مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

 

فهرس الكتاب



الحـديث السـابع

لا يجوز أحد على الصراط الاّ بجواز من علي(عليه السلام)

ما ورد في فضيلة من فضائل خير الوصيّين، ويعسوب المؤمنين، ممّا اختّصه الله عزّوجلّ بها دون سائر المؤمنين، فتميّز بها عمّن سواه لعلوّ قدره، ورفيع منزلته، ظاهراً يوم الجمع في مشهد من الاوّلين والاخرين، حين لا يستغني عنه يوم المجاز على متن جهنّم كلّ فرد من الواردين، فيابشرى لمن أحبّه وتولاه، ففاز ببراءة منه، فكان من الناجين، والويل والخيبة لمن يبغضه يومئذ ولم يتولّه، فلا يفوز بجواز منه، فصار في النار من المغرقين، كما قال النبيّ صلوات الله عليه وعلى آله، فيما رواه جمع من حفظة السنن في زبرهم. منهم: الخطيب البغدادي في تاريخه (10: 356) روى بسنده عن أنس بن مالك: قال: لمّا حضرت وفاة أبي بكر، وساق الحديث إلى أن قال أبو بكر: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ على الصراط لعقبة، لا يجوزها أحد إلاّ بجواز من علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وساق الحديث، إلى أن قال في آخره: قال علي(عليه السلام): سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا خاتم الانبياء، وأنت يا علي خاتم الاولياء.

وفي الرياض النضرة للطبري (2: 172) قال: وعن علي(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا جمع الاولين والاخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنّم، ما جازها أحد حتّى كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب. وقال: أخرجه الحاكمي في الاربعين.

وفي الرياض النضرة (2: 77) قال: عن قيس بن حازم، قال: التقى أبو بكر وعلي، فتبسّم أبو بكر في وجه علي(عليه السلام)، فقال له: مالك تبسّمت؟ قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يجوز أحد على الصراط، إلاّ من كتب له علي(عليه السلام)الجواز. قال: أخرجه ابن السمان في الموافقة.

وفي تاريخ بغداد أيضاً (3: 161) روى بسنده عن ابن عبّاس، قال: قلت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، للنار جواز؟ قال: نعم، قلت: ما هو؟ قال: حبّ علي بن أبي طالب.

وفي كنوز الحقائق للمناوي (ص62) قال: حبّ علي براءة من النار. قال: أخرجه الديلمي، يعني عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي كنز العمّال (11: 621) قال: ما ثبّت الله حبّ علي في قلب مؤمن فزلّت به قدم إلاّ ثبّت الله قدميه يوم القيامة على الصراط. قال: أخرجه الخطيب في المتّفق والمفترق، يعني عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي المناقب لابن المغازلي (ص242 برقم: 289) روى بسنده عن عبد الله بن أنس، عن أبيه (عن جدّه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنّم، لم يجز إلاّ من كان معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام).

وفي ينابيع المودّة (ص112) للقندوزي الحنفي روى عن الحمويني بسنده عن مالك بن أنس عن جعفر الصادق، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إذا جمع الله الاوّلين والاخرين يوم القيامة نصب الصراط على جهنّم، لم يجز عنها أحد إلاّ من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب.

قال القندوزي: أيضاً أخرج هذا الحديث موفّق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن الحسن البصري، عن ابن مسعود. وأخرجه عن مجاهد، عن ابن عبّاس.

وفي الصواعق (ص124) لابن حجر، قال: روى ابن السماك أنّ أبا بكر قال له: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له علي الجواز.

وقد أورده الذهبي أيضاً في ميزان الاعتدال (2: 28 و44) غير أنّه قال: في الحديثين بأنّهما خبران باطلان تبعاً لابن الجوزي.

وقد ردّ على قول الذهبي وابن الجوزي الامام المظفّرفي دلائل الصدق (2: 97 ط. بصيرتي) بقوله: ولا سبب للحكم بوضعه وبطلانه إلاّ التعصّب والاستبعاد، وكيف يستبعد ذلك في حقّ أخ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ونفسه وثقله في اُمّته؟

ثمّ قال: وقد ذكر السيوطي في كتابه اللالي المصنوعة نقلاً عن الحاكم، وذكر كلام ابن الجوزي والذهبي، وتعقّبهما بأنّ للحديث طريقاً آخر ذكره ابو علي الحدّاد في معجمه، ثمّ بيّن الطريق، وحينئذ فلابدّ للمنصف من الحكم بصدق مضمون الحديث بل تواتره، بضميمة أخبارنا... الى آخر كلامه.

وفي مناقب ابن شهرآشوب أحد الحفّاظ المتوفّى سنة (588) هجرية (2: 7 ط. النجف و 2: 156 ط. إيران) قال: وفي حديث وكيع قال أبو سعيد: يا رسول الله، ما معنى براءة علي؟ قال: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي وليّ الله.

وسأل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جبرائيل(عليه السلام): كيف تجوز اُمّتي الصراط؟ فمضى وعاد، وقال: إنّ الله يقرئك السلام، ويقول: إنّك تجوز الصراط بنوري، وعلي بن أبي طالب يجوز الصراط بنورك، واُمّتك تجوز الصراط بنور علي، فنور اُمّتك من نور علي ونور علي من نورك، ونورك من نور الله.

قال الحميري:

ولدى الصراط ترى عليّا واقفاً     يدعو إليه وليّه المنصورا

الله أعطى ذا علياً كلّه     وعطاء ربّي لم يكن محظورا

وقال ابن حمّاد:

واُناس يعلون في الدرجات     واُناس يهوون في الدركات

لا يجوز الصراط إلاّ امرئ     منّ عليه أبوكم ببراةِ

الحـديث الثامن

علي(عليه السلام) وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووارثه

فيما أخبر صلوات الله عليه وعلى آله، أنّ له وصيّاً ووارثاً، كما قد كان للانبياء والرسل(عليهم السلام) قبله أوصياء وورثاء، وكان وصيّه يعسوب الدين، وإمام المتّقين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والذي كان للمسلمين سيّداً، وللغرّ المحجلين قائداً، فكما كان(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيّين والمرسلين، كان وصيّه خاتم الوصيّين، كما رواه الائمّة الثقات من المحدّثين على اختلاف مذاهبهم، فمنهم: القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة (ص29) عن موفّق بن أحمد بسنده أخرج حديث الوصيّة لعلي كرّم الله وجهه، عن بريدة، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي، ورواه أيضاً في (ص233).

