مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

 

فهرس الكتاب



الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدّمه على علي(عليه السلام)

قال الشيخ المؤلّف في نفس المصدر ص461: حدّثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، قال: حدّثني أبي عن جدّه أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدّثني النُّهيكي، قال: حدّثنا أبو محمّد خلف بن سالم، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة، وتقدّمه على علي ابن أبي طالب(عليه السلام) اثني عشر رجلاً من المهاجرين والانصار.

وكان من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الاسود، واُبيّ بن كعب، وعمّار بن ياسر، وأبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الاسلمي. وكان من الانصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وسهل بن حنيف، وأبو أيّوب الانصاري، وأبو الهيثم بن التيّهان، وغيرهم.

فلمّا صعد المنبر ـ يعني أبا بكر ـ تشاوروا بينهم في أمره، فقال بعضهم: هلاّ نأتيه فننزله عن منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال آخرون: إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم، وقال الله عزّوجلّ: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)البقرة: 192 ولكن امضوا بنا إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام) نستشيره ونستطلع أمره، فأتوا عليّاً(عليه السلام) فقالوا: يا أمير المؤمنين ضيّعت نفسك، وتركت حقّاً أنت أولى به، وقد أردنا أن نأتي الرجل، فننزله عن منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ الحقّ حقّك وأنت أولى بالامر منه، فكرهنا أن ننزله بدون مشاورتك.

فقال لهم علي(عليه السلام): إن فعلتم ذلك ما كنتم إلا حرباً لهم، ولا كنتم إلا كالكحل في العين، أو كالملح في الزاد. وقد اتّفقت الاُمّة التاركة لقول نبيّها والكاذبة على ربّها، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي، فأبو إلا السكوت، لما تعلمون من وغر صدور القوم، وبغضهم لله عزّوجلّ ولاهل بيت نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم يطالبون بثارات الجاهليّة، والله لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدّين للحرب والقتال، كما فعلوا ذلك حتّى قهروني وغلبوني على نفسي، ولبّبوني وقالوا لي: بايع وإلا قتلناك، فلم أجد حيلة إلاّ أن أدفع القوم عن نفسي، وذاك أنّي ذكرت قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي إنّ القوم إذا نقضوا أمرك، واستبدّوا بها دونك، وعصوني فيك، فعليك بالصبر حتّى ينزل الامر، ألا وإنّهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك، وإنّ الاُمّة ستغدر بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل(عليه السلام) عن ربّي تبارك وتعالى»، ولكن ائتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيّكم، ولا تجعلوه في شبهة من أمره، ليكون ذلك أعظم للحجّة عليه، وأزيد وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربّه، وقد عصى نبيّه وخالف أمره.

قال: فانطلقوا حتّى حفّوا بمنبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم جمعة، فقال للمهاجرين: إنّ الله عزّوجلّ بدأبكم في القرآن، فقال: (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والانصار)التوبة: 117 فبدأبكم.

وكان أوّل من بدأ وقام خالد بن سعيد بن العاص، فقال: يا أبا بكر اتّق الله، فقد علمت ما تقدّم لعلي(عليه السلام) من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ألا تعلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لنا ونحن محتوشوه في يوم بني قريظة، وقد أقبل على رجال منّا ذوي قدر، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا معشر المهاجرين والانصار، اُوصيكم بوصيّة فاحفظوها، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه، ألا إنّ عليّاً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم، أوصاني بذلك ربّي، وإنّكم إن لم تحفظوا وصيّتي فيه وتُؤووه وتنصروه إختلفتم في أحكامكم، واضطرب عليكم أمر دينكم، وولي عليكم الامر شراركم، الا وإنّ أهل بيتي هم الوارثون أمري، القائلون بأمر اُمّتي، اللهمّ فمن حفظ فيهم وصيّتي فاحشره في زمرتي، واجعل له من مرافقتي نصيباً يدرك به فوز الاخرة، اللهمّ ومن أساء في خلافتي وأهل بيتي، فاحرمه الجنّة التي عرضها السماوات والارض.

فقال عمر بن الخطّاب: اسكت يا خالد، فلست من أهل المشورة، ولا ممّن يُرضى بقوله.

فقال خالد: اسكت يابن الخطّاب، فوالله إنّك لتعلم أنّك تنطق بغير لسانك، وتعتصم بغير أركانك، والله إن قريشاً لتعلم أنّي أعلاها حسباً، وأقواها أدباً، وأجملها ذكراً، وأقلّها غنىً من الله ورسوله; وأنك ألاّمها حسباً، وأقلّها عدداً، وأخملها ذكراً، وأقلها من الله عزّوجلّ ومن رسوله، وأنّك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر، قال: فأسكته خالد، فجلس.

