قراءة في معنى إكمال الدين بعليّ (عليه السلام)

مركز الأبحاث العقائدية

 

للمعاني المتنزّلة ودرجاتها إلى درجة المعنى الظاهر. فالكتاب لا يقتصر على التنزيل والظاهر، بل له بطون لا تُحصى من المعاني، ولبطونه بطون هي حقائق مهيمنة، وأنّه لا يحيط بكلّ ذلك إلاّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بما أوحاه الله إليه، ومن بعده أهل بيته (عليهم السلام) عنه، وبالتالي لا يمكن الاقتصار على التنزيل والظهور في الوصول إلى معرفة الدين القويم ونيل الهداية الإلهية من دون وجود الشخص المبين لتلك البطون والكاشف عن حقائق التنزيل; لحاجة البشرية إلى الكتاب كلّه ولكلّ درجاته على نحو التدريج بحسب مرّ الزمان والعصور.

فمن ثمّ اتّفقت الإمامية أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ على أنّ الدين لم يكمل بالتنزيل إلاّ بعد أن نصّب الله عليّاً إماماً وهادياً لدينه وكتابه من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما ينادي بذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا}(1)، فإكمال الدين وإتمام النعمة لم يحصل بمجرّد التنزيل، بل بنصب قيّم بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) مبيناً لبطون القرآن وحقائقه، ومن بعد عليّ أولاده المعصومين، وفي هذا الزمان ولده الحجّة الإمام المنتظر سلام الله عليه.

وقد روى الكليني بسنده إلى الحسن بن العباسي بن الحريش عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: "قال أبو عبد الله (عليه السلام): بينا أبي (عليه السلام) يطوف بالكعبة إذا رجل معتجر قد قيض له في حديث مسائلة الياس النبيّ (عليه السلام) للباقر (عليه السلام) ـ وما قاله له: اخبرني عن هذه العلم الذي ليس فيه اختلاف من يعلمه؟

قال أبو جعفر (عليه السلام): أما جملة العلم فعند الله جلّ ذكره، وأمّا ما لابدّ للعباد منه فعند الأوصياء. ففتح الرجل عجيرته واستوى جالساً وتهلّل وجهه وقال: هذه أردت ولها أتيت زعمت أنّ علم ما لا اختلاف فيه من العلم عند الأوصياء، فكيف يعلمونه؟

قال: كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه، إلاّ أنّهم لا يرون ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرى; لأنّه كان نبيّاً وهم محدَّثون بالفتح ـ وأنّه كان يفد إلى الله عزّوجلّ فيسمع الوحي وهم لا يسمعون. فقال صدقت يابن رسول الله.....

فإن قالوا لك: فإنّ علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من القرآن فقل: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(2).

فإن قالوا لك لا يرسل الله عزّوجلّ إلاّ إلى نبيّ فقل: هذا الأمر الحكيم الذي يفرق فيه هو من الملائكة والروح التي تنزّل من سماء إلى سماء أو من سماء إلى أرض.

فإن قالوا: من سماء إلى السماء، فليس في السماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية.

فإن قالوا من سماء إلى أرض وأهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك فقل: فهل لهم بد من سيد يتحاكمون إليه؟

فإن قالوا: فإنّ الخليفة هو حكمهم فقل: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(3) لعمري ما في الأرض ولا في السماء ولي لله عزّ ذكره إلاّ وهو مؤيد، ومن أيد لم يخطّ وما في الأرض عدوّ لله عزّ ذكره إلاّ وهو مخذول، ومن خذل لم يصب، كما إنّ الأمر لابدّ من تنزيله من السماء يحكم به أهل الأرض كذلك لابدّ من وال. فإن قالوا: لا نعرف هذا فقل: (لهم) قولوا ما أحببتم، أبى الله عزّوجلّ بعد محمّد (صلى الله عليه وآله) أن يترك العباد ولا حجّة عليهم"(4).

ويتبيّن من ذلك أنّ إنكار أحد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أي إنكار اتّصال سلسلة إمامتهم أعظم كفراً من إنكار أحد المرسلين السابقين، أي من إنكار سلسلة اتّصال رسالات المرسلين السابقين; وذلك لأنّ إنكار سلسلة اتّصال إمامة أهل البيت تعني إنكار بقاء حجّية القرآن، للقول بتعطيل الكتاب بتعطيل نزول تأويله في كلّ عام.

وإنكار القرآن أعظم جحوداً من إنكار أحد الكتب المنزّلة السابقة، وقد عرفت أنّ ليلة القدر قد كانت منذ أوّل نبيّ بعثه الله عزّوجلّ واستمرّت مع جميع الأنبياء إلى قائم الأنبياء إلى خاتم الأنبياء، وكانت مع أوصياء الأنبياء، وهي مع الأوصياء من أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك لأنّها من أبرز قنوات الاتّصال مع الغيب، وبتوسّطها ينزل تأويل الكتب السماوية في من سبق، وتأويل القرآن على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلى أهل بيته من بعده.

