سكران في محراب الكوفة

يذكر المسعودي في تاريخه : «أنّ الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنّيه من أوّل الليل إلى الصباح ، فلمّا آذنه المؤذِّنون بالصلاة خرج متفضّلا في غلائله ، فتقدّم إلى المحراب في صلاة الصبح ، فصلّى بهم أربعاً ، وقال : أتريدون أن أزيدكم؟ وقيل : إنّه قال في سجوده وقد أطال : اشرب واسقني ، فقال له بعض من كان خلفه في الصفّ الأوّل : ما تزيد لا زادك الله من الخير . والله لا أعجب إلاّ ممّن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً .

وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد ، فدخل قصره يترنّح ، ويتمثّل بأبيات لتأبّط شرّاً :

ولستُ بعيداً عن مدام وقينة *** ولا بصفا صلد عن الخير معزل

ولكنني أروي من الخمر هامتي *** وأمشي الملا بالساحب المتسلسلِ

وفي ذلك يقول الحطيئة :

شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه *** أنّ الوليد أحقُّ بالعذرِ

نادى وقد تمّت صلاتهم *** أأزيدكم؟! ثَمِلا وما يدري

ليزيدهم أخرى ، ولو قبلوا *** لقرنت بين الشفع والوترِ

حبسوا عنانك في الصلاة ولو *** خلّوا عنانك لم تزل تجري

وأشاعوا في الكوفة فعله ، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر ، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدي وجندب بن زهير الأزدي وغيرهما ، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل ، فأيقظوه من رقدته ، فلم يستيق0، ثمّ تقيأ عليهم ما شرب من الخمر ، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة ، فأتوا عثمان بن عفّان ، فشهدوا عنده على الوليد أنّه شرب الخمر ، فقال عثمان : وما يدريكما أنّه شرب خمراً؟ فقالا : هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه ، فزجرهما ودفع في صدورهما ، وقال : تنحّيا عنّي ، فخرجا من عنده وأتيا عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)وأخبراه بالقصّة ، فأتى عثمان وهو يقول : دفعت الشهود ، وأبطلت الحدود ، فقال له عثمان : فما ترى؟ قال : أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره فإنْ أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسه بحجّة أقمت عليه الحدّ ، فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان : فأقاما الشهادة عليه ولم يُدْلِ بحجّة فألقى عثمان السوط إلى علي ، فقال علي لابنه الحسن : قم يا بُني فأقم عليه ما أوجب الله عليه ، فقال : يكفينيه بعض مَنْ ترى ، فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقّياً لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه ، فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد . . فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممّن حضر : إنّك لتتكلّم يا ابن أبي مُعَيْط كأنّك لا تدري من أنت ، وأنت علج من أهل صفّوريّة ـ وهي قرية بين عكا واللجون من أعمال الأردن من بلاد طبرية ، وكان ذكر أن أباه كان يهودياً منها ـ فأقبل الوليد يروغ من علي ، فاجتذبه علي فضرب به الأرض ، وعلاه بالسوط ، فقال عثمان : ليس لك أن تفعل به هذا ، قال : بل وشرّاً من هذا إذا فسق ومنع حقّ الله تعالى أن يؤخذ منه(48) .

مروان بن الحكم : الصهر المدلّل

أمّا عن موقفه (عليه السلام) من مروان بن الحكم فهو معروف ، إذ كانا على طرفي نقيض تماماً . وقد تفجّر الوضع بينهما إثر حادثة نفي عثمان لأبي ذر رضوان الله عليه إلى الربذة ، على خلفيّة مشادّة حصلت بينه وبين كعب الأحبار في مجلس عثمان انتصر فيها هذا الأخير لجانب كعب الأحبار ، «وأمر عثمان أن يتجافاه الناس ، حتّى يسير إلى الربذة ، فلمّا طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)ومعه ابناه ]الحسن والحسين[ وعقيل أخوه وعبدالله بن جعفر وعمّار بن ياسر ، فاعترض مروان فقال : يا علي إنّ أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيّعوه ، فإن كنت لم تدرِ بذلك فقد أعلمتك ، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين اُذني راحلته ، وقال : تَنَحَّ نحّاك الله إلى النار ، ومضى مع أبي ذرّ فشيّعه ثمّ ودّعه وانصرف ، فلمّا أراد علي الانصراف بكى أبو ذر ، وقال : رحمكم الله أهل البيت ، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) . فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب ، فقال عثمان : يا معشر المسلمين مَنْ يعذرني من علي؟ ردّ رسولي عمّا وجّهته له ، وفعل كذا ، والله لنعطيّنه حقّه ، فلمّا رجع علي استقبله الناس ، فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر ، فقال علي : غَضَبَ الخيل على اللَّجمِ .

فلمّا كان بالعشي جاء إلى عثمان ، فقال له : ما حملك على ما صنعت بمروان ولِمَ اجترأتَ عليَّ ورددت رسولي وأمري؟! قال : أمّا مروان فإنّه استقبلني يردّني فرددته عن ردّي ، وأمّا أمرك فلم أردَّه ، قال عثمان : ألم يبلغك أنّي قد نهيتُ الناس عن أبي ذرّ وعن تشييعه؟ فقال علي : أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحقّ في خلافه اتبعنا فيه أمرك؟ بالله لا نفعل . قال عثمان : أقِدْ مروان ، قال : وممّ أُقيده؟ قال : ضربت بين أذني راحلته ، وشتمته فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك . قال علي : أما راحلتي فهي تلك فإنْ أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل . وأمّا أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنّك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلاّ حقّاً . قال عثمان : ولِمَ لا يشتمك إذا شتمته ، فوالله ما أنت عندي بأفضل منه؟! فغضب علي بن أبي طالب : ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك ، وأبي أفضل من أبيك ، فغضب عثمان واحمرّ وجهه ، فقام ودخل داره ، وانصرف علي ، فاجتمع إليه أهل بيته ، ورجال من المهاجرين والأنصار .

