مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

فهرس الكتاب


 


( 5 )


بسم الله الرحمن الرحيم


   
    مقدّمة المركز :
   
    لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والإفهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الأُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث .
    وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن .
    ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد



( 6 )


والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج .
    ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً .
    كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم .
    وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها .
    وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها .
    سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله .
   

مركز الأبحاث العقائدية
فارس الحسّون


( 7 )




( 8 )

بسم الله الرحمن الرحيم


   
    تمهيد :
   
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيبين والطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين .
    يقول الله سبحانه وتعالى : ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(1) .
    الحق في اللغة بمعنى الثبوت، ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) أي : أفمن يهدي إلى الأمور الثابتة القطعية اليقينية، هذا الذي يهدي إلى الواقع، ( أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ) أم الذي لا يهتدي ( إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .
   
____________
    (1) سورة يونس : 35 .


( 9 )


    هذا الذي يقوله الله سبحانه وتعالى إرشاد إلى قاعدة عقلية قطعية عند جميع العقلاء من مسلمين وغير مسلمين، إنّهم إذا أرادوا الوصول إلى أمر واقع وإلى حقيقة من الحقائق، يهتدون بمن يعلم بتلك الحقيقة ويهدي ويوصل الإنسان إلى تلك الحقيقة، يرجعون إلى هكذا شخص، أمّا الذي ليس بمهدي، ليس بعارف بالحقيقة، الذي لا يهتدي إلى الواقع، كيف يمكن أن يكون هادياً للآخرين إلى الواقع ؟
    ومن هنا قرّر العلماء من الفريقين على أنّ العقائد يجب أن يتوصل إليها الإنسان بالقطع واليقين، ولا يكفي في العقيدة الظن والتقليد، ويقول الله سبحانه وتعالى ( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً )(1)، الظن لا يغني من الواقعيّات شيئاً، الواقعيّات والأمور الحقيقيّة، المطلوب فيها القطع واليقين، ولا يكفي فيها الظن، ولا يكفي فيها الأخذ بأقوال الآخرين، وهذه قاعدة عقليّة، والقرآن الكريم يشير ويرشد إلى هذه القاعدة العقلية القطعية .
____________
    (1) سورة النجم : 28 .


( 10 )


    وحينئذ إذا دار الأمر بين رجلين، أحدهما مهتدي ويمكنه هداية الآخرين إلى العقائد الحقة والأُمور الواقعية، والشخص الآخر يحتاج إلى من يهديه، يحتاج إلى من يرشده ويأخذ بيده، كيف يمكن الحكم بالاهتداء وبأخذ الحقائق والواقعيات ممّن هو بنفسه يحتاج إلى من يهديه ؟
    أمّا نحن فنعتقد بأنّ الإمامة أمر لا يكون إلاّ من الله سبحانه وتعالى، الإمامة جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى، ولا فرق بين الإمامة والنبوّة من هذه الحيثيّة، وحينئذ نحتاج في معرفة الإمام وتعيّنه إلى نصٍّ قطعيّ، أو إلى أدلّة تقتضي أن يكون الشخص هو الإمام لكونه مهتدياً وهادياً .
    وأيضاً، لو قام الدليل على عصمة شخص أو أشخاص، فإنّ العصمة إنْ وجدت في شخص لا يجوّز العقل الإهتداء بغير هذا الشخص مع وجوده، ومع التمكن منه ولو بالواسطة، لذا جعلنا الإمامة إمّا بالنص وإمّا بالعقل، والنص إمّا من الكتاب وإمّا من السنّة القطعيّة .
    وكان حديث المنزلة ـ وهو آخر الأدلة اللفظية التي بحثنا عنها ـ دليلاً على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) من الجهات الثلاثة جميعاً ، فلقد كان هذا الحديث نصّاً في إمامة أمير المؤمنين، ودليلاً على عصمته، ودليلاً على أفضليّته (عليه السلام) من سائر الصحابة .



( 11 )


    وقد بحثنا عن مدلول هذا الحديث وفقهه، وبيّنا اندفاع الشبهات التي طرحت في كتب الأُصول والكلام على هذا الحديث والإستدلال به على إمامة أمير المؤمنين، وكان عمدة تلك الشبهات ، ثلاثة شبهات ذكرتها، وقد كانت شبهات مترابطة، وبيّنّا اندفاع تلك الشبهات بأدلّة عديدة تجتمع تلك الأدلّة على اندفاع المناقشات الثلاثة كلّها في دلالة حديث المنزلة .
    وموضوع بحثنا في هذه الليلة هو الاستدلال بما يحكم به العقل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي الدليل العقلي على الإمامة .



( 12 )

الأوصاف المجمع عليها في الإمام


   
    لو راجعتم كتب العقائد والكلام عند أهل السنّة ككتاب :
    المواقف في علم الكلام للقاضي الإيجي، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، وشرح القوشچي على التجريد، وشرح المقاصد لسعدالدين التفتازاني، وشرح العقائد النسفية، وغير هذه الكتب التي هي من أُمّهات كتب العقيدة والكلام عند أهل السنّة لرأيتم أنّهم يذكرون في المباحث المتعلقة بالإمام فصولاً، منها :
    إنّ نصب الإمام إنّما يكون بالإختيار، وليس بيد الله سبحانه وتعالى، خلافاً للإماميّة .
    وإذا كان نصب الإمام عندهم بالإختيار، فإنّهم يذكرون في فصل آخر الشروط التي يجب توفّرها في الإمام حتّى يُختار للإمامة .
    وإذا راجعتم ذلك الفصل الذي يذكرون فيه الشروط، شروط الإمام أو أوصاف الإمام، يذكرون هناك أوصافاً ويقسّمونها إلى قسمين :
    قسم قالوا بأنّها أوصاف مجمع عليها .
    وقسم هي أوصاف وقع الخلاف فيها .



( 13 )


    ونحن نتكلّم على ضوء تلك الشروط التي ذكروها على مسلكهم في تعيين الإمام وهو الإختيار، تلك الشروط المجمع عليها بينهم، نتكلم معهم على ضوء تلك الشروط التي ذكروها وأوجبوا توفّرها في الإمام كي يختار إماماً على المسلمين بعد رسول الله .
    نتكلّم معهم بغضّ النظر عن مسلكنا في تعيين الإمام، وهو أنّه بيد الله سبحانه وتعالى، بغضّ النظر عن ذلك المسلك، نتكلّم معهم على مسلكهم، وعلى ضوء ذلك القسم من الأوصاف التي نصّوا على ضرورة وجودها للإمام بالإجماع .
    فما هي تلك الشروط والأوصاف التي أجمعوا على ضرورة وجودها في الإمام حتى يختار إماماً ؟
    تلك الشروط المجمع عليها بينهم :
    الشرط الأول : العلم
    بأن يكون عالماً بالأصول والفروع، بحيث يمكنه إقامة
    الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين، ويمكنه دفع الشبهات الواردة من الآخرين، بأن يدافع عن هذا الدين من الناحية الفكرية، ويمكنه دفع الشبهات والإشكالات الواردة في أصول الدين وفروعه من المخالفين .