ومن ثمّ ورد أنّه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن كما مرّت الإشارة إليه، فليلة القدر تمثّل وحدة السبب الاتّصالي بين الأرض والسماء، وأنّ إنكارها بإنكار أحد الأئمّة من أهل البيت هو في الحقيقة إنكار لطبيعة هذا الاتّصال الواحد الموحّد لدى السفراء الإلهين، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَْسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(5)، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَْغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(6)، فلم يكتفِ الباري عزّوجلّ في الإيمان بالرسول (صلى الله عليه وآله) فقط، وإنّما قرن معه بالنور النازل معه والذي هو الروح الأمري روح القدس، الذي هو حقيقة الكتاب الذي وصف بالنور بأنّه مع من اصطفاه الله من العباد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}(7).

وروى الكليني بسند معتبر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "لقد خلق الله عزّوجلّ ذكره ليلة القدر أوّل ما خلق الدنيا، ولقد خلق فيها أوّل نبيّ وصيّ يكون، ولقد قضى أن يكون في كلّ سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأُمور إلى مثلها من السنة المقبلة من حجّة ذلك، فقد ردّ على الله عزّوجلّ علمه لأنّه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدّثون أيضاً بأنّهم جبرئيل أو غيره من الملائكة (عليهم السلام).

قال: أمّا الأنبياء والرسل (عليهم السلام) فلا شكّ ولابدّ لمن سواهم من أوّل يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا أن تكون على أهل الأرض حجّة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحبّ من عباده.

وأيم الله لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم وأيم الله ما مات آدم إلاّ وله وصيّ وكلّ من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها ووضع لوصيه من بعده، وأيم الله إن كان النبيّ ليؤمر فيها يأتيه من الأمر في تلك الليلة من آدم (عليه السلام) إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) أن أُوحي إلى فلان، ولقد قال الله عزّوجلّ في كتابه للولاة من بعده محمّد (صلى الله عليه وآله) خاصّة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(8) يقول: "استخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيّكم، كما استخلف وصاة آدم من بعده حتّى يُبعث النبيّ الذي يليه، يعبدونني بإيمان لا نبيّ بعد محمّد (صلى الله عليه وآله)، فمن قال غير ذلك فأولئك هم الفاسقون، فقد مكّن ولاة الأمر بعد محمّد بالعلم ونحن هم، فاسألونا فإن صدّقناكم فأقرّوا وما أنتم بفاعلين، أمّا علمنا فظاهر، وأمّا إبان أجلنا الذي يظهر فيه الدين منّا حتّى لا يكون بين الناس اختلاف، فإنّ له أجلاً من ممرّ الليالي والأيام، إذ أتى ظهر وكان الأمر واحداً.

وأيم الله لقد قُضي الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف، ولذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمّد (صلى الله عليه وآله) علينا، ولنشهد على شيعتنا ولتشهد شيعتنا على الناس.

أبى الله عزّوجلّ أن يكون في حكمه اختلاف، أو بين أهل علمه تناقض.

ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): فضل إيمان المؤمن بجملة (إنّا أنزلناه) وبتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها كفضل الإنسان على البهائم، وإنّ الله عزّوجلّ ليدفع بالمؤمنين بها..."(9).

وقد ورد من طرق الفريقين عنه (صلى الله عليه وآله) قوله لعليّ (عليه السلام): "أنا أقاتل على التنزيل وعليّ يقاتل على التأويل"(10)، ومنه ظهر أنّ سنخ تبليغ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الله وأهل بيته (عليهم السلام) عنه لا يقف على حدّ التنزيل والألفاظ، بل يتّسع إلى ما لا يُحصى من مدارج المعاني وبيان الحقائق، فالحاجة إلى تبليغهم وأدائهم عن الله ووساطتهم بين الله وخلقه تمتدّ إلى يوم القيامة في دار التكليف ونشأة الامتحان، ما دام البشر يحتاجون في كل بيئة إلى رؤية كونية عقائدية أعمق للحقائق والمعارف، ويحتاجون إلى هداية من الشريعة إلى أطوار نظامهم الاجتماعي السياسي وحقوله.

فتلخّص، أنّ ما تسالم عليه المسلمون من وجود الظهور والبطون في الكتاب العزيز وكون علومه وحقائقه وكلماته لا تتناهى، يستلزم دوام الحاجة إلى تبليغ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من بعده، وعدم سدّ الحاجة بخصوص الظاهر بعد كون الإيمان بباطن القرآن على حذو الإيمان بظاهره.

ويشير إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(11).