فلمّا كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليّاً وقال : إنّه يعيبني ويُظاهر مَنْ يعيبني ، يريد بذلك أبا ذر وعمّار بن ياسر وغيرهما ، فدخل الناس بينهما حتّى اصطلحا وقال له علي : والله ما أردت بتشييع أبي ذرّ إلاّ الله تعالى .»(49)

وإضافة إلى ما تقدّم ، تبدت مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة ، في عهد عثمان ، ويطول الحديث في هذا المقام ، ونكتفي بالإشارة إلى أحد هؤلاء ، وهو عبد الرحمن بن عوف ، إذ أصبحت ثروته مضرب الأمثال كما يقول الدكتور محمد عمارة «فعلى مربطه مائة فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف شاة من الغنم» ، وعندما توفي قدّرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم ، ولقد بلغ حجم القدر الذي أُحضر منها إلى عثمان ابن عفّان في «البِدَر» و«الأكياس» قدراً من العظم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه!(50)

أمّا فيما يتعلّق بالخليفة نفسه ، والذي يفترض به أن يكون قدوة ويعيش كأضعف الناس «كيلا يتبيّغ بالفقير فقره»(51) كما يقول الإمام علي(عليه السلام) ، فإنّ المصادر التاريخية تشير إلى أنّ عثمان كان أوّل خليفة يترك عند مماته ثروة طائلة ، فيحصون له يوم مقتله «عند خازنه من المال خمسين ومائة ألف دينار ، وألف ألف درهم» وذلك غير قيمة ضياعه بوادي القرى وحنين ، تلك التي قدّرت بمبلغ مائة ألف دينار ، هذا عدا الخيل والإبل وغيرها من الممتلكات والمقتنيات(52) .

ويمضي عثمان بعيداً في سياسته هذه المصحوبة بإغداق المنح والأموال على بني عمومته الذين أطلق لهم العنان ليعيثوا في الأرض فساداً وعتوّاً . . فيما يحرم الصحابة ويضرب بعضهم على مشهد من الملإ ضرب إهانة وإيجاع(53) ، وليوسّع دائرة تبرّمه من الأمّة نفسها ، دونما مبرّر سوى ضيق الصدر . إذ روي عن عبيد بن حارثة قوله : «سمعت عثمان وهو يخطب ، فأكبّ الناس حوله ، فقال : اجلسوا يا أعداء الله! فصاح به طلحة : انّهم ليسوا بأعداء الله; لكنّهم عباده ، وقد قرأوا كتابه»(54) .

فهذا يعني ـ فيما يعني ـ أنّ هناك حاجزاً نفسيّاً خطيراً بين الراعي ورعيته . وتحوّل الحاجز النفسي هذا إلى عقدة مستحكمة من عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين ، حاول عثمان أن يردمها أو يعوّضها بالارتماء أكثر فأكثر في أحضان الشلّة الفاسدة من بني عمومته ، كلّ ذلك انعكس بشكل سلبي على مجمل الأوضاع ، الأمر الذي أوجد مناخاً اجتماعياً ونفسيّاً «ولّد وشهد العديد من التناقضات والصراعات»(55) .

ولقد كان صوت علي بن أبي طالب في مقدّمة الأصوات التي ارتفعت بالنقد والمعارضة لهذه التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع العربي الإسلامي على عهد عثمان بن عفّان . . بل لا نغالي ـ يقول د . محمد عمارة ـ إذا قلنا : إنّ صوت معارضته ونقده كان أعلى هذه الأصوات(56) .

ولمّا لم تجد نصائح الإمام علي(عليه السلام)أذناً صاغية من عثمان ، رغم أنّه بذل ما في الوسع لتقديم النصيحة . . فقد اعتزل عثمان بعدما ألقى عليه الحجّة تلو الأخرى . ووصل الأمر إلى امتناع الإمام علي(عليه السلام) عن الاستشفاع بالبعض إلى عثمان ، إذ روى سفيان بن عيينة قائلا : جاء رجل إلى علي(عليه السلام)يستشفع به إلى عثمان ، فقال : حمّال الخطايا! لا والله لا أعود إليه أبداً . فآيسه منه(57) .

بيد أنّ مقاطعة الإمام علي(عليه السلام)لعثمان لم تخفّف من درجة المعارضة المستعرة للسلطة إن لم تساهم أكثر في إذكائها «ومن ثمّ فإنّ حركة المعارضة والنقد ، ثمّ الثورة ، ضد الأوضاع الجديدة قد اتخذت من عليّ رمزاً لها وقيادة تلتفّ من حولها ، كي تمارس الضغط والنقد والتجريح لأصحاب المصلحة الحقيقية في هذه الأوضاع التي طرأت على المجتمع في ذلك الحين»(58) .

وحين تألّب الناس على عثمان . . أرسل في طلب عليّ ليصرفهم عنه ، فلمّا قدم إليه استأذنه في إعطائهم بعض الرفد العاجل من بيت المال ، فأذن له . . فانصرفوا عن زعماء الفتنة ، وهدأوا إلى حين .

ثمّ توافد المتذمِّرون من الولايات إلى المدينة مجنّدين وغير مجنّدين . . وتولّى زعامة المتذمّرين في بعض الأحيان جماعة من أجلاّء الصحابة ، كتبوا صحيفة وقّعوها وأشهدوا فيها المسلمين على مآخذ الخليفة . . فلمّا حملها عمّار بن ياسر إليه ، غضب وزيره مروان بن الحكم ، وقال له : «إنّ هذا العبد الأسود قد جرّأ عليك الناس . . وإنّك إنْ قتلته نكلت به منْ وراءه» فضربوه حتّى غُشي عليه .

وفي مرّات أخرى ، كان الخليفة يصغي إلى هذه الشكايات ويندم على ما اجترحه أعوانه بعلمه أو بغير علمه ، ثمّ يعلن التوبة إلى رعاياه ، ويؤكّد لهم الوعد بإقصاء أولئك الأعوان واخلافهم في أعمالهم بمن يرضي المسلمين ، ويرضي الله .

ثمّ يغلبه أولئك الأعوان على مشيئته ، فيبقيهم حيث كانوا ويملي لهم فيما تعودوه من الترف والنكاية ، وعلى رأسهم مروان بن الحكم . أبغض أولئك الأعوان إلى المسلمين(59) .

وعندما زحفت جموع الثائرين على ولاة عثمان والتغييرات الاجتماعية التي أحدثها . . عندما زحفوا من الولايات : مصر ، والعراق ، واليمن ، والشام ـ على العاصمة المدينة ـ يطلبون التغيير ، ذهبت هذه الجموع إلى عليّ وكلّموه ، وطلبوا منه أن يحمل مطالبهم إلى عثمان ، ثمّ يأتيهم بالجواب . ويحكي الإمام علي وقائع مقابلته لعثمان عندما دخل عليه فقال له : «إنّ الناس ورائي وقد استفسروني (أي جعلوني سفيراً) بينك وبينهم ، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله ، ولا اُدلّك على أمر لا تعرفه . . فالله الله في نفسك! . . وإنّ الطرق لواضحة ، وإنّ أعلام الدين لقائمة . فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل . . وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضَلّ وضُلّ به ، فأمات سنّة مأخوذة ، وأحيا بدعة متروكة ، وإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيُلقى في نار جهنّم ، فيدور كما تدور الرحى ، ثمّ يرتبط في قعرها» . وانّي أُنشدك الله ألاّ تكون إمام هذه الأمّة المقتول ، فإنّه كان يُقال : يُقتل في هذه الأمّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويُلبس أمورها عليها ، ويبثّ الفتن فيها ، فلا يبصرون الحقّ من الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً ، فلا تكونن لمروان سَيِّقةً (أي ما استاقه العدوّ من الدواب) يسوقك حيث شاء بعدَ جلال السنّ وتقضّي العمر» .