وروى أيضاً عن موفّق بن أحمد الخوارزمي الحنفي بسنده عن اُمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله اختار من كلّ نبيّ وصيّاً، وعلي وصيّي في عترتي وأهل بيتي واُمّتي بعدي.

وروى أيضاً ما أخرجه الحمويني عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنا خاتم النبيّين، وعلي خاتم الوصيين إلى يوم الدين.

وروى أيضاً عن الخوارزمي الحنفي، عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر الصادق، عن آبائه(عليهم السلام)، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نزل جبريل صبيحة يوم فرحاً مستبشراً، وقال: قرّت عيني بما أكرم الله أخاك ووصيّك وامام امّتك علي بن أبي طالب، قلت: وبما أكرم الله أخي؟ قال: باهى الله سبحانه بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه، وقال: اُنظروا إلى حجّتي في أرضي، كيف عفر خدّه في التراب خاضعاً لعظمتي، اُشهدكم أنّه إمام خلقي ومولى بريّتي.

وروى أيضاً ما أخرجه الخوارزمي بسند عن الاعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس(رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ يوم القيامة ما فيه راكب إلاّ أربعة: أنا على البراق، وأخي صالح(عليه السلام) على ناقته التي عقرها قومه، وعمّي حمزة أسد الله على ناقته العضباء، وعلي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة، مديحة الجبين، عليه حلّتان خضراوان من حلل الجنّة من كسوة الرحمن، على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ألف ركن، وعلى كلّ ركن ياقوتة حمراء، تضيء مسيرة ثلاث أيّام بسير الراكب، وبيده لواء الحمد، وينادي علي: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، فيقول الخلائق: من هذا؟ أهو ملك مقرّب؟ أم نبيّ مرسل؟ أم حامل عرش ربّ العالمين؟ فينادي مناد من العرش: هذا علي وصيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

وروى أيضاً في (ص248) عن ابن عبّاس، قال: دعاني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لي: اُبشّرك أنّ الله تعالى أيّدني بسيّد الاوّلين والاخرين والوصيّين علي، فجعله كفؤ ابنتي، فإن أردت أن تنتفع فاتبعه.

وذكر السيّد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي في كتابه القيم فضائل الخمسة (2: 27) ما أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (9: 146) قال: عن أبي الطفيل، قال: خطبنا الحسن بن علي فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)خاتم الاوصياء، ووصيّ الانبياء، وأمين الصدّيقين والشهداء.

ثمّ قال: أيّها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الاوّلون ولايدركه الاخرون، لقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعطيه الراية فيقاتل، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ولا يرجع حتّى يفتح الله على يديه، ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصيّ موسى(عليه السلام)، وعرج بروحه في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم(عليه السلام)، وفي الليلة التي أنزل الله فيها الفرقان، والله ما ترك ذهباً ولا فضّة، وما في بيت ماله إلاّ سبعمئة وخمسون درهماً، فضلت من عطائه، أراد بها أن يشتري خادماً لاُمّ كلثوم.

ثمّ قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ تلا هذه الاية قول يوسف (واتّبعتُ مِلّةَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقُوبَ) الى آخر الحديث.

قال: رواه الطبراني في الاوسط والكبير باختصار، وأبو يعلى باختصار، والبزار بنحوه، ورواه أحمد باختصار كثير، وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حسان، ورواه الحاكم في المستدرك (3: 172).

وروى أيضاً عن الهيثمي في مجمع الزوائد (9: 113) قال: وعن سلمان، قال: قلت: يا رسول الله لكلّ نبيّ وصيّ فمن وصيّك؟ فسكت عنّي، فلمّا كان بعدُ رآني فقال: يا سلمان، فأسرعت إليه، قلت: لبّيك. قال: تعلم من وصيّ موسى(عليه السلام)؟ قلت: نعم، يوشع بن نون. قال: لم؟ قلت: لانّه كان أعلمهم يومئذ. قال: فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أتركه بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب. قال: رواه الطبراني.

وقال المؤلّف: وذكره ابن حجر العسقلاني أيضاً في تهذيب التهذيب (3: 106) قال: عن أنس، عن سلمان، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): هذا وصيّي وموضع سرّي، وخير من أترك بعدي.

وذكره المتّقي أيضاً في كنز العمّال (6: 154) ولفظه: إنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي، وينجز عدّتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب.

قال: أخرجه الطبراني، عن ابن سعد، عن سلمان.

وذكر أيضاً عمّا ذكره المحبّ الطبري في الرياض النضرة (2: 178) عن أنس، قال: قلنا لسلمان: من وصيّه؟ فقال سلمان: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: يا سلمان من كان وصيّ موسى؟ قال: يوشع بن نون، قال: فإنّ وصيّي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب.

وروي فيه أيضاً ما ذكره المتّقي في كتابه كنز العمّال (6: 153).

قال(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة: أما علمت أنّ الله عزّوجلّ اطّلع على أهل الارض، فاختار منهم اباك، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك، فأوحى إلىّ فأنكحتكه واتّخذته وصيّاً.

ثمّ قال: أخرجه الطبراني عن أبي أيّوب وقال المؤلّف: وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (8: 253) وقال: رواه الطبراني.

وفيه أيضاً عن كنز العمّال (6: 392) قال: عن علي(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا بني عبد المطّلب، قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً. قلت: يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثمّ قال: هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

قال: أخرجه ابن جرير الطبري.

وفيها أيضاً ما رواه أبو نعيم في حلية الاولياء (1: 63) روى بسنده عن أنس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أنس، اُسكب لي وضوءاً، ثمّ قام فصلّى ركعتين. ثمّ قال: يا أنس، أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيّد المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين، قال أنس: قلت: اللهمّ اجعله رجلاً من الانصار وكتمته، إذ جاء علي(عليه السلام) فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام(صلى الله عليه وآله وسلم) مستبشراً فاعتنقه، ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، قال علي: يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل. قال(صلى الله عليه وآله وسلم): وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا بعدي؟

قال أبو نعيم: رواه جابر الجعفي عن أبي الطفيل، عن أنس نحوه.