ثمّ قام أبو ذرّ رحمة الله عليه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أمّا بعد، يا معشر المهاجرين والانصار، لقد علمتم وعلم خياركم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الامر لعلي(عليه السلام) بعدي، ثم للحسن والحسين(عليهما السلام)، ثمّ في أهل بيتي من ولد الحسين، فاطّرحتم قول نبيّكم، وتناسيتم ما أوعز إليكم، واتّبعتم الدنيا، وتركتم نعيم الاخرة، الباقية التي لا يُهدّم بنيانها، ولا يزول نعيمها، ولا يحزن أهلها، ولا يموت سكّانها، وكذلك الاُمم التي كفرت بعد أنبيائها، بدّلت وغيّرت، فحاذيتموها حذوة القذّة بالقذّة، والنعل بالنعل، فعمّا قليل تذوقون وبال أمركم، وما الله بظلاّم للعبيد.

قال: ثمّ قام سلمان الفارسي(رحمه الله)، فقال: يا أبا بكر إلى من تستند في أمرك إذا نزل بك القضاء، وإلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلم، وفي القوم من هو أعلم منك، وأكثر في الخير أعلاماً ومناقب منك، وأقرب من رسول الله قرابة وقدمة في حياته، قد أوعز إليكم فتركتم قوله، وتناسيتم وصيّته، فعمّا قليل يصفو لكم الامر حين تزورون القبور، وقد أثقلت ظهرك من الاوزار لو حُملت إلى قبرك لقدِمت على ما قدّمت، فلو رجعت إلى الحق، وأنصفت أهله، لكان ذلك نجاة لك يوم تحتاج إلى عملك، وتُفرد في حفرتك بذنوبك عمّا أنت له فاعل، وقد سمعت كما سمعنا، ورأيت كما رأينا، فلم يروعك ذلك عمّا أنت له فاعل، فالله الله في نفسك، فقد أعذر من أنذر.

ثمّ قام المقداد بن الاسود رحمة الله عليه، فقال: يا أبا بكر اربع(8) على نفسك، وقس شبرك بفترك، والزم بيتك، وابكِ على خطيئتك، فإنّ ذلك أسلم لك في حياتك ومماتك، وردّ هذا الامر إلى حيث جعله الله عزّوجل ورسوله، ولا تركن إلى الدنيا، ولا يغرنّك من قد ترى من أوغادها(9)، فعمّا قليل تضمحلّ عنك دنياك، ثمّ تصير إلى ربّك فيجزيك بعملك، وقد علمت أنّ هذا الامر لعلي(عليه السلام) وهو صاحبه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد نصحتك إن قبلت نصحي.

ثمّ قام بريدة الاسلمي، فقال: يا أبا بكر نسيت أم تناسيت، أم خادَعَتك نفسك، أما تذكر إذ أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسَلّمنا على علي(عليه السلام) بإمرة المؤمنين، ونبيّنا بين أظهرنا، فاتّق الله ربّك، وأدرك نفسك قبل أن لا تدركها، وأنقذها من هلكتها، ودع هذا الامر، ووكله إلى من هو أحقّ به منك، ولا تماد في غيّك، وارجع وأنت تستطيع الرجوع، فقد نصحتك نصحي، وبذلت لك ما عندي. فإن قبلت وُفّقت ورُشدت.

ثمّ قام عبد الله بن مسعود، فقال: يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أنّ أهل بيت نبيّكم أقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منكم، وإن كنتم إنّما تدّعون هذا الامر بقرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقولون: إن السابقة لنا، فأهل بيت نبيّكم أقرب إلى رسول الله منكم، وأقدم سابقة منكم، وعلي بن أبي طالب(عليه السلام) صاحب هذا الامر بعد نبيّكم، فأعطوه ما جعله الله له، ولا ترتدّوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.

ثمّ قام عمّار بن ياسر، فقال: يا ابا بكر لا تجعل لنفسك حقّاً جعله الله عزّوجلّ لغيرك، ولا تكن أوّل من عصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخالفه في أهل بيته، واردد الحقّ إلى أهله، تخفّ ظهرك، وتقِل وزرك، وتلقى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنك راض، ثمّ تصير إلى الرحمن، فيحاسبك ويسألك عمّا فعلت.

ثمّ قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فقال: يا أبا بكر ألست تعلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قال: نعم، قال: فأشهَد بالله أنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «أهل بيتي يفرّقون بين الحقّ والباطل، وهم الائمّة الذين يقتدى بهم».