فقال له عثمان : «كلّم الناس في أن يؤجلوني ، حتّى أخرج إليهم من مظالمهم» فقال(عليه السلام) : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصولُ أمرِك إليه(60) .

من نافلة القول التأكيد بأنّ هذه ليست الأولى التي حذّر فيها الإمام علي(عليه السلام)عثمان من مغبّة اعتماده المفرط على سفهاء بني أميّة ، فقد سبق وأن طرق هذا الباب غير مرّة .

وقد روى الواقدي في كتاب «الشورى» عن ابن عبّاس(رحمه الله) ، أنّه شهد عتاب عثمان لعليّ(عليه السلام) ذات مرّة ، ذكّره فيه بموقفه المساند للشيخين (ولست بدون واحد منهما ، وأنا أمسّ بك رحماً ، وأقرب إليك صهراً . . ولم أقصّر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي ، فكن لي كما كنت لهما) .

وفي معرض ردّه أجاب الإمام علي(عليه السلام) عثمان على تساؤلاته ، وممّا قاله : « . . وأمّا التسوية بينك وبينهما ، فلستَ كأحدهما ، انّهما وليا هذا الأمر فظلفا

(أي كفّا) أنفسهما وأهلهما عنه ، وعُمْتَ فيه وقومك عوم السابح في اللجّة ، فارجع إلى الله أبا عمرو ، وانظر هل بقي من عمرك إلاّ كظم الحمار! فحتى متى وإلى متى؟! ألا تنهى سفهاء بني أميّة عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم؟! والله لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان اثمه مشتركاً بينه وبينك .

قال ابن عبّاس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعلْ واعزلْ من عمّالي كلّ مَنْ تكرهه ويكرهه المسلمون; ثمّ افترقا ، فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال : يجترئ عليك الناس ، فلا تعزل أحداً منهم»(61) .

وهكذا يتّضح مدى الدور القذر الذي كان يلعبه بنو أمية عموماً ، ومروان خاصة ، في الوقوف بوجه أيّة محاولة اصلاح لتدارك الاُمور ، وإيقاف التداعي . ولمّا آيس الناس من إذعان عثمان واستماعه إلى شكاواهم ، عمّ الاستياء ، وإلى الحدّ الذي «لم يبق أحد في المدينة إلاّ حنق على عثمان» على ما يقول السيوطي(62) .

ثار الناس وتجمهروا حول قصره «وكانت مدّة حصار عثمان في داره أربعين يوماً أو أكثر قليلا . .» وطلبوا منه أحد أمور ثلاثة : إمّا أن يعزل نفسه أو يسلّم إليهم مروان بن الحكم أو يقتلوه . لكنّه رفض العروض الثلاثة . . وكانت الثورة(63) .

في تلك الأثناء ، كانت مشاعر الغضب على عثمان وبطانته تعتمل في صدور الصحابة ، وبلغ الأمر ببعضهم مشاركة الثوّار ، فيما كانت عائشة تؤلِّب على قتل عثمان «اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا! تعني عثمان ، وكان هذا منها لما غاضبته وذهبت إلى مكّة»(64) .

أمّا علي فقد كان موقفه أصعب موقف يتخيّله العقل في تلك الأزمة المحفوفة بالمصاعب من كلّ جانب . . كان عليه أن يكبح الفَرس عن الجماح ، وكان عليه أن يرفع العقبات والحواجز من طريق الفَرس . . كلّما حيل بينها وبين الانطلاق .

كان ناقداً لساسة عثمان وبطانته التي حجبته عن قلوب رعاياه . . ناصحاً للخليفة بإقصاء تلك البطانة ، وتبديل السياسة التي تزيّنها له وتغريه باتباعها وصم الأذان عن الناصحين له بالإقلاع عنها . وكان مع هذا أوّل منْ يُطالب بالغوث ، كلّما هجم الثوار على تلك البطانة ، وهمّوا بإقصائها عنوة من جوار الخليفة .

كان الثوّار يحسبونه أوّل مسؤول عن السعي في الإصلاح ، وكان الخليفة يحسبه أوّل مسؤول عن تهدئة الحال وكفّ أيدي الثوّار . ولم يكن في العالم الإسلامي كلّه رجل آخر يعاني مثل هذه المعضلة التي تلقاه من جانبيه كلّما حاول الخلاص منها ، ولا خلاص!

وضاعف هذا الحرج الشديد الذي كان يلقاه في كلّ خطوة من خطواته ، أنه لم يكن بموضع الحظوة والقبول عند الخليفة حيثما وجب الإصغاء إلى الرأي والعمل بالمشورة . وإنّما كان مروان بن الحكم موضع الحظوة الأولى بين المقرّبين إليه . . لا ينجو من إحدى جناياته التي كان يجنيها على الحكومة والرعية حتى يعود إلى الخليفة فيوقع في روعه أنّ عليّاً واخوانه من جلّة الصحابة هم الساعون بين الناس بالكيد له وتأليب الثائرين عليه ، وأنّه لا أمان له إلاّ أن يوقع بهم ويعرض عنهم . . ويلتمس الأمان عند عشيرته وأقربائه ، ومن هم أحقّ الناس بسلطانه وأصدقهم رغبة في دوامه .

ففي المؤتمر الذي جمعه الخليفة للتشاور في إصلاح الأمر وقمع الفتنة ، لم يكن عليّ مدعوّاً ولا منظوراً إليه بعين الثقة والمودّة . . بل كان المدعوون إلى المؤتمر من أعدائه والكارهين لنصحه . . وهم معاوية وعمرو بن العاص وعبدالله ابن أبي سرح وعبدالله بن عامر وسعيد ابن العاص ، وهم في جملتهم من أولئك الولاة الذين شكاهم عليّ وجمهرة الصحابة وبرحت بهم صدور المهاجرين والأنصار .

