المصلحة الإسلامية ووحدة المسلمين في منهج الإمام علي (عليه السلام)(*)

علي خير الله

 

المصلحة الإسلامية هي الوضع الأفضل للإسلام باعتباره دعوة ومبدأ وقاعدة للدولة، والوضع الأفضل للمسلمين بوصفهم أُمّة لها جانبها الرسالي وجانبها المدني، فكلّ ما كان يساهم في إيجاد الوضع الأفضل للإسلام والمسلمين على هذا النحو فهو مصلحة إسلامية، وعلى هذا الأساس تكون الوحدة الإسلامية أهمّ مقوّمات الحفاظ على هذه المصلحة وإدامتها في الواقع، وهي ضرورة عقلية وشرعية قد أثبت التاريخ ضرورتها في تتبّعه لسير الحضارات التي نمت وترعرعت وازدهرت بالوحدة، وتدهورت واضمحلت حينما بدأ التمزّق يدبّ في سيرها .

والوحدة الإسلامية ممكنة التحقيق ما دامت الأمّة الإسلامية تجتمع حول عقيدة واحدة، ومصالح واحدة، ومصير واحد، وتواجه عدوّاً واحداً وحّد صفوفه وإمكاناته من أجل إيقاف المسيرة الإسلامية، وعرقلة حركتها التاريخية لتصفيتها عقيدةً وقيادةً وكياناً، وقد جسّد الإمام علي (عليه السلام) مفاهيم الوحدة في منهجه وسيرته وترجمها إلى أعمال وممارسات وعلاقات متجسّدة في الواقع، فقد جعل المصلحة الإسلامية العليا قاعدة الانطلاق في سكناته وحركاته، وحافظ على وحدة الدولة والأمّة متوجهاً نحو الآفاق العليا المشتركة ونحو الهدف الكبير; وهو تقرير مبادئ الإسلام في واقع الحياة، وخير مصداق لتجسيد مفاهيم الوحدة والمصلحة الإسلامية يتمثّل بموقفه من الخلفاء; حيث التعاون والتآزر ضمن الأهداف المشتركة، وفيما يلي نستعرض أهم المواقف والممارسات الواقعة في طريق الوحدة والنابعة من مراعاة المصلحة الإسلامية العليا .

 

الاعتراض السلمي

بعد أن تمخّض اجتماع السقيفة عن إعلان بيعة أبي بكر اعترض الإمام علي (عليه السلام)على هذا الاعلان اعتراضاً سلمياً بحدود تبيان وجهة نظره طبقاً للأُسس والموازين المساعدة لهذا الاعتراض، وكان يقول : «أنا أحقّ بهذا الأمر منكم لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي»(1) .

وكان يوجّه أنظار المهاجرين إلى خصائص من هو أهلا للخلافة طبقاً للثوابت الشرعية والعقلية، حيث يقول : «والله يا معشر المهاجرين، لنحن أحقّ الناس به، لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا إلاّ القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيّئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا . . .»(2) .

وكان اعتراضه حقّاً طبيعياً طبقاً للظروف الموضوعية واستناداً للمبرّرات التي تمنحه الحقّ في الاعتراض والدعوة إلى نفسه، وإذا غضضنا النظر عن نقاط الاختلاف في هذه المبررات من حيث التفسير والتأويل، وتمسّكنا بالنقاط المشتركة التي لا يختلف فيها بين الصحابة نجد أنّ اعتراضه على الشورى أو نتائجها لا يخرج عن المألوف من أُسس وموازين ثابتة لدى الجميع وأهمّها : غياب بني هاشم وأغلب الصحابة عن اجتماع السقيفة، وبروز القبلية في الحوار الساخن مع المغالبة والتهديد، واعتراف المشاركين بفقدان أسس الشورى، وعدم اختيار الأعلم والأفقه، والاحتجاج بالقرابة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) على الرغم من قرب بني هاشم والإمام علي (عليه السلام) له(صلى الله عليه وآله) .

وفي جميع موارد ومواقع الاعتراض كان الإمام علي (عليه السلام) محافظاً على القواعد الشرعية في أدب الحوار والنقاش والاعتراض، وكان موقفه سلمياً لا يتعدّى تبيان حقّه بالخلافة، وممّا جاء في ذلك قوله لأبي بكر : «كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقّاً، فاستبدتم به علينا»(3) .

 

البيعة والوحدة الإسلامية

مهما اختلف الرواة والمؤرخون في وقت بيعة الإمام (عليه السلام) لأبي بكر وأسلوبها، فإنّ النتيجة كانت حفاظاً على وحدة الدولة الإسلامية ووحدة الاُمّة الإسلامية، وحاجة الدولة الفتية إلى دور الإمام علي (عليه السلام) في إنجاح المسيرة، وفي المرحلة التي سبقت البيعة أو التي تلتها بقليل رفض الإمام (عليه السلام) جميع المواقف والممارسات التي تدعو إلى التباغض والعداء والتشتّت، ومنها : موقفه من عتبة بن أبي لهب حينما قال :

ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

أليس أوّل من صلّى لقبلتكم *** وأعلم الناس بالقرآن والسنن

فبعث إليه الإمام (عليه السلام) فنهاه وأمره أن لا يعود وقال : «سلامة الدين أحبُّ إلينا من غيره»(4) .

وحينما قدم أبو سفيان المدينة قال: « . . . والله، إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم . . . أين المستضعفان أين الأذلاّن عليّ والعبّاس» .