ثمّ قام أبو الهيثم بن التيّهان، فقال: يا أبا بكر أنا أشهد على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنـّه أقام عليّاً، فقالت الانصار: ما أقامه إلاّ للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلاّ ليُعلم الناس أنـّه وليّ من كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مولاه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أهل بيتي نجوم أهل الارض، فقدّموهم ولا تَقدَّموهم».

ثمّ قام سهل بن حنيف، فقال: أشهد أنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال على المنبر: «إمامكم من بعدي علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو أنصح الناس لاُمّتي».

ثمّ قام أبو أيّوب الانصاري، فقال: اتّقوا الله في أهل بيت نبيّكم، وردّوا هذا الامر إليهم، فقد سمعتم كما سمعنا، في مقام بعد مقام من نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهم أولى منكم، ثمّ جلس.

ثمّ قام زيد بن وهب، فتكلّم، وقام جماعة من بعده، فتكلّموا بنحو هذا، فأخبر الثقة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيّام، فلمّا كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطّاب، وطلحة، والزبير، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرّاح، مع كل واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم، شاهرين السيوف، فأخرجوه من منزله وعلا المنبر، وقال قائل منهم: والله لئن عاد منكم أحد فتكلّم مثل الذي تكلّم به، لنملانّ أسيافنا منه، فجلسوا في منازلهم ولم يتكلّم أحد بعد ذلك.

 

نظرة في مضمون الرواية

إنّ ممّا لا يختلج فيه أدنى شكّ وأقلّ ريب في قلب من لفت نظره شطر الرواية، وتجسّس خلالها وتدبّر مفادها ومغزاها، أن يبدو له جليّاً لا غبار عليه، أنّ المنكرين على أبي بكر في تسنّمه عرش الخلافة لم يريدوا إلاّ الاصلاح والنصح، كما أمرهم وأوصاهم بذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)، وإظهار كلمة الحقّ أمام من زاغت أبصارهم عمّا كانوا يعلمونه من الحقّ من قبل، فما بال اُولئك القوم استبدّوا بأمرهم، ولم يلقوا السمع الى نصحهم، أو يولوه شيئاً من اهتمامهم، كأنّ في أبصارهم غشاوة وفي آذانهم وقراً.

فأنا لا أدري ما الذي حملهم على ذلك، فلعل القارىء يدري، أفكان ذلك مصداق قوله عزّوجلّ (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)آل عمران: 144 والله أعلم.

ومن العجب العجاب أنّهم أنفذوا حكماً بعيداً عن مدارك الافهام وبديهة العقل، غريباً عن نصوص الشريعة والدين، ومضادّاً لسنّة سيّد المرسلين، فإنّهم لمّا لم يجدوا فيما لديهم حجّة يحتجّون بها ويردون بها على المنكرين، اتّخذوا السيوف جواباً لمن تكلّم من الرعيّة في هذا النبأ العظيم.

ولكن، لئن استطاعوا أن يعقدوا ألسِنَة الناطقين بما لعلي(عليه السلام) من الفضائل والمزايا وجلائل المناقب، فسوف لن يكون في وسعهم أن يمحوا ما نطقت به الكتب والدفاتر، أو وردت فيه الاخبار المنقولة بالتواتر.

فهلمّ معنا أيّها القارىء الكريم إلى ما سجله فخر الاُمّة في عصره، ووحيد دهره، مرجع الافاخر، وتاج المفاخر الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي الملقّب بالشيخ المفيد، في كتابه الذي أسماه بـ«الاختصاص» ص144 نقلاً عن كتاب ابن دأب.

 

الفضـائل السبعين

التي تفرّد بها علي(عليه السلام) وليس لاحد فيها نصيب

بسم الله الرحمن الرحيم

قال: حدّثنا عبد الله(رحمه الله)، قال: حدّثنا أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان، قال: روى لنا أبو الحسين محمّد بن علي بن الفضل بن عامر الكوفي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الفرزدق الفزاري البزّاز قراءة عليه. قال: حدّثنا أبو عيسى محمّد بن علي بن عمرويه الطحّان وهو الورّاق. قال: حدّثنا أبو محمّد الحسن بن موسى قال: حدّثنا علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحاب ابن دأب، قال:

لقيت الناس يتحدّثون أنّ العرب كانت تقول: إن يبعث الله فينا نبيّاً يكون في بعض أصحابه سبعون خصلة من مكارم الدنيا والاخرة، فنظروا وفتّشوا، هل يجتمع عشر خصال في واحد فضلاً عن سبعين، فلم يجدوا خصالاً مجتمعة للدين والدنيا، ووجدوا عشر خصال مجتمعة في الدنيا، وليس في الدين منها شيء، ووجدوا زهير بن حباب الكلبيّ ووجدوه شاعراً، طبيباً، فارساً، منجماً، شريفاً، أيّداً ـ يعني قويّاً ـ كاهناً، قائفاً، زاجراً، وذكروا أنـّه عاش ثلاثمئة سنة، وأبلى أربعة لحم.