كان هؤلاء هم الوزراء والنصحاء وأهل الثقة عند عثمان ، ومن ورائهم مروان بن الحكم يلازمه ويكفل لهم أن يحجب النصحاء عنه ، وفي مقدّمتهم عليّ واخوانه . . ثمّ تفرّق المؤتمرون وقد ردّ عثمان كلّ عامل إلى عمله ، وأمره بالتضييق على من قبله .

فكانت حيلة عليّ في تلك المعضلة العصيبة جدّ قليلة ، وكان الحول الذي في يديه أقلّ من الحيلة .

إلاّ أنّه مع هذا قد صنع غاية ما يصنعه رجل معلّق بالنقيضين ، معصوب بالتبعتين ، مسؤول عن الخليفة أمام الثوّار ومسؤول عن الثوّار أمام الخليفة(65) .

فحينما تناهى إلى سمعه ، أنّ الثوّار يريدون قتل عثمان ، بعث الإمام علي(عليه السلام)بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته ، وأمرهم أن يمنعوه منهم(66) وهكذا حذا حذوه بعض الصحابة اقتداءً بالخطوة ، فصدّوهم عن الدار . . واشتبك القوم ، وجُرح الحسن ، وشُجّ قنبر ، وجرح محمد بن طلحة ، فخشي القوم أن يتعصّب بنو هاشم وبنو أميّة ، فتركوا القوم في القتال على الباب ، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوّروا عليها ، وكان ممّن وصل إليه محمّد بن أبي بكر ورجلان آخران . .(67) .

وبينما كان البعض يشحذ سيفه استعداداً لخوض الجولة الأخيرة مع عثمان ، والبعض الآخر يمنّي نفسه بالأمر . . جاء الثوّار إلى الإمام علي(عليه السلام)يعرضون الخلافة عليه . . فلقيهم أسوأ لقاء ، وأنذرهم لئن عادوا إليها ليكونن جزاؤهم عنده وعند الخليفة القائم ، جزاء العصاة المفسدين في الأرض(68) .

ووقع المحذور ، ويهرع الإمام علي(عليه السلام) إلى دار الخليفة المقتول ، ولطم الحسن وضرب الحسين ، وشتم محمّد ابن طلحة وعبدالله بن الزبير وجعل يسأل ولديه : كيف قُتل الرجل وأنتما على الباب؟ فأجاب طلحة : لا تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن ، لو دفع مروان ما قُتل(69) .

وبقيت المدينة خمسة أيّام بعد مقتل عثمان ، وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر ، والمصريون يلحوّن على عليّ وهو يهرب إلى الحيطان (البساتين) . . وكلّهم يقول : لا يصلح لها إلاّ علي(70) .

وهنا ، يصل المأزق إلى مرحلة الخيارات الصعبة ، فأمّا أن يقبل أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بالتصدّي لاُمور المسلمين ويتسنّم قيادتهم رسميّاً أو أن يلقي الحبل على غاربه ، مع ما يترتّب على الخطوة الأخيرة من نتائج خطيرة ومهوّلة لا تتوقّف آثارها على حقبة تاريخية معيّنة وإنّما تتعدّاها بجملة تشويهاتها إلى كلّ العصور; لأنّ المشكلة كانت تكمن في المنهج المعتمد لا في غيره . وأمام فداحة تلك النتائج المتوقعة ، قبل الإمام علي(عليه السلام) بتسلّم السلطة ، حاملا معه اطروحته بكلّ دقائقها ، محاولا استئناف العمل بالمشروع الإسلامي البعيد(71) .

ولكن; هل أُتيحت الفرصة المواتية للإمام علي(عليه السلام) لإنجاز مشروعه هذا؟!

علي . . والمعارضة

إذا كان الإمام(عليه السلام) قد أسّس المعارضة الشرعية في الإسلام بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) ، وهو يومئذ في موقع الفرد إزاء السلطة الحاكمة ، فإنّه يعتبر كذلك المنظِّر الأوّل لمنهج التعامل مع المعارضة يوم أصبح حاكماً على المسلمين(72) .

ومنذ البداية كان الشكّ يخامر البعض ، لأسباب عديدة ، رغم أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) ، وبشهادة حتّى أعدائه ، الأقدر والأصلح ، ولكن ثمّة غيوم كانت تتلبّد في أجواء ملبّدة أساساً .

فحينما أجمع المسلمون على بيعة الإمام علي(عليه السلام) بعد مقتل عثمان ، تخلّف عدد من الصحابة عنه ، وثار عليه آخرون ، وتمرّد عليه بعض ، وانحرف فريق آخر ، فكيف كان موقفه من هذه الفئات المختلفة(73)؟

بدءاً ، كان امتناع البعض عن تقديم البيعة للإمام(عليه السلام) أوّل اختبار لمنهجه في التعاطي مع «الآخر» المختلف . وبالرغم ممّا كان يمثِّله الامتناع عن البيعة من خروج سافر على مبدأ الطاعة لخليفة المسلمين ، لاسيما وأنّ بيعته كانت الوحيدة من بين مَنْ سبقوه تحقّقت بمشاركة شعبية واسعة وبإجماع شامل ، إلاّ أنّ النفر الذين تخلّفوا وهم; سعد بن أبي وقّاص ، وعبدالله بن عمر ، واُسامة ابن زيد ، وآخرون لا يتجاوزون بضعة نفر . . لم يعاملوا المعاملة المتوقّعة بمقاييس المسلمين في ذلك العصر . لقد حصل مع علي بن أبي طالب والذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ، أنّهم هُدّدوا وحوصروا في بيت علي ، وتمّ كشف البيت بالقوّة في الحادثة التي ندم عليها أبو بكر في لحظات احتضاره ، إلاّ أنّ الإمام عليّاً ترك من تخلّف عنه وشأنه ولم يرغمه في شيء لم يكن مقتنعاً به ، حتى ندم النادمون في لحظة فوات الأوان ، مع أنّ أحاديث البيعة والسمع والطاعة للأمير البرّ والفاجر كانت من السِمات المعروفة عن عبدالله بن عمر ، ممّا يوحي بأنّ موقفه كان سياسياً وليس نابعاً من شبهات حالت بينه وبين أن يساوي بين علي في سنة 36هجرية وبين يزيد بن معاوية في سنة 60 هجرية ، واحتفظ المتخلّفون بكامل حقوقهم في دولة عليّ ، بينما لم يؤدّوا واجباتهم المفترضة ، وعلى رأسها القبول بالرئيس الأعلى للدولة الإسلامية .