أقول: ورواه امام المعتزله في شرح النهج (2: 450) في الخبر التاسع، وقال: رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الاولياء.

قال الخليل بن أحمد على ما في مناقب المازندراني (3: 24 ط. النجف و3: 225 ط. إيران):

الله ربّي والنبيّ محمّد     حيّيا الرسالة بّين الاسباب

ثمّ الوصيّ وصيّ أحمد بعده     كهف العلوم بحكمة وصواب

فاق النظير ولانظير لقدره     وعلا على الخلان والاصحاب

بمناقب ومآثر ما مثلها     في العالمين لعابد توّاب

وبنوه أولاد النبيّ المرتضى     أكرم بهم من شيخة وشباب

ولفاطم صلّى عليهم ربّنا     لقديم أحمد ذي النهى الاوّاب

وفي (1: 308 ط. النجف و2: 27 ط. ايران) قال العوني:

تخيّره الله من خلقه     فحمّله الذكر وهو الخبير

وأنزل بالسور المحكمات     عليه كتاب مبين منير

وأغشاه نوراً وناداه قم     فأنذر فأنت البشير النذير

فلاح الهدى واضمحلّ العمى     وولى الضلال وعيف الغرور

فوصّى عليّاً فنعم الوصّي     ونعم الوليّ ونعم النصير

وفي (2 : 309 ط. النجف) قال دعبل:

سقياً لبيعة أحمد ووصيّه     أعني الامام وليّنا المحسودا

أعني الذي نصر النبيّ محمّداً     قبل البريّة ناشياً ووليدا

أعني الذي كشف الكروب ولم يكن     في الحرب عند لقائها رعديدا

أعني الموحّد قبل كلّ موحّد     لا عابداً وثناً ولا جلمودا

وقال القندوزي في ينابيع المودّة (ص80): وفي المناقب عن جعفر الصادق عن آبائه(عليهم السلام)، قال: كان علي(عليه السلام) يرى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت، وقال له(صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا أنّي خاتم الانبياء لكنت شريكاً في النبوّة فإن لم تكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الاوصياء وإمام الاتقياء.

وقال أيضاً على ما في (ص81): وفي المناقب عن الاصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في بعض خطبه: أيّها الناس أنا إمام البريّة، ووصيّ خير الخليقة، وأبو العترة الطاهرة الهادية، أنا أخو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّه ووليّه وصفيّه وحبيبه، أنا أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وسيّد الوصيّين، حربي حرب الله، وسلمي سلم الله، وطاعتي طاعة الله، وولايتي ولاية الله، وأتباعي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله.

وذكر فيه أيضاً عن المناقب بالسند عن جعفر الصادق عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين(عليهم السلام)، قال: بلغ اُمّ سلمة رضي الله عنها أنّ مولىً لها ينتقص عليّاً كرّم الله وجهه، فأرسلت اليه، فأتى إليها، وقالت له: يا بني، اُحدّثك بحديث سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا اُمّ سلمة، اسمعي فاشهدي، هذا علي أخي في الدنيا والاخرة، وحامل لوائي في الدنيا والاخرة، وحامل لواء الحمد غداً في القيامة، وهذا علي وصيّي وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي المنافقين، يا اُمّ سلمة، هذا علي سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قلت: يا رسول الله، من الناكثون؟ قال: الذين يبايعونه في المدينة وينكثون بالبصرة. قلت: من القاسطون؟ قال: ابن أبي سفيان وأصحابه من أهل الشام. قلت: من المارقون؟ قال: أهل النهروان. فقال مولاها: فجزاك الله عنّي، لا أسبّه أبداً.

وأخرج ابن المغازلي الشافعي في مناقبه (ص200) بسنده عن عبد الله بن بريدة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب.

قال المحقّق للكتاب في ذيل الكتاب: أخرجه الخطيب الخوارزمي في المناقب (ص50) عن شريك بعين السند واللفظ. وأخرجه الطبري في ذخائر العقبى (ص71). وأخرجه الحافظ البغوي في معجم الصحابة. وأخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (ص260).

أقول: وقد ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (2 : 273) وطعن في سنده، ولكن أيّ عاقل مستقيم يلتفت إلى قوله، لكثرة طرق الحديث واعتضاده بكثير من حديث الوصيّة. والله أعلم.

الحـديث التـاسع

تبليغه(عليه السلام) البراءة

ما جاء في عظيم عناية الله في أمر تبليغ ما أوحاه إلى أكرم مصطفاه ليؤدّيه إلى عباده، وما دلّ أيضاً على أنّه لا يجوز له(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستنيب عنه أحداً من الخلق حتّى في تبليغ عدّة آيات إلى أهل مكّة إلاّ من كان منه، ونفسه كنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون صالحاً أن ينوب عنه، كما كان لهارون من موسى(عليهما السلام).

ومن عظيم أمر التبليغ أيضاً وعزيز منزلة النيابة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن نزل جبريل(عليه السلام)من أجل من يؤدّي عشر آيات فقط ولم يكن من أهلها، وأمر بأخذهنّ منه لمن هو للنيابة عنه أهل.

فياليت شعري فهل يكون ذلك لاحد سوى أخيه المرتضى هارون اُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي بلغ منزلة النبوّة غير أنّه ليس بنبيّ؟ فاذا علمت ذلك أيّها القارئ الكريم، والعالم المنصف المستقيم، فما عسى أن لو قام مقامه(صلى الله عليه وآله وسلم) وناب عنه من بعده غيره؟ وما معنى هذا الحديث الذي بين يديك فيما رواه جمع من الحفّاظ وعقدوا له في صحاحهم ومسانيدهم؟ فمنهم:

الترمذي في صحيحه (2: 183) روى بسنده عن أنس بن مالك، قال: بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ببراءة مع أبي بكر ثمّ دعاه فقال: لا ينبغي لاحد أن يبلغ هذا إلاّ رجل من أهلي، فدعا عليّاً(عليه السلام) فأعطاه ايّاه.

وفيه أيضاً روى بسنده عن ابن عبّاس بلفظ: بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر وأمره أن ينادي بهذه الكلمات، ثمّ أتبعه عليّاً(عليه السلام)، فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) القصواء، فخرج أبو بكر فزعاً، فظن أنّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر عليّاً أن ينادي بهذه الكلمات. الحديث.