قال ابن دأب: ثمّ نظروا وفتّشوا في العرب، وكان الناظر في ذلك أهل النظر، فلم يجتمع في أحد خصال مجموعة للدين والدنيا بالاضطرار على ما أحبّوا وكرهوا، إلا في علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فحسدوه عليها حسداً أنغل القلوب، وأحبط الاعمال، وكان أحقّ الناس وأولاهم بذلك، إذ هدم الله عزّوجلّ به بيوت المشركين، ونصر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، واعتزّ به الدين في قتل من قتل من المشركين في مغازى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال ابن دأب: فقلنا لهم: وما هذه الخصال؟

قالوا: المواساة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذل نفسه دونه، والحفيظة، ودفع الضيم عنه، والتصديق للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالوعد، والزهد، وترك الامل، والحياء، والكرم، والبلاغة في الخطب، والرئاسة، والحلم، والعلم، والقضاء بالفصل، والشجاعة، وترك المرح عند الظفر، وترك إظهار المرح، وترك الخديعة والمكر والغدر، وترك المثلة وهو قادر عليها، والرغبة الخالصة إلى الله، وإطعام الطعام على حبّه، وهوان ما ظفر 6به من الدنيا عليه، وتركه أن يفضل نفسه وولده على أحد من رعيّته، وطعامه أدنى ما تأكل الرعيّة، ولباسه أدنى ما يلبس أحد من المسلمين.

وقسمه بالسويّه، وعدله في الرعيّة، والصرامة في حربه وقد خذله الناس، وكان في خذل الناس، وذهابهم عنه بمنزلة اجتماعهم عليه، طاعة لله وانتهاءً إلى امره، والحفظ وهو الذي تسمّيه العرب العقل حتّى سمّي اُذناً واعية، والسماحة، وبثّ الحكمة، واستخراج الكلمة، والابلاغ في الموعظة، وحاجة الناس إليه إذا حضر حتّى لا يؤخذ إلاّ بقوله، وانغلاق كُلّ ما في الارض على الناس حتّى يستخرجه، والدفع عن المظلوم، وإغاثة الملهوف، والمروءة، وعفّة البطن والفرج، وإصلاح المال بيده ليستغني به عن مال غيره، وترك الوهن، والاستكانة، وترك الشكاية في موضع الم الجراحة.

وكتمان ما وجد في جسده من الجراحات من قرنه إلى قدمه، وكانت ألف جراحة في سبيل الله، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود ولو على نفسه، وترك الكتمان فيما لله فيه الرضا على ولده، وإقرار الناس بما نزل به القرآن من فضائله، وما يحدّث الناس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من مناقبه، واجتماعهم على أنـّه لم يَرُدّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلمة قطّ، ولم ترتعد فرائصه في موضع بعثه فيه قطّ، وشهادة الذين كانوا في أيـّامه أنـّه وفّر فيئهم، وظلف نفسه عن دنياهم، ولم يرتش في أحكامهم، وزكاء القلب، وقوّة الصدر عندما حكمت الخوارج عليه، وهرب كلّ من كان معه في المسجد وبقي على المنبر وحده، وما يحدّث الناس أنّ الطير بكت عليه.

وما روي عن ابن شهاب الزهري أنّ حجارة أرض بيت المقدس قلبت عند قتله، فوُجد تحتها دم عبيط، والامر العظيم الذي تكلّمت به الرهبان وقالوا فيه، ودعاؤه الناس إلى أن يسألوه عن كلّ فتنة تضلّ مئة أو تهدي مئة، وما روى الناس من عجائبه في إخباره عن الخوارج وقتلهم وتركه مع هذا أن يظهر منه استطالة أو صَلَف، بل الغالب عليه إذا كان ذلك غلب البكاء عليه، والاستكانه لله، حتى يقول له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما هذا البكاء يا علي؟ فيقول: أبكي لرضاء رسول الله عنّي، قال: فيقول له رسول له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله وملائكته ورسوله عنك راضون.

وذهاب البرد عنه في أيّام البرد، وذهاب الحرّ عنه في أيّام الحرّ، فكان لا يجد حرّاً ولا برداً، والتأييد بضرب السيف في سبيل الله، والجمال، قال: أشرف يوماً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: ما ظننت إلاّ أنـّه أشرف عليّ القمر ليلة البدر، ومباينته للناس في إحكام خَلْقه، قال: وكان له سنام كسنام الثور بعيد بين المنكبين، وانّ ساعديه لا يستبينان من عضديه من ادماجهما من إحكام خلقه، لم ياخذ بيده أحد إلا حبس نَفَسَه، فان زاد قليلاً قتله.