لقد كان مفهوماً أنّ عليّاً يمنح بذلك معارضيه فرصة التعبير عن مواقفهم ، ويبيّن ما أشكل عليهم معرفته وفهمه ، والدوافع التي كانت تقودهم إلى تبنّي تلك المواقف ، ولم يحجر على أحد أو يقطع عطاء أحد من بيت المال .

ويتكرّر الموقف نفسه مع أهالي «صرنا» في مصر حين امتنعوا عن بيعته ، بكلّ ما يعنيه ذلك من تمرّد ورفض لسلطة زعيم الدولة الذي اختاره المسلمون ومن بينهم زعماء المصريين أنفسهم الذين شاركوا في الثورة على عثمان(74) .

ومن الواضح أنّ خلافة الإمام علي(عليه السلام) جاءت في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد ، فذووا النفوذ من الناس قد ألفوا الاستئثار واستراحوا إليه ، وليس يسيراً أبداً أن يذعنوا لأيّة محاولة إصلاحية تضرّ بمصالحهم الذاتية .

ثمّ إنّ المطامع قد تنبّهت لدى الكثير من الرجال ، بعد أن أصبحت الخلافة مغنماً لا مسؤولية لحماية الشريعة والأمّة . ولقد كان الإمام(عليه السلام)مدركاً لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه بشكل جعله يعتذر عن قبول الخلافة حين أجمعت الأمّة على بيعته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلا : «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وأنّ الآفاق قد أنماحت والمحجة تنكّرت . .»(75) . ولكن جماهير المدينة المنورة ، وجماهير الثوّار من العراق ومصر أصرّوا على استخلافه عليهم ، فنزل الإمام عند رغبتهم ، ولكن وفقاً لشروطه الخاصّة هو : «واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أُصغِ إلى قول القائل وعبث العابث»(76) .

حتى إذا قام بالأمر وأراد إرجاع الحقّ إلى نصابه ، تألّب عليه الكثيرون من الساعين وراء مصالحهم الشخصية ، ومنهم الزبير وطلحة ، مختلقين الأعذار الواهية . فحارب الناكثين من أصحاب الجمل في البصرة ، ثمّ حارب القاسطين من أصحاب معاوية في صفّين ، ثمّ حارب المارقين من الخوارج في النهروان ، يبغي تطهير المجتمع الإسلامي من الفتن . . والنفوس المريضة(77) .

وفي خطبته الشقشقية أشار إلى التحدّيات الكبرى التي واجهته ، وحدّد بدقّه حقيقة منطلقاتها : «فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أُخرى ، وقسط آخرون ]يشير بذلك(عليه السلام) إلى أصحاب الجمل (وهم الناكثون) وإلى أصحاب النهروان الخوارج (وهم المارقون) وإلى أصحاب صفّين (وهم القاسطون)[ . كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول : } تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{ . بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها (أي زينتها)»(78) .

هنا وقفة مقتضبة أمام ثلاث جبهات تباينت في شعاراتها ولكنّها اتّفقت على مناوأة الإمام(عليه السلام) ، وفي كلّ مرّه ، كان الموقف من قبل الإمام(عليه السلام)والتعاطي مع هؤلاء منسجماً واضحاً وصادراً من موقف شرعي محدّد .

مع الناكثين

على الرغم من أنّ طلحة والزبير كانا من أشدّ الناقمين على سياسة عثمان ، ومع أنّهما سبقا الناس في البيعة للإمام علي(عليه السلام) بعد قتل عثمان ، فإنّ الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام(عليه السلام) في الحياة الإسلامية لم تجد هوى في نفسيهما(79) فبدآ في العمل للخروج على الإمام(عليه السلام) وإثارة المسلمين عليه(80) وقاما مع عائشة يوهمون الناس بأنّ عليّاً(عليه السلام) قتل عثمان ، مع أنّه كان أوّل المدافعين عنه ، ولكنّهم أرادوا أن يبعدوا تهمة قتله عنهم(81) فكانت حصيلة ذلك فتنة كبّدت الأمّة خسارة فادحة .

وقد بذل الإمام(عليه السلام) جهداً كبيراً لتحاشي هذه الفتنة فلم يألُ جهداً في بذل النصح لهم وتحميلهم مغبّة ما سيكون إذا نشبت الحرب . وهذه نصيحته(عليه السلام) لهما :

«أمّا بعد يا طلحة ، ويا زبير ، فقد علمتما أنّي لم أرد الناس حتى أرادوني ، ولم أُبايعهم حتى أكرهوني ، وأنتما أوّل من بادر إلى بيعتي ، ولم تدخلا في هذا الأمر بسلطان غالب ولا لعرض حاضر . وأنت يازبير ففارس قريش ، وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ، ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما ، ألا وهؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه ، وأنتما رجلان من المهاجرين ، وقد أخرجتما اُمّكما من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقرّفيه،والله حسبكما..»(82).

وناشدهم الله أن لا يقوموا بفتنة في الإسلام يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضاً ، فلم يُجْدِ ذلك نفعاً . وطلب الإمام أن يجتمع بالزبير بين الصفّين ، وناجاه مذكِّراً إيّاه بقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) له : «تقاتله يا زبير وأنت له ظالم» . فما كان من الزبير إلاّ أن اعتزل الجيشين وتركهما يقتتلان ، فلمّا كان في بعض الصحراء لحقه ابن جرموز فقتله(83) وحينما جيء إليه(عليه السلام)بسيف الزبير وخاتمه قال(عليه السلام) : سيفٌ طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله(صلى الله عليه وسلم)(84) .

ثمّ نادى(عليه السلام) طلحة حين رجع الزبير: يا أبا محمّد ، ما الذي أخرجك؟ قال : الطلب بدم عثمان ، قال علي : قتل الله أولانا بدم عثمان ، أما سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»؟ وأنت أوّل من بايعني ثمّ نكثت ، وقد قال الله عزّوجلّ: } فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ{؟ فقال : استغفر الله ، ثمّ رجف فقال مروان بن الحكم : رجع الزبير ويرجع طلحة ، ما أُبالي رميتُ هاهنا أم هاهنا ، فرماه في أكحله فقتله ، فمرّ عليه بعد الوقعة . . فوقف عليه ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون والله لقد كنت كارهاً لهذا(85) .

وبعد أن ذهبت كلّ محاولاته(عليه السلام)لإصلاح الموقف سدًى . . تفجّر الموقف ، غير أنّ الإمام راح يخاطب جيشه ـ بعد اندلاع القتال ـ مطالباً أصحابه بالالتزام بما يريده الله : «أيّها الناس أنشدكم الله أن لا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تستحلّوا سبياً ، ولا تأخذوا سلاحاً ولا متاعاً» . طارحاً بذلك أحكام شريعة الله تعالى في البغاة .

