هذه الجمل الحكيمة ، أنّ زائر بيت الله الحرام يحتاج إلى تعلّم الأحكام والمناسك ، وإذا نسي أو جهل فلابدّ وأن يسأل العلماء عن كلّ ما يجهله . ونستفيد أيضاً لزوم مرافقة عالم ديني في هذه الأزمنة; للحاج أو المعتمر; لئلا يبقى جاهلا ، بل يبادر بتدارك أعماله العبادية طبقاً لوظيفته .

ولذلك نرى كلّ قوافل الحجّ تستفيد من عالم ديني عارف بالأحكام والمناسك ، وهو يرافقهم في هذا السفر الإلهي المبارك ، لأنّ آثار بطلان الحجّ والعمرة ربّما تثير إلى فشل علاقات اجتماعية ، كحرمة الزواج ، وحرمة المواقعة ، وإلى وجوب أداء الكفّارة وأمثالها .

وفي ضوء ذلك يقول الإمام علي(عليه السلام)في كتابه إلى عامله على البصرة; عثمان ابن حنيف الأنصاري : « . . . ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيءُ بنور علمه . . . ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقُرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد...».

 

النظر إلى بيت الله

ومن وصاياه (عليه السلام): «... إذا حججتم فأكثروا النظر إلى بيت الله فإنّ لله مائة وعشرين رحمة عند بيته الحرام ، منها ستّون للطائفين ، وأربعون للمصلّين ، وعشرون للناظرين...».

إنّ السياحة والزيارة من الأسباب التي يمكن تحصيل المعنوية بها; لأنّ البصيرة تحصل بالبصر . ولكن هل يكون لكلّ سياحة ولأيّ زيارة هذا الأثر العظيم ، أم يلزم ذلك زيارة خاصّة؟

والهدف من السياحة والنظر إلى الأماكن والآثار التأريخية الموجودة في أنحاء العالم ، هو الوقوف على الفنون المعمارية القديمة وجهود الفنّانين في تلك العصور ، والعلم بالحضارات والثقافات الفانية التي أحدثتها الملل السابقة ، وقد يكون الهدف من السياحة نفس السياحة ، وليس شيئاً آخر; وحينئذ لا يوجد أي باعث معنوي لتلك السياحة ولذاك النظر .

نعم ، قلّما يتّفق إثارة الباعث المعنوي ، كأن يكون الزائر من الأشخاص الذين لا ينظرون إلى الظاهر فقط ، بل يتوجّهون إلى المعنى والباطن ، وفي أثر هذا يدّخرون الحسنات ليوم المعاد .

ثمّ إنّه ليس للنظر ثواب ورحمة إلاّ في بعض الأشياء ، كالنظر إلى وجه العالم ، ونظر الولد إلى وجه والديه و . . . ، وأما النظر إلى الكعبة الشريفة ، فله ثواب أكثر لم يرد في الأحاديث مثله . إنّ ساحة المسجد الحرام مملوءة بالرحمات الكثيرة ، ولا يمكن الحصول على هذه الخيرات إلاّ في هذا المكان المقدّس ، فالزائر لبيت الله الحرام والمتواجد فيه ، لا يخرج من هذه الحالات الثلاث :

إمّا أن يكون طائفاً ، وإمّا أن يكون مصلّياً ، وإمّا أن يكون ناظراً .

فأمّا الطائف ، تنزل لصالحه ستّون رحمة .

وأمّا المصلّي ، فتنزل لصالحه أربعون رحمة .

وأمّا الناظر ـ سواء أكان جالساً في المسجد أو قائماً ـ عندما ينظر إلى بيت الله الحرام ، فتنزل لصالحه عشرون رحمة .

وأنت ترى ما أنتج هذا السفر الإلهي من المعنويات والآثار المقدّسة ، فهل يمكن استنزال الرحمة في سائر الأماكن كاستنزالها في بيت الله الحرام؟

فالسير إلى ديار الوحي ، والنفر من الأهل والولدان ، للحضور في بلد الله الآمن الذي [ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ . . .] ، ليس إلاّ لباعث معنوي قوي; وهو النظر إلى الكعبة ، وآيات الله البيّنات ، والتوجّه إلى وسمات العبودية لله سبحانه وتعالى ، وقطع العلاقات عن كلّ شيء وعن كلّ شخص وحتى عن نفسه .

وفي هذه الساحة المباركة ـ المسجد الحرام ـ يمكن إحساس اللحاق بالله تعالى وبالخلد والخلود والرجوع إلى الفطرة السليمة البعيدة من التلوّث والانحراف ، [ صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ]» .