 

مـواسـاته(عليه السلام)

قال ابن دأب: فقلنا: أيّ شيء معنى أوّل خصاله المواساة؟ قالوا: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: إنّ قريشاً قد أجمعوا على قتلي فنم على فراشي، فقال: بأبي أنت واُمّي، السمع والطاعة لله ولرسوله، فنام على فراشه، ومضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لوجهه، وأصبح علي وقريش يحرسه، فأخذوه فقالوا: أنت الذي غدرتنا منذ الليلة، فقطع له قضبان الشجر، فضرب حتّى كادوا يأتون على نفسه، ثمّ أفلَتَ من أيديهم، وأرسل إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في الغار، أن اكتَرِ ثلاثة أباعر: واحداً لي، وواحداً لابي بكر، وواحداً للدليل، واحمل أنت بناتي إلى أن تلحق بي، ففعل.

 

حفيظته(عليه السلام) وكرمه

قال: فما الحفيظة والكرم؟ قالوا: مشى على رجليه، وحمل بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الظهر، وكمن النهار وسار بهِنّ الليل ماشياً على رجليه، فقدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تعلقت قدماه دماً ومدة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هل تدري ما نزل فيك؟ فأعلمه بما لا عوض له لو بقي في الدنيا ما كانت الدنيا باقية، قال: يا علي نزل فيك (فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا اُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو اُنثى)آل عمران: 194 فالذكر أنت ، والاُناث بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الله تبارك وتعالى: (فالذين هاجروا واُخرجوا من ديارهم واُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاُكفّرنّ عنهم سيئاتهم ولاُدخلنهم جنّات تجري من تحتها الانهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب)آل عمران: 195.

 

دفعه(عليه السلام) الضيم

قال: فما دفْع الضيم؟ قالوا: حيث حصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الشعب، حتى أنفق أبو طالب ماله، ومنعه في بضع عشرة قبيلة من قريش، وقال أبو طالب في ذلك لعلي(عليه السلام) وهو مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في اموره وخدمته وموازرته ومحاماته.

 

تصديقه(عليه السلام) بالوعد

قال: فما التصديق بالوعد؟ قالوا: قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره بالثواب والذخر، وجزيل المآب لمن جاهد محسناً بما له ونفسه ونيّته، فلم يتعجّل شيئاً من ثواب الدنيا عوضاً من ثواب الاخرة، ولم يفضل نفسه على أحد للذي كان عنده، وترك ثوابه ليأخذه مجتمعاً كاملاً يوم القيامة، وعاهد الله أن لا ينال من الدنيا إلاّ بقدر البلغة، ولا يَفضُل له شيء ممّا أتعبَ فيه بدنه، ورشح فيه جبينه، إلاّ قدّمه قبله، فأنزل الله (وما تقدّموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله)البقرة: 110.

 

زهده في الدنيا

قال: فقيل لهم: فما الزهد في الدنيا؟ قالوا: لبس الكرابيس، وقطع ما جاوز من أنامله، وقصر طول كمّه، وضيّق أسفله، كان طول الكمّ ثلاثة أشبار، وأسفله اثنا عشر شبراً، وطول البدن ستّة أشبار(10).

 

تركه(عليه السلام) الامل

قال: قلنا: فما ترك الامل؟ قالوا: قيل له: هذا قد قطعت ما خلف أناملك، فما لك لا تلفّ كمّك؟ قال: الامر أسرع من ذلك، فاجتمعت إليه بنو هاشم قاطبة وسألوه وطلبوا إليه لما وهب لهم لباسه، ولبس لباس الناس، وانتقل عمّا هو عليه من ذلك، فكان جوابه لهم البكاء والشهيق، قال: بأبي واُمّي من لم يشبع من خبز البرّ حتّى لقي الله، وقال لهم: هذا لباس هدىً، يقنع به الفقير، ويستر به المؤمن.

 

حياؤه(عليه السلام)

قال: فما الحياء؟ قالوا: لم يهجم على أحد قطّ أراد قتله، فأبدى عورته إلاّ انكفأ عنه حياءً منه.

 

كرمه(عليه السلام)

قال: فما الكرم؟ قالوا: قال له سعد بن معاذ وكان نازلاً عليه في العزّاب في أوّل الهجره: ما منعك أن تخطب إلى رسول الله ابنته؟ فقال(عليه السلام): أنا أجترئ أن أخطب إلى رسول الله؟ والله لو كانت أمة له ما اجترأت عليه.