وبعد انتصار الإمام عفا عن المشتركين في الحرب فقال بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين تحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ لنا نساؤهم؟ فقال(عليه السلام) : كذلك السيرة في أهل القبلة(86) .

وأحسن الإمام(عليه السلام) معاملة عائشة : «يا حميراء! رسول الله أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقرّي في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك» . . وأمر أخاها محمّداً فأنزلها في دار صفيّة بنت الحارث . . وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد اخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان ، فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن : يا قاتل الأحبّة ، فقال : لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت مَنْ في هذا البيت ، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عامر وغيرهم . .

طلبت منه عائشة أن يؤمّن ابن اُختها عبدالله بن الزبير ، فأمنه ، وتكلّم الحسن والحسين في مروان فأمنه ، وأمن الوليد بن عقبة ، وولد عثمان وغيرهم من بني أميّة ، وأمّن الناس جميعاً ، وقد كان نادى يوم الواقعة : مَنْ ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن(87) .

أرجع الإمام علي(عليه السلام) عائشة إلى بيتها في المدينة ، وقد بعث معها أخاها محمّد بن أبي بكر وثلاثين رجلا وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما ، ألبسهن العمائم وقلّدهن السيوف ، وقال لهن : لا تُعلمن عائشة انّكن نسوة وتلثمن كأنكنّ رجال ، وكُنّ اللاتي تلين خدمتها وحملها ، فلمّا أتت المدينة قيل لها : كيف رأيت مسيرك؟ قالت : كنت بخير والله ، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر ، ولكنّه بعث معي رجالا أنكرتهم ، فعرفها النسوة أمرهن ، فقالت : ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً ، ووددت أنّي لم أخرج . . وإنّما قيل لي : تخرجين فتصلحين بين الناس ، فكان ما كان . .(88) .

وهكذا أبدى الإمام(عليه السلام) أكثر من موقف إنساني فريد يعكس مدى نبل المشاعر وقمّة الأريحية تجاه الخصم .

مع القاسطين

بعد اندحار الناكثين ، توجّه الإمام(عليه السلام) إلى الكوفة ، ومن هناك بعث كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى البيعة . فكان ردّ معاوية للإمام علي(عليه السلام) : «إنّما أفسد عليّ بيعتك خطيئتك في عثمان . .»(89) ، وتبودلت الرسائل بين الفريقين ، وفي إحداها طلب معاوية من الإمام علي(عليه السلام) أن يجعل له الشام ومصر جباية(90) ، وبلغ عليّاً أنّ معاوية قد استعد للقتال(91) .

بدأ الإمام(عليه السلام) يبذل مساعيه لإصلاح الموقف بالوسائل السلمية ، فأرسل وفداً ثلاثياً إلى معاوية ، يدعوه إلى تقوى الله والحفاظ على وحدة الصف والدخول في إجماع الأمّة . . التقى الوفد بقائد المعارضة ، وأبلغوه بنوايا الإمام(عليه السلام) ووضعوه أمام الله تعالى وحذّروه مغبّة ما يقدم عليه ، غير أنّ معاوية أبدى إصراراً ، وقد ختم ردّه على الوفد : «انصرفوا عنّي فليس عندي إلاّ السيف» .

وحينما عسكر الجيشان في صفّين ، عمل معاوية من جانبه على الحيلولة دون حصول جيش الإمام علي(عليه السلام) على الماء لأنّه كان السبّاق في التجحفل . فأرسل الإمام(عليه السلام) رسولا إلى معاوية ليبلغه «أنّ الذي جئنا له غير الماء ، ولو سبقناك إليه لم نمنعك عنه» فردّ عليه معاوية بقوله : «لا والله ولا قطرة حتّى تموت ظمأ»! الأمر الذي اضطرّ الإمام(عليه السلام)إلى استعمال العنف في الحصول على الماء لجيشه ، ومن ثمّ ليأذن للباغين بالتزوّد منه متى شاءوا : «خلّوا بينهم وبين الماء ، والله لا أفعل ما فعل الجاهلون» .

وحيث إنّ همّ الإمام(عليه السلام) أن يحقن دماء المسلمين ويصونهم من التمزّق ،

ويدرأ التصدّع عن صفّهم ، فقد طلب من معاوية أن ينازله إلى ميدان القتال فيتقاتلا دون الناس لكي تكون إمامة الأمّة لمن يغلب : «يا معاوية علام يقتتل الناس؟ ابرز إليَّ ودع الناس ، فيكون الأمر لمن غلب» .

إلاّ أنّ معاوية رفض ذلك خوفاً من الإمام(عليه السلام) . .

ولمّا لم تلقَ محاولات الإمام(عليه السلام)لرأب الصدع ـ الذي أوجده معاوية في صفّ الأمّة ـ استجابة ، تفجّر الموقف بحرب واسعة النطاق . . وحين لاحت تباشير النصر لصالح معسكر الإمام(عليه السلام)وأوشكت القوى الباغية على الانهزام دبّروا «خدعة المصاحف» فرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح والسيوف .

كانت مناورة رفع المصاحف مُقدّمة لمسلسل التداعيات اللاحقة والمتلاحقة ، في صفوف جيش الإمام علي(عليه السلام) . . وتمثّل الفصل الثاني من المأساة باختيار الغوغاء أبا موسى الأشعري لتمثيل معسكر الإمام(عليه السلام) في التحكيم ، بينما اختار معاوية عمرو بن العاص .

ومنذ اللحظة الاُولى ، رفض الإمام(عليه السلام) فكرة تمثيل الأشعري ، لأسباب عديدة ، دونها ضعفه ووهن رأيه إضافة إلى مرتكزاته الفكرية وموقفه من حكومة الإمام(عليه السلام) . . ورجّح الإمام عبدالله بن عبّاس ، غير أنّ الغوغاء أصرّوا على اختيار أبي موسى الأشعري . . وهنا يخاطب الإمام(عليه السلام)المخدوعين بقوله : «قد عصيتموني في أوّل الأمر ـ يشير إلى قبول التحكيم وإيقاف القتال ـ فلا تعصوني الآن ، لا أرى أن تولّوا أبا موسى الحكومة فإنّه ضعيف عن عمرو ومكائده . .»(92) .

إلاّ أنّهم أصرّوا على اختيار الأشعري ، فاستجاب الإمام(عليه السلام)كارهاً وعلى مضض ، معبِّراً بذلك أروع تعبير بقوله : «لا رأي لمن لا يُطاع»!