وقال : «أبا حسن ابسط يدك حتّى أُبايعك» فزجره الإمام وقال له : «إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وانّك والله طالما بغيت الإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك»(5) .

واستمر أبو سفيان في تحريضه فقال: « . . . فوالله إن شئت لأملأنّها على أبي فصيل خيلا ورجالا»(6) .

فزجره الإمام (عليه السلام) لأنّ موقف أبي سفيان مخالف لأهداف الإمام (عليه السلام)الكبرى في الحفاظ على الكيان والوجود الإسلامي; لأنّ الهدف من الخلافة هو تقرير مبادئ الإسلام في واقع الحياة وجعلها حاكمة على الأفكار والعواطف والممارسات، ولا يتحقّق هذا الهدف بتصديع الجبهة الداخلية وإشغالها بالمعارك الجانبية، إذ لا قيمة للخلافة أمام تلك الأهداف السامية .

وقد تعدّدت الروايات في الأسباب والعوامل التي دفعته للبيعة بين السلبية والإيجابية، ونحن نختار الايجابي منها لأنّه الأقرب للواقع ولحرص الإمام (عليه السلام) على المصلحة الإسلامية والوحدة الإسلامية، ومن هذه الروايات : «انّ عثمان قال له : يا ابن العمّ! إنّه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدوّ وأنت لم تبايع، ولم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر، فسرَّ المسلمون بذلك وجدّ الناس في القتال»(7) .

وإذا تبنينا رواية تهديده بالقتل فالأمر لا يختلف; لأنّ قتله (عليه السلام)سيؤدي إلى الفرقة والتشتّت، وهذا ما يخالف أهدافه الكبرى في الحفاظ على وحدة المسلمين .

وقد عبّر الإمام (عليه السلام) عن موقفه الوحدوي قائلا : «إنّ الله لمّا قبض نبيّه، استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حقّ نحن أحقّ به من الناس كافّة، فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالإسلام، والدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقلّ خلف»(8) .

فكان توحيد الصف أهم من حقّه بالخلافة، وقد راعى المصلحة الإسلامية الكبرى في هذا الموقف .

وقال (عليه السلام) في موقف آخر : « . . . فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر، وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي، ورأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد(صلى الله عليه وآله) في النّاس ممّن تولّى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يدعو إلى محق دين الله وملّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون المصاب بهما عليَّ أعظم من فوات ولاية أُموركم . . . فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث، حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا»(9) .

 

دوره في إخماد الفتنة

لم ينعزل الإمام عليّ (عليه السلام) عن الأحداث في عهد أبي بكر، فهو وإن لم ينصّب والياً أو قائداً عسكرياً إلاّ أنّه كان يتفاعل مع الأحداث ليؤدّي دوره في الإصلاح والتغيير وفي ترشيد وتسديد الأعمال والممارسات، فكان له دور ملموس في حركة الدولة والأمّة، ففي أوائل خلافة أبي بكر اعتزل بعض الأنصار عنه، فغضب بعض المهاجرين من هذا الموقف وتطوّر الأمر وهجا عمرو بن العاص وأبو سفيان الأنصار وحرّضوا على قتالهم، فلمّا سمع الإمام (عليه السلام) بالأمر خرج مغضباً حتّى دخل المسجد فذكر الأنصار بخير، وردّ على عمرو بن العاص قوله، فلمّا علمت الأنصار ذلك سرّها وقالت : «ما نبالي بقول من قال مع حسن قول عليّ»(10) .

وكان لموقفه في الدفاع عن الأنصار الدور الأكبر في إخماد الفتنة; لأنّه أحد رؤوس المهاجرين في نظر الأنصار، ولم يتطوّر الموقف أكثر من ذلك، فقد كانت لحكمته الدور الأكبر في تجاوز الأزمة وسكون الفتنة .

 

الدفاع عن الدولة وإسنادها

على الرغم من وجود فواصل فكرية وسياسية بين الإمام علي (عليه السلام)وقادة الدولة الإسلامية إلاّ أنّه تعامل معها كفواصل جزئية لا تعزله عنهم، بل تتحرّك فيها الخطى والممارسات والمواقف نحو الأهداف المشتركة الكبرى، وكان يتعامل مع الأحداث انطلاقاً من المصلحة الإسلامية العليا، في ظروف تكالبت فيها قوى الكفر والشرك للقضاء على هذه الدولة، وكان أعداء الدولة والأمّة الإسلامية لا يفرّقون في عدائهم بين الإمام علي (عليه السلام) وغيره، وكانوا يتصيّدون كلّ حجّة وكلّ فرصة وكلّ ثغرة لينفذوا منها إلى الطعن في صحّة الرسالة، وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطرار في العقول والقلوب وخلق الفتن في صفوف الكيان الإسلامي .

وفي هذه الظروف والأجواء دافع الإمام (عليه السلام) عن الدولة وساندها كما لو كان هو الخليفة، فحينما جاءت وفود أسد وغطفان وهوازن إلى أبي بكر وطالبوه بإعفائهم من الزكاة، وحينما رجعوا أخبروا عشائرهم بقلّة أهل المدينة وأطمعوهم فيها، فطلب أبو بكر من الإمام (عليه السلام) أن ينصب كميناً على أطراف المدينة، فاستجاب (عليه السلام) للطلب، فلم يستطيعوا الهجوم وتراجعوا لأنّهم وجدوا أنّ المدينة محروسة(11) .