فحكى سعد مقالته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قل له يفعل فإنّي سأفعل، قال: فبكى حيث قال له سعد، قال: ثمّ قال(عليه السلام): لقد سعدت إذن أن جمع الله لي صهره مع قرابته.

فالذي يعرف من الكرم هو: الوضع لنفسه، وترك الشرف على غيره، وشرف أبي طالب ما قد علمه الناس، وهو ابن عمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لابيه واُمّه، أبوه أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، التي خاطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في لحدها، وكفّنها في قميصه، ولفّها في ردائه، وضمن لها على الله أن لا تبلى أكفانها، وأن لا تبدي لها عورة، وأن لا يسلّط عليها ملكي القبر، وأثنى عليها عند موتها، وذكر حسن صنيعها به وتربيتها له، وهو عند عمّه أبي طالب، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ما نفعني نفعها أحد.

 

بلاغته(عليه السلام)

قالوا: مال الناس إليه حيث نزل من المنبر، فقالوا: ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحداً قطّ أبلغ منك ولا أفصح، فتبسّم، وقال: وما يمنعني؟ وأنا مولدي بمكة. ولم يزدهم على هاتين الكلمتين.

 

خطبـه(عليه السلام)

فهل سمع السامعون من الاوّلين والاخرين بمثل خطبه وكلامه؟ وزعم أهل الدواوين لولا كلام علي بن أبي طالب وخطبه وبلاغته في منطقه ما أحسن أحد أن يكتب إلى أمير جند ولا إلى رعيته.

 

رئاسته(عليه السلام) وحلمه

فجميع من قاتله ونابذه على الجهالة والعمى والضلالة، قالوا: نطلب دم عثمان، ولم يكن في أنفسهم، ولا قدروا من قلوبهم أن يدعوا رئاسته معه، وقال هو: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله بالعمل بما أقررتم لله ورسوله من فرض الطاعة، وإجابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الاقرار بالكتاب والسنّة. ثم الحلم، قالت له صفية بنت عبدالله بن خلف الخزاعي: ايم الله نساءك منك كما ايمت نساءنا وايتم الله بنيك منك كما ايتمت ابناءنا من آبائِهم فوثب الناس عليها فقال: كفوا عن المرأة فكفوا عنها فقالت لاهلها: ويلكم الذين قالوا هذا سمعوا كلامه قط عجباً من حلمه عنها.

 

علمه(عليه السلام) ومشورته وقضاؤه وشجاعته

وكم من قول قد قاله عمر: لو لا عليّ لهلك عمر. ثم المشورة في كل أمر جرى بينهم حتى يجيبهم بالمخرج. ثم القضاء لم يقدم عليه أحد قط فقال له: عد غداً أو دفعه، إنما يفصل القضاء مكانه ثم لو جاءه بعد لم يكن إلاّ ما بدر منه أولاً.

ثم الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الاوّلون ولم يدركه الاخرون، من النجدة والبأس ومباركة الاخماس على أمر لم يُرَ مثله، ولم يولّ دبراً قطّ، ولم يبرز إليه أحد قطّ إلاّ قتله، ولم يكع ـ أي: يضعف ويجبن ـ عن أحد قطّ دعاه إلى مبارزته، ولم يضرب أحداً قطّ في الطول إلاّ قدَّه، ولم يضربه في العرض إلاّ قطعه بنصفين، وذكروا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حمله على فرس، فقال: بأبي أنت واُمّي مالي وللخيل، أنا لا أتبع أحداً، ولا أفرّ من أحد، وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلاّ للذي أرتدي له.

ثم ترك الفرح وترك المرح، أتت البشرى إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تترى بقتل مَن قتل يوم اُحد من أصحاب الالوية، فلم يفرح ولم يختل، وقد اختال أبو دجانة، ومشي بين الصفّين مختالاً، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّها لمشيّة يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع.

ثمّ لمّا صنع بخيبر ما صنع من قتل مرحب، وفرار مَن فرّبها، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لاُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار، فإخباره أنـّه ليس بفرّار، معرضاً عن القوم الذين فرّوا قبله، فافتتحها وقتل مرحباً وحمل بابها وحده، فلم يطقه دون أربعين رجلاً، فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فنهض مسروراً، فلمّا بلغه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقبل اليه، إنكفا إليه ـ أي: مال إليه ـ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بلغني بلاؤك فأنا عنك راض، فبكى علي(عليه السلام) عند ذلك، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أمسك. ما يبكيك؟ فقال: ومالي لا أبكي ورسول الله عنّي راض، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله وملائكته ورسوله عنك راضون. وقال له(صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا أن يقول فيك الطوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملاً من المسلمين قلّوا أو كثروا إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك، يطلبون بذلك البركة.

