مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

 

فهرس الكتاب



بـاب في نداء جبريل بفُتُوَّته وعظيم مواساته(عليه السلام)

روى إمام المعتزلة ابن أبي الحديد في شرح النهج (3: 272)  أنّه لمّا فرّ مُعظم أصحابه عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم اُحد، كثرت عليه كتائب المشركين، وقصدته كتيبة من بني كنانة، ثمّ من بني عبد مناة بن كنانة فيها بنو سفيان بن عوف، وهم: خالد بن سفيان، وغراب بن سفيان، وأبو شعثاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي اكفني هذه الكتيبة، فحمل عليها وانّها لتقارب خمسين فارساً، وهو(عليه السلام) راجل، فما زال يضربها بالسيف حتّى تتفّرق عنه، ثمّ تجتمع عليه هكذا مراراً، حتّى قتل بني سفيان بن عوف الاربعة، وتمام العشرة منها ممّن لا يعرف بأسمائهم.

فقال جبريل(عليه السلام): يا محمّد، إنّ هذه لمواساة; لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وما يمنعه وهو مني وأنا منه؟ فقال جبريل: وأنا منكما، قال: وسمع ذلك اليوم صوت من قِبَل السماء، لا يُرى شخصُ الصارخ به ينادي مراراً: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي، فسُئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عنه. فقال: هذا جبريل.

قال ابن أبي الحديد: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدّثين، وهو من الاخبار المشهورة، ووقفتُ عليه في بعض نسخ مغازي محمّد بن إسحاق، ورأيت بعضها خالياً عنه، وسألت شيخي عبد الوهّاب بن سكينة(رحمه الله) عن هذا الخبر، فقال خبر صحيح، فقلت: فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال: أو كلّما صحيحاً تشتمل عليه كتبُ الصحاح؟ كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة.

وقال الامام المظفّر في دلائله (2: 466): وأمّا صدور النداء يوم بدر، فقد تقدّمت روايته في أوّل البحث، وأشار إليه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ. ونقل أيضاً عن أحمد في الفضائل، وصحّح وقوع النداء يوم خيبر، وانّهم سمعوا تكبيراً من السماء ذلك اليوم، وقائلاً يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فاستأذن حسّان بن ثابت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينشد شعراً، فأذن له، وقال:

جبريـل نادى معـلناً     والنقـع ليس ينجلي

والمسلمـون أحدقـوا     حـول النبيّ المـرسل

لا سيـف إلاّ ذو الفقـا     رولا فـتى إلاّ عـلي

فلا ريب بصدور النداء بذلك من جبريل، ولو في أحَد هذه المواطن الثلاثة، وهو صريح في نفي الفُتوّة ـ أي السخاء بالنفس ـ عن غير علي(عليه السلام)، فيدل على أنّه أسخى الناس بنفسه لله وأطوعهم له، والفضل في الطاعة فرع الفضل الذاتي، والافضل أحقّ بالامامة، ويشهد لفضله الذاتي قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث: هو منّي وأنا منه، وقول جبريل: وأنا منكما.

قال الحافظ الشهير محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب (2: 307 ط. النجف و3: 113 ط. ايران): جهاده(عليه السلام) نوعان، في حال حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته، ففي حال حياته(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كانت حرب إلاّ وله(عليه السلام) أثر فيها.

قال أبو تمام الطائي:

أخوه إذا عُدّ الفخارُ وصهره     فلا مثله أخ ولا مثله صهر

وشُدّ به أزرُ النبيّ محمّد     كما شدّ في موسى بهارونه الازر

وما زال لباساً دياجير غمرة     يمزّقها عن وجهه الفتح والنصر

هو السيف سيف الله في كلّ موطن     وسيف الرسول لا دكان ولا دثر()6()