ثمّ روى عن زيد بن يثيع، قال: سألنا عليّاً(عليه السلام) بأيّ شيء بعثت في الحجّة؟ قال: بعثت بأربع: ان لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عهد فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.

وفي خصائص النسائي (ص20) روى بسنده عن زيد بن يثيع، عن علي(عليه السلام): أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث ببراءة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعلي(عليه السلام) فقال له: خذ الكتاب فامض به إلى مكّة، قال: فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنزل فيّ شيء؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): لا إلاّ انّي أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي.

وفيه أيضاً روى بسنده عن سعد، قال: بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ببراءة، حتى إذا كان ببعض الطريق أرسل عليّاً فأخذها منه ثمّ سار بها، فوجد أبو بكر في نفسه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي.

وذكره السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى (برَاءةٌ من الله ورَسُولهِ) باختلاف يسير في اللفظ، وقال: أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقّاص.

وفي تفسير ابن جرير الطبري (10: 46) روى بسنده عن زيد بن يثيع قال: نزلت براءة، فبعث بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر، ثمّ أرسل عليّاً فأخذها منه، فلمّا رجع أبو بكر قال: هل نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكنّي أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي.

وفيه أيضاً روى بسنده عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر ببراءة، ثمّ أتبعه عليّاً(عليه السلام) فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، حدث فيّ شيء؟ قال: لا. الحديث.

وفيه أيضاً (10: 47) روى بسنده عن السدّي، قال: لما نزلت هذه الاية الى رأس أربعين آية، بعث بهنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي بكر وأمره على الحج، فلمّا سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعلي(عليه السلام) فأخذها منه، فرجع أبو بكر الى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي أنزل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن لا يبلغ عنّي غيري أو رجل منّي.

وفي المستدرك للحاكم (3 : 51) روى بسنده عن جميع بن عمير الليثي، قال: أتيت عبد الله بن عمر... فسألته عن علي(رضي الله عنه) فانتهرني، ثمّ قال: ألا أحدّثك عن علي؟ هذا بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، وهذا بيت علي(رضي الله عنه) إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث أبا بكر وعمر ببراءة إلى مكّة، فانطلقا فإذا هما براكب، فقالا: من هذا؟ قال: أنا علي يا أبا بكر، هات الكتاب الذي معك، قال: ومالي؟ قال: والله ما علمت إلاّ خيراً، فأخذ علي(عليه السلام) الكتاب فذهب به، ورجع أبو بكر وعمر إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال: مالكما إلاّ خير، ولكن قيل لي: إنّه لا يبلغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك.

وفي مسند الامام أحمد بن حنبل (1: 3) روى بسنده عن زيد بن يثيع، عن أبي بكر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه ببراءة لاهل مكّة، لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مدّة فأجله إلى مدّته، والله بريء من المشركين ورسولُه، قال: فسار بها ثلاثاً، ثمّ قال لعلي: الحقه فردّ عليّ أبا بكر وبلّغها أنت، قال: ففعل، قال: فلمّا قدم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر بكى، وقال: يا رسول الله، حدث فيّ شيء؟ قال: ما حدث فيك إلاّ خير، ولكن اُمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل منّي.

وفيه أيضاً (1: 151) روى بسنده عن حنش، عن علي(عليه السلام)، قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا النبيّ أبا بكر، فبعثه بها يستقرئها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه، فرجع أبو بكر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكن جبرئيل جاءني، فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك.

وفيه أيضاً (1: 330) روى بسنده عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس، إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا ابن عبّاس، إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا هؤلاء، فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم، قال: فجاء ينفث ثوبه، ويقول: أفّ وتفّ، وقعوا في رجل له عشر وساق الحديث إلى أن قال: ثمّ بعث فلاناً بسورة التوبة، فبعث عليّاً(عليه السلام) خلفه فأخذها منه، قال: لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه.

قال السيّد مرتضى الحسيني في فضائل الخمسة (2: 346): وذكره المحبّ الطبري في الرياض النضرة (2: 203) والهيثمي في مجمع الزوائد (9: 119) وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والاوسط باختصار.

وقال الحافظ الشهير ابن شهرآشوب في مناقبه (1: 391 ط النجف و2: 126 ط. ايران): ولاّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعني عليّاً(عليه السلام) في أداء سورة البراءه، وعزل به أبا بكر باجماع المفسّرين ونقلة الاخبار، رواه: الطبري، والبلاذري، والترمذي، والواقدي، والشعبي، والسدّي، والثعلبي، والواحدي، والقرطبي، والقشيري، والسمعاني، وأحمد بن حنبل، وابن بطّة، ومحمّد بن اسحاق، وأبو يعلى الموصلي، والاعمش، وسماك بن حرب في كتبهم، عن عروة بن الزبير، وأبي هريرة، وأنس، وأبي رافع، وزيد بن نقيع، وابن عمر، وابن عبّاس.

واللفظ له: إنّه لمّا نزلت (بَراءةٌ من الله وَرسُولهِ) إلى تسع آيات، أنفذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر إلى مكّة لادائها، فنزل جبرئيل، فقال: إنّه لا يؤدّيها إلاّ أنت أو رجل منك، فقال النبيّ لامير المؤمنين(عليه السلام): اِركب ناقتي العضباء، والحق أبا بكر وخذ براءة من يده، قال: ولمّا رجع أبو بكر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جزع، وقال: يا رسول الله، إنّك أهّلتني لامر طالت الاعناق فيه، فلمّا توجّهت له رددتني عنه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): الامين هبط إليّ عن الله تعالى، إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، وعليّ منّي ولا يؤدّي عنّي إلاّ علي.

وذكر فيه أيضاً عدّة روايات في الباب، منها: ما رواه النسابة ابن الصوفي، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خبر طويل: إن أخي موسى ناجى ربّه على جبل طور سيناء، فقال في آخر كلامه: إمض إلى فرعون وقومه القبط وأنا معك لا تخف، وكان جوابه: (إنّي قَتلْتُ مِنهُمْ نَفساً فأخافُ أن يَقتلُونِ) وهذا علي قد أنفذته ليسترجع براءة ويقرأها على أهل مكّة، وقد قتل منهم خلقاً عظيماً، فما خاف ولا توقّف، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

وقال فيه أيضاً: وفي رواية فكان أهل الموسم يتلهّفون عليه ـ يعني: على علي(عليه السلام) ـ وما فيهم إلاّ من قتل أباه أو أخاه أو حميمه، فصدّهم الله عنه، وعاد إلى المدينه سالماً، وكان أنفذه أوّل يوم من ذي الحجّة سنة تسع من الهجرة، وأدّاها إلى الناس يوم عرفة ويوم النحر.