 

إقرار العبد عند البيت

إنّ عظمة وجمال المسجد الحرام وخصوصاً الكعبة الشريفة ، والأروقة المحيطة بها ، والمطاف ، ومقام إبراهيم ، وحجر إسماعيل والميزاب والحطيم والملتزم والمستجار وبئر زمزم ، كلّ منها يشير إلى الذكريات التأريخية المهمّة ، وأجمل من ذلك مناجاة الناس في المطاف المقدّس بمختلف لغاتهم حينما يبدأ كلّ منهم بالإقرار بالعبودية والتوبة من الذنوب .

والحقّ أنّ هذا المكان الرفيع المقدّس أفضل الأمكنة للإقراربالذنوب والمعاصي وطلب العفو من الله سبحانه وتعالى .

إنّ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)قال : « . . . أقرُّوا عند بيت الله الحرام بما حفظتموه من ذنوبكم ، وما لم تحفظوه فقولوا : ما حفظتَه ياربّ علينا ونسيناه فاغفر لنا ، فإنّه من أقرَّ بذنوبه في ذلك الموضوع ، وعدّدها وذكرها واستغفر الله جلّ وعزّ منها ، كان حقّاً على الله أن يغفرها له» .

ينبغي للإنسان أن يكون عارفاً بما يفعل ويعمل ، ويلزم عليه أن يحفظ في ذاكرته كلّ أعماله ، خصوصاً ما كان منها يحتاج إلى طلب عفو ، أو إعطاء حقّ ، أو غيرهما . فإذا نسي ما لا بدّ له من الجابر ، فلا يمكن للناسي الفرار من سخط الله سبحانه وتعالى وعذابه ، سيّما إذا كان ذلك من حقوق الناس .

ولنعم ما قال صاحب تفسير آلاء الرحمان ، العلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي(رحمه الله) حول هذا الموضوع ، حيث قال : « . . . إنّ كثيراً من النسيان والخطأ ما يقع بسبب التساهل والتقصير في التحفّظ لتحصيل ما كلّف به ، وهذا ممّا لا تقبح فيه المؤاخذة على مخالفة الواقع ، فطلبوا من الله أن لا يؤاخذهم في ذلك» .

فقوله(عليه السلام): «...ومالم تحفظوه فقولوا: ما حفظته يا ربّ علينا ونسيناه فاغفر لنا» . يشعر بذلك المعنى; لأنّه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء .

قال سبحانه وتعالى : [ما يلفظ من

قول إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ]» .

وقال تعالى : [إنْ كلُّ نفس لمّا عليها حافظٌ]» .

وقال تعالى : [إنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء]» .

ثمّ إنّه لا يخفى على المتدبّر أنّ النسيان من النعم الكبيرة التي رزقها الله تعالى عباده ، فلو لم يكن النسيان وكان الإنسان متذكّراً دائماً بما أصابه من المصيبات والغموم والهموم ، وبما ظلمه الظالمون ، لم يبقَ حجر على حجر ، ولكثرت الأحقاد والضغائن ، والحوادث الدامية في المجتمع .

فالناظر إلى بيت الله الحرام ، والحاضر في تلك الساحة المقدّسة ، يحقّ أن يباهي جميع الناس بأنّه الزائر وأنّ المزور يغفر لزائره ، ويا حبّذا من هذا المقام المنيع ، يقرّ العبد في ذلك المكان المقدّس الطاهر بذنوبه ، والله سبحانه وتعالى يغفرها .

وبما أنّ الإنسان محلّ للزلّة والخطإ ، فلا بدّ وأن يجد مكاناً لغفران ذنوبه وزلاّته ، فهل يوجد مكان أفضل من المسجد الحرام لذلك الغرض؟ ولهذا أمرنا الإمام(عليه السلام)بالحضور الدائم فيه وأوصى الناس أن لا يتركوا البيت العتيق خالياً : قال(عليه السلام) في وصيّته لابنه الحسن المجتبى(عليه السلام):« ... الله الله في بيت ربّكم فلا يخلو منكم ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا وأدنى ما يرجع به مَن أمَّهُ أن يغفر له ما سلف» .

إنّ الإمام(عليه السلام) لم يوص بهذا الأمر فقط ، بأن لا يخلو البيت وأن يكون دائماً مملوءاً من المستغفرين ، بل إنّه (عليه السلام)عمل بهذا المعنى ليعلّمنا كيف نستغفر الله وكيف نتقرّب إليه؟! وإليك بعض النصوص الواردة في هذا الأمر :

كان أمير المؤمنين(عليه السلام) إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثمّ يرفع يديه ويقول : «اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته قطّ ، فإن عدتُ فعد عليَّ بالمغفرة ، فإنّك أنت الغفور الرحيم ، اللّهمّ افعل بي ما أنت أهله ، فإنّك إن تفعل بي ما أنت أهله ترحمني ، وإن تعذّبني فأنت غني عن عذابي وأنا محتاج إلى رحمتك ، فيامن أنا محتاج إلى رحمته ارحمني ، اللّهمّ لا تفعل بي ما أنا أهله ، فإنّك إن تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولن ]لم[ تظلمني ، أصبحتُ أتّقي عدلك ، ولا أخاف جورك ، فيا من هو عدلٌ لا تجور ارحمني» .