فأي يد للظلم لم يَبِر زندها     ووجه ضَلال ليس فيه له إثر

ثوى وأهلّ الدين أمنٌ بجِدِه     وللوا صمين الدين في حدِه أثر

يسدّ به الثغر المخوف من الردى     ويعتاض من أرض العدوّ به الثغر

باُحد وبدر حين هاج برَجله     ففرسانه احدّ وهّاج به بدر

ويوم حنين والنضير وخيبر     وبالخندق الثاوي بعُقوَته عمرو

سما للمنايا الحمر حتّى تكشّفت     وأسيافه حمر وأرماحه حمر

مشاهد كان الله شاهد كربها     وفارجها والامر ملتبس أمر

وقال الصاحب:

عجبت ملائكة السماء لحربه     في يوم بدر والجهاد جهاد

فحكاه عنه جبرئيل لاحمد     اسناد مجد ليس فيه سياد

صرع الوليد لموقف شاب الوليد     لهوله وتَهَارَب الاعضاد

وأذاق عتبة بالحسام عقوبة     حسمت بها الادواء وهي تلاد

أحلاف حرب أرضعوا أخلافها     فكأنّهم لحروبهم أولاد

ما كان في قتلاه إلاّ باسل     فكأنّما صَمُصامُه نقّاد

وقال الحميري:

من كان أوّل من أباد بسيفه     كُفّار بدر واستباح دماءَ

من ذاك نوّه جبرئيل بإسمه     في يوم بدر يسمعون نداء

لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى     إلاّ علي رفعة وعلاءَ

وله أيضاً:

وله بلاء يوم اُحد صالح     والمشرفيّة تأخذ الادبارا

إذ جاء جبريل فنادى معلناً     في المسلمين وأسمع الابرارا

لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى     إلاّ علي إن عددت فخارا

وقال ابن المنتظر الانصاري:

ومن ينادي جبرئيل معلناً     والحرب قد قامت على ساق الورى

لا سيف إلاّ ذو الفقار فاعلموا     ولا فتى إلاّ علي في الوغى

وقال ابن حماد:

من ذا الذي فجع اليهود بمرحب     إذ هابَهُ عُمر وفرّ فرارا

وأتى يجبّن صحبه وجميعهم     قد صادفوه هوائلا غوارا

قال النبيّ لاحبُوَنَّ برايتي     من عاش لانكساً ولا خوّارا

رجلاً أحبّ إلهه وأحبّه     لا ينثني حتّى يبيح ديارا

فدعا أبا حسن فجاء وعينه     رمداء أشهره به اشهارا

فشفاه ممّا قد دعاه بتفلة     وأجاره منها فعاش مجارا

فسما بخيبر واستباح حريمهم     واجتثّهم من أصلهم وابارا

وقال ابن الحجّاج:

فديت فتى دعاه جبرئيل     وهم بين الخنادق في الحصار

وعمراً قد سقاه الموت صرفاً     ذباب السيف مشحوذ الغرار

دعا أن لا فتى إلاّ علي     وأن لا سيف إلاّ ذو الفقار

وقال آخر:

خذ الراية الصفراء أنت أميرها     وأنت لكشف الكرب في الحرب تذخر

وأنت غداً في الحشر لا شكّ حامل     لوائي وكلّ الخلق نحوك تنظر

فصادفه شرّ البريّة مرحب     على فرس عال من الخيل أشقر

فجدله في ضربة مع جواده     وأهوى ذبال السيف في الارض يحفر

ومرّ أمين الله في الجو قائلاً     وقد أظهر التسبيح وهو مكبر

ولا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى     لمعركة إلاّ علي الغضنفر

وذكر ابن شهرآشوب في المناقب (2: 327 ط. النجف و3: 134 ط. ايران) شطراً من قتاله(عليه السلام)يوم الاحزاب مع عمرو بن عبد ودّ أنّه لمّا قدم علي(عليه السلام)برأس عمرو استقبله الصحابة، فقبل أبو بكر رأسه، وقال المهاجرون والانصار: رهين شكرك ما بقوا.

وروى الواقدي والخطيب الخوارزمي عن عبد الرحمن السعدي باسناده عن بهرم بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة.

قال أبو بكر بن عياش: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعزّ منها، وضُرب ضربة ما كان فيه أشأم منها.