وردّ الإمام (عليه السلام) هجوم قبيلتي عبس وذبيان وبعض القبائل التي اغتنمت فرصة انشغال الجيش بإطفاء نار الارتداد(12) .

وكان (عليه السلام) حريصاً على سلامة القيادة السياسية والعسكرية المتمثِّلة بأبي بكر; لأنّ مقتله سيشجِّع الطامعين على الإسراع في مخطّطاتهم الرامية لتقويض الكيان الإسلامي، فحينما أراد أبو بكر الخروج بنفسه لقتال المرتدين منعه الإمام علي (عليه السلام)وقال : . . . لا تفجعنا بنفسك . .»(13) .

وحينما أراد أبو بكر غزو الروم «استشار جماعة فقدّموا وأخّروا، ولم يقطعوا برأي، فاستشار عليّاً في الأمر، فقال : إن فعلت ظفرت، فقال : بشّرت بخير»(14) .

فالإمام علي (عليه السلام) لمكانته ومقامه بين المسلمين إضافةً إلى خبرته العسكرية كان رأيه بشارة وانطلاقاً للتوجّه إلى غزو الروم، وكان الفتح حليف المسلمين .

 

حل المسائل المستعصية

كان أبو بكر يحترم مكانة الإمام (عليه السلام) العلمية، وكان يشيد به ويعترف بحقّه وفضله، وكان يمدحه في كثير من المواقف ومن أقواله في حقّه : «من سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأقربه قرابة، وأفضله دالّة، وأعظمه غناءً عن نبيّه فلينظر إلى هذا»(15) .

وكان يلتجأ إليه في المسائل المستعصية، سأله اليهود فأجابهم، ثمّ سألوه عن

رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال : «ولكنّ الحديث عنه شديد وهذا عليّ بن أبي طالب» فأرسلهم إلى الإمام علي (عليه السلام) فأجابهم(16) .

وسأله ملك الروم عن مسائل فأخبر بذلك عليّاً فأجابه، وأراد أن يقيم الحدّ على شارب خمر، فقال الرجل : إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها، فأرسل أبو بكر إلى الإمام يسأله، فقال : مرّ نقيبين من رجال المسلمين يطوفان به على المهاجرين والأنصار وينشدانهم : هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم؟ ففعل، ثمّ خلّى سبيله ولم يحدّه(17) .

 

عدم التدخّل في الأمور الجزئية

كان الإمام علي (عليه السلام) لا يتدخّل في الاُمور الجزئية التي لا ضرر فيها على المصلحة الإسلامية العليا، أو ليست من الاُمور المهمّة للمسلمين، فلم يحدّثنا التاريخ أنّه اعترض على تعيين بعض الولاة أو بعض قادة الجيش، وخصوصاً الذين لا يراهم أهلا للمسؤولية، ولم يتدخّل في تبديلهم أو عزلهم، أو يقترح تعيين البعض دون البعض الآخر، ولم يعترض على بعض الأخطاء التي ارتكبت; لأنّه وجد أنّ غيره قد اعترض عليها كبعض الأخطاء التي حدثت في حروب الردّة أو حروب مانعي الزكاة .

 

استخلافه على المدينة في خلافة عمر بن الخطّاب

أصبح عمر بن الخطّاب خليفة بعهد من أبي بكر، فلم يعترض الإمام على هذا الاستخلاف، ولم يتخلّف عن مختلف الأعمال والنشاطات والممارسات الميدانية التي تحتاج إلى رأيه وجهده، وكان ينفذ ما يطلب منه ما دام منسجماً مع قواعد وأُسس الشريعة الإسلامية .

وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر في كثير من القضايا إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من التعاون والتآزر تحت ظلّ الآفاق العليا للمنهج الإسلامي.

وإذا تتبعّنا سيرة عمر نجده لم يعهد إلى الإمام (عليه السلام) منصباً في ولاية أو إمرة جيش أو في أي مجال آخر، وكان هذا شأنه مع الكثير من المهاجرين، ومع ذلك كان يستخلفه على المدينة، وخصوصاً في الوقائع التي يشترك فيها الخليفة أو المتوقّفة على اشتراكه، فقد استخلفه على المدينة في سنة 14هـ، وفي سنة 15هـ، وفي سنة 18هـ(18).

واستخلافه على المدينة يعبّر عن ثقة عمر به، وشهادة له بالإخلاص للإسلام وللدولة الإسلامية، وإيماناً منه بتقدير المصلحة الإسلامية العليا، والعمل الدؤوب من أجل تحقيق وحدة الدولة والأمّة .

 

الاستعانة بالإمام (عليه السلام) في المجال العسكري

كان عمر بن الخطّاب يستعين بأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يريد اتخاذ موقف معيّن، وكان اختصاصه بالإمام علي (عليه السلام) أكثر من غيره، وكان الإمام (عليه السلام) لا يبخل بإبداء توجيهاته وملاحظاته وكان مخلصاً في النصيحة ما دامت مصلحة الإسلام هي العليا .

فحينما شاوره في الخروج إلى غزو الروم، نصحه بعدم الخروج بنفسه، وقال له : «إنّك متى تسر إلى هذا العدوّ بنفسك; فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين كهف دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلا مجرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحبّ، وإن تكن الاُخرى، كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين»(19) .