( 14 )


    الشرط الثاني : العدالة
    بأنْ يكون عادلاً في أحكامه، وفي سيرته وسلوكه مع
    الناس، أن يكون عادلاً في أحكامه عندما يتصدى رفع نزاع بين المسلمين ، أن يكون عادلاً عندما يريد أن يقسّم بينهم بيت المال، أن يكون عادلاً في تصرّفاته المختلفة المتعلّقة بالشؤون الشخصية والعامة .
    الشرط الثالث : الشجاعة
    بأن يكون شجاعاً، بحيث يمكنه تجهيز الجيوش، بحيث
    يمكنه الوقوف أمام هجمات الأعداء، بحيث يمكنه الدفاع عن حوزة الدين وعن بيضة الإسلام والمسلمين .
    هذه هي الشروط المتفقة عندهم، التي يجب توفرها في الشخص حتى يمكن اختياره للإمامة على مسلكهم من أنّ الإمامة تكون بالإختيار .
    ولابدّ وأنّكم تحبّون أنْ أقرأ لكم نصّاً من تلك الكتب التي أشرت إليها، لتكونوا على يقين ممّا أنسبه إليهم، ومن حقّكم أن تطالبوا بقراءة نص من تلك النصوص :



( 15 )


    جاء في كتاب المواقف في علم الكلام وشرح المواقف(1) ما نصّه :
    « المقصد الثاني : في شروط الإمامة
    الجمهور على أنّ أهل الإمامة ومستحقّها من هو مجتهد في الأُصول والفروع ليقوم بأُمور الدين، متمكّناً من إقامة الحجج وحلّ الشبه في العقائد الدينية، مستقلاً بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع نصّاً واستنباطاً، لأنّ أهمّ مقاصد الإمامة حفظ العقائد وفصل الحكومات ورفع المخاصمات، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشرط » .
    إذن، الشرط الأول : أن يكون عالماً مجتهداً بتعبيره هو في الأصول والفروع، ليقوم بأمور الدين، وليكون متمكناً من إقامة الحجج والبراهين، ودفع الشبه المتوجهة إلى العقائد من قبل المخالفين .
    الشرط الثاني : « ذو رأي وبصارة، بتدبير الحرب والسلم وترتيب الجيوش وحفظ الثغور، ليقوم بأُمور الملك، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة والحفظ لبيضة الإسلام بالثبات في المعارك » .
____________
    (1) شرح المواقف في علم الكلام 8 / 349 .


( 16 )


    لاحظوا بدقة ولا تفوتنّكم الكلمات الموجودة في هذا النص، وكتاب المواقف وشرح المواقف من أهم كتب القوم في علم الكلام ، فالشرط الثاني هو الشجاعة .
    « وقيل في مقابل قول الجمهور : لا يشترط في الإمامة هذه الصفات، لأنّها لا توجد الآن مجتمعة » .
    وكتاب المواقف إنّما أُلّف في القرن السابع أو الثامن من الهجرة ، وهذه الصفات غير مجتمعة في الحكّام في ذلك الوقت، إذن ، يجب عليهم أن يرفعوا اليد عن اعتبارها في الإمام، ويقولوا بإمامة من لم يكن بعالم أو لم يكن بشجاع، وحتّى من يكون فاسقاً فاجراً كما سنقرأ صفة العدالة أيضاً .
    يقول : « نعم يجب أن يكون عدلاً، لئلاّ يجور، فإنّ الفاسق ربّما يصرف الأموال في أغراض نفسه فيضيع الحقوق . فهذه الصفات شروط معتبرة في الإمامة بالإجماع » .
    هذا نصّ عبارته، ثم يقول : « وهاهنا صفات أُخرى في اشتراطها خلاف » .
    إذن، نتكلم معهم باعتبارنا عقلاء مثلهم، ونعتبر هذه الصفات الثلاث أيضاً في الإمام، ونفترض أنّ الإمامة تثبت بالإختيار، والإمامة مورد نزاع بيننا وبينهم، فنحن نقول بإمامة علي وهم يقولون بإمامة أبي بكر .



( 17 )


    فلنلاحظ إذن، هل هذه الصفات المعتبرة بالإجماع في الإمام، المجوّز توفّرها فيه لانتخابه واختياره إماماً، هل هذه الصفات توفّرت في علي أو في أبي بكر، حتّى نختار عليّاً أو نختار أبا بكر، ومع غضّ النظر عن الكتاب والسنّة الدالّين على إمامة علي بالنص أو غير ذلك ؟
    نحن والعقل الذي يقول بأنّ الرئيس للأُمّة والخليفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يجب أن يكون واجداً لهذه الصفات المجمع عليها، ونحن تبع لهذا الإجماع الذي هم يدّعونه على هذه الصفات .
    وأيضاً : نحن نوافق على هذا الإجماع، وإن كنّا نقول باعتبار العصمة التي هي أعلى من العدالة، لكن مع ذلك نبحث عن هذه المسألة في هذه الليلة مع غضّ النظر عن مسلكنا في ثبوت الإمامة وتعيين الإمام .
    إذن، يتلخّص كلام القوم في الصفات اللازم وجودها في الإمام بالإجماع في ثلاثة صفات :
    أنْ يكون متمكناً من إقامة الحجج وحلّ الشبه في العقائد



( 18 )


الدينية، لأنّ أهم مقاصد الإمامة حفظ العقائد وفصل الخصومات، فلابدّ وأن يكون عالماً في الدين بجميع جهاته من أُصوله وفروعه، ليتمكّن من الدفاع عن هذا الدين إذا ما جاءت شبهة أو توجّهت هجمة فكرية .
    وأن يكون شجاعاً، ليقوى على الذب عن الحوزة والحفظ لبيضة الإسلام بالثبات في المعارك، لأنّ الإمام إذا فرّ من المعركة فالمأمومون أيضاً يفرّون، إذا فرّ القائد فالجنود يفرّون تبعاً له، إذا انكسر الرئيس انكسر الجيش كلّه، وهذا واضح، إذن بنصّ عبارة هؤلاء يجب أن يكون من أهل الثبات في المعارك .
    وأن يكون عدلاً غير ظالم ولا فاسق .
    فإمّا تكون هذه الصفات مجتمعة في علي دون غيره، فيكون علي هو الإمام، وإمّا تكون مجتمعة في غير علي فيكون ذاك هو الإمام، وإمّا تكون مجتمعة في كليهما، فحينئذ ينظر إلى أنّ أيّهما الواجد لهذه الصفات في أعلى مراتبها، وإلاّ فمن القبيح تقديم المفضول على الفاضل عقلاً، والقرآن الكريم يقول : ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي )، من يكون عادلاً أولى بأن يكون إماماً أو من يكون فاسقاً ؟ العالم أولى أن يكون إماماً نقتدي به أو من يكون جاهلاً ؟ وعلى فرض أن يكون كلاهما عالمين فالأعلم هو المتعيّن أو لا ؟ لابدّ من الرجوع إلى العقل والعقلاء، ونحن نتكلّم على هذا الصعيد .