ومن كلمات السيّد الحميري:

وفي يوم جاء المشركون بجمعهم     وعمرو بن عبد في الحديد مقنّع

فجدله شلواً صريعاً لوجهه     رهيناً بقاع حوله الضبع يجمع

وأهلكهم ربّي ورُدّوا بغيظهم     كما اُهلكت عاد الطغاة وتُبّع

وقال المرزكي:

وفي الاحزاب جاءتهم جيوش     تكاد الشامخات لها تميد

فنادى المصطفى فيه عليّاً     وقد كادوا بيثرب أن يكيدوا

فأنت لهذه ولكلّ يوم     تذل لك الجبابرة الاسُود

سقيت العامري كؤوس حتف     فهُزّمتِ الجحافل والجنود

وروى ابن شهرآشوب في المناقب (2: 330 ط. النجف و3: 143 ط. ايران )عن ابن قتيبة في المعارف، والثعلبي في الكشف والبيان: الذين ثبتوا مع النبيّ يوم حنين بعد هزيمة الناس: علي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ونوفل، وربيعة أخواه، والفضل بن العبّاس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وأيمن مولى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان العبّاس عن يمين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وابنه الفضل عن يساره(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند نفر بغلته، وسائرهم حوله، وعلي يضرب بالسيف بين يديه، وفيه يقول العباس:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة     وقد فرّ مَنْ قد فرّ عنه فأقشعوا

وقال مالك الغافقي:

لم يواس النبيّ غير بني ها     شم عند السيوف يوم حنينَ

هرب الناس غير تسعة رهط     فهم يهتفون للناس أينَ

ثمّ قاموا مع النبيّ على المو     ت فآبوا زَينًا لنا غير شينَ

وقال خطيب منيح:

وقد ضاقت فُجاج الارض جمعاً     عليهم ثمّ ولَّوا مدبرينا

وليس مع النبيّ سوى عليّ     يقارع دونه المتحاربينا

وعبّاس يصيح بهم أثيبوا     ليثبتهم وهم لا يثبتونا

فأومى جبرئيل إلى علي     وقد صار الثرى بالنقع طينا

فقال هو الوَفيّ فهل رأيتم     وفيًّا مثله في العالمينا

أخرج ابن المغازلي الشافعي في المناقب (ص197 بالرقم: 234) باسناده عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: نادى المنادي يوم اُحد: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

قال المحقّق في ذيل الكتاب: أخرجه العلامة الطبري في تاريخه (2: 514 ط. دار المعارف) بالاسناد إلى حبّان بن علي، عن محمّد بن عبيد الله. ونقله أبو الفرج الاصبهاني في الاغاني (15: 192 ط. دار الكتب) وفيه: فقال جبريل: يا رسول الله إنّ هذه للمواساة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): وما يمنعه وهو منّي وأنا منه؟ فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلا علي.

وقال أيضاً: أخرجه أيضاً الخطيب الخوارزمي في مناقبه (ص104) عن محمّد بن إسحاق صاحب السيرة، وقال فيه: هاجت ريح في ذلك اليوم، فسمع مُناد يقول: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

وأخرجه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (3: 324 بالرقم: 6613 )وقال: لحقه محمّد بن جرير، ونقله الحافظ العسقلاني في لسان الميزان (4: 406 )وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (6: 114) ورواه الطبراني وأخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العقبى (ص68) وقال: وأخرجه أحمد في المناقب.

وأخرجه ابن المغازلي في (ص198 بالرقم: 235) باسناده عن سعد بن طريف الحنظلي، عن أبي جعفر محمّد بن علي، قال: نادى مَلَك من السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

قال المحقق في تذييله: أخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (في الباب 69 ص277 ـ 280) بطرق عديدة من مشايخه، كلهم بالاسناد إلى أبي اسماعيل بن محمّد بن اسماعيل الصفّار النحوي بعين السند والمتن، ثمّ قال: أجمع أئمّة الحديث على نقل هذا الجزء كابراً عن كابر رزقناه عالياً بحمد الله عن الجمّ الغفير كما سقناه، ورواه الحاكم مرفوعاً، وأخرجه البيهقي في مناقبه.