 

الوقوف

لقد بلغت أركان الحجّ مرتبة رفيعة من الأهمّية ، بحيث لو ترك واحدة منها لبطل الحجّ ويجب على التارك التدارك في العام المقبل .

ومن تلك الأركان : لزوم الوقوف بالموقفين ، عرفات والمشعر الحرام . فالحاجّ بعد أن أحرم في الحرم يجب عليه أن يخرج من الحرم حتى يهيّئ نفسه للدخول فيه مرّة أُخرى .

ولا يكاد يسمح للحاجّ الدخول في الحرم الآمن إلاّ بعد أن يتعب نفسه في أداء المناسك ، والصبر على الحرّ والبرد ، وصرف المال الحلال; لأنّه إن صرف المال المشتبه في هذا السفر المعنوي لم يصحّ حجّه ، ولا يصير حاجّاً ، فحينئذ بقي العناء وذهب الأجر ولا العكس .

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سُئل عن الوقوف بالجبل» ، لِمَ لم يكن في الحرم؟

فقال(عليه السلام) : «لأنّ الكعبة بيته والحرم بابه ، فلمّا قصدوه وافدين ، وقفهم بالباب يتضرّعون» .

قيل له : فالمشعر الحرام لِمَ صار في الحرم؟

قال(عليه السلام) : «لأنّه لمّا أذن لهم بالدخول وقفهم بالحجاب الثاني ، فلمّا طال تضرّعهم بها أذن لهم بتقريب قربانهم ، فلمّا قضواتفثهم تطهّروابهامن الذنوب التي كانت حجاباً بينهم وبينه ، أذن لهم بالزيارة على الطهارة» .

قيل: فلِمَ حرّم الصيام أيّام التشريق؟

قال(عليه السلام) : «لأنّ القوم زوّار الله ، فهم في ضيافته ، ولا يجمل بمضيف أن يصوّم أضيافه» .

قيل : فالتعلّق بأستار الكعبة لأيّ معنى هو؟

قال(عليه السلام): «هو مثل رجل له عند آخر جناية وذنب، فهو يتعلّق بثوبه يتضرّع إليه ويخضع له أن يتجافي عن ذنبه» .

 

الرمي

لسنا الآن بصدد بيان فلسفة أحكام الحجّ وكم لها من علل وأسباب ، بل أردنا أن ننظر إلى البُعد المعنوي الذي به قوام الحكم ، وفي ضوئه يتّضح طريق الحقّ ومسيرة الفلاح .

ولا يستثنى الرمي هنا ، إنّ رمي الجمار ليس المقصود به مجرّد رمي الجمرات الثلاث; الأولى والوسطى والعقبة بعدد من الحصى ، بل الرمي هو رمي الشيطان ، فبالرمي يبتعد الإنسان المؤمن عن الشيطان ، ويتقرّب أكثر فأكثر من حضرة الحقّ ، ولا يحصل ذلك للرامي إن كان من حزب الشيطان ، وبالتالي فلا يرمي إلاّ نفسه ، فيجب عليه أوّلا أن يخرج من ذلك الحزب الخاسر ، حتى يستطيع اللحاق بحزب الله تعالى .

يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) : «إنّ الجمار إنّما رميت لأنّ جبرئيل حين أري إبراهيم المشاعر برز له إبليس ، فأمره جبرئيل أن يرميه، فرماه بسبع حصيات، فدخل عند الجمرة الأخرى تحت الأرض فأمسك ، ثمّ برز له عند الثانية فرماه بسبع حصيات أُخر، فدخل تحت الأرض موضع الثانية ، ثمّ إنّه برز له في موضع الثالثة فرماه بسبع حصيات، فدخل في موضعها».

وقد نقل عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «رمي الجمار ذخر يوم القيامة» . وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً : «الحاجّ إذا رمى الجمار خرج من ذنوبه» .

فتبيّن من جميع ما ذكر أنّ الرمي ليس عملا عبادياً جافّاً فقط ، إنّه عمل معنوي مقارن مع قصد القربة إلى الله سبحانه وتعالى ، ويفسد هذا العمل بسبب الرياء الذي هو جند من جنود إبليس .