وفيه ذكر ما قاله ابن حماد:

بعث النبيّ براءة مع غيره     فأتاه جبريل يحثّ ويوضع

قال ارتجعها واعطها أولى الورى     بأدائها وهو البطين الانزع

فانظر إلى ذي النصّ من ربّ العلى     يختصّ ربّي من يشاء ويرفع

وقال ابن ابي الحديد:

ولا كان يوم الغار يهفو جنانه     حذاراً ولا يوم العريش تستّرا

ولا كان معزولاً غداة براءة     ولا عن صلاة أمّ فيها مؤخّرا

ولا كان في بعث ابن زيد مؤمّراً     عليه فأضحى لابن زيد مؤمّرا

وقال أيضاً:

اُذكــرا أمــر بــراءه     واصـدقـانـي مـن تـلاهـا

واذكـرا مـن زوّج     الـزهـراء كـي مـا يتنـاهـى

وقال آخر:

وأعلم أصحاب النبيّ محمّد     وأقضاهم من بعد علم وخبرة

براءة أدّاها إلى أهل مكّة     بأمر الذي أعلى السماء بقدرة

استنابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) له في عدّة مواضع

وقد استناب(صلى الله عليه وآله وسلم) مولانا عليّا(عليه السلام) في غير مكان، وفي عدّة مواطن بعد أن ولّى غيره، وعاد بخفيّ حنين وآب خائباً، كما نقل إلينا عن كبار المؤرّخين في تواريخهم ومصنّفاتهم.

منها: ما ذكره الحافظ الشهير بابن شهرآشوب في كتابه النفيس مناقب آل أبي طالب (1: 393 ط. النجف وفي طبعة ايران 2: 129) وغيره من أهل السير: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث خالداً إلى اليمن يدعوهم إلى الاسلام، فيهم البرّاء بن عازب، فأقام ستّة أشهر فلم يجبه أحد، فساء ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره أن يعزل خالداً، فلمّا بلغ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) القوم صلّى بهم الفجر، ثمّ قرأ على القوم كتاب رسول الله، فأسلم همدان كلّها في يوم واحد، وتبايع أهل اليمن على الاسلام، فلمّا بلغ ذلك رسول الله خر لله ساجداً، وقال: السلام على همدان.

ومن أبيات أمير المؤمنين في يوم صفين:

ولو أن يوماً كنت بوّاب جنّة     لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

واستنابه على اليمن أيضاً لمّا أنفذه قاضياً على ما أطبق عليه الوليّ والعدوّ على قوله(عليه السلام)، وضرب(صلى الله عليه وآله وسلم) على صدره، وقال: اللهمّ سدّده ولقّنه فصل الخطاب، قال(عليه السلام): فما شككت في قضاء بين اثنين بعد ذلك اليوم.

رواه أحمد بن حنبل، وأبو يعلى في مسنديهما، وابن بطّة في الابانة من أربعة طرق.

واستنابه حين أنفذه إلى المدينة لمهمّ شرعيّ، كما ذكره أحمد بن حنبل في المسند والفضائل، وأبو يعلى في مسنده، وابن بطّة في الابانة، والزمخشري في الفائق واللفظ لاحمد، قال علي(عليه السلام): كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في جنازة، فقال: مَنْ يأتي المدينة فلا يدع قبراً إلاّ سوّاه، ولا صورة إلا لطخها، ولا صنماً إلاّ كسره، فقام رجل فقال: أنا، ثمّ هاب أهل المدينة فجلس، فانطلقت ثمّ جئت، فقلت: يا رسول الله، لم أدَع في المدينة قبراً إلاّ سوّيته، ولا صورة إلاّ لطختها، ولا وثناً إلاّ كسرته، قال: فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): من عاد فصنع شيئاً من ذلك، فقد كفر بما أنزل الله على محمد الخبر.

واستنابه في ذبح باقي إبله فيما زاد على ثلاثة وستّين، كما رواه اسماعيل البخاري، وأبو داود  السجستاني، والبلاذري، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، وأبو القاسم الاصفهاني في الترغيب، واللفظ له: عن جابر، وابن عبّاس، قال: أهدى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مئة بدنة، فقدم علي(عليه السلام) من المدينة، فأشركه في بدنه بالثلث، فنحر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ستّاً وستّين بدنة، وامر عليّاً فنحر أربعاً وثلاثين، وأمره النبيّ(عليهم السلام) من كلّ جزور ببضعة، فطبخت، فأكلا من اللحم، وحسيا من المرق.

قال الحميري:

شريك رسول الله في البُدُن التي     حداها هدايا عام حجّ فودّعا

فلم يعدأن وافى الهدي محلّه     دعا بالهدايا مشعرات فصرّعا

بكعبة ستّاً بعد ستّين بكرة     هدايا له قد ساقها مئة معا

وفاز علي الخير منه بأنيق     ثلاثين بل زادت على ذاك أربعا

فنحّرها ثمّ اجتذى من جميعها     جذاً ثمّ ألقى ما اجتذى منه أجمعا

بقدر فأغلاها فلمّا أتت أتى     بها قد تهوّى لحمها وتميّعا

فقال له كلْ وأحس منها ومثل ما     تراني باذن الله أصنع فاصنعا

ولم يطعما خلقاً من الناس بضعة     ولا حسوة من ذاك حتى تضلّعا

واستنابه في التضحّي، كما رواه الحاكم بن البيع في معرفة علوم الحديث، قال: حدّثنا أبو نصر سهل الفقيه، عن صالح بن محمّد بن الحبيب، عن علي بن حكيم، عن شريك، عن ابي الحسناء، عن الحكم بن عتيبة، عن رزين بن حنيس، قال: كان علي يضحّي بكبشين: بكبش عن النبي، وبكبش عن نفسه، وقال: كان أمرني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن اضحّي عنه، فأنا أضحّي عنه أبداً.

ورواه أحمد في الفضائل.