 

تركه(عليه السلام) الخديعة والمكر والغدر

إجتمع الناس عليه جميعاً، فقالوا له: اُكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثمّ اعزله، فقال(عليه السلام): المكر والخديعة والغدر في النار. يعنون بالمخالف: معاوية بن أبي سفيان.

 

تركه(عليه السلام) المثـلة

قال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام): يا بنّي اُقتل قاتلي، وإيّاك والمثلة، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كرهها ولو بالكلب العقور.

 

رغبته(عليه السلام) بالقربة إلى الله بالصدقة

قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي ما عملت في ليلتك؟ قال(عليه السلام): ولم يا رسول الله؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت فيك أربعة معال، قال(عليه السلام): بابي أنت وامّي، كانت معي أربعة دراهم، فتصدّقت بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية. قال(صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّ الله أنزل فيك (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)البقرة: 273 ثمّ قال له: فهل عملت شيئاً غير هذا؟ فإنّ الله قد أنزل عليّ سبعة عشر آية يتل2و بعضها بعضاً من قوله:

(إنّ الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً) الى قوله (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا) وقوله (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً واسيراً)الانسان: 4 ـ 21 قال فقال العالم: أما إن عليّاً لم يقل في موضع (انّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) ولكنّ الله علم من قلبه أنّ ما أطعم الله، فأخبره بما يعلم من قلبه، من غير أن ينطق به.

ثم هو ان ما ظفر به من الدنيا عليه أنه  جمع الاموال، ثمّ دخل إليها، فقال:

هذا جناي وخياره فيه     إذ كلّ جان يده إلى فيه

ابيضّي واصفّري، وغرّي غيري، أهل الشام غداً إذا ظهروا عليك، وقال(عليه السلام): أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة. اليعسوب: الرئيس الكبير.

ثم ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام. دخلت عليه اُخته اُمّ هاني بنت أبي طالب، فدفع إليها عشرين درهماً، فسألت اُمّ هاني مولاتها العجميّة فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين؟ فقالت: عشرين درهماً، فانصرفت مسخطة، فقال لها: انصرفي رحمك الله، ما وجدنا في كتاب الله فضلاً لاسماعيل على إسحاق.

وبعث إليه من خراسان بنات كسرى، فقال لهنّ: اُزوّجكنّ؟ فقلن له: لا حاجة لنا في التزويج فإنّه لا أكفاء لنا إلاّ بنوك، فإن زوّجتنا منهم رضينا، فكره أن يؤثر ولده بما لا يعمّ به المسلمين.

وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها، فقالت له ابنته اُمّ كلثوم: يا أمير المؤمنين، أتجمَّل به؟ ويكون في عنقي، فقال(عليه السلام): يا أبا رافع، أدخِله إلى بيت المال، ليس إلى ذلك سبيل، حتّى لا تبقى امراة من المسلمين إلاّ ولها مثل ذلك.

 

لباسه(عليه السلام)

استعدى زياد بن شدّاد الحارثي صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على أخيه عبيد الله بن شدّاد، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب أخي في العبادة، وامتنع أن يساكنني في داري، ولبس أدنى ما يكون من اللباس، قال: يا أمير المؤمنين، تزيّنت بزينتك، ولبست لباسك. قال(عليه السلام): ليس لك ذلك، إنّ إمام المسلمين إذا ولي اُمورهم لبس لباس أدنى فقيرهم، لئلا يتبيّغ بالفقير فقره فيقتله، فلا علمنّ ما لبست إلاّ من أحسن زيّ قومك، (وأما بنعمة ربك فحدّث) فالعمل بالنعمة أحبّ إليّ من الحديث بها.

 

قسمه(عليه السلام) بالسويّة وعدله في الرعيّة

ولّى(عليه السلام) بيت مال المدينة عمّار بن ياسر وأبا الهيثم بن التيّهان، فكتب: العربيّ والقرشيّ والانصاري والعجميّ وكلّ من كان في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم سواء، فأتاه سهل بن حنيف بمولىً له أسود، فقال: كم تعطي هذا؟ فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): كم أخذت أنت؟ قال: ثلاثة دنانير، وكذلك أخذ الناس، قال: فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير.

فلمّا عرف الناس أنـّه لا فضل لبعضهم على بعض إلاّ بالتقوى عند الله، أتى طلحة والزبير عمّار بن ياسر وأبا الهيثم ابن التيّهان، فقالا: يا ابا اليقظان إستاذن لنا على صاحبك، قال: وعلى صاحبي إذن، قد أخذ بيد أجيره وأخذ مكتله ومسحاته، وذهب يعمل في نخلة في بئر الملك، وكانت بئر ينبع سمّيت بئر الملك، فاستخرجها علي بن أبي طالب(عليه السلام) وغرس عليها النخل، فهذا من عدله في الرعيّة وقسمه بالسويّة.