وفي غزوة نهاوند نصحه بالبقاء في المدينة وإبقاء أهل الشام وأهل اليمن في بلدانهم خوفاً من هجوم الروم والحبشة عليهم من الخلف أو فراغ بلدانهم من الرجال، وكان الرأي الأمثل هو الاستعانة بثلث أهل البصرة وثلث أهل الكوفة، وممّا جاء في نصيحته : « . . . إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا : هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشدّ لكلبهم وألبتهم على نفسك»(20) .

وحينما تحصّن المشركون ببيت المقدس أجابوا إلى الصلح بشرط قدوم الخليفة عليهم، فاستشار الإمام بذلك فأشار عليه (بالمسير إليهم ليكون أخفّ وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم)(21) .

وقال له : «إنّ القوم قد سألوك المنزلة التي لهم فيها الذلّ والصِغار ونزولهم على حكمك عزّ لك وفتح للمسلمين . . . حتّى تقدم على أصحابك وجنودك، فإذا قدمت عليهم كان الأمر والعافية والصلح والفتح إن شاء الله» فأخذ عمر بمشورته(22) .

ولم يتخلّف أنصار الإمام علي (عليه السلام) ـ وهم الذين يرون أحقّيته بالخلافة ـ عن الغزوات والفتوحات التي قادها الخليفة أو من نصّبه قائداً عسكرياً، تبعاً لإمامهم الذي ربّاهم على تحكيم المصلحة الإسلامية العليا على جميع المصالح، فاشترك أبناء عمّه العبّاس فيها، واشترك أبناء اخوانه فيها، ومنهم محمد بن جعفر الذي استشهد في تستر، واشترك عمّار بن ياسر وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبدالله بأغلب الغزوات والفتوحات(23) .

وقد أطاعوا الخليفة وقادة الجيش كما لو كان الإمام هو الخليفة، وقد أخلصوا لهذه الدولة متعالين على جميع الفواصل الجزئية ما دام المنهج الإسلامي هو المحور المشترك للجميع .

 

الاستعانة بالإمام (عليه السلام) في القضاء

كان عمر بن الخطّاب يستعين برأي الصحابة وخصوصاً رأي الإمام (عليه السلام) وكان الإمام (عليه السلام) يسانده ويؤازره في اختيار الموقف الأصوب، وكان يتدخّل ابتداءً لتغيير حكم أو تنفيذه، وكان عمر يمتدحه بعد نجاح الموقف ويرى أنّه السبب في إنقاذه من المواقف الحرجة في القضاء والحكم بين الناس .

استشاره في عقوبة شارب الخمر فقال : «أرى أن تجلده ثمانين، فإنّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى» فجلد عمر في الخمر ثمانين(24) .

وبلغه عن امرأة من قريش أمر مريب فبعث إليها يدعوها، فارتاعت وسقط جنينها، فاستشار جماعة من الصحابة، فقالوا : ما نرى عليك شيئاً، فقال الإمام علي (عليه السلام) : «أرى أنّك قد ضمنت ديته»، فقال عمر : صدّقتني(25) .

وذكر الطبري بعض الروايات في الاستعانة بالإمام في القضاء; وكان يتدخّل أحياناً دون استشارة ليغيّر الحكم، فيمضي عمر حكمه (عليه السلام)ومن ذلك :

أمر عمر برجم امرأة حامل اعترفت بالفجور، فتلقاها عليّ فردّها وقال : «فما سلطانك على ما في بطنها» فخلّى سبيلها .

وجيء بامرأة أصابها العطش فأجبرها رجل على الفاحشة، ففعلت، فشاور عمر عليّاً فقال : «هي مضطرّة إلى ذلك» فخلّى عمر سبيلها .

وأراد عمر رجم امرأة ولدت لستّة أشهر خلافاً للمتعارف، فأثبت عليّ له صحّة الحمل لستّة أشهر، فرجع عن قراره .

واشتكى رجل عنده على عليّ لأنّه لطمه، فسأله عمر فقال : «لأني رأيته يتأمّل حرم المؤمنين في الطواف»، فقال عمر : أحسنت يا أبا الحسن(26) فلم يجد بأساً في أن يقوم عليّ (عليه السلام) بتأديب الرعية دون علمه ودون أمره .

وأراد عمر رجم امرأة محصنة فجر بها غلام فقال الإمام (عليه السلام) : «لا يجب الرجم لأنّ الذي فجر بها ليس بمدرك» .

وسأل رجل عمر حول حليّة زوجته التي طلّقها مرّة وهو مشرك ومرّتين وهو مسلم، فقال عمر : كما أنت حتّى يجيء عليّ، فأتى عليّ فقال : «هدم الإسلام ما كان قبله» واعتبرها تطليقتين(27) .

 

الاستعانة برأي الإمام في تداول الثروة

الثروة واسلوب تداولها من الاُمور الحسّاسة بعد القضاء، ولها تأثيرها الواضح على سير الأعمال والنشاطات والممارسات; ولهذا فإنّ الإمام (عليه السلام) بذل ما يمكن بذله من إبداء النصح والتوجيه ليكون أسلوب تداول الثروة منسجماً مع أساسيات الشريعة الإسلامية ومع المصلحة العامّة للدولة وللاُمّة وللإسلام .

وأوّل بادرة للاستشارة حينما أراد عمر بن الخطّاب التفرّغ لتسيير حركة الدولة وحركة المسلمين استشار الصحابة في حقّه في بيت المال، فاختلفت أقوالهم، فقال : ما تقول يا عليّ؟ فقال : «ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره» فقال الصحابة : القول قول ابن أبي طالب(28) .