ثم قال: راجع سنن البيهقي (3: 276) مستدرك الصحيحين (2: 385 )مناقب الخوارزمي (ص103) الرياض النضرة للطبري (2: 190) ذخائر العقبى للطبري (ص74).

رواية ابن جرير الطبري في تاريخه (2: 197) على ما في فضائل الخمسة (2: 317) روى بسنده عن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب(عليه السلام) أصحاب الالوية أبصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احملْ عليهم، فحمل عليهم، ففرّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي.

قال: ثم أبصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي(عليه السلام): احمل عليهم، فحمل عليهم، ففرّق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي، فقال جبريل: يا رسول الله، إنّ هذه للمواساة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه منّي وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتاً: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

وفي كنز العمّال (3: 154) روى بسنده عن أبي ذرّ، قال: لمّا كان أوّل يوم في البيعة لعثمان اجتمع المهاجرون والانصار في المسجد، وجاء علي بن أبي طالب(عليه السلام) فأنشا يقول: إنّ أحقَّ ما ابتدأ المبتدئون، ونطق به الناطقون، حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة على النبيّ محمّد.

فقال(عليه السلام): الحمد لله المتفرّدِ بدوام البقاء ـ وساق الخطبة ـ إلى أن قال: اُناشدكم الله، انّ جبريل نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي، فهل تعلمون هذا كان لغيري؟ الحديث.

وفي ذخائر العقبى للطبري (ص74) وفي الرياض النضرة (2: 190) قال: عن أبي جعفر محمّد بن علي(عليهم السلام)، قال: نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له رضوان: أن لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

وفي دلائل الصدق (2: 535) قال الشيخ المؤلّف الامام مظفّر: وقد أجمع الناس كافّة على أنّ عليّاً(عليه السلام) كان أشجع الناس بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعجبت الملائكة من حَملاته، وفضّل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قتله عمرو بن عبد ودّ على عبادة الثقلين، ونادى جبريل: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.

وروى الجمهور أنّ المشركين كانوا إذا أبصروا عليّاً في الحرب عهد بعضهم إلى بعض.

 

بـاب في ضربة من ضرباته(عليه السلام) تعدل عمل اُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)

إلى يوم القيامة

إنّ ممّا قلته فيما سبق في مقدّمة الحديث العشرين من هذا الكتاب أنّ ضربة واحدة من ضرباته(عليه السلام) تعدل عمل الاُمّة إلى يوم بعثها.

وذلك باعتبار ما أخرجه الحاكم في مستدركه (3: 32) مسنداً عن سفيان الثوري أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّتي إلى يوم القيامة.

ومن هذا القبيل أيضاً قال(صلى الله عليه وآله وسلم): برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه، ذكره الامام المظفّر في دلائل الصدق (2: 402) وإليك أيّها القارىء الكريم لفظه:

لما جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً كلّ الايمان، دلّ على أنـّه قوامه، وأنّه أفضل إيماناً وأثراً من جميع المؤمنين، إذ لم يقم لهم إيمان لولاه، والافضل أحقّ بالامامة، ويشهد لفضله عليهم في الاثر، ما جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لضربة علي أفضل من عبادة الثقلين، أو لمبارزة علي لعمرو أفضل من أعمال اُمّتي إلى يوم القيامة.

وهذا ممّا يؤيّده قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): الساعي بالخير كفاعله، ويقضي به العقل إذ بقتل أمير المؤمنين(عليه السلام) لعمرو، خمدت جمرة الكفر، وانكسرت عزيمة الشرك، فكان(عليه السلام)هو السبب في بقاء الايمان واستمراره، وهو(عليه السلام) السبب في تمكين المؤمنين من عبادتهم إلى يوم الدين، لكن هذا ببركة النبيّ الحميد ودعوته في الدين، فإنّ عليّاً حسنة من حسناته، فلا أفضل من سيّد الوصيّين إلاّ سيّد المرسلين. زاد الله في شرفهما، وصلّى عليهما وآلهما الطاهرين. انتهى.