 

طعامه(عليه السلام)

قال ابن دأب: قلنا فما أدنى طعام الرعيّة؟ فقال: يحدّث الناس أنـّه كان يطعم الخبز واللحم، ويأكل الشعير والزيت، ويختم طعامه مخافة أن يزاد فيه. وسمع مقلىً في بيته، فنهض وهو يقول: في ذمّة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر، قال: ففزع عياله، وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزوراً في حيّها، فاخذ لها نصيب منها فأهدى أهلها إليها. قال: فكلوا هنيئاً مريئاً.

قال فيقال: إنّه لم يشتك ألماً إلاّ شكوى الموت، وإنّما خاف أن يكون هديّة من بعض الرعيّة، وقبول الهديّة لوالي المسلمين خيانة للمسلمين.

 

صرامته(عليه السلام)

قال قيل: فالصرامة؟ قال انصرف(عليه السلام) من حربه فعسكر في النخيلة، وانصرف الناس إلى منازلهم واستأذنوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، كلّت سيوفنا، ونصلت أسنّة رماحنا، فأذن لنا ننصرف فنعيد بأحسن من عدّتنا، وأقام هو بالنخيلة، وقال: إنّ صاحب الحرب الارق الذي لا يتوجّد من سهر ليله وظمأ نهاره، ولا فقد نسائه وأولاده، فلا الذي انصرف فعاد فرجع إليه، ولا الذي أقام فثبت معه في عسكره أقام.

فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة، فصعد المنبر، فقال: لله أنتم! ما أنتم إلاّ أسد الشرى في الدعة، وثعالب روّاغة، ما أنتم بركن يصال به، ولا زوافر عز يفتقر إليها، أيّها المجتمعة أبدانهم، والمختلِفة أهواؤهم، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، مع أيّ إمام بعدي تقاتلون، وأيّ دار بعد داركم تمنعون، فكان في آخر حربه أشد أسفاً وغيظاً، وقد خذله الناس.

 

حفظـه(عليه السلام)

قال: فما الحفظ؟ قال: هو الذي تسمّيه العرب العقل، لم يخبره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء قطّ الا حفظه، ولا نزل عليه شيء قطّ إلاّ وعى به، ولا نزل من أعاجيب السماء شيء قطّ إلى الارض إلاّ سأل عنه، حتّى نزل فيه (وتعيها اُذن واعية)الحاقة: 11 واتى يوماً باب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وملائكته يسلّمون عليه وهو واقف حتّى فرغوا، ثمّ دخل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا رسول الله سلَّم عليك أربعمئة ملك ونيف، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): وما يدريك؟ قال: حفظت لغاتهم، فلم يسلِّم عليك ملك إلاّ بلغة غير لغة صاحبه.

 

فصـاحته(عليه السلام)

وثب الناس إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما سمعنا أحداً قطّ أفصح منك ولا أعرب كلاماً منك، قال(عليه السلام): وما يمنعني وأنا مولدي بمكّة.

 

حكمته(عليه السلام)

ثمّ الحكمة واستخراج الكلمة بالفطنة التي لم يسمعوها من أحد قطّ بالبلاغة في الموعظة، فكان ممّا حفظ من حكمته وصف رجلاً أن قال: ينهى ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي، ويبتغي الازدياد فيما بقي، ويضيع ما اُوتي، يحبّ الصالحين، ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يبادر من الدنيا ما يفنى، ويذر من الاخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه، ولا يترك الذنوب لحياته.

 

غناه(عليه السلام)

ثمّ حاجة الناس إليه وغناه عنهم، أنـّه لم ينزل بالناس ظلماء عمياء كان لها موضعاً غيره، مثل مجيء اليهود يسألونه ويتعنّتونه، ويخبر بما في التوراة وما يجدون عندهم، فكم من يهوديّ قد أسلم، وكان سبب إسلامه هو.

سيأتي ما ورد في ذلك.

(8) اربع على نفسك: أي توقّف واقتصر على حدّك. وقس شبرك بفترك: أي: لا تتجاوز الحدّ والفتر: ما بين الابهام والسّبابه.
(9) الوغد: الضعيف العقل، الاحمق، الدنيء.
(10) وفي الكافي للكليني: عن زرارة قال: رأيت قميص(عليه السلام) الذي قتل فيه عند أبي جعفر(عليه السلام)، فإذا اسفله اثنا عشر شبراً وبدنه ثلاثة أشبار.