واستنابه أيضاً في اصلاح ما أفسده خالد، كما رواه البخاري: انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث خالداً في سريّة، فأغار على حيّ أبي زاهر الاسدي، وفي رواية أيضاً في بني جذيمة، وفي رواية الطبري: انّ خالداً أمر بكتفهم، ثمّ عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل، فأتوا بالكتاب الذي أمر رسول الله أماناً له ولقومه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا جميعاً: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اللهمّ انّي أبرأ اليك ممّا صنع خالد. وفي رواية الخدري، قال: اللهمّ اني أبرأ من خالد. ثلاثاً.

ثمّ قال: أمّا متاعكم، فقد ذهب فاقتسمه المسلمون، ولكنّي أردّ إليكم مثل متاعكم، ثمّ إنّه قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث رزم من متاع اليمن، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي فاقض ذمّة الله وذمّة رسوله، ودفع(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه(عليه السلام) الرزم الثلاث، فأمر علي بنسخة ما اُصيب لهم، فكتبوا، فقال: خذوا هذه الرزمة فقوّموها بما اُصيب لكم، فقالوا: سبحان الله هذا أكبر مما اُصيب لنا، فقال(عليه السلام): خذوا هذه الثانيه فاكسوا عيالكم وخدمكم ليفرحوا بقدر ما حزنوا، وخذوا هذه الثالثه بما علمتم وما لم تعلموا، لترضوا عن رسول الله، فلمّا قدم علي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بالذي كان منه، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بدت نواجذه، وقال: أدّى الله عن ذمّتك كما أدّيت عن ذمّتي.

وقد استنابه أيضاً في ردّ الودائع لمّا هاجر إلى المدينة، استخلف(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً(عليه السلام) في اهله وماله، فأمره أن يؤدّي عنه كلّ دين وكلّ وديعة، وأوصى إليه بقضاء ديونه.

وروى الطبري باسناد له عن عباد، عن علي أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من يؤدّي عنّي ديني ويقضي عداتي ويكون معي في الجنّة؟ قلت: أنا يا رسول الله.

وروى الديلمي في فردوس الاخبار (3: 88) قال سلمان: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): علي بن أبي طالب ينجز عداتي، ويقضي ديني.

وروى أحمد بن حنبل في الفضائل عن آدم السلولي، وحبشي بن جنادة السلولي، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): علي منّي وأنا منه، ولا يقضي عنّي ديني إلاّ أنا أو علي.

قال ابن شهرآشوب: وقوله «يقضي ديني وينجز وعدي» وقوله «أنت قاضي عنّي ديني» في روايات كثيرة.

وروت العامّة عن حبشي بن جنادة أنّه أتى رجل أبا بكر، فقال: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدني أن يحثو لي ثلاث حثيّات من تمر، فقال: يا علي فاحثها له، فعدّها أبو بكر فوجد في كلّ حثية ستّين تمرة، فقال: صدق رسول الله، سمعته يقول: يا أبا بكر كفّى وكفّ علي في العدد سواء، ودين النبيّ انّما كان عداته وهي ثمانون ألف درهم فأدّاها.

قال الحميري:

وأدّيت عنه كلّ عهد وذمّة     وقد كان فيها واثقاً بوفائكا

فقلت له أقضي ديونك كلّها     وأقضي بانجاز جميع عداتكا

ثمانين ألفاً أو تزيد قضيتها     فأبرأته منها بحسن قضائكا

وله أيضاً:

أدّى ثمانين ألفاً عنه كاملة     لابل يزيد فلم يغرم وقد غنما

يدعو إليها ولا يدعو ببيّنة     لا بل يصدّق فيها زعم من زعما

حتّى يخلّصه منهابذمّته     إنّ الوصيّ الذي لا يخفر الذمما

وله أيضاً:

قضيت ديونه عنه فكانت     ديون محمّد ليست بغرم

ثمانين ألفاً باع فيها تلاده     موقّرة أرباتها لم تهضم

فما زال يقضي دينه وعداته     ويدعو إليها قائماً كلّ موسم

يقول لاهل الدين أهلاً ومرحباً     مقالة لا منّ ولا متجهّم

وينشدها حتّى يخلّص ذمّة     ببذل عطايا ذي ندى متقسّم

قال ابن شهرآشوب في مناقبه (1: 397 وفي طبعة 2: 133) وممّا قضى عنه الدين دين الله الذي هو أعظم، وذلك ما كان افترضه الله عليه، فقبض صلوات الله عليه وآله قبل أن يقضيه، وأوصى عليّاً بقضائه عنه، وذلك قول الله تعالى (يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين)(التحريم: 9) فجاهد الكفّار في حياته وأمر عليّاً بجهاد المنافقين بعد وفاته، فجاهد(عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين، وقضى بذلك دين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان لربّه عليه.

وأنّه جعل طلاق نسائه(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه(عليه السلام)، روى ذلك أبو الدرّ المرادي، وصالح مولى التومة، عن عائشة، انّ النبيّ جعل طلاق نسائه إلى علي(عليه السلام).

وعن الاصبغ بن نباته، قال: بعث علي(عليه السلام) يوم الجمل إلى عائشة، وقال: ارجعي وإلاّ تكلّمت بكلام تبرئين من الله ورسوله.

وقال أمير المؤمنين للحسن: إذهب الى فلانة ـ يعني عائشة ـ فقل لها: قال لك أمير المؤمنين: والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لئن لم ترحلي الساعة لابعثن إليك بما تعلمين، فلمّا أخبرها الحسن بما قال أمير المؤمنين قامت، ثمّ قالت: رَحّلوني، فقالت لها امرأة من المَهالِبة: أتاك ابن عبّاس شيخ بني هاشم حاورته، وخرج من عندك مغضباً، وأتاك غلام فأقلعت، قالت عائشة: إنّ هذا الغلام ابن رسول الله، فمن أراد أن ينظر إلى مقلتي رسول الله، فلينظر إلى هذا الغلام، وقد بعث إليّ بما علمت، قالت المرأة لعائشة: فأسألك بحقّ رسول الله عليك إلاّ أخبرتنا بالذي بعث إليك، قالت عائشة: إن رسول الله جعل طلاق نسائه بيد علي، فمن طلّقها في الدنيا بانت منه في الاخرة.