( 19 )


    قالوا : هذه هي الصفات المعتبرة بالإجماع، أمّا أنْ يكون هاشميّاً ففيه خلاف، أمّا أن يكون معصوماً ففيه خلاف، أمّا أن يكون حرّاً، ربّما يكون فيه خلاف، ربّما ينسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أمر بإطاعة من ولّي على المسلمين وإنْ كان عبداً، ربّما ينسبون إليه هكذا حديث، لكن هذه قضايا مختلف فيها، فالعصمة تقول بها الشيعة وغيرهم لا يقولون بها، وكذا سائر الصفات فهي مورد خلاف، مثل أن يكون هاشمياً ، أن يكون قرشياً ، أن يكون حرّاً، وغير ذلك من الصفات المطروحة في الكتب .
    أمّا الصفات المتفق عليها بين الجميع فهي : العلم والعدالة والشجاعة، ونحن نبحث على ضوء هذه الصفات .



( 20 )

الصفة الأُولى : العلم


   
    العلم والتمكن من إقامة الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين، والتمكن من دفع شبه المخالفين، من الصفات المتفق عليها .
    لندرس سيرة علي وسيرة أبي بكر، لندرس ما ورد في هذا وهذا، لندرس ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما قاله الصحابة، ما قاله سائر العلماء في علي، وما قيل في أبي بكر .
    ولا نرجع إلى شيء ممّا يروى عن كلّ واحد منهما في حقّ نفسه، فعلي (عليه السلام) يقول : « علّمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح لي من كلّ باب ألف باب »(1) .
    لا نرجع إلى هذا الحديث، وهذا الخبر، لأنّ المفروض أنّه في علي ومن علي، نرجع إلى غير هذه الروايات .
   
____________
    (1) كنز العمال 13 / 114 رقم 36372، 165 رقم 36500 .


( 21 )


    مثلاً يقول علي : « سلوني قبل أن تفقدوني »(1) هذا لم يرد عن أبي بكر، أبو بكر لم يقل في يوم من الأيام : سلوني قبل أن تفقدوني ، لكن نضع على جانب مثل هذه الروايات الواردة عن علي، وإنْ كنّا نستدلّ بها في مواضعها، وهي موجودة في كتب أهل السنّة .
    لكنّا نريد أن ندرس سيرة هذين الرجلين، أن ندرس سيرة أمير المؤمنين وأبي بكر على ضوء ما ورد وما قيل فيهما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة والعلماء، لنكون على بصيرة من أمرنا، عندما نريد أن نختار وننتخب أحدهما للإمامة بعد رسول الله على مسلك القوم .

    أنا مدينة العلم وعلي بابها :
    نلاحظ في كتب القوم أنّ رسول الله يقول في علي : « أنا
    مدينة العلم وعلي بابها » .
    ونحن الآن نبحث عن الصفة الأولى وهي العلم ، والتمكن من إقامة الحجج والبراهين، ورسول الله يقول في علي : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » .
____________
    (1) أخرجه أحمد في المناقب وابن سعد وابن عبد البر وغيرهم، الاستيعاب 3/1103، الرياض النضرة 2 / 198، الصواعق المحرقة : 76 .


( 22 )


    هذا الحديث موجود في كتبهم، يرويه :
    1 ـ عبد الرزاق بن همّام الصنعاني .
    2 ـ يحيى بن معين، الإمام في الجرح والتعديل، مع تصحيحه لهذا الحديث .
    3 ـ أحمد بن حنبل .
    4 ـ الترمذي .
    5 ـ البزّار .
    6 ـ ابن جرير الطبري .
    7 ـ الطبراني .
    8 ـ أبو الشيخ .
    9 ـ ابن السقا الواسطي .
    10 ـ ابن شاهين .
    11 ـ الحاكم النيسابوري .
    12 ـ ابن مردويه .
    13 ـ أبو نعيم الإصبهاني .
    14 ـ الماوردي .
    15 ـ الخطيب البغدادي .



( 23 )


    16 ـ ابن عبد البر .
    17 ـ السمعاني .
    18 ـ ابن عساكر .
    19 ـ ابن الأثير .
    20 ـ ابن النجّار .
    21 ـ السيوطي .
    22 ـ القسطلاني .
    23 ـ ابن حجر المكي .
    24 ـ المتقي الهندي .
    25 ـ علي القاري .
    26 ـ المنّاوي .
    27 ـ الزرقاني .
    28 ـ الشاه ولي الله الدهلوي .
    وغيرهم، وكلّ هؤلاء يشهدون بأنّ رسول الله قال في علي : « أنا مدينة العلم وعلي بابها »(1) .
    وهل قال مثل هذا الكلام في غير علي ؟
____________
    (1) تهذيب الآثار « مسند الإمام علي (عليه السلام) » : 105 رقم 173 ـ مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ـ 1402، صحيح الترمذي . كما في جامع الأُصول 9 / 473، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 170 وغيرهما، المعجم الكبير للطبراني 11/65 رقم 11061 ـ دار إحياء التراث العربي، تاريخ بغداد 4 / 348، 7 / 172، 11 / 204، الاستيعاب 3 / 1102، فردوس الأخبار 1 / 76، أُسد الغابة 4 / 22، الرياض النضرة 2 / 255، تهذيب الكمال 20 / 485، تاريخ جرجان : 24، تذكرة الحفاظ 4 / 28، البداية والنهاية 7 / 358، مجمع الزوائد 9 / 114، عمدة القاري 7 / 631، اتحاف السادة المتقين 6 / 224، مستدرك الحاكم 3/126 و127، ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق 2/465 رقم 984، جامع الأُصول 8/657 رقم 6501 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403، الجامع الصغير للسيوطي 1/415 رقم 2705 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1401، الصواعق المحرقة : 189، كنز العمال 11/614 رقم 32978 و32979، فيض القدير للمنّاوي : 3/46 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1391 .


( 24 )


    أنا دار الحكمة وعلي بابها :
    ويقول رسول الله في حق علي : « أنا دار الحكمة وعلي
    بابها » ، وعندما نراجع الكتب نرى هذا الحديث يرويه
    1 ـ أحمد بن حنبل .
    2 ـ الترمذي .
    3 ـ محمّد بن جرير الطبري .
    4 ـ الحاكم النيسابوري .
    5 ـ ابن مردويه .