وقدم على عمر مال فيه مجوهرات وذهب وفضّة، فاستشار الصحابة فقال الإمام (عليه السلام) : «لم يجعل الله علمك جهلا ويقينك شكّاً، إنّه ليس لك من الدُّنيا إلاّ ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت، وإنّك إن تبعته على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحقّ به ما ليس له» فقال عمر : صدقتني ونصحتني(29) .

وشاور عمر الصحابة في سواد الكوفة، فقالوا له : تقسمها بيننا، فشاور الإمام (عليه السلام) فقال : «إن قسّمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا» .

فقال عمر : «وفّقك الله هذا الرأي»(30) .

وكان عمر متردّداً في خزائن بيت الله وما فيها من أموال وسلاح، أيتركها أم يوزّعها فقال له الإمام (عليه السلام) : « . . . لست بصاحبه، إنّما صاحبه منّا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان»(31) .

وحينما وضع عمر الدواوين وفرّق بين المسلمين بالعطاء على أساس السبق في الايمان والهجرة، فقدّم المهاجرين على الأنصار، والأنصار على مسلمي الفتح، ومسلمي الفتح على المتأخّرين إسلاماً، لم يعترض الإمام (عليه السلام) على طريقة التوزيع، وإن كان قد ساوى في العطاء في وقت خلافته كما يذكر جميع المؤرّخين، فقد يكون مراعياً للظروف الموضوعية في ذلك، أو عدم رغبته في مخالفة الخليفة أو الصحابة، أو انّ اسلوب التداول والعطاء من صلاحيات الخليفة في حدود المصلحة العامّة ولا محذور شرعي فيه، وعلى العموم فإنّ الإمام (عليه السلام) لم يعترض على طريقة التوزيع، ولم يخالف رأي عمر في حينه .

 

بذل الإخلاص في المشورة في جميع الجوانب

كان عمر يستعين برأي الإمام (عليه السلام) في جميع جوانب الحياة وفي جميع المرافق التي تحتاج إلى مشورة وإلى تسديد وتوجيه، وكان الإمام (عليه السلام)يبدي توجيهاته ونصائحه المنسجمة مع المصلحة الإسلامية العليا .

حينما أراد عمر كتابة التاريخ ارتأى أن يكتبه من مبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وارتأى بعض الصحابة أن يكتبه من تاريخ وفاته(صلى الله عليه وآله)، فكان رأي الإمام (عليه السلام) أن يكتب من يوم الهجرة إلى المدينة، واستقرّ الأمر على ذلك(32) .

وأراد عمر بيع أهل السواد فقال الإمام (عليه السلام) : «دعهم شوكة للمسلمين» فتركهم على أنّهم عبيد(33) .

وبلغ عمر أنّ أحد عمّاله باع ما يحرم بيعه وجعل الثمن في بيت المال، فاستشار الإمام بذلك، فقال : «امّا أن تعزله وإمّا أن تكتب إليه أن لا يعود»(34) .

وكان يستقي من آراء الإمام (عليه السلام) ويتقبّلها، ففي أحد أيّام الحجّ قبّل الحجر الأسود، ثمّ قال : (إنّي لأعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا انّي رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقبِّلك ما قبّلتك) .

فقال الإمام (عليه السلام) : « . . . بل هو يضرّ وينفع، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد على الكافر بالجحود»(35) .

واستعان بأنصار الإمام (عليه السلام) في أعماله ـ إيماناً منه بإخلاص الإمام (عليه السلام)وإخلاص أنصاره ـ فعيّن سلمان والياً على المدائن، وعمّاراً على الكوفة، وأسند بعض المناصب الحسّاسة لأنصاره الآخرين، فكان بعضهم حلقة الوصل بين الخليفة وقادة الجند(36) .

وقد أخلصوا في أعمالهم كما أخلص الإمام (عليه السلام) في مشورته، فكانوا ينظرون إلى المصلحة الإسلامية العليا وإلى وحدة الدولة والأمّة .

وقد عبّر عمر بن الخطّاب عن تلك السيرة وذلك الحرص من قبل الإمام (عليه السلام)على المصلحة الإسلامية، وعلى حفظ وحدة الكيان الإسلامي ووحدة المسلمين; بأقواله بحقّه، تقديراً منه للجهود التي بذلها في تسيير الأحداث والوقائع المختلفة، ومن أقواله بحقّ الإمام (عليه السلام) قوله : «لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن» و«أعوذ بالله أن أعيش في يوم لست فيه يا أبا الحسن» و«لولا علي لهلك عمر»(37) .

وقال لعبد الله بن عبّاس : «إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ الناس بها، ولكنّ قريشاً لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنده رخصة»(38) .

 

الموقف من الشورى

حينما طعن عمر جعل أمر الخلافة بيد ستّة من الصحابة يختارون أحدهم، وأمر بقتل كلّ من خالف الاختيار، وكان الإمام (عليه السلام) يتوقّع النتائج، وكان يقول : «فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون»(39) .

ومع علمه بالنتائج إلاّ أنّه قبل بالاجتماع واشترك فيه، فحينما قال له عمّه العبّاس لا تدخل معهم كان جوابه : «إنّي أكره الخلاف»(40) .