فمن أجل ذلك أيضاً صرح عمر بن الخطاب معترفاً بفضل عظيم عمله(عليه السلام)للاسلام حيث قال: لو لا سيف علي ما قام عمود الاسلام، ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج (3: 115).

قال: وروى أبو بكر الانباري في أماليه أنّ عليّاً(عليه السلام) جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلمّا قام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب، فقال عمر: حقّ لمثله أن يتيه، والله لو لا سيفه لما قام عمود الاسلام، وهو بعد أقضى الاُمّة وذو سابقتها وذو شرفها، فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهنا على حداثة السنّ وحبّه بني عبد المطلّب...

ورواه أيضاً الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (13: 19) كما في فضائل الخمسة للسيّد مرتضى الحسيني (2: 321) وذكره الفخر الرازي أيضاً في تفسيره الكبير في ذيل تفسير سورة القدر، قال: ـ يعني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمبارزة علي مع عمرو بن عبد ود أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة.

وفي المستدرك (3: 32) روى بسنده عن ابن اسحاق، قال: كان عمرو بن عبد ودّ ثالث قريش، وكان قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة، ولم يشهد اُحداً، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مشهده، فلمّا وقف هو وخيله، قال له علي(عليه السلام): يا عمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلّتين إلاّ قبلت منه إحداهما، فقال عمرو: أجل، فقال له علي(عليه السلام): فإنّي أدعوك إلى الله عزّوجلّ وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) والاسلام، فقال: لا حاجة لي في ذلك، قال: فإنّي أدعوك إلى البراز، قال: يا ابن أخي لم؟ فوالله ما اُحبّ أن اقتلك، فقال علي: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه فعقره، ثمّ أقبل فجاء إلى علي، وقال: من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا له يا نبيّ الله، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه عمرو بن عبد ود، اجلس، فنادى عمرو ألا رجل؟ فاذن له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فمشى إليه علي(عليه السلام)، وهو يقول:

لا تعجـلن فـقد أتـاك     مجيب صوتك غير عاجز

ذو نـبـهـة وبـصيـرة     والصدق منج كلّ فائز

إنّـي لارجـو أن اُقـيم     عليك نائحة الجنائز

مـن ضربـة نـجلاء     يبقى ذكرها عند الهزاهز

فقال له عمرو: من أنت؟ قال: علي، قال: ابن من؟ قال: ابن عبد مناف، أنا علي بن أبي طالب، فقال: عندك يا ابن أخي من اعمامك من هو أسنّ منك، فانصرف; فإنّي أكره أن اُهريق دمك، فقال علي: لكنّي والله ما اكره أن اُهريق دمك، فغضب، فنزل، فسلّ سيفه كأنّه شعلة نار، ثمّ اقبل نحو علي(عليه السلام) مغضباً واستقبله علي(عليه السلام) بدرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي(عليه السلام) على حبل العاتق، فسقط وثار العجاج، فسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)التكبير، فعرف أنّ عليّاً(عليه السلام) قتله.

إلى أن قال: ثمّ أقبل علي نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووجهه يتهلل، فقال(عليه السلام): ضربته فاتقاني بسوأته، واستحييت (ابن عمّي) أن استلبه، وخرجت خيله منهزمة حتّى أقحمت من الخندق.

وممّا ذكره الشبلنجي في نور الابصار (ص98) يقول عمرو: أين حميّتكم؟ أين جَنّتكم التي تزعمون أن من قتل دخلها؟ أفلا يبرز إليّ رجل منكم؟ فجاء علي(عليه السلام)إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: أنا له يا رسول الله، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه عمرو، وقال(عليه السلام): وإن كان عمراً، فأذن له في مبارزته، ونزع عمامته عن رأسه وعمّم عليّاً(رضي الله عنه)  بها، وقال: امض لشأنك، فخرج علي وعمرو يقول:

ولقد بححت من النداء     لجمعكم هل من مبارز

ووقفت اذ وقف الشجاع     مواقف القرن المناجز

وكذاك انّي لم أزل     متبرّعاً قبل الهزاهز

إنّ الشجاعة في الفتى     والجود من خير الغرائز

فأجابه علي(عليه السلام)، فقال:

لا تعجلن فقد أتاك     مجيب صوتك غير عاجز

إلى آخر الابيات الماضية.