فإنّ توقّف تبليغ مجمل الرسالة على نصب عليّ (عليه السلام) في الغدير بحيث لو لم يُنصّب لم تُبلّغ الرسالة من رأس وهذا المفاد في الآية، مؤشّر واضح على أنّ ما حمل النبيّ (صلى الله عليه وآله) من الرسالة بالوحي مُعظَمه لا يقتصر على التنزيل، بل جُلّه في البطون وحقيقته العلوية التي لا يشذّ عنها شيء، وهذا لم يؤدِّه النبيّ إلاّ لعليّ وأهل بيته خاصّة، وتأديته (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته لم تقتصر على النمط الحسّي ولا هو عمده الطريق لتلقّيهم (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله).

فمن ثمّ كان إبلاغ النبيّ (صلى الله عليه وآله) التنزيل للناس من دون نصب عليّ نفي لإبلاغ وبلاغ جلّ الرسالة، وأنّ ما عند الناس من الدين والشريعة والرسالة هو أقلّ من قليل، إلاّ باتّباعهم لأهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأخذهم عنهم ما أدّاه النبيّ إلى أهل بيته من حقائق القرآن والشريعة، ويشير إلى ذلك ما روته العامّة في الصحاح وغيرها كما ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء(12): "لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش".

وفي رواية: "إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي له فيهم اثني عشر خليفة كلّهم من قريش"(13)، وفي رواية عن أبي داود: "لا يزال هذا قائماً حتّى يكون لكم إثني عشر خليفة"(14).

فإنّ التعبير بأنّ الدين قائم بهم أي أنّه ينقضي بزوالهم ويزول بمضيهم، وأنّ عمر هذا الدين وصلاحه مرهون عند الله عزّوجلّ بالخلفاء الاثني عشر.

وهذا المفاد للحديث النبويّ المستفيض يقتضي بأنّ ما وصل بأيدي الناس من ظاهر التنزيل من المصحف الشريف وروايات السنّة النبويّة بمجرّده لا يكفي في بقاء الدين، ممّا يدلّ على أنّ معظم الدين وقوامه موجود لدى الاثني عشر سلام الله عليهم دون غيرهم، وكذا لا يمكن الاكتفاء بظاهر التنزيل والروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) والاستغناء عن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

حيث قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}(15)، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(16)، ليس المراد من الكلمات التي لا تنفذ الألفاظ الصوتية أو المنقوشة المدوّنة أو المعاني المفهومة المتصوّرة; إذ إطلاق الكلمة والكلمات على هذين الموردين إطلاق مجازي عند العقل، إذ الكلمة هي الشيء الدالّ بذاته تكويناً على أمر آخر، ومن ثمّ يُطلق على وجودات الأشياء المخلوقة لا سيّما الشريفة ـ أنّها كلمات الله; لدلالتها على صفات الباري تعالى.

ومنه يُعرف الترادف عند العقل بين الكلمة الحقيقية والآية، ومن ثمّ ورد إطلاق كلّ منهما على النبيّ عيسى (عليه السلام)، وقال تعالى في بشارة الملائكة لمريم: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ}(17)، فجعل تعالى وجود نبيّه كلمة منه تعالى وتكلّمٌ منه، وجعل عنوان المسيح عيسى ابن مريم اسم للكلمة، كما أطلق تعالى الآية على عيسى ابن مريم حيث قال: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا}(18).

فهذه الكلمات الوجودية والتي قد تعرّضت جملة من الآيات لنعوتها وصفاتها والتي لا تنفذ، كلّها مجموعة في الكتاب المبين ; إذ الكتاب هو ما يتألّف من كلمات، فالكتاب المبين متكوّن من وجود جملي لكافّة الكلمات الوجودية بالوجود الملكوتي، ومن ثمّ نعت الكتاب المبين بأنّه مفاتح الغيب كما في الآية المتقدّمة: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّة فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين}(19).

 

____________

1- سورة المائدة 5: 3.

2- سورة الدخان 44: 1 - 5.

3- سورة البقرة 2: 257.

4- الكافي 1 / 242.

5- سورة البقرة 2: 136.

6- سورة الأعراف 7: 157.

7- سورة الشورى 42: 52.

8- سورة النور 24: 55.

9- الكافي 1 / 251.

10- الخصال للصدوق: 650.

11- المائدة 5: 67، وروى الواحدي النيشابوري في أسباب النزول بسند متّصل عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربك..) يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه).

12- تاريخ الخلفاء: 10 طبعة السعادة في مصر، كما نقلنا ذلك في محلقات إحقاق الحقّ 13/12.

13- السيوطي عن صحيح مسلم نفس المصدر.

14- سنن أبي داود 4 / 150 طبعة السعادة بمصر، ومسند أحمد بن حنبل: 86 - 87 طبعة الميمنة مصر، ومسند أبي عوانة 4 / 399 طبعة حيدرآباد، وهناك مصادر أخرى لاحظ ملحقات إحقاق الحق 13 / 1 - 48.

15- سورة الكهف 18: 109.

16- سورة لقمان 31: 27.

17- سورة آل عمران 3: 45.

18 ـ سورة مريم: الآية 21.

19 ـ سورة الأنعام: الآية 59.