وحينما تمخّضت النتائج بترشيح عثمان خليفة من قبل عبدالرحمن بن عوف اكتفى الإمام (عليه السلام) بالقول : «ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)(41) . . .»(42) .

فقد عبّر عن رأيه بلا موقف سلبي، وقال لعبد الله بن عبّاس : «إنّي رأيت الجميع راضين به فلم أحبّ مخالفة المسلمين حتّى لا تكون فتنة بين الأمّة»(43) .

ووضع (عليه السلام) ميزاناً ثابتاً في التعامل مع السلطة والخلافة، فقدّم مصلحة الإسلام العليا على جميع المصالح، وقدّم الوحدة الإسلامية على جميع المغانم والمكاسب الآنية والذاتية، فخاطب أهل الشورى قائلا : «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأُسلمنَّ ما سلمت أُمور المسلمين; ولم يكن فيها جور إلاّ عليَّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»(44) .

وكان يقول : «فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعت عثمان فأديت له حقّه»(45) .

فقد تعالى (عليه السلام) على كثير من الاُمور حفاظاً على المصلحة الإسلامية العليا، وعلى وحدة الدولة والأمّة، ووقف بجانب الخليفة الجديد لتحقيق الهدف الأكبر وهو تقرير مبادئ الإسلام في واقع الحياة، وممّا نسب إليه في هذا الأمر قوله : «لو سيّرني عثمان عنه إلى صرار لسمعته وأطعت الأمر»(46) . وصرار موقع على بعد عدّة أميال من المدينة .

 

مشاركة أتباعه في الغزوات

لم يحدّثنا التاريخ عن اشتراك الإمام (عليه السلام) في الغزوات، وإنّما حدّثنا عن مشاركة أتباعه وأنصاره وأبنائه فيها، فقد اشترك أبو أيّوب الأنصاري وأبو ذر الغفاري في بعض الغزوات، واشترك عبدالله بن عبّاس في فتح افريقية، واشترك الحسن والحسين وابن عبّاس وآخرون في غزو طبرستان بإمرة سعيد بن العاص(47) .

وهذه المشاركة تدلّ دلالة واضحة على تأييد وإسناد الإمام (عليه السلام)للغزوات والفتوحات; لأنّها بالنتيجة تقع في طريق المصلحة الإسلامية العليا متمثّلة بالدعوة إلى الإسلام وإلى توسيع رقعة الدولة الإسلامية وفرض سلطانها على أرجاء الأرض.

 

الاستعانة برأي الإمام (عليه السلام)

إيماناً من عثمان بن عفّان بإخلاص الإمام عليّ (عليه السلام) للمنهج الإلهي وجهاده من أجل المصلحة العليا ووحدة المسلمين كان يستعين برأيه لترشيد وتسديد المسيرة، وكان الإمام (عليه السلام) يتدخّل أحياناً لتغيير بعض قرارات الحكم وإن لم يستشار بها .

فقد تدخّل لمنع إجراء الحدّ بامرأة، بعد أن أثبت براءتها بالأدلّة الحسيّة(48) وهنالك وقائع عديدة تدخّل فيها الإمام (عليه السلام) لتكون الأحكام منسجمة مع قواعد الشريعة.

وقد وردت روايات عديدة تنصّ على أنّ عثمان إذا جاءه الخصمان (قال لأحدهما اذهب ادع عليّاً . . .)(49) .

وكان يستشيره في اختيار الموقف المناسب من المعارضين لسياسته، فيشير عليه بإصلاح الأوضاع وتغيير بعض الولاة(50) .

واتفق رأي عثمان مع رأي الإمام علي (عليه السلام) في جمع المصاحف على قراءة واحدة(51) .

 

سيرة الإمام (عليه السلام) بعد الفتنة:

بعد ستّة أعوام من خلافة عثمان بدأت بوادر المعارضة له ولسيرته من قبل بعض الصحابة، ومن قبل بقيّة المسلمين في بعض الأمصار كالكوفة والبصرة ومصر، وقد خلقت هذه المعارضة جوّاً من الاضطراب والتخلخل في تماسك ووحدة الكيان الإسلامي، وفي ظلّ هذه الأجواء لم يقف الإمام علي (عليه السلام) موقف الحياد أو الانعزال عن الأحداث وعن الميدان، وإنّما قام بواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظاً على تماسك الكيان الإسلامي وحفاظاً على سلامة تطبيق المنهج الإسلامي من قبل الخليفة والولاة والأمّة، وكان يحاول تهدئة الأوضاع والعلاقات المتشنجة; لكي لا تحدث الفتنة وتتوسّع ولكي لا يتمزّق الكيان الإسلامي .

وكان أوّل موقف له (عليه السلام) أن حذّره من بعض الولاة الذين سبّبوا إثارة المعارضين; لأنّهم يدّعون أنّ مواقفهم وأعمالهم كانت بأمر من عثمان(52).

وكان ينصحه كثيراً كلّما خلي به، وكان يقول له : «أمّا الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها باباً، واسهّل إليها سبيلا، ولكنّي أنهاك عمّاينهاك الله ورسوله عنه، وأهديك إلى رشدك . ألا تنهي سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم، والله لوظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينه وبينك»(53).

وكان يحذّره من مروان بن الحكم ومن الأخذ برأيه فيقول : «فلا تكوننّ لمروان سيقة يسوقك حيث شاء»(54) .