( 25 )


    6 ـ أبو نعيم .
    7 ـ الخطيب التبريزي .
    8 ـ العلائي .
    9 ـ الفيروزآبادي .
    10 ـ ابن الجزري .
    11 ـ ابن حجر العسقلاني .
    12 ـ السيوطي .
    13 ـ القسطلاني .
    14 ـ الصالحي الدمشقي .
    15 ـ ابن حجر المكي .
    16 ـ المتقي الهندي .
    17 ـ المنّاوي .
    18 ـ الزرقاني .
    19 ـ ولي الله الدهلوي .
    وغيرهم .
    وهؤلاء يشهدون بأنّ رسول الله قال في علي : « أنا دار الحكمة وعلي بابها »(1) .
____________
    (1) فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) : 138 رقم 203، سنن الترمذي 5/637، تهذيب الآثار « مسند علي (عليه السلام) » : 104 رقم 8، حلية الأولياء 1/64، مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي 2/504 رقم 6096 ـ دار الأرقم ـ بيروت، أسنى المطالب لابن الجزري : 70 ـ مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ أصفهان، الرياض النضرة 2 / 255، شرح المواهب اللدنية 3 / 129، الجامع الصغير للسيوطي 1/415 رقم 2704، الصواعق المحرقة : 189، كنز العمال 11/600 رقم 32889 و13/147 رقم 36462، فيض القدير 3/46 .


( 26 )


    فإذا كان رسول الله يقول في حقّ علي هكذا، وهم يروون هذا الحديث، فهل علي المتمكن من إقامة الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين ودفع الشبه، أو غيره الذي لم يرد مثل هذا الحديث في حقّه ؟

    أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي :
    والأظهر من هذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي : « أنت تبيّن لأُمّتي ما
    اختلفوا فيه من بعدي » .
    فقد نصب علياً للحكم بيننا في كلّ ما اختلفنا فيه، من أُمور ديننا ودنيانا .
    وهذا الحديث يرويه :



( 27 )


    1 ـ الحاكم النيسابوري، ويصحّحه .
    2 ـ ابن عساكر، في تاريخ دمشق .
    3 ـ الديلمي .
    4 ـ السيوطي .
    5 ـ المتقي الهندي .
    6 ـ المنّاوي .
    وجماعة آخرون يروون هذا الحديث(1) .
    ولم يرد مثل هذا الحديث في حقّ غير علي .

    عليّ هو الأُذن الواعية :
    وأيضاً، لمّا نزل قوله تعالى : ( وَتَعِيهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ )(2) نرى
    رسول الله يقول : بأنّ عليّاً هو الأُذن الواعية .
    فيكون علي وعاءً لكلّ ما أنزل الله سبحانه وتعالى، يكون وعاء لجميع الحقائق، يكون واعياً لجميع الأُمور .
    وهذا الحديث تجدونه في :
   
____________
    (1) مستدرك الحاكم 3/122، ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق 2/488 رقم 1008 و1009، كنز العمال 11/615 رقم 32983 .
    (2) سورة الحاقة : 12 .



( 28 )


    1 ـ تفسير الطبري .
    2 ـ تفسير الكشاف .
    3 ـ تفسير الرازي .
    4 ـ الدر المنثور، حيث يرويه السيوطي هناك عن : سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، والواحدي، وابن النجار .
    وتجدونه أيضاً في :
    5 ـ حلية الأولياء .
    6 ـ مجمع الزوائد .
    وفي غير هذه الكتب(1) .

    أقضاكم عليّ :
    ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أقضاكم علي » .
    وكنّا نحتاج إلى الإمام لرفع الخصومات كما ذكر صاحب
    شرح المواقف، كنّا نحتاج إليه لرفع الخصومات والتنازعات والخلافات بين الناس، ورسول الله يقول : « علي أقضاكم » .
    ولم يرد مثل هذا الكلام في حق غير علي .
____________
    (1) تفسير الطبري 29/35 ـ 36، تفسير الكشاف 4/151، تفسير الرازي 30/107، الدر المنثور 8/267 .


( 29 )



    فما ذنبنا إن قلنا بأنّ عليّاً هو المتعيّن للإمامة حتّى لو كان الأمر موكولاً إلى الأُمّة، حتّى لو كان الأمر مفوّضاً إلى اختيار الناس ؟ كان عليهم أنْ يختاروا عليّاً، لأنّ هذه هي الضوابط التي قرّروها في علم الكلام، وقالوا : بأن هذه الصفات هي صفات مجمع على اعتبارهم في الإمام .
    وحديث « أقضاكم علي » تجدونه في :
    1 ـ صحيح البخاري .
    2 ـ مسند أحمد .
    3 ـ المستدرك .
    4 ـ سنن ابن ماجه .
    5 ـ الطبقات الكبرى .
    6 ـ الاستيعاب .
    7 ـ سنن البيهقي .
    8 ـ مجمع الزوائد .
    9 ـ حلية الأولياء .
    10 ـ أُسد الغابة .
    11 ـ الرياض النضرة .



( 30 )


    هذا فيما يتعلّق ـ باختصار ـ بكلمات رسول الله التي يروونها هم، وفيها شهادة رسول الله أو إخبار رسول الله بمقامات علي، وبأنّه المتمكن من إقامة الحجج، إقامة البراهين، ودفع الشبه، إنّ عليّاً هو المرجع من قبل رسول الله في رفع الخلافات، هو المبيّن لما اختلف فيه المسلمون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

    كلمات الصحابة في المقام العلمي للإمام علي (عليه السلام) :
    وأمّا كلمات الصحابة فما أكثرها، وإنّي أنقل لكم نصّاً من
    أحد كبار الحفّاظ بترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يشتمل هذا النص على شهادات من كبار الصحابة والتابعين في حقّ علي (عليه السلام)من حيث مقامه العلمي .
    يقول الحافظ النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات حيث يترجم لعلي (عليه السلام) :
    أحد العلماء الربّانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإسلام ...
    إلى أن قال :
    أمّا علمه، فكان من العلوم في المحلّ العالي، روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسمائة حديث وستّة وثمانين حديثاً، اتفق



( 31 )


البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، روى عنه بنوه الثلاثة الحسن والحسين ومحمّد بن الحنفية، وروى عنه : ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وعبدالله بن جعفر، وعبدالله بن الزبير، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبدالله، وروى عنه من التابعين خلائق مشهورون .
    ونقلوا عن ابن مسعود قال : كنّا نتحدّث أن أقضى المدينة علي .
    قال ابن المسيّب : ما كان أحد يقول : سلوني غير علي .
    وقال ابن عباس : أُعطي علي تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي .
    قال ابن عباس : وإذا ثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره .
    ثمّ يقول النووي :
    وسؤال كبار الصحابة ـ متى قالوا كبار الصحابة فمقصودهم المشايخ الثلاثة وغيرهم من العشرة المبشرة، هذه الطبقة ـ ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات، مشهور »(1) .
____________
    (1) تهذيب الأسماء واللغات : 1/344 ـ 346 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .


( 32 )


    فإذا كان كبار الصحابة يرجعون إلى علي في معضلاتهم، ويأخذون بقوله ولم نجد ـ ولا مورداً واحداً ـ رجع فيه علي إلى واحد منهم، أو احتاج إلى الأخذ عن أحدهم، فماذا يحكم عقلنا ؟ وكيف تحكمون ؟

    عدم رجوع الإمام علي إلى أحد من الصحابة :
    ويشهد بعدم رجوع علي إلى أحد منهم، ورجوع غير
    واحد منهم إلى علي في المعضلات كما نصّ النووي، يشهد بذلك موارد كثيرة ـ يذكرها ابن حزم الأندلسي في كلام له طويل ـ فيها جهل الصحابة وكبار الأصحاب بمسائل الدين، ورجوعهم إلى غيرهم، وليس في ذلك الكلام الطويل لابن حزم ـ ولا مورد واحد ـ يذكر رجوع علي إلى أحد من القوم .
    يقول ابن حزم :
    ووجدناهم ـ أي الصحابة ـ يقرّون ويعترفون بأنّهم لم يبلغهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة ـ لاحظوا هذا الحديث المشهور عن أبي هريرة ـ يقول : إنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإنّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم » .



( 33 )


    وعلي ما شغله الصفق في الأسواق، ولم يشغله القيام بأمواله، وإنّما لازم رسول الله ليلاً ونهاراً .
    يقول ابن حزم :
    وهذا أبو بكر لم يعرف فرض ميراث الجدّة وعرّفه محمّد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة [ فاحتاج مثل أبي بكر إلى المغيرة بن شعبة في حكم شرعي !! ] وهذا أبو بكر سأل عائشة في كم كفن كفّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) » .
    وهكذا يذكر موارد أُخرى عنه، حيث جهل القضايا ورجع إلى غيره .
    ثمّ يقول :
    وهذا عمر يقول في حديث الاستئذان : أُخفي عَلَيّ، ألهاني الصفق في الأسواق، وقد جهل أيضاً أمر إملاص المرأة وعرّفه غيره ، وغضب على عيينة بن حصن حتّى ذكّره الحر بن قيس، وخفي عليه أمر رسول الله بإجلاء اليهود، وخفي على أبي بكر قبله ، وخفي على عمر أمره بترك الإقدام على الوباء وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف، وسأل عمر أبا واقد الليثي عمّا كان يقرأ به رسول الله [ وهذا طريف جدّاً ] في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاّهما رسول الله أعواماً كثيرة .



( 34 )


    صلّى رسول الله الفطر والأضحى أعواماً كثيرة، وعمر جهل إنّ رسول الله أيّ سورة كان يقرأ في هاتين الصلاتين وسأل أبا واقد الليثي !!
    ثمّ يقول ابن حزم :
    ولم يدر [ أي عمر ] ما يصنع بالمجوس حتّى ذكّره عبد الرحمن بأمر رسول الله، ونسي قبوله الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعلّه قد أخذ من ذلك المال حظّاً كما أخذ غيره، ونسي أمره بتيمّم الجنب فقال : لا يتيمّم أبداً ولا يصلّي ما لم يجد الماء، وذكّره بذلك عمّار، وأراد قسمة مال الكعبة حتّى ذكّره بعض الصحابة .
    ثمّ ينتقل ابن حزم إلى عثمان وغيره فيقول :
    وهذا عثمان ...، وهذه عائشة ...، وهذه حفصة ...، وهذا ابن عمر ...، وهذا زيد بن ثابت ... .
    وليس ـ ولا مورد واحد ـ يذكره كشاهد على جهل علي بمسألة فيكون محتاجاً إلى غيره، ليسأله عن تلك المسألة . هذا النص تجدونه في إحكام الأحكام(1) .
____________
    (1) الإحكام في أصول الأحكام المجلّد الأوّل الجزء 2/151 ـ 153 ـ دار الجيل ـ بيروت 1407 .


( 35 )


    لولا عليّ لهلك عمر :
    وأمّا كلمة عمر بن الخطّاب : لولا علي لهلك عمر، فإن هذه
    الكلمة جرت مجرى الأمثال، سمع بها الكل حتّى الأطفال .
    وكذا قوله : لا أبقاني الله لمعضلة لست لها يا أبا الحسن
    وروى كلمة : لولا علي لهلك عمر في واقعة :
    1 ـ عبد الرزاق بن همّام .
    2 ـ عبد بن حميد .
    3 ـ ابن المنذر .
    4 ـ ابن أبي حاتم .
    5 ـ البيهقي .
    6 ـ ابن عبد البر .
    7 ـ المحب الطبري .
    8 ـ المتقي الهندي في كنز العمال(1) .
   
____________
    (1) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3 / 1103، الرياض النضرة في مناقب العشرة 4 / 194 .


( 36 )


وفي مورد آخر أيضاً قال هذه الكلمة ـ لولا علي لهلك عمر ـ وذلك المورد قضية المرأة المجنونة التي زنت فهمّ عمر برجمها، وتلك القضية رواها
    1 ـ عبد الرزاق .
    2 ـ البخاري .
    3 ـ الدارقطني .
    وغيرهم من كبار الأئمّة(1) .
    وقد قالها في موارد أُخرى، لا نطيل بذكرها .
    ولا بأس بذكر كلمة المنّاوي بهذا الصدد، يقول المنّاوي في شرح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض »، وهذا حديث أيضاً وارد عن رسول الله، يقول :
    أخرج أحمد : إنّ عمر أمر برجم امرأة، فمرّ بها علي فانتزعها، فأُخبر عمر، فقال عمر : ما فعله إلاّ لشيء، فأرسل إليه فسأله، فقال علي : أما سمعت رسول الله يقول : « رفع القلم عن ثلاث ... . قال : نعم، فقال عمر : لولا علي لهلك عمر .
   
____________
    (1) فيض القدير 4 / 357 .


( 37 )


    قال المنّاوي :
    واتفق له مع أبي بكر نحوه ـ أي اتفق إنّ أبا بكر أيضاً همّ بمثل هذه القضية وعلي منعه واستسلم لقول علي ـ وربّما قال : لولا علي لهلك أبو بكر(1) .
    كما أنّا وجدنا في بعض المصادر مورداً عن عثمان قال فيه : لولا علي لهلك عثمان(2) .
    إذن، مَنِ المتمكن من إقامة الحجج والبراهين ودفع الشبه ؟
    نحن الآن في القرن الرابع عشر أو في القرن الخامس عشر، ومن أين نعرف حالات علي وأحوال أبي بكر، ونحن نريد أن نختار أحدهما للإمامة على مسلك القوم ؟ .
    أليس من هذه الطرق ؟ أليس طريقنا ينحصر بالإطلاع على هذه القضايا لنعرف من الذي توفّر فيه الشرط الأول، الشرط الأول المتفق عليه، المجمع عليه بين العلماء من المسلمين، فهذا علي
____________
    (1) فيض القدير 4/357 .
    (2) زين الفتى في سورة هل أتى 1/317 رقم 225 .



( 38 )


وهذه قضاياه، وهذه هي الكلمات الواردة في حقّه، وهذا رجوع غيره إليه، وعدم رجوعه إلى غيره، أي إنّه كان مستغنياً عن الغير وكان الآخرون محتاجين إليه .