وفي رواية قالت عائشة: كان النبيّ يقسّم نفلاً في أصحابه، فسألناه أن يعطينا منه شيئاً، وألححنا عليه في ذلك، فلامنا علي، فقال: حسبكنّ ما أضجرتنّ رسول الله، فتجهّمنا عليه، فغضب رسول الله ممّا استقبلنا به عليّاً، ثمّ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي انّي قد جعلت طلاقهنّ إليك، فمن طلّقتها منهنّ فهي بائنة، فلم يوقّت النبيّ في ذلك وقتاً في حياة ولا موت، فهي تلك الكلمة، فأخاف أن اَبين من رسول الله.

واستنابه في مبيته ليلة الغار على فراشه.

واستنابه في نقل الحرم إلى المدينة بعد ثلاثة أيّام.

واستنابه في قتل الصناديد من قريش، وولاّه عليهم عند هزيمتهم.

واستنابه في خاصة أمره وحفظ سرّه، مثل حديث مارية لما قرفوها، وولاّه الخروج إلى بني زهرة.

واستنابه على المدينة لمّا خرج إلى تبوك، وولاه حين بعثه إلى فدك، وولاه يوم احد في أخذ الرايه، وكان صاحب رايته دونهم، وولاّه على نفسه(صلى الله عليه وآله وسلم)عند وفاته وعلى غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.

وقد روي عنه(عليه السلام): إنّا أهل بيت النبوّة والرسالة والامامة، وانّه لا يجوز أن يقبلنا عند ولادتنا القوابل، وانّ الامام لا يتولى ولادته وتغميضه وغسله ودفنه إلاّ إمام مثله، فتولّى ولادته(عليه السلام) رسول الله، وتولّى وفاة رسول الله علي، وتولّى أمير المؤمنين الحسن والحسين، وتولّيا وفاته(عليه السلام)، ووصّى إليه أمر الاُمّة.

واستنابه يـوم الفتـح في أمر عظيم، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقف وصعد علي على كتفيه صلوات الله عليه وعلى آله، كمّا قد ذكرنا ذلك في كتابنا شواهد التنزيل مطوّلاً في المبحث الحادي والسبعين. راجع: المناقب لابن شهرآشوب (2: 126 ـ 135 ط. ايران).

الحـديث العـاشر

شبه الامام علي(عليه السلام) للانبياء(عليهم السلام)

فيما أخبر به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ما للانبياء من الصفات الحميدة، التي اختصّ الله كلّ أحد منهم بوصف من الاوصاف الكريمة المجيدة، فقال عزّ من قائل حكيم في حقّ آدم(عليه السلام): (وعلّم آدم الاسماء كلها) الاية (البقرة: 31) وفي ابراهيم(عليه السلام): (انّ ابراهيم لحليم أوّاه منيب)(هود: 75) وفي نوح(عليه السلام): (انّه كان عبداً شكوراً)  (الاسراء: 3) وفي أيّوب(عليه السلام): (انّا وجدناه صابراً)الاية (ص: 44 )وفي يحيى(عليه السلام): (وآتنياه الحكم صبّياً)(مريم: 12 )وفي طالوت(عليه السلام): (وزاده بسطة في العلم والجسم)(البقرة: 247 )وفي يوسف(عليه السلام): (فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ) الاية (يوسف: 31) إلى ما هنالك ممّا هو مذكور في الكتاب العزيز.

ثمّ إنّ من عجيب أمر الله الحكيم الخبير، جلّت قدرته، وعزّت إرادته، أن جَمَعَ تلكم الصفات في خير الاوصياء، ووصيّ خاتم الانبياء، حتّى شبّهه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بآدم(عليه السلام) في علمه، وبنوح في فهمه، وبابراهيم في خلقه، وبموسى في هيبته، وبعيسى في عبادته، وبأيوب في صبره، كما قد صرّح بذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فيما رواه الحفّاظ في سننهم ومسانيدهم السائرة الدائرة بين المسلمين إلى يوم الناس هذا، فمنهم:

إمام الحنابلة على ما ذكره الاميني في غديره (3: 355) والحموي في معجم الاُدباء (17: 191) عن عبد الرزّاق، عن معمّر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن ابي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في محفل من أصحابه: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، ونوح في فهمه، وابراهيم في خلقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سنّته، ومحمّد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل، فتطاول الناس فإذا هو علي بن أبي طالب.

وأمّا ما أخرجه الامام أحمد بن حنبل باسناده المذكور فبلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلقه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سنّته، وإلى محمّد في تمامه وكماله، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل، فتطاول الناس فإذا هم بعلي بن أبي طالب.

وأمّا ما أخرجه البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين المتوفّى سنة (458) في فضائل الصحابة فبلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وأمّا ما أخرجه الحافظ أحمد بن محمّد العاصمي في كتابه زين الفتى في شرح سورة هل أتى باسناده من طريق الحافظ عبيد الله بن موسى العبسي، عن أبي الحمراء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وباسناد آخر من طريق الحافظ العبسى أيضاً بزيادة: وإلى يحيى بن زكريّا في زهده.

وأخرج الخوارزمي المالكي المتوفّى  سنة (568) باسناده في المناقب (ص49) من طريق البيهقي، عن أبي الحمراء بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وأخرج الخوارزمي أيضاً (في ص39) بإسناده من طريق ابن مردويه، عن الحارث الاعور صاحب راية علي بن أبي طالب، قال: بلغنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في جمع من أصحابه، فقال: اُريكم آدم في علمه، ونوحاً في فهمه، وإبراهيم في حكمته، فلم يكن بأسرع من أن طلع علي(عليه السلام)، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أقست رجلاً بثلاثة من الرسل؟ بخ بخ لهذا الرجل، من هو يا رسول الله؟ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أو لا تعرفه يا أبا بكر؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): هو أبو الحسن علي بن أبي طالب، فقال أبو بكر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن.

وروى الخوارزمي أيضاً (في ص245) باسناده بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى موسى في شدّته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى هذا المقبل فأقبل علي.

وروى ابن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (652) في مطالب السؤول نقلاً عن كتاب فضائل الصحابه للبيهقي بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن ابي طالب.

ثمّ قال ابن أبي طلحة: فقد أثبت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بهذا الحديث علماً يشبه علم آدم، وتقوى تشبه تقوى نوح، وحلماً يشبه حلم إبراهيم، وهيبة تشبه هيبة موسى، وعبادة تشبه عبادة عيسى، وفي هذا تصريح لعلي بعلمه وحلمه وهيبته وعبادته، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلى، حيث شبهه بهؤلاء الانبياء المرسلين في الصفات المذكورة والمناقب المعدودة.