وانتهت المأساة بهذه المهزلة أو انتهت بهذه المأساة ، كما يقول عبّاس محمود العقّاد(93) ، ليبدأ فصل آخر من هذه المهزلة ـ المأساة . . إنّها فتنة الخوارج .

مع المارقين

والخوارج هم الذين كانوا أصحاب الإمام(عليه السلام) وأنصاره في الجمل وصفّين قبل التحكيم(94) ثمّ أنكروا التحكيم الذي وقع يوم صفّين ، وقالوا : «لا حكم إلاّ لله» ، وتحت هذه اللافتة العريضة التي وصفها الإمام(عليه السلام) بأنّها كلمة حقّ يُراد بها باطل . . انبثقت ظاهرة خطيرة ولا سابقة لها في المجتمع الإسلامي ، تلك هي تكفير كلّ من ارتضى التحكيم ، رغم أن أقطابهم كانوا في مقدّمة أولئك الذين فرضوا التحكيم! ، ولعلّنا نتحسّس اليوم بصماتهم لدى بعض الجهات التي تبيح دماء المسلمين وتسير على خطى هذا النهج التكفيري .

فالخوارج الذين تحوّلوا إلى مذهب ديني ـ سياسي لاحقاً ، كانوا طائفة من جيش الإمام(عليه السلام) تمرّدت عليه بعد واقعة التحكيم . وبهذا فهم معارضة فكرية ـ سياسية ، طالبوا بالتحكيم أوّلا ، ثمّ رفضوه لاحقاً ، ثمّ جاؤوا يكفّرون الحاكم والمحكومين الذين قبلوا التحكيم بسبب ضغطهم وإلحاحهم . إنّهم بكلّ صراحة حَمَلة فكر ديني ذي مشروع سياسي يعارض شرعية الدولة(95) .

فالخوارج إذن يتّسمون بخصوصية فكرية يفتقرها الآخرون ، وإنْ كانت هذه الخصوصية لا تحول دون القدح في توجّهاتهم ، بيد أنّ هذه النقطة بالذات كانت موضع تقييم خاص من لدن الإمام(عليه السلام) إذ يقول : «ليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» ، وهو بصدد النهي عن مقاتلة الخوارج(96) .

وبظهور نتائج التحكيم نادت الخوارج معلنة مبرّرات خروجها تحت شعار : «لا حَكَم إلاّ الله ، لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله ، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منّا خطيئة وزلّة حين رضينا بالحكمين ، وقد تبنا إلى ربّنا ، ورجعنا عن ذلك ، فارجع ـ يقصدون الإمام(عليه السلام) ـ كما رجعنا ، وإلاّ فنحن منك براء» .

بيد أنّ الإمام(عليه السلام) أوضح لهم حينئذ أنّ الخُلق الإسلامي يقتضي الوفاء بالعهد ـ الهدنة لمدّة عام ـ الذي أُبرم بين المعسكرين قائلا : «ويحكم! بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع؟ أوليس الله يقول : } وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الاَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{(97) .

إلاّ أنّهم لم يصغوا إلى توجيهات الإمام(عليه السلام) ، ورغم هذا . . لم يوصد الإمام(عليه السلام) باب المحاججة في وجوههم ، ولم يعلن الحرب عليهم . . بل نجده يفسح المجال لحوار مفتوح بينه وبين خصومه السياسيين ، وهذا «الخريت بن راشد الناجي» (وكان قدم مع ثلاثمائة من عمومته من البصرة ، وكانوا قد خرجوا إلى الإمام(عليه السلام) يوم الجمل ، وشهدوا معه صفّين) . . أقبل الخريت إلى الإمام في جمع من أصحابه ، حتى قام بين يديه ، فقال له : «والله يا علي لا أطيع أمرك ، ولا أصلّي خلفك ، وإنّي غداً لمفارقك» .

بهذا الكلام أعلن هذا الرجل انخلاعه عن البيعة رسمياً(98) فلم يعتقله الإمام ، ولم يأمر بإعدامه ، ولم ينهه عن التحدّث بهذا الاسلوب ، بل قال له : «ثكلتك اُمّك إذن تنقض عهدك ، وتعصي ربّك ، ولا تضرّ إلاّ نفسك . . أخبرني لِمَ تفعل ذلك؟!

قال : لأنّك حكّمتَ في الكتاب ، وضعفتَ عن الحقّ إذْ جدّ الجدّ ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين .

فماذا كان جواب الإمام علي(عليه السلام)لهذا «المعارض» العنيف ولكلامه الناقد الصريح؟ هل رفع(عليه السلام) العصا أو السيف في وجهه؟ كلاّ ، بل قال له مرّة أُخرى بكلّ هدوء : «ويحك . . هلمّ إليّ أدارسك وأُناظرك في السنن واُفاتحك أموراً من الحقّ أنا أعلم بها منك فلعلّك تعرف ما أنت له منكر ، وتبصر ما أنت الآن عنه عم وبه جاهل» .

فقال الخريت : «فإنّي غاد عليك غداً» . . فقال الإمام : «اغدُ ولا يستهوينّك الشيطان ولا يقتحمنّ بك رأي السوء ، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون ، فوالله إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينّك سبيل الرشاد» . بيد أنّ الخريت غادر الكوفة من ليلته ، ولم يعد إلى أمير المؤمنين(99) .

وذات مرّة قال لهم الإمام(عليه السلام)بكلّ وضوح : «لكم علينا ثلاث; لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ، ولا نبدؤكم بقتال ، ولا نمنعكم الفي ما دامت أيدينا معكم» .

ويعقّب باحث معاصر على ما تقدّم بقوله : «إنّ عدم منعهم المسجد يعني تركهم أحراراً في الدعوة لأفكارهم دون مطاردة ، ودون حرمان من الحقوق المالية التي كانت لهم ، وعدم البدء بقتالهم يعني اللجوء إلى أساليب الحوار الفكري والإقناع والمناظرة ، وهو ما فعله الإمام معهم حينما أرسل إليهم عبدالله بن عبّاس محاوراً ومناظراً ، بل تركهم يعلنون أفكارهم بصراحة في حضوره مع المسلمين ، داخل المسجد قاطعين كلامه ، ولم يقاتلهم الإمام إلاّ بعد أن أعلنوا الحرب المسلّحة ، وقاتلوا الوالي الذي عيّنه لهم (عبدالله بن خباب) فقتلوه وزوجته ، وعندئذ طالبهم بتسليم قاتله ، فرفضوا وادّعوا على أنفسهم أنّهم شاركوا جميعاً في قتله(100) .

 

***

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(48) تاريخ المسعودي; م . س 2 : 344 ـ 345 .