    انتشار العلوم الإسلامية بالبلاد بواسطة الإمام علي وتلامذته :
    ولذا نرى أنّ العلوم الإسلاميّة كلّها قد انتشرت بالبلاد الإسلاميّة بواسطة علي وتلامذته من كبار الصحابة، وهذا أمر قد حقّقناه في موضعه في بحث مفصل، لأنّ البلاد الإسلاميّة في ذلك العصر كانت : المدينة المنوّرة، مكة المكرمة، البصرة، الكوفة، اليمن، الشام .
    وقد دقّقنا النظر وحقّقنا في الأمر، ورأينا أنّ العلوم انتشرت في جميع هذه البلدان عن علي (عليه السلام) .
    أمّا في المدينة والكوفة، فقد عاش علي في هاتين المدينتين وأفاد فيهما الناس بعلومه .
    أمّا الكوفة فقبل مجيء علي إليها كان فيها عبدالله بن مسعود .
    والشام كان عالمها الأكبر أبو الدرداء، وأبو الدرداء تلميذ



( 39 )


    عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن مسعود تلميذ علي (عليه السلام) .
    وأمّا البصرة ومكة المكرمة، فانتشرت العلوم في هاتين البلدتين أو هذين القطرين بواسطة عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عباس تلميذ علي عليه الصلاة والسلام .
    وهنا نصوص سجّلتها فيما يتعلق بهذا الموضوع من ذلك البحث الذي حقّقت فيه هذه القضية، ولكن لا أُريد أنْ أقرأ تلك النصوص لئلاّ يطول بنا المجلس .
    وأمّا اليمن، فقد سافر إليها علي (عليه السلام) بنفسه أكثر من مرّة، وقبيلة همدان أسلمت على يده .
    فكان حديث مدينة العلم، وحديث أنا دار الحكمة، وغير هذين الحديثين، وما ورد في تفسير قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ )وشهادات كبار الصحابة، وشهادات كبار العلماء في القرون المختلفة، وأيضاً انتشار العلوم بواسطة علي، كلّ هذه الأُمور كانت أدلّة على أنّ المبرّز في هذا الميدان هو علي (عليه السلام)، فالشرط الأول إنّما توفّر في علي دون غيره .
    ولدلالة هذه الأُمور على تقدّم علي على غيره من الأصحاب، يضطر القوم إلى التحريف والتكذيب، فانكم إذا راجعتم صحيح الترمذي لا تجدون حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، مع رواية غير واحد من الحفاظ الأعلام كابن الاثير والسيوطي وابن حجر هذا الحديث عنه !



( 40 )


    وهكذا يضطرّ ابن تيميّة أنْ يكذّب كلّ هذه الأُمور، حتّى أنّ كون ابن عباس تلميذاً لعلي يكذّبه ابن تيميّة، حتّى أخذ عبدالله بن مسعود عن علي يكذّبه، وحديث مدينة العلم يكذّبه، وهكذا الأحاديث الأُخرى التي ذكرت بعضها .
    يقول بالنسبة إلى حديث : « هو الأُذُن الواعية » يقول : إنّه حديث موضوع باتفاق أهل العلم .
    وحديث « أقضاكم علي » يكذّبه ابن تيميّة، حتّى يقول : هذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجة، لم يروه أحد في السنن المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف(1) .
    وقد ذكرنا أنّه في البخاري، وفي سنن النسائي، وسنن ابن ماجة، وفي الطبقات لابن سعد، وفي مسند أحمد، وغيرها من الكتب .
    وتكذيب ابن تيمية هو الآخر دليل على ثبوت هذه القضايا، وعلى تقدم علي في هذا الشرط على غيره .
____________
    (1) منهاج السنة 7 / 512 .


( 41 )


    وتلخّص، أنّه إذا كان العلم بالأصول والفروع، وإذا كان التمكن من إقامة الحجج والبراهين ودفع الشبه، هو الشرط الأول المتفق عليه بين المسلمين في الإمام الذي يريد المسلمون أن يختاروه على مسلك الإختيار، فهذا الشرط موجود في علي دون غيره .
    فأيّ حديث يروونه في حقّ أبي بكر في مقابل هذه الأدلّة وغيرها ؟
    يروون حديثاً يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أي ينسبونه إلى رسول الله ـ « ما صبّ الله في صدري شيئاً إلاّ وصببته في صدر أبي بكر » .
    إن كان هذا الحديث صدقاً، فلماذا يقول ابن حزم جهل كذا فرجع إلى فلان، جهل كذا فرجع إلى فلان، جهل كذا فرجع إلى فلان .
    ولكنّ هذا الحديث أدرجه ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ونصّ على أنّه كذب(1) .
    ولا يوجد حديث آخر في باب العلم يروونه بحق أبي بكر سوى هذا الحديث الذي ذكرته .
    فكيف تحكمون ؟ قال الله تعالى : ( فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .
____________
    (1) كتاب الموضوعات لابن الجوزي 1 / 219، الأخبار الموضوعة : 454 للملاّ علي القاري ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ 1406 .


( 42 )




( 43 )

الصفة الثانية : العدالة


   
    ننتقل الآن إلى الشرط الثاني، وهو العدالة، وأيضاً : نجد
    الأحاديث الكثيرة المتفق عليها بين المسلمين بين الطرفين المتخاصمين في هذه المسألة، تلك الأحاديث شاهدة على أنّ عليّاً (عليه السلام) كان أعدل القوم .
    أذكر لكم حديثين فقط :
    أحدهما : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « كفّي وكفّ علي في العدل سواء » هذا الحديث يرويه :
    1 ـ ابن عساكر في تاريخ دمشق .
    2 ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد .
    3 ـ المتقي الهندي في كنز العمّال .
    4 ـ صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرة وغيرهؤلاء(1) .
____________
    (1) ترجمة علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق 2/438 رقم 945 و946، تاريخ بغداد 8/77، وفيه « يدي ويد علي في العدل سواء »، كنز العمال 11/604 رقم 32921، الرياض النضرة 2/120، وفيه « كفّي وكفّ علي في العدد سواء » .


( 44 )


    الثاني : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي : « يا علي أخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع ولا يخصمك فيها أحد من قريش : أنت أوّلهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسويّة، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزيّة » .
    فهذا ما يقوله رسول الله، ويرويه :
    1 ـ أبو نعيم في حلية الأولياء(1) .
    2 ـ وصاحب الرياض النضرة .
    3 ـ ابن عساكر، حيث يرويه عن عمر بن الخطّاب نفسه حيث يقول : كفّوا عن ذكر علي ...، ويذكر هذه القطعة من الحديث أيضاً .
    وأنتم تعرفون قضية ما كان بين عقيل وعلي (عليه السلام)، لعدالته، وتعرفون أيضاً قضايا أُخرى كثيرة من عدله (عليه السلام) في كتب الفريقين، ممّا لا نطيل بذكرها هذا البحث .
____________
    (1) حلية الأولياء 11/65 ـ دار الكتاب العربي ـ 1405 ـ بيروت .