وممّا ذكره ابن شهرآشوب في مناقبه (2: 325 ط. النجف و3: 136 ط. ايران )نقلاً عن الطبري والثعلبي، قال علي(عليه السلام): يا عمرو، إنّك كنت في الجاهليّة تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاثة إلاّ قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال: فإنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وانّ محمّداً رسول الله، وان تسلم لربّ العالمين، قال: أخّرعنّي هذه، قال(عليه السلام): إنّها خير لك إن أخذتها، ثمّ قال(عليه السلام): ترجع من حيث جئت، قال: لا تحدّث نساء قريش بهذا أبداً، قال(عليه السلام) تنزل تقاتلني، فضحك عمرو، وقال: ما كنت أظن أحداً من العرب يرومني عليها، وانّي أكره أن اقتل الرجل الكريم مثلك، وكان أبوك لي نديماً، قال(عليه السلام): لكنّي اُحبّ أن أقتلك، قال: فتناوشا فضربه عمرو في الدرقة فقدّها وأثبت فيه السيف وأصاب رأسه فشجّه، وضربه علي على عاتقه فسقط.

 

بـاب في حرب الجمل

ومما ذكره في واقعة حرب الجمل في المناقب (2: 334 ط. النجف و 3: 148 ط. ايران) عن ابن عبّاس: لمّا علم الله أنّه ستجري حرب الجمل، قال لازواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (قرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الاُولى) وقال تعالى: (يا نساء النبيّ من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين) في حربها مع علي(عليه السلام).

وروى شعبة، والشعبي، وابن مردويه، والخوارزمي في كتبهم بالاسانيد، عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وحذيفة، وقتادة، وقيس بن أبي حازم، واُمّ سلمة، وميمونة، وسالم بن أبي الجعد، واللفظ له: انّه ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خروج بعض نسائه، فضحكت عائشة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): اُنظري يا حميراء لا تكونين هي، ثمّ التفت إلى علي، فقال: يا أبا الحسن ان وليتَ من أمرها شيئاً فارفق بها.

قال الزاهي:

كـم نُهِيت عن تبرّج فعصت     وأصبحت للخلاف متّبعه

قال لها في البيوت قرّي     فخالفته العفيفة الورعه

وقال السوسي:

وما للنساء وحرب الرجال     فهل غلبت قط اُنثى ذكر

ولو أنّها لزِمَت بيتَها     ومغزلها لم يَنلْها ضرر

وقال الحميري:

وجاءت مع الاشقَيْنَ في هودج     تزجي إلى البصرة أجنادها

كـأنّهـا فـي فعـلهـا هـِرّة     تـريـد أن تـأكـل أولادهـا

 وقال الاحنف بن قيس:

حجابُكِ أخفى للذي تسترينه     وصدرك أوعى للذي لا أقولها

فلا تسلكنّ الوعر صعباً محالة     فتغبر من سحب الملاء ذيولها

وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج (2: 76) بعض كلام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بعد فراغه من حرب الجمل في ذمّ النساء: معاشر الناس، إنّ النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأمّا نقصان إيمانهنّ فقعودهنّ عن الصلاة والصيام في ايّام حيضهنّ، وأمّا نقصان عقولهنّ، فشهادة امراتين كشهادة الرجل الواحد، وأمّا نقصان حظوظهنّ، فمواريثهنّ على الانصاف من مواريث الرجال، فاتّقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهُّن في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر. انتهى.

قال ابن أبي الحديد: وهذا الفصل كلّه رمز إلى عائشة، ولا يختلف أصحابنا في أنـّها فيما فعلت، ثمّ تابت وماتت تائبة، وأنّها من أهل الجنّة، وقال كلّ من صنّف في السير والاخبار: إنّ عائشة كانت من أشد الناس على عثمان، حتّى أنّها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فنصبته في منزلها، وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته، قالوا: أوّل من سمَّى عثمان نعثلاً عائشة، والنعثل; الكثير شعر اللحية والجسد، وكانت تقول: اُقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلا.