وكان الوسيط بينه وبين المعارضين، وكان عثمان يدعوه أحياناً للتدخّل من أجل تهدئة الأوضاع، قال له في أحد المواقف : « . . . ارددهم عنّي فانّي أعطيهم ما يريدون من الحقّ من نفسي ومن غيري» .

فقال له الإمام (عليه السلام) : «إنّ الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك وانّهم لا يرضون إلاّ بالرضا، وقد كنت أعطيتهم من قبل عهداً فلم تفِ به، فلا تغرر في هذه المرّة، فإنّي معطيهم عنك الحقّ» .

قال : اعطهم فوالله لأفينَّ لهم.

فخرج الإمام (عليه السلام) إلى المعارضين فقال : «إنّكم إنّما تطلبون الحقّ وقد أعطيتموه وإنّه منصفكم من نفسه» .

وكتب عثمان بينه وبين المعارضين كتاباً على ردّ كلّ مظلمة، وعزل كلّ عامل كرهوه، فكفّوا عنه(55) .

إلاّ أنّ مروان بن الحكم اعتبر ذلك ضعفاً وأنّه سيجرئهم عليه فخطب في المعارضين وقبّحهم دون علم عثمان، فتأزّمت الأوضاع، وتدخّل الإمام مرّة أخرى فأرجع المعارضين وحذّره من مروان قائلا : «والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيم الله إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك» .

وبعد رجوعهم إلى بلدانهم أمسكوا بغلام عثمان، وبيده كتاب يختمه يأمر والي مصر بقتلهم، فاقتنعوا أنّه مكتوب من قبل مروان، فطالبوا عثمان بتسليمه إليهم فأبى فحدث الحصار(56) .

 

موقف الإمام (عليه السلام) بعد الحصار:

فشلت جميع محاولات المصالحة بين عثمان والمعارضين; لأنّهم أصرّوا على تسليم مروان وأصرّ هو على عدم تسليمه، وبدأ الحصار ليستمرّ أربعين يوماً، وفي مدّة الحصار حاول الإمام (عليه السلام) تهدئة الأوضاع إلاّ أنّ الظروف لم تساعده، و استمرّ (عليه السلام) على نهجه في تهدئة الأوضاع وإخماد الفتنة .

فقد وردت الأخبار أنّ عثمان اشتكى من موقف طلحة، فتوجّه الإمام (عليه السلام) إلى طلحة وقال له : «يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟» . فقال : «يا أبا الحسن بعدما مسّ الحزام الطبِّيين» .

فانصرف الإمام (عليه السلام) حتّى أتى بيت المال، فقال : افتحوه، فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة حتّى بقي وحده، وسرّ بذلك عثمان(57) .

وحينما اشتدّ الحصار نصح الإمام (عليه السلام) المعارضين بعدم قطع الماء عنه، فلم يستجيبوا له، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة بالماء(58) .

وبعث إليه عثمان فأتاه، فتعلّق به المعارضون ومنعوه، فحلّ عمامة سوداء على رأسه ورماها داخل بيت عثمان ليعلمه وقال : «اللّهم لا أرضى قتله . . . والله لا أرضى قتله»(59) .

وحينما أصبح الحصار أشدّ وطأة خرج الإمام (عليه السلام) ومعه الحسن والحسين(عليهما السلام)فحملوا على المعارضين وفرّقوهم ثمّ دخلوا على عثمان، فأعفاهم عثمان من الدفاع عنه، فخرج الإمام (عليه السلام) وهو يقول : «اللّهم إنّك تعلم أنّا قد بذلنا المجهود»(60) .

وأرسل الإمام (عليه السلام) ولديه في الدفاع عنه، فمنعوا المعارضين من الدخول إلى منزله، وقد أصابت الحسن (عليه السلام) عدّة جراحات في الدفاع عنه(61) .

وكان الإمام (عليه السلام) من أشدّ المدافعين عن عثمان كما اعترف مروان بقوله للإمام زين العابدين (عليه السلام) : «ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم» .

قال له الإمام (عليه السلام) : «فما بالكم تسبّونه على المنابر؟» .

قال : «إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك!!»(62) .

 

موقف وحدوي صريح:

في فترة الحصار توجّه عدد كبير من المسلمين إلى الإمام (عليه السلام) ليصلّي بهم جماعة، ولكنّه رفض هذا الطلب وأجابهم «لا اُصلّي بكم والإمام محصور ولكن اُصلّي وحدي»(63) .

فقد رفض الإمام (عليه السلام) الصلاة بالمسلمين ـ وإن وجد المبرّر لها ـ ليحافظ على وحدة الصفّ الإسلامي ووحدة الخلافة، وليحافظ على حرمة وقدسية منصب الخلافة، وللحيلولة دون حدوث تصدّع في الجبهة الداخلية، ودون حدوث خلل واضطراب في العلاقات بين الصحابة وبين المسلمين عموماً .

وهكذا كانت سيرته (عليه السلام) في تعامله مع الأشخاص ومع المواقف ومع الأحداث، حيث كان منقاداً للمصلحة الإسلامية العليا، ولوحدة الكيان الإسلامي; ولهذا تعاون وتآزر مع معاصريه من أجل تحقيق الأهداف الإسلامية الكبرى، ولم يثنه عن ذلك أيّ عارض أو عائق، فقد جعل الفواصل بينه وبين الخلفاء في حدودها الضيّقة، وتعامل معها كفواصل جزئية من أجل أن يتوجّه الجميع نحو الأفق الأوسع الذي يجمعهم تحت راية واحدة ومصلحة واحدة .