( 45 )

الصفة الثالثة : الشجاعة


    وأمّا الشرط الثالث الذي هو الشجاعة، قال في شرح المواقف : إنّما اعتبر هذا الشرط ليقوى على الذب عن الحوزة والحفظ لبيضة الإسلام بالثبات في المعارك .
    فراجعوا الأخبار والتواريخ وأنباء الحروب والغزوات، ليظهر لكم من كان الذاب عن الحوزة والحافظ لبيضة الإسلام والثابت أو ذوالثبات في المعارك ؟ من كان ؟
    لقد علم الموافق والمخالف أنّ عليّاً (عليه السلام) كان أشجع الناس، وأنّ بسيفه ثبتت قواعد الإسلام، وتشيّدت أركان الإيمان، وكانت الراية بيده في كافة الغزوات، وما انهزم (عليه السلام) في موطن من المواطن قط .
    هذه الأُمور أعتقد أنّها قد تجاوزت حدّ الرواية وبلغت إلى حدّ الدراية، فتلك مواقفه في بدر، وأُحد، وخيبر، وحنين، والخندق ـ الأحزاب ـ وغير ذلك من الحروب والغزوات، من ذا يشك في أشجعيّة علي ومواقفه مع رسول الله ؟



( 46 )


    نعم، يشك في ذلك مثل ابن تيميّة، لاحظوا ماذا يقول، يقول في جواب العلامة الحلي حيث يقول : إنّ عليّاً كان أشجع الناس، يقول : هذا كذب، فأشجع الناس رسول الله(1) .
    وهل كان البحث عن شجاعة رسول الله ؟ وهل كان من شك في أشجعيّة رسول الله ؟ إنّما الكلام بين علي وأبي بكر ! كلامنا في الإمامة بعد رسول الله، كلامنا في الخلافة بعد رسول الله .
    لاحظوا كيف يغالط ؟ ولماذا يغالط ؟ لأنّه ليس عنده جواب، يعلم ابن تيميّة ـ ويعلم كلّهم ـ بأنّ الشيخين قد فرّا في أكثر من غزوة ، وأنّهما لم يقتلا ولا واحداً في سبيل الله .
    يقول العلاّمة الحلّي : إنّ عليّاً قتل بسيفه الكفّار .
    فيقول في جوابه ابن تيميّة : قوله : إنّ عليّاً قتل بسيفه الكفّار، فلا ريب أنّه لم يقتل إلاّ بعض الكفّار .
    وهل قال العلاّمة الحلّي : إنّ عليّاً قتل كلّ الكفّار ! فلا ريب أنّه لم يقتل إلاّ بعض الكفّار .
   
____________
    (1) منهاج السنة 8 / 76 .


( 47 )


    يقول ابن تيميّة : وكذلك سائر المشهورين بالقتال من الصحابة ، كعمر والزبير وحمزة والمقداد وأبي طلحة والبراء بن مالك وغيرهم .
    يقول : ما منهم من أحد إلاّ قتل بسيفه طائفة من الكفّار .
    فإذا سئل ابن تيميّة : أين تلك الطائفة من الكفّار الذين قتلهم عمر ؟
    يقول في الجواب : القتل قد يكون باليد كما فعل علي وقد يكون بالدعاء ... القتال يكون بالدعاء كما يكون باليد .
    بالنص عبارته ـ والله ـ راجعوا كتاب منهاج السنة فإنّه موجود(1) .
    إذن، قتل عمر طائفة من الكفّار بالدعاء، ولا بأس !! وأيّ مانع من هذا !!
    وإذا سألنا ابن تيميّة عن شجاعة أبي بكر ـ أليس الشرط الثالث : الشجاعة ؟ ـ إذا سألناه عن شجاعة أبي بكر، يقول في الجواب بنصّ عبارته ـ بلا زيادة ونقيصة ـ : إذا كانت الشجاعة المطلوبة من الأئمّة شجاعة القلب، فلا ريب أنّ أبا بكر كان أشجع من عمر، وعمر أشجع من عثمان وعلي وطلحة والزبير، وكان يوم بدر مع النبي في العريش(2) .
____________
    (1) منهاج السنة 4 / 482 .
    (2) منهاج السنة 8 / 79 .



( 48 )


    إذن، تكون شجاعة أبي بكر بقوّة القلب فقط، وقد جاهد وقاتل بقوّة القلب .
    فالشجاعة على قسمين أو لها معنيان : الشجاعة التي يفهمها كلّ عربي، ومعنى آخر يراد من الشجاعة : قوّة القلب، وأبو بكر كان قوي القلب !! .
    وهكذا يجيب ابن تيميّة عن توفّر هذا الشرط في علي دون الشيخين، يجيب عن ذلك بجواب لا تجدونه في أيّ كتاب من الكتب، فيجعل عمر مقاتلاً، لكن لا باليد بل بالدعاء، والقتال بالدعاء كالقتال باليد، ويجعل أبا بكر شجاعاً، لكن شجاعة القلب وهي المطلوبة في الأئمّة !! وكأنّ عليّاً كانت عنده الشجاعة البدنية ولم تكن عنده شجاعة قلبيّة !!
    وكلّ هذا من ابن تيميّة ينفعنا في يقيننا بصحة استدلالاتنا، وإلاّ فأيّ معنى لتفسير القتال والجهاد في سبيل الله وقتل طائفة من الكفّار بالدعاء ؟



( 49 )


    ثمّ لو كانا واجدين لقوّة القلب ـ كما يقول ابن تيميّة ـ فلماذا فرّا ؟
    لاريب في أنّهما قد فرّا في أُحد، وقد روى الخبر أئمّة القوم، منهم :
    1 ـ أبو داود الطيالسي .
    2 ـ ابن سعد صاحب الطبقات .
    3 ـ أبو بكر البزّار .
    4 ـ الطبراني .
    5 ـ ابن حبّان .
    6 ـ الدارقطني .
    7 ـ أبو نعيم .
    8 ـ ابن عساكر .
    9 ـ الضياء المقدسي .
    وغيرهم من الأئمّة الأعلام .
    راجعوا كنز العمال(1)، أعطيكم بعض الأوقات بعض الأرقام، لأنّ القضايا حساسة فأضطرّ إلى إعطاء المصدر .
   
____________
    (1) كنز العمال 10/424 .


( 50 )


    أمّا في خيبر، فقد روى فرارهما :
    1 ـ أحمد .
    2 ـ ابن أبي شيبة .
    3 ـ ابن ماجة .
    4 ـ البزّار .
    5 ـ الطبري .
    6 ـ الطبراني .
    7 ـ الحاكم .
    8 ـ البيهقي .
    9 ـ الضياء المقدسي .
    10 ـ الهيثمي .
    وجماعة غيرهم .
    راجعوا أيضاً كنز العمال، يروي عن كلّ هؤلاء(1) .
    وأمّا في حنين، فالذي صبر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو علي فقط، كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس، وهذا الحديث في المستدرك(2).
____________
    (1) كنز العمال 10/461 .
    (2) المستدرك على الصحيحين 3 / 111 .