وروى المدائني في كتاب الجمل، قال: لمّا قُتل عثمان كانت عائشة بمكة، وبلغ قتله إليها وهي بشراف، فلم تشكَّ في انّ طلحة بن عبيد الله ـ ابن عمّها ـ هو صاحب الامر، وقالت: بُعداً لنعثل وسُحقاً، إيه ذا الاصبع إيه أبا الشبل، ايه يابن عمّ، لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايَع، له حثو الابل ودعدعوها، قال: وكان طلحة حين قُتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال، وأخذ نجائب لعثمان في داره، ثمّ فسد أمره، فدفعها إلى علي(عليه السلام).

وقال أبو مخنف لوط بن يحيى الازدي في كتابه: إنّ عائشة لمّا بلغها قتل عثمان وهي بمكّة، أقبلت مُسرعة وهي تقول: ايه ذا الاصبع لله أبوك، أما إنّهم وجدوا طلحة لها كفؤاً، فلمّا انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي، فقالت له: ما عندك؟ قال: قتل عثمان، قالت: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ حارت بهم الاُمور إلى خير محار، بايعوا عليّاً، قالت: لو دِدتُ أنّ السماء انطبقت على الارض إِن تَمَّ هذا، ويحك اُنظر ماذا تقول؟ قال: هو ما قلتُ لكِ يا اُمّ المؤمنين فولولت فقال لها: ما شأنكِ يا اُم المؤمنين؟ والله ما أعرف بين لابيتها أحدًا أولى بها منه ولا أحق، ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته، فلم تكرهين ولايته؟ قال: فما ردّت عليه جواباً.

وقد روي من طرق مختلفة أنّ عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكّة، قالت: أبعده الله، ذلك بما قدّمت يداه، وما الله بظلاّم للعبيد.

وروى قيس بن أبي حازم: أنّه حجّ في العام الذي قتل فيه عثمان، وكان مع عائشة لمّا بلغها قتله، فتحمل إلى المدينة، قال: فسمعها تقول في بعض الطريق: أيه ذا الاصبع، وإذا ذكرت عثمان، قالت: أبعده الله، حتّى أتاها خبر بيعة علي، فقالت: لو دِدْت أنّ هذه وقعت على هذه، ثمّ أمرت بردّ ركابها إلى مكّة، فرددت معها، ورأيتُها في سيرها إلى مكّة تخاطب نفسها كانّها تخاطب أحداً: قتلوا ابن عفّان مظلوماً، فقلت لها: يا اُمّ المؤمنين، ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله، وقد رأيتكِ قبلُ أشدّ الناس عليه وأقبحهم فيه قولاً؟

فقالت: لقد كان ذلك، ولكنّي نظرت في امره، فرأيتهم استتابوه حتّى تركوه كالفضّة البيضاء أتوه صائماً محرماً في شهر حرام فقتلوه.

وروي من طريق آخر أنّها قالت لمّا بلغها قتله: أبعده الله، قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله، يا معشر قريش، لا يسومنّكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه، إنّ أحقّ الناس بهذا الامر ذو الاصبع، فلمّا جاءت الاخبار ببيعة علي: قالت تعسوا تعسوا، لا يردّون الامر في تيم أبداً.

كتب طلحة والزبير الى عائشة وهي بمكّة كتباً: ان خذّلي الناسَ عن بيعة علي، وأظهري الطلب بدم عثمان، وحملا الكتب مع ابن اختها عبد الله بن الزبير فلما قرأت الكتب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان، وكانت اُمّ سلمة (رض) بمكّة في ذلك العام، فلمّا رأت صنع عائشة قابلتها بنقيض ذلك، وأظهرت موالاة علي(عليه السلام) ونصرته، على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الضرّتين.

(6) قوله «لا دكان» صفة السيف، وهو من دكن الثوب: اتّسخ وأغبر لونه. ودثر السيف: أي ركبه الصداء.