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مقتبس من مجلة ميقات الحج السنة السابعة ـ العدد الرابع عشر ـ 1421هـ

(1) الإمامة والسياسة 1 : 11 ـ ابن قتيبة الدينوري ـ مطبعة البابي ـ مصر ـ 1388هـ .

(2) المصدر السابق 1 : 12 .

(3) تاريخ الطبري 2 : 236 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1408هـ ـ ط2 .

(4) شرح نهج البلاغة 6 : 21 ـ ابن أبي الحديد ـ دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة ـ 1378هـ ـ ط 1 .

(5) تاريخ الطبري 2 : 237 .

(6) الكامل في التاريخ 2 : 221 ـ ابن الأثير ـ دار صادر ـ بيروت ـ 1385هـ .

(7) بحار الأنوار 28 : 310 ـ محمد باقر المجلسي ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ 1403هـ ـ ط2 .

(8) شرح نهج البلاغة 1 : 308 .

(9) شرح نهج البلاغة 6 : 95 .

(10) تاريخ اليعقوبي 2 : 128 ـ دار صادر ـ بيروت .

(11) المنتظم 4 : 75 ـ عبد الرحمن بن الجوزي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1412هـ ـ ط1 .

(12) لا سنّة ولا شيعة : 21 ـ د . محمد علي الزعبي ـ دار التراث الإسلامي ـ 1394هـ .

(13) تاريخ الخلفاء : 57 ـ عبد الرحمن السيوطي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1408هـ .

(14) تاريخ اليعقوبي 2 : 123 .

(15) مختصر تاريخ دمشق 17 : 320 ـ ابن عساكر ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1988م .

(16) ذخائر العقبى : 80 ـ محمد بن جرير الطبري ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ 1401هـ .

(17) مناقب آل أبي طالب 2 : 397 ـ ابن شهرآشوب ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ 1412هـ .

(18) الكامل في التاريخ 2 : 450، 500 وتاريخ الطبري 2 : 381، 449 .

(19) شرح نهج البلاغة 8 : 296 .

(20) المنتظم 4 : 273 وتاريخ الطبري 2 : 524 .

(21) البداية والنهاية 7 : 55 ـ ابن كثير ـ دار الفكر ـ بيروت .

(22) الفتوح 1 : 225 .

(23) الكامل في التاريخ 2 : 512 و 3 : 9 .

(24) تاريخ المدينة المنوّرة 2 : 732 ـ ابن شبّة النميري ـ مكّة المكرّمة ـ 1399هـ .

(25) انساب الأشراف 2 : 178 ـ البلاذري ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ 1394هـ .

(26) ذخائر العقبى : 81، 82 .

(27) مناقب آل أبي طالب 2 : 402، 405 .

(28) تاريخ الطبري 2 : 453 والمنتظم 4 : 197 .

(29) الكامل في التاريخ 2 : 518 .

(30) تاريخ اليعقوبي 2 : 151، 152 .

(31) كنز العمّال 14 : 591 ـ حسام الدين الهندي ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1405هـ .

(32) الكامل في التاريخ 2 : 526 وتاريخ المدينة المنوّرة 2 : 758 .

(33) مناقب آل أبي طالب 2 : 407 .

(34) أنساب الأشراف 2 : 78 .

(35) إحياء علوم الدين 1 : 242 ـ أبو حامد الغزالي ـ دار الندوة الجديدة .

(36) الكامل في التاريخ 2 : 512، 548 و 3 : 9، 18 .

(37) ذخائر العقبى : 82 وتاريخ الخلفاء : 171 والطبقات الكبرى 3 : 339 .

(38) تاريخ اليعقوبي 2 : 159 .

(39) تاريخ الطبري 4 : 230 .

(40) الكامل في التاريخ 3 : 66 .

(41) سورة يوسف الآية : 18 .

(42) الكامل في التاريخ 3 : 71 .

(43) الفتوح 1 : 235 .

(44) شرح نهج البلاغة 6 : 166 .

(45) تاريخ الخلفاء : 141 .

(46) تاريخ المدينة المنوّرة 4 : 1201 .

(47) الكامل في التاريخ 3 : 77، 89، 109 .

(48) مناقب آل أبي طالب 2 : 413 .

(49) السنن الكبرى 10 : 112 .

(50) البداية والنهاية : 7 : 171 .

(51) الكامل في التاريخ 3 : 112 .

(52) تاريخ الطبري ـ حوادث سنة 34 هـ .

(53) شرح نهج البلاغة 9 : 15 .

(54) شرح نهج البلاغة 9 : 262 .

(55) شرح نهج البلاغة 3 : 151 .

(56) تاريخ الطبري ـ حوادث سنة 35 هـ .

(57) الكامل في التاريخ 3 : 167 .

(58) تاريخ الخميس 2 : 262 ـ حسين الدياربكري ـ مؤسسة شعبان ـ بيروت ـ بدون تاريخ .

(59) الطبقات الكبرى 3 : 68 ـ ابن سعد ـ دار صادر ـ بيروت ـ 1405هـ .

(60) تاريخ الخميس 2 : 263 .

(61) البداية والنهاية 7 : 181 وتاريخ المدينة المنوّرة 3 : 1131 .

(62) أنساب الأشراف 2 : 184، وشرح نهج البلاغة 13 : 220 .

(63) تاريخ الخميس 2 : 263 .