(49) المرجع نفسه 2 : 350 ـ 351 .

(50) د . محمّد عمارة ; «مسلمون ثوّار» ، م . س : 81 ، وللمزيد يراجع تاريخ المسعودي 2 : 342 ، وما بعدها .

(51) نهج البلاغة : 400 (الخطبة 207) .

(52) د . محمّد عمارة; المرجع السابق : 81 ، أمّا عن بقيّة الطبقة الاستقراطيّة فيراجع حول مظاهر ثرائها تاريخ المسعودي 2 : 342 ، وما بعدها .

(53) عباس محمود العقاد; م . س : 56 .

(54) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد; م . س 9 : 17 .

(55) د . محمّد عمارة; م . س : 82 .

(56) المرجع نفسه : 107 .

(57) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد; م . س 9 : 17 .

(58) د . محمّد عمارة; مسلمون ثوار : 107 .

(59) عبّاس محمود العقاد : 57 .

(60) نهج البلاغة : 234 .

(61) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 : 15 .

(62) نقلا عن كتاب «الطاغية» للدكتور إمام عبدالفتاح إمام ، (عالم المعرفة) ، الكويت 1414هـ ـ 1994م ، ص197 (هامش 48) . وللمزيد يراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 129 ـ 161 .

(63) المرجع السابق : 197 . ويحسن بنا الاستشهاد بمقولة للكاتب الإسلامي المعروف الدكتور عمادالدين خليل إذ يقول ، وهو في معرض الحديث عن «المعارضة والسلطة» : «وها هنا يتوجّب ألاّ نقع في الوهم الخادع الذي يصوّر السلطة أو القيادة الإسلامية (التاريخية) كما لو كانت أمراً مقدّساً أو تفويضاً إلهيّاً ، فإنّ أيّة قيادة في مدى عام الإسلام ، ما أن تعزف بهذه الدرجة أو تلك ، وما أن ترفض النقد والتقويم والرجوع إلى الطريق ، حتّى يغدو على المسلمين أن يثوروا لتحقيق ما عجزت الكلمة والحوار عن تحقيقه» ثمّ يضيف : « . . لقد كان الحاكم المسلم الحقّ هو الذي يضع خدّه على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف ، وليس ذلك الذي يعلن نفسه ظلاّ للهِ في الأرض ، لا يستمع لنقد ، ولا يغني لحقّ ، ولا يكفكف طغيانه صوت مظلوم . . إنّ طاعة أولي الأمر تتحقّق يوم يكون أولو الأمر مسلمين حقّاً ، وإلاّ فإنّ الرفض والمجابهة تغدو واجبة كوجوب الصلاة والزكاة والصيام» . يراجع مقاله القيّم : «حول المعارضة والسلطة» ، مجلّة المسلم المعاصر ، العدد (41) ، محرّم ، صفر ، ربيع الأوّل 1405هـ ، ص8 ـ 9 .

(64) نقلا عن كتاب الطاغية; مرجع سابق ، ونعثلة هذا رجل يهودي من أهل مصر كان طويل اللحية ، قيل : إنّه كان يشبه عثمان ، وكان يعمل اسكافياً ، وشاتمو عثمان كانوا يسمونه نعثلا (يراجع لسان العرب ، لابن منظور ، المجلّد الحادي عشر ، دار صادر ، بيروت) .

(65) عباس محمود العقاد : 60 ـ 61 ، 62 .

(66) تاريخ المسعودي 2 : 353 .

(67) المرجع نفسه ، 2 : 354 .

(68) عباس محمود العقاد : 62 .

(69) تاريخ المسعودي 2 : 354 .

(70) عباس محمود العقاد : 65 .

(71) حسن جابر; «الحركة التاريخية للمشروع الإسلامي السياسي وأفقه المستقبلي» ، مجلّة المنطلق (بيروت) ، العدد (64) ـ شعبان 1410هـ ـ آذار 1990م ، ص : 23 .

(72) إبراهيم العبادي ، مرجع سابق : 175 .

(73) المرجع نفسه : 174 .

(74) المرجع نفسه .

(75) نهج البلاغة : 136 .

(76) نقلا عن; «لجنة التأليف في دار التوحيد» ، م . س ، 3 : 61 ـ 62 .

(77) لبيب بيضون : «تصنيف نهج البلاغة» ، ط2 ، مكتب الاعلام الإسلامي (ايران) ، 1408هـ ص : 489 .

(78) نهج البلاغة : 49 (خطبة 3) .

(79) لجنة التأليف في دار التوحيد ، م . س ، 2 : 43 .

(80) المرجع نفسه ، 2 : 42 .

(81) لبيب بيضون; م . س : 529 .

(82) نقلا عن لجنة التأليف في دار التوحيد ، 2 : 43 .

(83) لبيب بيضون : 529 .

(84) تاريخ المسعودي ، 2 : 373 .

(85) المرجع نفسه .

(86) نقلا عن المرجع السابق : 47 .

(87) تاريخ المسعودي ، 2 : 378 .

(88) المرجع نفسه ، 2 : 379 .

(89) ابن قتيبة الدينوري : «الإمامة والسياسة» (1 : 102) ، القاهرة ، 1388هـ ـ 1969م .

(90) المرجع نفسه ، 1 : 95 .

(91) تاريخ اليعقوبي ، 2 : 187 .

(92) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ، ص : 74 ، نقلا عن لجنة التأليف في دار التوحيد ، 2 : 54 .

(93) نقلا عن موسوعة أعيان الشيعة للعلاّمة محسن الأمين ، طبعة دار التعارف ، بيروت (1 : 516) د . ت .

(94) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، 4 : 132 .

(95) إبراهيم العبادي; مرجع سابق : 175 .

(96) نهج البلاغة : 94 . . «لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحقّ . . . الخ» .

(97) نصر بن مزاحم : «وقعة صفّين» ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، ط2 ، القاهرة ، 1382هـ ، ص517 .

(98) يُراجع مقال «نصيحة أئمّة المسلمين : بحث في مرتكزات المشروعية وآليّات التنفيذ» ، لمحمد سروش محلاتي ، ترجمة جواد علي كسّار ، مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد الأوّل ، 1418هـ ـ 1998م ، ص : 71 .

(99) يُراجع المرجع السابق ، وكذلك : زينب الدهوي; «حريّة المعارضة ضرورة اجتماعية أقرّها الإسلام . . كيف طبّقها الإمام علي(عليه السلام)؟» ، مجلة النور (لندن) ـ العدد(34) ، رمضان 1414هـ ـ آذار 1994م ، ص : 35 .

(100) مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، مرجع سابق ، 1 : 72 .