وأخرج الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب (ص45 )باسناده إلى ابن عبّاس، قال: بينما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي(عليه السلام) فلمّا بصر به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

ثمّ قال الكنجي: تشبيهه لعلي بآدم في علمه; لانّ الله علّم آدم صفة كل شيء كما قال عزّوجلّ: (وعلّم آدم الاسماء كلّها)(البقرة: 31) فما من شيء ولا حادثة إلاّ وعند علي فيها علم، وله في استنباط معناها فهم.

وشبّهه بنوح في حكمته ـ وفي روايه: في حكمه ـ وكأنّه أصحّ; لانّ عليّاً كان شديداً على الكافرين رؤوفاً بالمؤمنين، كما وصفه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله (والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم)(الفتح: 29) وأخبر الله عزّوجل عن شدّة نوح على الكافرين بقوله (ربّ لا تذر على الارض من الكافرين ديّارا)(نوح: 26).

وشبّهه في الحلم بابراهيم خليل الرحمن، كما وصفه عزّوجلّ بقوله: (انّ ابراهيم لاوّاه حليم)(التوبة: 114) فكان علي (عليه السلام) متخلّقاً بأخلاق الانبياء، متّصفاً بصفات الاصفياء.

وروى أبو العبّاس محبّ الدين الطبري المتوفى سنة (694) في كتابه الرياض النضرة (2: 218) بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. قال: أخرجه القزويني والحاكمي.

وفيه أخرج أيضاً عن ابن عبّاس بلفظ: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

قال: أخرجه الملاّ في سيرته.

وروى القاضي عضد الدين الايجي الشافعي المتوفّى سنة (756) في كتابه المواقف (3: 276) بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وروى الصفوري في نزهة المجالس (2: 240) قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في زهده، وإلى محمّد في بهائه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. ذكره ابن الجوزي.

وفيما ذكره الرازي في تفسيره كما في الغدير (3: 360): من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإلى إبراهيم في خلقه، وموسى في قربه، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وروى إمام المعتزلة ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة (2: 449 )في الخبر الرابع بلفظ: من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وقال (في ص236) في الكتاب المذكور: روى المحدّثون عنه(عليه السلام) أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه، وموسى في علمه، وعيسى في ورعه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب، ثمّ قال: وبالجملة فحاله في العلم حال رفيع جدّاً، لم يلحقه أحد فيها ولا قاربه، وحقّ له أن يصف نفسه بأنّه معادن العلم وينابيع الحكمة، فلا أحد أحقّ به منها بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأخرج إبن المغازلي الشافعي في المناقب (ص212 برقم: 256) مسنداً عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من أراد أن ينظر إلى علم آدم، وفقه نوح، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

قال ابن مكّي كما في مناقب ابن شهرآشوب (3: 265 ط. ايران):

فإن يكن آدم من قبل الورى     نبيّ وفي جنّة عدن داره

فإنّ مولاي علي ذو العلى     من قبله ساطعة أنواره

تاب على آدم من ذنوبه     بخمسة وهو بهم اجارَه

وإن يكن نوح بنى سفينة     تنجيه من سيل طمى تياره

فإنّ مولاي علي ذو العلى     سفينة ينجي بها أنصارَه

وإن يكن ذو النون ناجى حوته     في اليمّ لما كضّه حُضّاره

ففي جَلنَدي للانام عبرة     يعرفها من دلّه اختياره

رُدّت له الشمس بأرض بابل     والليل قد تجلّلت أستاره

وإن يكن موسى رعى مجتهداً     عشرًا إلى أن شفّه انتظاره

وسار بعد ضُرّه بأهله     حتّى علت بالواديين نارُه

فإنّ مولاي علي ذو العلى     زوّجه واختار من يختاره

وإن يكن عيسى له فضيلة     تدهش من أدهشه انبهاره

من حملته اُمّه ما سجدت     للات بل شغلها استغفارُه

وروى القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة (ص214) عن أبي الحمراء مرفوعاً: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وروى أيضاً عن ابن عبّاس مرفوعاً: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وروى في (ص312) بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب، وقال: رواه أحمد والبيهقي.

وأمّا ما أشار إليه بعض الشعراء والاُدباء في الباب الذي نحن بصدده، فقد عقد له الحافظ الشهير بابن شهرآشوب في كتابه القيّم مناقب آل أبي طالب (3: 40 و58 ط. النجف و3: 245 و 256 ط. ايران) وإليك شطراً منه:

قال المفجع البصري:

وله من صفات إسحاق حال     صار في فضلها لاسحاق سيّا

صبره اذيتل للذبح حتّى     ظلّ بالكبش عندها مفديّا

وكذا استسلم الوصي لاسيا     ف قريش إذ بيّتوه عشيّا

فوقى ليلة الفراش أخاه     بأبي ذاك واقيا ووليّا

وله أيضاً:

من أبيه ذي الايدي إسما     عيل شبه ما كان عنى خفّيا

أنّه عاون الخليل على الكعبة     إذ شاد ركنها المبنيّا

ولقد عاون الوصيّ حبيب     الله ان يغسلان منه الصفيّا

كان مثل الذبيح في الصبر والتسـ     ـليم سمحاً بالنفس ثمّ سخيا

وله أيضاً:

وله من نعوت يعقوب نعت     لم أكن فيه ذا شكوك عتيّا

كان أسباطه كأسباط يعقوب     وإن كان نجرهم نبويّا

أشبهوهم في الباس والعزّة والعلم     فافهم إن كنت ندباً ذكيّا

كلّهم فاضل وحاز حسين     واخوه بالسبق فضلاً سنيّا

وقال آخر:

كان داود سيف طالوت حتّى     هزم الخيل واستباح العديّا

وعلي سيف النبيّ بسلع     يوم أهوى بعمرو المشرفيّا

فتولىّ الاحزاب عنه وخلوا     كبشهم ساقطاً بحال كديّا

أنبأ الوحي انّ داود كا     ن بكفّيه صانعاً هالكيّا

وعلي من كسب كفيه قد أعـ     ـتق ألفاً بذاك كان جزيّا