 

الذبح

إنّ الأضحية من الواجبات التي أوجبها الله في الحج . ويرجع ذلك إلى الامتحان الذي ابتلى إبراهيمَ الخليل ربّهُ به ، وقال عزّ من قائل : [ . . . قَالَ يَا بُنَىَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّابِرِينَ]» .

وإبراهيم(عليه السلام) علم في المشعر الحرام بأنّ وظيفته هي (ذبح ابنه) . روى علي ابن إبراهيم في تفسيره ذيل هذه الآية الشريفة روايةً ننقل فقرات منها :

«ثمّ أمره الله بالذبح ، فإنّ إبراهيم(عليه السلام)حين أفاض من عرفات بات على المشعر الحرام وهو فزع فرأى في النوم أن يذبح ابنه . . . وأقبل شيخ ]ظهر الشيطان في صورته[ فقال : يا إبراهيم! ما تريد من هذا الغلام؟

قال : أريد أن أذبحه .

فقال : سبحان الله! تذبح غلاماً لم يعصِ الله طرفة عين! .

فقال إبراهيم(عليه السلام) : إنّ الله أمرني بذلك .

فقال : ربّك ينهاك عن ذلك وإنّما أمرك بهذا الشيطان .

فقال له إبراهيم(عليه السلام) : ويلك إنّ الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به ، والكلام الذي وقع في أذني . . .» .

فلمّا تبيّن أنّه (عليه السلام) عازم جدّاً لذبح ابنه ، أرسل الله سبحانه وتعالى له كبشاً عوضاً عنه ، حيث قال سبحانه :

[قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاْخِرِينَ* سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ* كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ]» .

وصار الذبح سنّةً ودخل في الإسلام كواجب شرعي ، فوجب على كلّ حاج أن يشتري من صفو ماله هدياً ليذبحه .

لقد ذكر العالم والعارف الربّاني ملاّ أحمد النراقي(رحمه الله) كلاماً ننقل منه بعض ما يرتبط بالذبح : « . . . إنّ الحاج عندما ذبح هديه ، يتنبّه أنّ هذه الذبيحة تشير إلى حقيقة هي : بسبب الحجّ قد ظفرتُ على الشيطان والنفس الأمّارة وقتلت كليهما وفرغت من العذاب الإلهي . وبعد هذا (الذبح) لزم أن يتعهّد على عدم تراجعه أبداً إلى فعل المعاصي التي ارتكبها سابقاً ، وأن يتوب عن الأعمال القبيحة . ويلتزم أيضاً أن يكون صادقاً في هذا الميثاق . ثمّ إنّه قد أظهر الحاج بعمله هذا أنّه طرد الشيطان وبادر على تذليل النفس الأمّارة» .

ولا يخفى أنّه إذا احتاج أداء الواجب

الشرعي لصرف الأموال وبذل النقود فحينئذ يكشف البخيل عن الجواد ويفترق المؤمن المنقاد عن غيره وهكذا .

إنّ بذل المال بلغ مرتبة من الأهمّية بحيث صار تلواً لبذل النفس ، قال الله عزّوجلّ : [ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ . . .]» بل المال عند كثير من الناس صار أهم من النفس ، فوا سوأتا! لو ترى من يعيش لجمع المال ولا يصرف المال ليعيش!

والحاجّ حينما وصل إلى منى وصرف المال لأداء الواجب الشرعي ، ألا وهو الذبح ، فقد رغم أنف الشيطان وهيّأ أرضيةً مناسبة لغفران ذنبه وقبول توبته .

قال الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) : «لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحّوا ، إنّه ليغفر لصاحب الأضحية عند أوّل قطرة تقطر من دمها» .

وقال(عليه السلام) أيضاً : «سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله) يخطب يوم النحر ، وهو يقول : هذا يوم الثجّ والعَجِّ . والثجُّ; ما تهريقون فيه من الدماء ، فمن صَدَقت نيّته كانت أوّل قطرة له كفارة لكلّ ذنب . والعَجُّ; الدعاء ، فعجُّوا إلى الله ، فوالذي نفس محمّد بيده لا ينصرف من هذا الموضع أحد إلاّ مغفوراً له ، إلاّ صاحب كبيرة مصرّاً عليها لا يحدّث نفسه بالإقلاع عنها» .

فقد تبيّن أنّ الذبح طريق لاستنزال رحمة الله وغفرانه وقد علّمنا الرسول(صلى الله عليه وآله) والإمام(عليه السلام) أنّ هذا الطريق سبب لقبول توبة العباد وغفرانهم .

ولما للذبح من أهمّية وفوائد نرى الإمام عليّاً(عليه السلام) يضحي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويقول في بداية الذبح : «بسم الله ، وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين ، اللّهم منك ولك ، اللّهم هذا عن نبيّك» ، ويذبح كبشاً آخر عن نفسه» .

 

***