( 51 )



    أمّا في الخندق فالكل يعلم كلمة رسول الله : « لَضربة علي في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين »(1)، أو « أفضل من عبادة الأمّة إلى يوم القيامة »(2) .
   
____________
    (1) شرح المواهب 8 / 371 .
    (2) المستدرك على الصحيحين 3 / 32 .



( 52 )




( 53 )

خاتمة المطاف


   
    ففي من توفّرت هذه الشروط : العلم، العدالة، الشجاعة ... ، هذه الشروط والصفات المتفق على ضرورة وجودها في شخص حتّى يصلح ذلك الشخص لانتخاب الناس إيّاه واختياره للإمامة بعد رسول الله على مسلك الاختيار ؟
    هذه الشروط إنّما توفّرت في علي (عليه السلام)، وليست بمتوفرة في غيره، وعلى فرض وجودها في غيره أيضاً، أعني أبا بكر وعمر، فقد أمكننا أن نعرف على ضوء الأدلّة الواردة في الكتب الموثوقة المعتمدة، أن نعرف الذي كانت تلك الصفات موجودة فيه على الوجه الأتم الأفضل، وقد ثبت أنّ عليّاً (عليه السلام) ـ على فرض وجود هذه الصفات في غيره ـ هو الأولى، فثبت أنّه الأفضل، وثبت أنّه الأحق ، ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى ) .



( 54 )


    إذا كان الرجل والرجلان يجهلان المسألة والمسألتين، ومسائل فرعية في الأحكام الشرعية، ويجهل الرجل ماذا كان رسول الله يقرأ في صلاتي الفطر والأضحى، كيف نجعل هذا الشخص قائماً مقام رسول الله، متمكّناً من إقامة الحجج والبراهين، والذب عن دين الله وعن شريعة سيد المرسلين، متى ما جاءت شبهة أو توجّهت هجمة فكرية عن خارج البلاد الإسلامية ؟ فما لهم كيف يحكمون .

    مسألة تقدّم المفضول على الفاضل :
    نعم، لا مناص لمن يقول بقبح تقدّم المفضول على الفاضل
    كابن تيميّة ـ ابن تيميّة ينصُّ في أكثر من موضع من منهاج السنّة على قبح تقدم المفضول على الفاضل ـ فحينئذ لابدّ وأنْ يلتزم بإمامة علي .
    إلاّ أنّه يضطر إلى تكذيب الثوابت، ولا مناص له من التكذيب، حتّى لو كان الحديث موجوداً في الصحيحين وفي غير الصحيحين من الصحاح وفي غير الصحاح من الكتب المعتبرة بأسانيد صحيحة ، لأن النصب والعداء لأمير المؤمنين (عليه السلام) يمنعه من الاعتراف بالحق والالتزام به، إلاّ أنا نوضّح هذه الحقائق ونستدل عليها، عسى أن يرجع بعض الناس عن تقليده واتّباعه، ولا أقل من إقامة الحجة، ليهلك من هلك عن بيّنة .



( 55 )


    نعم، هناك من يعترف بصحة هذه الأحاديث، إلاّ أنّه ينفي قبح تقدم المفضول على الفاضل .
    فيدور الأمر عند القائلين بإمامة أبي بكر وعمر، بين نفي قبح تقدم المفضول على الفاضل وقبول الأحاديث والآثار والأخبار هذه لصحّتها، وبين قبول قبح تقدم المفضول على الفاضل وتكذيب هذه الأحاديث والآثار والقضايا الثابتة .
    وقد مشى على الطريق الثاني ابن تيميّة، وعلى الطريق الأول الفضل ابن روزبهان، وكلاهما في مقام الرد على العلاّمة الحلّي في استدلالاته على إمامة أمير المؤمنين، فابن روزبهان يقول بعدم ضرورة كون الإمام أفضل من غيره وأنّه لا يقبح تقدم المفضول على الفاضل وحكم على خلاف حكم العقلاء من الأولين والآخرين، وابن تيميّة يوافق على هذا الحكم العقلي، إلاّ أنّه يكذّب الأحاديث الصحيحة ويتصرّف في معنى الشجاعة ومعنى القتل ومعنى الجهاد . والفضل ابن روزبهان لا يضطر إلى هذه التصرفات القبيحة الشنيعة الرديئة، إلاّ أنّه ينكر أن يكون تقدم المفضول على الفاضل قبيحاً، وهذا رأي على خلاف حكم العقل وبناء العقلاء .



( 56 )


    وإذا ما رجعتم إلى كتاب المواقف، شرح المواقف، شرح المقاصد، وغير هذه الكتب، ترونهم مضطربين، لا يعلمون ما يقولون، لا يفهمون بما يحكمون، فما لهم كيف يحكمون ؟ راجعوا شرح المواقف وشرح المقاصد وغيرهما من كتب القوم :
    فتارة يوافقون على قبح تقدم المفضول على الفاضل، وهذه الأحاديث صحيحة .
    وتارة يتأمّلون وكأنّهم لا يعلمون أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح أو لا، ويتركون البحث على حاله ؟
    وقد نقلت هنا عبارة كتاب المواقف للقاضي الإيجي، الذي ذكر في هذه المسألة الخلاف في تقدم المفضول وعدم تقدم المفضول، وأنّه قبيح أوْ لا، وهو ساكت لا يختار أحد القولين، لأنّه لا يدري ماذا يقول ؟ يبقى متحيّراً، يبقى مضطرباً، لأنّ الأمر يدور بين الأمرين كما ذكرت .
    وإذا سألت القاضي الإيجي عن أنّ أبا بكر أفضل من علي أوْ لا ، وتريد منه الكلام الصريح والفتوى الواضحة في هذه المسألة، والإفصاح عن رأيه ؟
    يقول : بأنّ الأفضليّة لا يمكننا أنْ ندركها ونتوصّل إليها ! ثمّ إنّ الصحابة قدّموا أبا بكر وعمر وعثمان على علي، وجعلوا أولئك أفضل من علي، وحسن الظنّ بهم ـ أي بالصحابة ـ يقتضي أن نقول بقولهم ونوكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى .



( 57 )


    وهكذا يريد الفرار من هذه المسألة، والخروج عن عهدة هذه القضية، وإلقاء المسؤولية على الصحابة .
    فأقول للقاضي الإيجي : إذن، لماذا أتعبت نفسك ؟ إذن، لماذا بحثت عن هذه المسألة ؟ ولماذا طرحت هذه القضية في كتابك الذي أصبح أهم متن من الكتب الكلامية ؟ وكان عليك من الأول أنْ تقول : بأنّ الصحابة كذا فعلوا، ونحن كذا نقول، وإنّا على آثارهم مقتدون، وكذلك يفعلون .
    وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .

 

***